إغراءات الهجرة وعذاباتها.. في رواية مغربية

الكاتب حسن المددي يتناولها فنياً في رواية «ليال بلا جدران»

إغراءات الهجرة وعذاباتها.. في رواية مغربية
TT

إغراءات الهجرة وعذاباتها.. في رواية مغربية

إغراءات الهجرة وعذاباتها.. في رواية مغربية

لقد استطاع الكاتب المغربي حسن المددي أن يكتب رواية مختلفة تماما عن كل ما كتِب حول الهجرة، مغربيا وعربيا، من حيث تناول موضوع هجرة اليد العاملة المغربية في المرحلة التي انطلقت رسميا بموجب اتفاقية بين الدولة المغربية وفرنسا في منتصف 1963، وامتدت عملياتها المتواترة إلى حدود نهاية السبعينات، لتتابع تأثيراتها إلى اليوم. واستطاع أن يسجل فنيا هذه الظاهرة وانعكاساتها اجتماعيا واقتصاديا على التجمعات الريفية المهمشة والمنسية وهي تعيش في زواياها المعتمة في عالم يسوده الفقر والفاقة والقهر والحرمان، وكيف انتقل هؤلاء المنسيون إلى أحد عوالم الوفرة، ليبدأ صراع الهوية والانتماء، وليتسرب المال المنقول من المهجر لكي يلوث القيم التي تعودها الناس في قراهم الوديعة الصامتة الصابرة بين أحضان الجبال، وقد تصدت الرواية للعلاقات الاجتماعية التي تتصدع وتنهار تحت قسوة الحاجة. إنه امتحان عسير لبقاء واستمرار براءة العيش في البادية، فإما الحفاظ على الهوية والعلاقات الحياتية وإما التفريط فيها، سواء من قبل الشباب الذين هاجروا، أو من قبل العيون الدامعة التي أدمنت انتظارهم؛ إما لسد الحاجات العاطفية، وإما لتوفير المتطلبات المادية.
لقد جاءت الرواية زاخرة بالحياة، تتحرك بديناميكية عالية وهي تحتضن فعلها الروائي المتشابك والمتحرك باتجاه مضامين فكرية ومعرفية متوازنة. استطاع أن يتحفنا بهذا العمل الروائي الجميل، حيث يسهب في بنائه المعماري لحاضنة الحدث الروائي (أيت همّان) ويثقلها بعناصرها البشرية، التي ستصبح هي المحرك لزمن يمتد بشكل تلقائي في تلك القرية المغروسة في منطقة أمازيغية على حدود أقدام جبال الأطلس الشامخة، كأنها تنشب أظفار الحاجة متشبثة بقوة بتلك السفوح المتطاولة.. قرية مغموسة في شح كل ما يحيط بها من طبيعة شاسعة، حيث تتعايش بزهد وقناعة مع مفردات الحياة اليومية، قرية استطاعت أن تنجب الأبناء الذين زحفوا يبحثون عما يملأ أفواههم وأحلامهم. إبراهيم الخضار الذي كان ينزف ألما على واقعه باستماتة في سبيل تغييره. ولكنه ما إن تحين فرصة العمل في المهجر الفرنسي حتى تخلى عن نفسه وعن مسؤولياته، حينما انبهر بالعوالم الجديدة التي وجد نفسه منغمسا مع بهجتها الآنية، التي أنسته مغزى هجرته وعلة وجوده، فينساق وراء رغبات الجسد، محاولا أن ينهل من متاهة ما يحيط به، فينغمس حتى الثمالة في البارات والملاهي الليلية، ثم يعشق جاكلين، النادلة الفرنسية ذات الأصول الجزائرية من ناحية الأم، وبسببها يغرق في ملذات لا تنتهي، وينسى زوجته وإعالة أطفاله، ويتزوج بجاكي.. وبسبب غيرته عليها يتشاجر مع شاب صربي من رواد الحانة تحرش بها، ويسفر العراك عن موت الشاب، وضياع إبراهيم في متاهات السجن بعد أن تحكم عليه المحكمة الفرنسية بعشرين سنة، ليختفي من المشهد العام للفعل الروائي وتبقى تأثيراته. أما الشخصية الرئيسة الثانية، فهي شخصية مبارك البياض وهو رفيق طفولة إبراهيم الخضار ورفيق هجرته. ومع أن مبارك كان ذا بناء إيجابي، إلا أن الهجرة صدعت هذا البناء وكشفت شقوقه الخفية، فبدا متعجرفا أنانيا جشعا. كان يمثل الجانب السلبي من المهاجرين الذين ينسلخون من قيم القرية ومثلها وما تعودته. فحينما عاد في أول إجازة من السفر بمعية بعض من أبناء القرية، تزوج فتاة من قرية أخرى بغير رغبتها، وحين عجز عن أداء واجباته الزوجية، تحول إلى وحش كاسر للتنكيل بزوجته وتعذيبها وممارسة العنف اليومي عليها. كما أنه تحول إلى شخص متسلط ومتجبر، متناسيا ماضيه.. لقد مارس كل أنواع الاضطهاد ضد أهل القرية حتى وصل به الأمر لأن يخدع زوجة صديقه إبراهيم، فيحتال عليها للاستيلاء على أراضيها الزراعية بعقود بيع مزورة. ولكن مبارك فشل في كل حياته، وتحول إلى حطام بشري، بعد إصابته بمرض التحجر الرئوي الذي ورثه عن العمل في منجم الفحم حين كان يملأ صدره بالسخام الأسود كل يوم.. هذان هما الشخصيتان الرئيسيتان في الرواية اللذان يشكلان بنيتها المعمارية. وهناك أشخاص ثانويون مثل الحسين، وهو مهاجر استطاع أن يتغلب على ظروف الهجرة، بعدما استطاع محو أميته وانخراطه في الدروس الليلة الحرة، ثم ليتابع دراسته بعد ذلك حتى أصبح أستاذا جامعيا. وهناك أم العيد زوجة إبراهيم الخضار التي ناضلت شظف الحياة في سبيل أطفالها، وخدوج زوجة مبارك المضطهدة، وأحمد المعلم الذي كان يعمل في مدرسة القرية، والفقيه المحتال الفاسد... وغيرهم. كل هؤلاء يكوّنون البناء المعماري للرواية من خلال مساهماتهم في صنع الأحداث.
من الأمور التي أكدتها الرواية، هذه المعادلة الرياضية: حاجة فرنسا إلى يد عاملة رخيصة، يوازيها فائض في اليد العاملة مع نقص في ميادين العمل بالمغرب، وما رافق ذلك من مفارقات وتوترات وتصدعات في البنية الاجتماعية والأخلاقية، والتمزقات التي تنشأ نتيجة لذلك. الاختلال في البنية الاقتصادية لمجتمع «أيت همّان» الذي يعيش على الفلاحة البسيطة، وبين أموال المهاجرين التي حسنت الوضع الاقتصادي من جانب ولكنها خلقت فجوة كبيرة بين فقراء القرية وموسريها الجدد، إضافة إلى أنها أحدثت شرخا كبيرا وتصدعا بينا في البنية العائلية التي هي نواة لمجتمع مقهور لا يملك الحق حتى في التعبير عن رغباته، لذلك نجد الكاتب يغوص في أغوار الناس لاستنباط بعض التوترات والإيماءات والهواجس التي يتعارض بعضها مع التابوهات المحرمة، من خلال التحرشات الجنسية مثلا بين الفقيه ونساء القرية، أو الرغبات المكبوتة التي تتجاوز المحرم، والرواية تزخر بالأمثلة ومنها علاقة خدوج بالمعلم ورغبة مبارك البياض وعبدو البقال في زوجة إبراهيم.
وفي كل ذلك، تنمو الرواية في نسيج متعدد المرجعيات، منها الواقعي ومنها الرمزي، وتتضافر عناصرها وفصولها وأحداثها لحياكة مادة روائية تعتمد على النمو التدريجي لمراحل من الزمن، وهي متوازنة من حيث السرد، فقد أطلق الكاتب لنفسه الحرية في تتبع الأفعال لشخوصه وتحريكها، وشد أوتار الحدث وتنظيم مساراته.. يأتي كل ذلك بلغة شفافة تسيل بتلقائية أقرب إلى الشعر منها إلى النثر.
في غمرة السرد الروائي، أعطى الكاتب حسن المددي لنفسه الحرية لتسليط الأضواء على عدة ظواهر، ومنها ظاهرة السحر والشعوذة من خلال «الثقاف» الذي اعتقد مبارك أنه أصابه وجعله عاجزا جنسيا. وظن أنه تعرض للسحر، مما جعله يلجأ إلى فقيه مشعوذ، أوهمه بأنه مسحور وبأن (الأسياد) يريدون مكرماتهم حتى يبطل السحر. وقد قدم لنا صورة حية عن هذه الظاهرة وشيوعها وضحاياها وطلابها من النساء اللاتي يبحثن عن الحظ في الزواج، ثم تناول الأساليب المستخدمة والعلاجات المقدمة، ومنها الذي يعتمد على خداع النظر وإيهام الضحية من أجل ابتزازها، كما ربط الكاتب بين السحر والجهل والأمية المتفشيين في المجتمع، حيث ترجع بعض الدراسات السوسيولوجية تنامي ظاهرة السحر في ظل البطالة والأمية والتهميش. وقد يكون امتدادا لأنثروبولوجيا ثقافية وتاريخية. وكان للكاتب موقف أدان هذه الظاهرة من خلال تسفيهها وكشف ألاعيبها «ما لم يدركه مبارك، هو أنه لو نظر داخل غطاء الطاجن المقعر قبل وضعه على النار، لرأى تميمتين مثبتتين بقليل من الشمع، وقد سقطتا على وجه الماء الساخن بعد أن ذاب الشمع.. » (ص108). ربط كذلك بين الشعوذة وبعض رجال الدين الذين يستغلون ثقة العامة بهم ليمتهنوا حرفة السحر وبطلانه الذي يدر عليهم الأموال في ظل انحطاط الثقافة والوعي. كما قدم لنا توصيفا رائعا لمسألة (الثقاف) أو العجز الجنسي المؤّقت أو الدائم الذي يفسره سياق السرد بغياب الثقة بين العروسين، ومفهوم فكرة السيطرة التي تحددها تلك الليلة، وغياب فكرة التفاعل الإنساني الحميم بين الزوجين. والتسلح بالعنف من قبل الزوج لترويض زوجته وجعلها مطيعة وخادمة إلى الأبد. لذا، فقد شرع مبارك في ضرب خدوج زوجته والتنكيل بها، مما جعل الاستجابة الجنسية أمرا مستحيلا. وقد ألقى الكاتب الأضواء فنيا على ظاهرة العنف ضد المرأة، وكيف أن المجتمع غير قادر على حمايتها، وكيف أن المجتمع الذكوري يجعل من المرأة سلعة ووسيلة للمتعة والنسل والخدمة والسخرة، وذلك من خلال السلوك الوحشي الذي يسلكه رجال القرية تجاه زوجاتهم.. قدم لتا الكاتب حسن المددي كذلك بانوراما جميلة لزواج القرويات في مواسم الزواج، مما يذكرنا بالمهرجان السنوي للزواج في إحدى مناطق الأطلس تدعى «إملشين» الذي ينجذب إليه السياح بكثرة. هذا المهرجان الذي يقوم على أسطورة مفادها: أن عاشقين من قبيلتين بينهما عداء رفض أعيانهما تزويج فتى وفتاة متحابين، فذهب العريس وانتحر في بحيرة سميت (أيسلي) أي العريس، وفعلت العروس بنفسها الفعل ذاته، ومن دموعها تكونت بحيرة (تسليت) أي العروس. لم يتحدث الكاتب عن هذه الأسطورة، ولكنه أورد وصفا بديعا لزواج مماثل يجري في قرى الأطلسي. كما تناول ظاهرة «التويزة» وهي من ظواهر الحصاد الجماعي الذي يعبر عن مفهوم التعاون بين الناس وما يتخلل ذلك من تفاؤل بعودة العافية إلى الزرع الذي هده الفيضان.. لم يكتف بذلك، بل قدم لنا صورا من حياة الهجرة في باريس وما يلاقيه المتشردون والوافدون والهاربون من بلدانهم، فاتخذوا من أرصفتها مآوي، ومن محطات المترو ملاجئ تقيهم برد الشتاء. وهنا، نرى الكاتب يسلط أضواءه على إبراهيم الذي هام على وجهه حينما خرج من السجن، حتى التقى ثلة من المشردين ومنهم ماجد العراقي الذي تعرض لأسوأ أنواع التعذيب الجسدي والتنكيل النفسي بعد انقلاب شباط البعثي في العراق عام 1963، وكانت محطته باريس التي أصبحت أرصفتها أقل قسوة من المعتقلات في بلده العراق. وجملة القول، فإن رواية «ليال بلا جدران» للكاتب والشاعر المغربي حسن المددي تشكل إضافة نوعية إلى المكتبة العربية لثراء لغتها وغنى مضامينها.



العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه
TT

العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه

كان حضور العرب في كتابات الفلاسفة الألمان متفاوتاً جداً، ويتراوح بين الإعجاب الحضاري، والنظرة الاستشراقية، والاستعمال الرمزي لخدمة فكرة فلسفية عندهم. هيغل أحياناً يجعل العرب أو الإسلام رمزاً لمرحلة تاريخية تمثل «وحدة الروح» أو الانفجار الروحي للتوحيد، أكثر من كونه يدرس المجتمعات العربية نفسها بتفاصيلها الواقعية. والرومانسيون الألمان استخدموا العربي رمزاً للفروسية والصحراء والحرية والشاعرية الشرقية، لا بوصفه إنساناً تاريخياً فعلياً.

لم يكن العرب موضوعاً مركزياً دائماً، بل ظهروا غالباً داخل سياقات أوسع تتعلق بالدين، والتاريخ، والروح، والحضارة، وعلاقة الشرق بالغرب. ومع ذلك، فإن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن دائماً سلبية، بل نجد لدى بعض كبار الألمان قدراً واضحاً من الإعجاب بالحضارة العربية والإسلامية، بل إن بعضهم رأى فيها تفوقاً أخلاقياً أو روحياً على أوروبا نفسها.

هيغل

عند هيغل، يظهر العرب ضمن فلسفة التاريخ بوصفهم لحظة تاريخية كبرى مرتبطة بالإسلام. كان يرى أن الإسلام حمل فكرة التوحيد الكوني بصورة جذرية، وأنه حرّر الروح من الوثنيات المحلية والقَبلية؛ ولذلك نسب للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا. وكان يعدّ ظهور الإسلام انفجاراً تاريخياً هائلاً وحّد قبائل متفرقة داخل رؤية كونية واحدة. حتى بعض الشروح الحديثة لفلسفة هيغل ترى أنه نظر إلى النبي محمد بوصفه الشخصية التي استطاعت توحيد العرب عبر قوة الفكرة والإيمان. ويعرض هيغل ظهور الإسلام بوصفه لحظة تاريخية نجحت في توحيد العرب تحت مبدأ روحي واحد.

لكن موقف هيغل ظل مزدوجاً، فقد أعجب بالقوة الروحية والحضارية للإسلام، ومع ذلك عدّ المرحلة العربية الإسلامية مرحلة انتقالية لم تصل، حسب منطقه الديالكتيكي، إلى الدولة العقلانية الحديثة التي رأى تحققها في أوروبا الجرمانية. ولهذا؛ يُتهم أحياناً بأنه استخدم الإسلام داخل سردية أوروبية تجعل أوروبا نهاية التاريخ.

أما فريدريش نيتشه، فكان أكثر جرأة في مديح العرب والمسلمين. لقد رأى في الحضارة الإسلامية بالأندلس مثالاً على القوة والحيوية والرقي، وهاجم المسيحية الأوروبية؛ لأنها دمّرت تلك الحضارة. وفي كتابه «المسيح الدجال» امتدح المسلمين لأنهم، في رأيه، حافظوا على روح القوة والكرامة والحياة، في حين كانت الكنيسة الأوروبية تميل إلى الزهد وقمع الغرائز. وقد كتب نيتشه بإعجاب واضح عن الأندلس الإسلامية، عادَّاً أن أوروبا خسرت كثيراً بسقوطها.

ومن الطريف أن نيتشه لم يمدح العرب فقط حضارياً، بل أخلاقياً أيضاً؛ إذ رأى أن الإسلام يحرّض على وجود رجال أقوياء وأصحاب إرادة، في حين رأى في المسيحية، كما فهمها، ديناً يميل إلى تمجيد الضعف. ولهذا؛ نجد عنده مقارنة حادة بين «الفروسية» الإسلامية وبين ما عدَّه انحلالاً أوروبياً. حتى إنه استخدم مثال الحمّامات العامة في الأندلس ليقول إن الحضارة الإسلامية كانت أنظف وأكثر تحضراً من أوروبا المسيحية في بعض العصور.

غوته

أما غوته، فهو ربما الشخصية الألمانية الكبرى الأكثر انفتاحاً على العرب والإسلام. لم يكن إعجابه سطحياً، بل وصل إلى حد التفاعل الروحي والأدبي العميق. فقد تأثر بالقرآن وبالشعر العربي والفارسي، وكتب «الديوان الشرقي للشاعر الغربي» متأثراً بحافظ الشيرازي والروح الإسلامية عموماً. وتشير دراسات عدّة إلى أن غوته كان يرى الشرق جزءاً ضرورياً من اكتمال نضج الإنسانية، بل إن بعض الباحثين نقلوا عنه فكرة أن الغرب لا يكتمل دون شرقه.

وتكشف الدراسات الحديثة عن إعجاب غوته بالقرآن نفسه؛ إذ وصف أسلوبه بأنه «مهيب وعظيم وسامٍ». كما كان يرى في الإسلام بعداً روحياً عميقاً افتقدته أوروبا الحديثة. بل إن بعض نصوصه دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأنه كان متعاطفاً بقوة مع الإسلام، حتى إنه كتب عبارة شهيرة مفادها أن الجميع «يعيشون ويموتون في سلطان الإسلام». ولم يقتصر اهتمام غوته على الإسلام بصفته ديناً، بل امتد إلى الأدب العربي نفسه. فبعض الدراسات تؤكد أن اهتمامه بالعرب امتد إلى الأدب العربي القديم والثقافة العربية عامة.

نسب هيغل للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا

أما شوبنهاور فلم يكتب كثيراً عن العرب مباشرة، لكنه تأثر بالحكمة الشرقية عموماً، خصوصاً الهندية والفارسية، وكان يرى في الأديان الشرقية عمقاً ميتافيزيقياً تفتقر إليه الحداثة الأوروبية.

كانط

وعند كانط نجد موقفاً أكثر تحفظاً. فقد كان مهتماً أساساً بالعقل والأخلاق والمعرفة، لا بالحضارات بوصفها موضوعاً مستقلاً. ومع ذلك كتب أحياناً عن العرب ضمن حديثه عن الشعوب والأديان. واعترف بقوة الإسلام التاريخية وقدرته على توحيد الشعوب وتحريكها، لكنه بقي أسير التصنيفات الأوروبية في القرن الثامن عشر، حيث كانت الشعوب تُرتّب ضمن هرم حضاري أوروبي المركز. وتحدث عن الحرملك العثماني في بعض كتاباته الأنثروبولوجية والجغرافية، خصوصاً حين كان يتحدث عن عادات الأتراك والعلاقات بين الجنسين في الشرق. لكنه لم يتحدث عنه بوصفه دراسة تاريخية مستقلة، بل استخدمه غالباً مثالاً على ما كان يسميه الأوروبيون آنذاك «الاستبداد الشرقي» أو على اختلاف البنية الاجتماعية والأخلاقية بين الشرق وأوروبا. وكان يرى أن عزل النساء داخل الحرملك وكثرة الجواري يعكسان، في نظره، غياب العلاقة الأخلاقية المتساوية بين الرجل والمرأة كما تصورها الفكر الأوروبي التنويري.

هذا ما كُتب في التاريخ، أما الفلسفة الألمانية الحديثة فقد بدأت تظهر فيها مراجعات للتمركز الأوروبي، خصوصاً بعد نقد الاستشراق والاستعمار، وأصبح هناك اهتمام أكبر بالدور العربي الإسلامي في تكوين الحضارة الأوروبية نفسها. وهكذا، يمكن القول إن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن صورة واحدة، بل تراوحت بين الإعجاب الروحي والحضاري العميق، والنقد أو الاختزال أو التهميش، لكنها في جميع الأحوال تكشف عن أن العرب كانوا حاضرين في الوعي الألماني بوصفهم قوة تاريخية وثقافية لا يمكن تجاهلها.

* كاتب سعودي


«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة
TT

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتفتعل أناقة القول وكرم الغاية وهي الصفات التي تتميز بها طبقة المجتمع الأرستقراطي، مع أنها في الواقع امرأة غليظة المشاعر، نفعية منافقة، تخدع نفسها بالمظاهر كما تخدع سواها، رغبةً منها في أن تُخفي حقيقة جوهرها كامرأة أوتيت حب المال بشراهة والرغبة في فعل أي شىء للحصول عليه.

تلك هى الدوقة ديبون ديفور التي تعد من أبرز الشخصيات الرئيسية في مسرحية «المسافر بلا متاع» للكاتب الفرنسي جان آنوى، ترجمة وتقديم الناقد والمترجم المصري البارز الدكتور أنور لوقا (1927 - 2003)، والتي صدرت أخيراً منها طبعة جديدة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة «روائع المسرح العالمي».

تتكشف حقيقة السيدة ديفور حين نعرف أنها لم تصطحب الفتى جاستون، الذي فقد ذاكرته في أثناء الحرب العاليمة الثانية من أسرة إلى أسرة، لمجرد إعادته إلى أحضان أهله رحمةً به ورحمةً بهم، بل للمطالبة بمكافأة تتمناها نظير عنايتها المزعومة به في السنوات الأخيرة.

ولذلك يرافقها مستشار قانوني وكَّلته بمصالح جاستون، ورفضت دون نقاش احتمال أن يكون جاستون ابن بائعة ألبان أو عامل كهربائي بسيط ممن تعرفوا على صورته والتمسوا أن يقابلوه، وأصرت على أن تأتي به إلى «آل رينو» أصحاب هذه الدار الكبيرة المليئة بالأثاث الفاخر والخدم والحشم.

أما جاستون فلا يتعرف من «آل رينو» على أحد ولا تذكِّره أنحاء الدار بأي شيء. عبثاً يتصفح وجوه الحاضرين الذين أسرعوا للقائه بلهفة المشتاقين وهم أمه وأخوه وزوجة أخيه، وعبثاً يطوف في أركان المنزل والحديقة، فالجميع هنا من سادة وخدم يؤكدون أنه جاك رينو بعينه، لا سبيل إلى الشك في شخصيته، وها هم يحاولون دون جدوى أن يقنعوه بأنه واحد منهم.

وحسب أنور لوقا، استوحى جان آنوى فكرة العمل من مسرحية «سيغفريد» للكاتب الفرنسي جان جيردو، وجعل بطله جاستون هو الآخر فاقداً للذاكرة، ولكن سيغفريد وإن كان ضحية نفس المرض نفسه، إلا أنه طراز آخر من الرجال، فهو زعيم ممتاز ولامع، غزير الثقافة، في حين أن جاستون يسقط، كشخصيات آنوى عادةً، في أوحال واقع ملوث بالنفاق والأكاذيب.

وقفز اسم جان آنوى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى صدارة المشهد الأول بين كتّاب المسرح الفرنسي المعاصر بسبب براعته في المزج بين الكوميديا والتراجيديا، مع تقديم شخصيات شديدة الحنين إلى عالم النقاء والبراءة والحق والخير، شديدة السخط على أوضاع الواقع آنذاك القائمة على الإثم والرذيلة.

وُلد جان آنوى في مدينة بوردو بفرنسا في 23 يونيو (حزيران) سنة 1910 وهو ينتمي إلى عائلة متواضعة، إذ كان أبوه خياطاً وكانت أمه تشتغل بعزف الكمنجة، ولهذه النشأة يرجع دون شكٍّ ميله إلى تصوير الفقر ووطأته على نفوس الفقراء في عدد من مسرحياته. التحق بعد ذلك بكلية الحقوق إلا أنه اضطر إلى أن يتركها بعد عام ونصف عام ليكسب عيشه بالعمل في إحدى دور الإعلان.

وفي «المسافر بلا متاع» تتجلى براعة الصياغة المسرحية لدى آنوى، كما تؤدي وحدة الموضوع والمكان والزمان إلى تركيزشديد ينتج عنه عمق التأثير، فهو لا يقسم مادته هنا إلى الفصول ولا يعتمد المشاهد التقليدية بل إلى لوحات طويلة أو قصيرة، متأثراً ببعض أساليب السينما، إلا أنه احتفظ بروح المسرح على نحو أخَّاذ.


«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،