إغراءات الهجرة وعذاباتها.. في رواية مغربية

الكاتب حسن المددي يتناولها فنياً في رواية «ليال بلا جدران»

إغراءات الهجرة وعذاباتها.. في رواية مغربية
TT

إغراءات الهجرة وعذاباتها.. في رواية مغربية

إغراءات الهجرة وعذاباتها.. في رواية مغربية

لقد استطاع الكاتب المغربي حسن المددي أن يكتب رواية مختلفة تماما عن كل ما كتِب حول الهجرة، مغربيا وعربيا، من حيث تناول موضوع هجرة اليد العاملة المغربية في المرحلة التي انطلقت رسميا بموجب اتفاقية بين الدولة المغربية وفرنسا في منتصف 1963، وامتدت عملياتها المتواترة إلى حدود نهاية السبعينات، لتتابع تأثيراتها إلى اليوم. واستطاع أن يسجل فنيا هذه الظاهرة وانعكاساتها اجتماعيا واقتصاديا على التجمعات الريفية المهمشة والمنسية وهي تعيش في زواياها المعتمة في عالم يسوده الفقر والفاقة والقهر والحرمان، وكيف انتقل هؤلاء المنسيون إلى أحد عوالم الوفرة، ليبدأ صراع الهوية والانتماء، وليتسرب المال المنقول من المهجر لكي يلوث القيم التي تعودها الناس في قراهم الوديعة الصامتة الصابرة بين أحضان الجبال، وقد تصدت الرواية للعلاقات الاجتماعية التي تتصدع وتنهار تحت قسوة الحاجة. إنه امتحان عسير لبقاء واستمرار براءة العيش في البادية، فإما الحفاظ على الهوية والعلاقات الحياتية وإما التفريط فيها، سواء من قبل الشباب الذين هاجروا، أو من قبل العيون الدامعة التي أدمنت انتظارهم؛ إما لسد الحاجات العاطفية، وإما لتوفير المتطلبات المادية.
لقد جاءت الرواية زاخرة بالحياة، تتحرك بديناميكية عالية وهي تحتضن فعلها الروائي المتشابك والمتحرك باتجاه مضامين فكرية ومعرفية متوازنة. استطاع أن يتحفنا بهذا العمل الروائي الجميل، حيث يسهب في بنائه المعماري لحاضنة الحدث الروائي (أيت همّان) ويثقلها بعناصرها البشرية، التي ستصبح هي المحرك لزمن يمتد بشكل تلقائي في تلك القرية المغروسة في منطقة أمازيغية على حدود أقدام جبال الأطلس الشامخة، كأنها تنشب أظفار الحاجة متشبثة بقوة بتلك السفوح المتطاولة.. قرية مغموسة في شح كل ما يحيط بها من طبيعة شاسعة، حيث تتعايش بزهد وقناعة مع مفردات الحياة اليومية، قرية استطاعت أن تنجب الأبناء الذين زحفوا يبحثون عما يملأ أفواههم وأحلامهم. إبراهيم الخضار الذي كان ينزف ألما على واقعه باستماتة في سبيل تغييره. ولكنه ما إن تحين فرصة العمل في المهجر الفرنسي حتى تخلى عن نفسه وعن مسؤولياته، حينما انبهر بالعوالم الجديدة التي وجد نفسه منغمسا مع بهجتها الآنية، التي أنسته مغزى هجرته وعلة وجوده، فينساق وراء رغبات الجسد، محاولا أن ينهل من متاهة ما يحيط به، فينغمس حتى الثمالة في البارات والملاهي الليلية، ثم يعشق جاكلين، النادلة الفرنسية ذات الأصول الجزائرية من ناحية الأم، وبسببها يغرق في ملذات لا تنتهي، وينسى زوجته وإعالة أطفاله، ويتزوج بجاكي.. وبسبب غيرته عليها يتشاجر مع شاب صربي من رواد الحانة تحرش بها، ويسفر العراك عن موت الشاب، وضياع إبراهيم في متاهات السجن بعد أن تحكم عليه المحكمة الفرنسية بعشرين سنة، ليختفي من المشهد العام للفعل الروائي وتبقى تأثيراته. أما الشخصية الرئيسة الثانية، فهي شخصية مبارك البياض وهو رفيق طفولة إبراهيم الخضار ورفيق هجرته. ومع أن مبارك كان ذا بناء إيجابي، إلا أن الهجرة صدعت هذا البناء وكشفت شقوقه الخفية، فبدا متعجرفا أنانيا جشعا. كان يمثل الجانب السلبي من المهاجرين الذين ينسلخون من قيم القرية ومثلها وما تعودته. فحينما عاد في أول إجازة من السفر بمعية بعض من أبناء القرية، تزوج فتاة من قرية أخرى بغير رغبتها، وحين عجز عن أداء واجباته الزوجية، تحول إلى وحش كاسر للتنكيل بزوجته وتعذيبها وممارسة العنف اليومي عليها. كما أنه تحول إلى شخص متسلط ومتجبر، متناسيا ماضيه.. لقد مارس كل أنواع الاضطهاد ضد أهل القرية حتى وصل به الأمر لأن يخدع زوجة صديقه إبراهيم، فيحتال عليها للاستيلاء على أراضيها الزراعية بعقود بيع مزورة. ولكن مبارك فشل في كل حياته، وتحول إلى حطام بشري، بعد إصابته بمرض التحجر الرئوي الذي ورثه عن العمل في منجم الفحم حين كان يملأ صدره بالسخام الأسود كل يوم.. هذان هما الشخصيتان الرئيسيتان في الرواية اللذان يشكلان بنيتها المعمارية. وهناك أشخاص ثانويون مثل الحسين، وهو مهاجر استطاع أن يتغلب على ظروف الهجرة، بعدما استطاع محو أميته وانخراطه في الدروس الليلة الحرة، ثم ليتابع دراسته بعد ذلك حتى أصبح أستاذا جامعيا. وهناك أم العيد زوجة إبراهيم الخضار التي ناضلت شظف الحياة في سبيل أطفالها، وخدوج زوجة مبارك المضطهدة، وأحمد المعلم الذي كان يعمل في مدرسة القرية، والفقيه المحتال الفاسد... وغيرهم. كل هؤلاء يكوّنون البناء المعماري للرواية من خلال مساهماتهم في صنع الأحداث.
من الأمور التي أكدتها الرواية، هذه المعادلة الرياضية: حاجة فرنسا إلى يد عاملة رخيصة، يوازيها فائض في اليد العاملة مع نقص في ميادين العمل بالمغرب، وما رافق ذلك من مفارقات وتوترات وتصدعات في البنية الاجتماعية والأخلاقية، والتمزقات التي تنشأ نتيجة لذلك. الاختلال في البنية الاقتصادية لمجتمع «أيت همّان» الذي يعيش على الفلاحة البسيطة، وبين أموال المهاجرين التي حسنت الوضع الاقتصادي من جانب ولكنها خلقت فجوة كبيرة بين فقراء القرية وموسريها الجدد، إضافة إلى أنها أحدثت شرخا كبيرا وتصدعا بينا في البنية العائلية التي هي نواة لمجتمع مقهور لا يملك الحق حتى في التعبير عن رغباته، لذلك نجد الكاتب يغوص في أغوار الناس لاستنباط بعض التوترات والإيماءات والهواجس التي يتعارض بعضها مع التابوهات المحرمة، من خلال التحرشات الجنسية مثلا بين الفقيه ونساء القرية، أو الرغبات المكبوتة التي تتجاوز المحرم، والرواية تزخر بالأمثلة ومنها علاقة خدوج بالمعلم ورغبة مبارك البياض وعبدو البقال في زوجة إبراهيم.
وفي كل ذلك، تنمو الرواية في نسيج متعدد المرجعيات، منها الواقعي ومنها الرمزي، وتتضافر عناصرها وفصولها وأحداثها لحياكة مادة روائية تعتمد على النمو التدريجي لمراحل من الزمن، وهي متوازنة من حيث السرد، فقد أطلق الكاتب لنفسه الحرية في تتبع الأفعال لشخوصه وتحريكها، وشد أوتار الحدث وتنظيم مساراته.. يأتي كل ذلك بلغة شفافة تسيل بتلقائية أقرب إلى الشعر منها إلى النثر.
في غمرة السرد الروائي، أعطى الكاتب حسن المددي لنفسه الحرية لتسليط الأضواء على عدة ظواهر، ومنها ظاهرة السحر والشعوذة من خلال «الثقاف» الذي اعتقد مبارك أنه أصابه وجعله عاجزا جنسيا. وظن أنه تعرض للسحر، مما جعله يلجأ إلى فقيه مشعوذ، أوهمه بأنه مسحور وبأن (الأسياد) يريدون مكرماتهم حتى يبطل السحر. وقد قدم لنا صورة حية عن هذه الظاهرة وشيوعها وضحاياها وطلابها من النساء اللاتي يبحثن عن الحظ في الزواج، ثم تناول الأساليب المستخدمة والعلاجات المقدمة، ومنها الذي يعتمد على خداع النظر وإيهام الضحية من أجل ابتزازها، كما ربط الكاتب بين السحر والجهل والأمية المتفشيين في المجتمع، حيث ترجع بعض الدراسات السوسيولوجية تنامي ظاهرة السحر في ظل البطالة والأمية والتهميش. وقد يكون امتدادا لأنثروبولوجيا ثقافية وتاريخية. وكان للكاتب موقف أدان هذه الظاهرة من خلال تسفيهها وكشف ألاعيبها «ما لم يدركه مبارك، هو أنه لو نظر داخل غطاء الطاجن المقعر قبل وضعه على النار، لرأى تميمتين مثبتتين بقليل من الشمع، وقد سقطتا على وجه الماء الساخن بعد أن ذاب الشمع.. » (ص108). ربط كذلك بين الشعوذة وبعض رجال الدين الذين يستغلون ثقة العامة بهم ليمتهنوا حرفة السحر وبطلانه الذي يدر عليهم الأموال في ظل انحطاط الثقافة والوعي. كما قدم لنا توصيفا رائعا لمسألة (الثقاف) أو العجز الجنسي المؤّقت أو الدائم الذي يفسره سياق السرد بغياب الثقة بين العروسين، ومفهوم فكرة السيطرة التي تحددها تلك الليلة، وغياب فكرة التفاعل الإنساني الحميم بين الزوجين. والتسلح بالعنف من قبل الزوج لترويض زوجته وجعلها مطيعة وخادمة إلى الأبد. لذا، فقد شرع مبارك في ضرب خدوج زوجته والتنكيل بها، مما جعل الاستجابة الجنسية أمرا مستحيلا. وقد ألقى الكاتب الأضواء فنيا على ظاهرة العنف ضد المرأة، وكيف أن المجتمع غير قادر على حمايتها، وكيف أن المجتمع الذكوري يجعل من المرأة سلعة ووسيلة للمتعة والنسل والخدمة والسخرة، وذلك من خلال السلوك الوحشي الذي يسلكه رجال القرية تجاه زوجاتهم.. قدم لتا الكاتب حسن المددي كذلك بانوراما جميلة لزواج القرويات في مواسم الزواج، مما يذكرنا بالمهرجان السنوي للزواج في إحدى مناطق الأطلس تدعى «إملشين» الذي ينجذب إليه السياح بكثرة. هذا المهرجان الذي يقوم على أسطورة مفادها: أن عاشقين من قبيلتين بينهما عداء رفض أعيانهما تزويج فتى وفتاة متحابين، فذهب العريس وانتحر في بحيرة سميت (أيسلي) أي العريس، وفعلت العروس بنفسها الفعل ذاته، ومن دموعها تكونت بحيرة (تسليت) أي العروس. لم يتحدث الكاتب عن هذه الأسطورة، ولكنه أورد وصفا بديعا لزواج مماثل يجري في قرى الأطلسي. كما تناول ظاهرة «التويزة» وهي من ظواهر الحصاد الجماعي الذي يعبر عن مفهوم التعاون بين الناس وما يتخلل ذلك من تفاؤل بعودة العافية إلى الزرع الذي هده الفيضان.. لم يكتف بذلك، بل قدم لنا صورا من حياة الهجرة في باريس وما يلاقيه المتشردون والوافدون والهاربون من بلدانهم، فاتخذوا من أرصفتها مآوي، ومن محطات المترو ملاجئ تقيهم برد الشتاء. وهنا، نرى الكاتب يسلط أضواءه على إبراهيم الذي هام على وجهه حينما خرج من السجن، حتى التقى ثلة من المشردين ومنهم ماجد العراقي الذي تعرض لأسوأ أنواع التعذيب الجسدي والتنكيل النفسي بعد انقلاب شباط البعثي في العراق عام 1963، وكانت محطته باريس التي أصبحت أرصفتها أقل قسوة من المعتقلات في بلده العراق. وجملة القول، فإن رواية «ليال بلا جدران» للكاتب والشاعر المغربي حسن المددي تشكل إضافة نوعية إلى المكتبة العربية لثراء لغتها وغنى مضامينها.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».