حكومة ابن كيران.. حصيلة «منتصف الطريق»

تجاوزت بسلام رياح «الربيع» و«الخريف» العربيين.. وعينها على الانتخابات

حكومة ابن كيران.. حصيلة «منتصف الطريق»
TT

حكومة ابن كيران.. حصيلة «منتصف الطريق»

حكومة ابن كيران.. حصيلة «منتصف الطريق»

لم يتوقف عبد الإله ابن كيران أمين عام حزب العدالة والتنمية الإسلامي، منذ توليه رئاسة الحكومة المغربية في يناير (كانون الثاني) 2012، عن الترديد بأن حزبه أنقذ البلاد من مصير كان يتربص بها، ألا وهو عودة سياسة التحكم والتسلط التي كانت ستلقي بالمغرب إلى المصير ذاته الذي واجهته دول الربيع العربي.
ولم تفته الإشارة إلى هذا الأمر مجددا في العرض الذي قدمه أخيرا أمام البرلمان، بشأن حصيلة حكومته في نصف ولايتها، مؤكدا أن أحد أهم إنجازات التجربة الحكومية هو مساهمتها في إخراج البلاد من مرحلة سياسية واقتصادية حرجة، وتجاوز تحديات «الربيع»، ثم «الخريف» العربيين.
خلال نهاية الأسبوع الماضي اجتمع أعضاء الأمانة العامة للحزب، ونوهوا بعرض ابن كيران و«الإنجازات الحكومية النوعية» التي تحققت «رغم الأوضاع الموروثة والمشاكل المتراكمة والإكراهات والصعوبات المحيطة بالتجربة داخليا وخارجيا، ورغم كل محاولات التبخيس والتيئيس»، في إشارة إلى موقف المعارضة وموقف حلفاء الأمس أيضا.
تعرضت حكومة ابن كيران لهزة قوية عندما قرر حليفه الرئيس، حزب الاستقلال، الانسحاب منها في مايو (أيار) 2013، وانتقاله إلى المعارضة، وبمجرد أن غير موقعه تغير خطاب الحزب ونوابه في البرلمان 180 درجة، وشنوا هجوما شديدا على مختلف القرارات والمبادرات التي أعلنتها الحكومة، رغم أن الحزب كان يتولى إحدى الوزارات المهمة فيها، هي الاقتصاد والمالية.
وقال نور الدين مضيان رئيس الفريق النيابي لحزب الاستقلال ساخرا لـ«الشرق الأوسط» إن ما قدمه ابن كيران أمام البرلمان لا يمكن أن نطلق عليه اسم حصيلة بل «حصلة»، وتعني ورطة، وتساءل أي حصيلة سنتحدث عنها في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد؟ فلغة الأرقام هي اللغة الحقيقية التي يمكن الاستناد إليها، بيد أن هذه الأرقام عبارة عن أرقام وهمية تظل بعيدة عن التصريح الحكومي الذي قدمه ابن كيران عقب تشكيل حكومته، سواء على مستوى نسبة النمو أو معدل البطالة.
وأضاف مضيان أن ما صرح به ابن كيران عبارة عن إنشاء وأماني، وليست حقائق، فالأرقام التي تعلن عنها المؤسسات الدولية أو المؤسسات المغربية، ومن بينها المندوبية السامية للتخطيط (بمثابة وزارة التخطيط) تفند كل ما تحدث عنه.
وزاد قائلا: «لم تتحقق ولو نسبة 10 في المائة مما وعد به ابن كيران، والالتزامات التي التزم بها حزبه أمام ناخبيه خلال الانتخابات التشريعية عام 2011، التي منحته المرتبة الأولى؛ فهو لم يفِ بوعوده، لا في مجال محاربة الفساد والرشوة والمحسوبية ولا في خفض نسبة البطالة إذ لم يجرِ توظيف سوى 20 ألف شخص خلال ثلاث سنوات. كما لم يجر تحسين المستوى المعيشي للطبقات الفقيرة والمتوسطة، ناهيك من تدني الخدمات الصحية والتعليمية والسكن ومختلف القطاعات الاجتماعية.
وقال مضيان: «كان على ابن كيران أن يتحدث بصراحة، ويقر بأنه فشل في تطبيق برنامجه، وأنه لم يستطع الوفاء بالوعود التي قطعها على نفسه، ويقول: أنا لست مستعدا للاستمرار في هذه المسؤولية». ولم يتوقف مضيان عند هذا الحد، بل قال إنه «أمام ابن كيران خياران، إما أن يعتذر للمغاربة، وإما أن يترك المقعد لغيره، لكنه لم يعد يمتلك الشجاعة التي كان يمتلكها عندما كان حزبه في المعارضة».
وعد محمد العمراني بوخبزة الباحث المغربي في العلوم السياسية تقييم حصيلة الحكومة في نصف ولايتها محطة مهمة، في تجربة أول حكومة بعد دستور 2011، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن تقييم أداء الحكومة الحالية على المستوى السياسي عملية مهمة أكثر من أي حكومة سابقة، لأنها حكومة تأسيسية أشرفت على تنزيل الدستور، وأعادت الثقة للعمل السياسي في المغرب.
وأوضح أنه لا يمكن الجزم بأن الحصيلة إيجابية أو سلبية، لأنه في التقييم السياسي لا يعتمد هذا المنطق، فوجهات النظر تظل مختلفة، في رأيه، بشأن التعامل مع العمل الحكومي طالما أن المجالات التي تشتغل فيها الحكومة مرتبطة بالفئات الاجتماعية ومصالحها المختلفة، فما قد يعده البعض إيجابيا يراه الآخرون سلبيا.
وأضاف بوخبزة أن ما ينبغي التأكيد عليه في عملية التقييم هو مدى التزام الحكومة بتفعيل ما تعهدت به في تصريحها الحكومي، فهي تعاقدت مع البرلمان على أساس برنامج عمل، وبالتالي ينبغي أن يجري التقييم من هذه الزاوية، طالما أنه لا يمكننا في المغرب تقييم عمل الحكومة من خلال البرنامج الانتخابي الذي يبقى الأهم، من وجهة نظره، لأنه تعاقد ما بين الشعب والأحزاب التي تبارت في الانتخابات التشريعية، إلا أن الحكومة الحالية ائتلافية وغير مرتبطة بحزب أو تيار سياسي واحد.
وأوضح الباحث المغربي أن هناك نسختين من حكومة ابن كيران؛ الأولى التي كانت تضم حزب الاستقلال، والثانية التي التحق بها حزب التجمع الوطني للأحرار، لذلك فالأمور اختلفت نوعا ما بين النسختين، وإن كان ليس بشكل كبير، إلى درجة تغيير طبيعة وخصوصية الحكومة بشكل كلي. لم يتلقَّ ابن كيران سيل الانتقادات من معارضيه فحسب، بل طاله حتى من الأحزاب المكونة للائتلاف الحكومي نفسه، التي انتقلت إليها عدوى التهديد بالانسحاب من الحكومة بعد خروج «الاستقلال» منها، من بينها حزب التقدم والاشتراكية اليساري، وإن كان التهديد لم يأتِ من أمينه العام محمد نبيل بن عبد الله، الذي أظهر مساندة مطلقة لابن كيران، بل من أعضاء داخل الحزب لم يستسيغوا وجودهم في حكومة يرأسها حزب إسلامي يختلفون معه في المرجعيات، لذلك كان الحزب يعارض بعض القرارات التي عدها «غير شعبية» صادرة عن الحكومة التي يشارك فيها.
ويقول محمد كرين المحلل الاقتصادي والقيادي في حزب التقدم والاشتراكية لـ«الشرق الأوسط» إن خطاب رئيس الحكومة لم يأتِ إجمالا بأشياء غير منتظرة، لأنه كان عرضا الهدف منه تقديم حصيلة العمل الحكومي إلى ممثلي الأمة، وبالتالي كان من الطبيعي أن يكون في جزئه الأول عبارة عن جرد واستعراض لمنجزات الحكومة خلال النصف الأول من ولايتها، وهي أمور معروفة من طرف كل المتتبعين، لأنه سبق الحديث عنها في مناسبات عدة.
وأضاف: «كان ينتظر أن يأتي الجزء الثاني من الخطاب المتعلق بعمل الحكومة خلال النصف المتبقي من ولايتها بالجديد، لا سيما فيما يتعلق بالإصلاحات الكبرى في قطاع التربية والتعليم ومنظومة العدالة واستراتيجية التشغيل والنظام الجبائي ونظام المقاصة (نظام دعم المواد الأساسية) ومنظومة التقاعد. إلا أن العرض كان في هذه القضايا مطبوعا بالاقتضاب وقلة الأرقام، مكتفيا بالإعلان عن المبادئ العامة».
وأعطى كرين مثالا على ذلك بالميدان الضريبي، إذ إن رئيس الحكومة اختزل الإصلاح الضريبي في بعض التدابير، منها استرجاع المقاولات لفائض الضريبة على القيمة المضافة، دون أن يقدم تفسيرا لمغزى الزيادات التي طرأت على هذه الضريبة المضافة بالنسبة لبعض المنتجات والخدمات، والتي جاء بها قانون المالية(الموازنة) لسنة 2014.
في حين أنه كان من الضروري، يضيف كرين، تقديم تصور شامل لإصلاح جبائي حقيقي يؤسس لنظام ضرائب من جيل جديد، عادل وذكي يضمن تطور التنافسية ودينامية الاقتصاد الوطني، مع تعزيز السلم والتماسك الاجتماعيين، ويدخل في إطار استراتيجية مندمجة تشمل كل القطاعات الأخرى المرتبطة فيما بينها، كمنظومة التقاعد ونظام المقاصة لدعم أسعار المواد الأساسية.
وأورد كرين ملاحظة عامة عن العرض الذي قدمه ابن كيران، وقال إنه «يعطي الانطباع بكونه يتحدث كمسؤول حزبي أكثر منه كرئيس الحكومة وقائد لأغلبية تتكون من عدة أحزاب»، مستشهدا بقوله: «كلما رأينا من مصلحة بلادنا في اتخاذ قرار ما، سنتخذه ولو ضد مصلحة حزبنا»، في حين أنه كان عليه، يضيف كرين، أن يتكلم بصيغة الجمع عن الأحزاب المكونة للأغلبية الحكومية بصفته رئيسا لهذه الغالبية. لكن النائب عبد اللطيف بروحو المنتمي لحزب العدالة والتنمية وعضو لجنة المالية والتنمية الاقتصادية في مجلس النواب له رأي مختلف، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الحكومة وجدت نفسها أمام أزمة اقتصادية ومالية مستفحلة وأمام نزيف حاد يهدد استقرار المجتمع، كما وجدت نفسها أمام إشكالات كبرى عمقتها هذه الأزمة وعجزت الحكومات السابقة عن مواجهتها، وعلى رأسها ملفات المقاصة، والتقاعد، وتفشي الفساد المالي والإداري، وضعف قدرة القطاع الخاص عن مواجهة الحاجيات التنموية المتزايدة.
وأضاف أن الحكومة حرصت على إعطاء بعد اجتماعي للتنمية الاقتصادية، وذلك عبر تضمين قوانين المالية السنوية عدة مقتضيات تتعلق بدعم القطاع الخاص وتخفيض التكلفة الضريبية عن المؤسسات الصغرى من 30 في المائة إلى 10 في المائة، كما رفعت نسبة استفادتها الإلزامية من الصفقات العمومية إلى 20 في المائة، وخصصت سنويا اعتمادات مالية تفوق 400 مليون درهم (47.6 مليون دولار) لدعم المقاولات الوطنية ورفع تنافسيتها.
كما حرصت الحكومة بمقابل ذلك على تخصيص 500 مليون درهم (59.5 مليون دولار) للتعويض عن فقدان العمل. كما حرصت على إحداث صندوق التماسك الاجتماعي وتخصيص أزيد من ملياري درهم (238 مليون دولار) سنويا كاعتمادات مالية تهدف بالأساس لتقليص الفوارق الاجتماعية والسماح باستفادة الفئات الاجتماعية الفقيرة بشكل أكثر عدالة وإنصافا من ثمار التنمية ومن تطور الاقتصاد الوطني، مؤكدا أن الاستقرار الاجتماعي الذي استطاعت الحكومة تحقيقه نسبيا، بالموازاة مع الاستقرار السياسي، سمح بتحسن كبير في المؤشرات الماكرو - الاقتصادية للبلاد.
وأوضح بروحو أن الحكومة استطاعت تجاوز الظرفية الاقتصادية الصعبة التي خيمت على السنة المالية 2012. وحققت اختراقا مهما على مستوى مختلف المؤشرات الاقتصادية والمالية، مستشهدا بارتفاع حجم الاستثمارات الخارجية المباشرة بنسبة تفوق 20 في المائة سنة 2013 رغم تباطؤ الاقتصاد العالمي وتحقيق الاتحاد الأوروبي نسبة نمو في حدود واحد في المائة، مشيرا إلى أن هذا التطور الكبير يعود بالأساس لثقة المستثمر الأجنبي في الاقتصاد المغربي، وفي الاستقرارين السياسي والاجتماعي اللذين حققهما.
أما النائب الشرقاوي الروداني المنتمي لحزب الأصالة والمعارضة المعارض، فلم ينسب للحكومة أي إنجازات تُذكر، وقلل من أهمية الحصيلة التي أعلن عنها ابن كيران، وقال إن مؤسسة رئيس الحكومة لديها من الصلاحيات الدستورية ما يخول لها أخذ المبادرة وتحقيق برنامجها الحكومي المتعاقد حوله مع الكتلة الناخبة. لكن المقاربة التنموية المعتمدة من قبلها لا تعدو أن تكون دوغمائية، برأيه، مسجلا غياب أي استراتيجية لديها للنهوض بمشاكل المواطنين.
وأضاف أن ابن كيران بدل أن يبدع في تقديم حلول لمشاكل الاقتصاد، ابتدعت مؤسسته خطابا مبتذلا دخيلا على المجتمع المغربي، بل هناك أكثر من أغلبية متشكلة، وفي كل مرة تبرز مواقف متباينة جعلت الخطاب السياسي ينغمس، من وجهة نظره، في الدونية والسلبية وهو ما يؤثر على الأداء الجماعي للممارسة السياسية التي أصبحت تتميز بالاحتقان.
وقال الشرقاوي إن مجموعة من القرارات البنيوية المتعلقة بأوراش استراتيجية ترهن مستقبل الأجيال المقبلة، تعرف التخبط والاستهتار مثل صندوق المقاصة، ومنظومة التقاعد وهيكلة النظام الجنائي، أما على المستوى الاجتماعي، فلم تستطع الحكومة إشاعة جو من الثقة، وبدلا من ذلك لاحظ تعثر الحوار الاجتماعي وتعذر التعامل الإيجابي مع المطالب المشروعة للطبقة العاملة.
أما على مستوى تطبيق الدستور، فالحكومة الحالية الملزمة بتطبيقه، هي من تجاوزته في عدة مناسبات، وذلك من خلال مصادرة حق البرلمان في التشريع.
وفي السياق ذاته، تطرق الباحث العمراني بوخبزة إلى أهمية التشريع، وقال: إن الغاية من إقرار الدستور هو الانتقال بالمغرب من وضع إلى وضع آخر، سماته الأساسية هو التوافق وتحقيق الاستقرار السياسي وإشاعة جو من الثقة بين مكوناته انطلاقا من اعتماد آليات ومؤسسات دستورية، وبالتالي كانت الحكومة مطالبة بتهيئة الكثير من القوانين التنظيمية والعادية، منها قوانين جديدة كليا وأخرى كانت تحتاج إلى مراجعة وتعديل، فعلى هذا المستوى، يضيف العمراني، كانت هناك قوانين محل نقاش عمومي، وخرجت إلى حيز الوجود، في حين أن هناك قوانين أخرى ما زالت تنتظر رغم أن الحكومة كانت قد صاغت مخططا تشريعيا تتعهد من خلاله بتنزيل مضامين الدستور وفق مدة زمنية محددة، لأن الدستور الحالي يلزمها بأن تصدر مشاريع القوانين التنظيمية قبل نهاية ولايتها التشريعية.
ولاحظ العمراني بوخبزة وجود تأخر على هذا المستوى، وهو ما أثر بشكل كبير على أداء المؤسسات، وعلى رأسها البرلمان الذي ظل يشتغل وفق نمطين مختلفين فمجلس النواب (الغرفة الأولى) يشتغل وفق دستور 2011، ومجلس المستشارين (الغرفة الثانية) وفق دستور 1996، كما أن هذا التأخير أثر كذلك على طبيعة العلاقة ما بين البرلمان والحكومة.
وسجل الباحث المغربي أيضا وجود تأخر في إقرار عدد من المؤسسات المنصوص عليها في الدستور، لا سيما تلك المرتبطة بالحكامة التي لها دور أساسي في حماية الحقوق والحريات والرقي بأداء الأجهزة الإدارية، كما كان هناك تأخر في إقرار المساهمة الشعبية في التشريع، من خلال إصدار القوانين التنظيمية الخاصة بالحق في تقديم العرائض الشعبية، وتقديم الملتمسات التشريعية.
وردا على سؤال بشأن ما إذا كان إشراف الحكومة على الانتخابات المقبلة يعد مكسبا سياسيا كبيرا؟ قال العمراني بوخبزة إن الانتخابات تعد مسألة جد مهمة لقياس مدى التطور الحاصل في الأداء الحكومي، مشيرا إلى أن الإشراف الحكومي على الانتخابات العام المقبل يطرح بدوره الكثير من التساؤلات حول مدى تبعية وزارة الداخلية للحكومة، إذ إن هناك من يلاحظ وجود انفصام ما بين وزارة الداخلية، التي يشرف عليها تكنوقراطي (الوزير محمد حصاد)، والحكومة.
وقال: إن هذا الأمر يظهر من خلال تصريحات ومواقف الطرفين المختلفة، وتساءل: هل وزارة الداخلية تابعة للحكومة، وتعتمد أجندتها أم لها أجندتها الخاصة، مذكرا بوجود أصوات أخرى تطالب بلجنة تقنية للإشراف على الانتخابات.
يُذكر أنه خلال تقديم ابن كيران لحصيلة حكومته في نصف ولايتها، رفعت نائبات من أحزاب معارضة لافتات كُتب عليها عبارات تنقد تصريحات سابقة لابن كيران داخل البرلمان وصف فيها النساء بالثريات، في سياق حديثه عن المشاكل التي أصبحت تعيشها الأسر المغربية بعد خروج المرأة للعمل، وهي تصريحات كانت كافية لكي تدعو عدد من الجمعيات النسائية إلى التظاهر أمام البرلمان ضد رئيس الحكومة، لكنها لم تكن المرة الأولى، فالمنظمات النسائية وغالبها ذات توجه يساري لم تكن أبدا راضية عن مبادرات الحكومة الساعية إلى تحقيق المساواة والمناصفة.
وتأخذ هذه الجمعيات على الحكومة تأخرها في إخراج عدد من المؤسسات والقوانين، من بينها هيئة المناصفة التي أقرها الدستور، وقانون محاربة العنف ضد النساء، بل اعترضت حتى على اسم الخطة الحكومية للنهوض بأوضاع النساء (إكرام)، وقالت إن الاسم يحيل على مقاربة إحسانية، وليست حقوقية، لتنضاف الجمعيات النسائية إلى جبهة المعارضة الواسعة التي يواجهها ابن كيران. ولذلك فإن سباق ما تبقى من ولاية ابن كيران الحكومية لن يكون مريحا، نظرا لأن الطريق الذي سيسلكه السباق مليء بالمنعرجات والمطبات، التي تجعل المراقبين يتساءلون ما إذا كانت الحكومة قادرة على إكمال نصف ولايتها بأقل الخسائر.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.