أعادت النتائج الضعيفة للرياضة السعودية في دورة الألعاب الآسيوية المقامة حالياً في العاصمة الإندونيسية (جاكرتا)، الاتحادات الرياضية السعودية إلى مسرح الانتقادات، في حين تساءل كثيرون في الشارع الرياضي: هل تكفينا ذهبية واحدة؟!
بالنظر إلى نتائج الرياضة السعودية في المحفل الدولي، نجد أن منتخباً وحيداً وهو «منتخب الفروسية» تمكن من تحقيق الميدالية الذهبية، في حين خرجت الألعاب الأخرى بميداليات أقل من المأمول «بعضها دون أي إنجاز يذكر»؛ ما يثير تساؤلات عدة حول أصل المشكلة التي تعاني منها اتحادات الألعاب وتجبرها على الخروج بهذا الأداء الضعيف.
وبالعودة إلى المشاركات السعودية في نسخ الأولمبياد منذ عام 1978، فإن عدد الميداليات الذهبية التي تحققت لا تتجاوز الـ15 ميدالية ذهبية في فترة زمنية تصل إلى أربعة عقود، وهي فترة طويلة كان يمكن خلالها حصاد أضعاف هذا الرقم من الميداليات الذهبية، إلا أن ذلك لم يحصل وبقي الرقم ضعيفاً، حتى أن المشاركة الأخيرة تعد من أضعف المشاركات بكون الحصاد ميدالية ذهبية واحدة فقط رغم وجود دعم استثنائي جديد قدم بشكل عاجل من قبل اللجنة الأولمبية السعودية التي يرأسها المستشار تركي آل الشيخ.
«الشرق الأوسط» بدورها وقفت على أهم الأسباب التي أضعفت الحصاد السعودي من خلال استضافة الكثير من المسؤولين الحاليين والسابقين والنجوم في عدد من المنتخبات الأولمبية، حيث تركز حديثهم على جوانب عدة، من بينها مالية وإدارية، وكذلك ما يخص ضعف تفاعل القطاع الخاص، وكذلك عدم وجود بيئة رياضية محفزة وحتى الثقافة الرياضية لدى المجتمع أقل من المطلوب.
- غياب التأسيس في المدارس
في البداية، يقول محمد الحربي، رئيس الاتحاد السعودي لرفع الأثقال «هناك عوامل كثيرة وراء الحصاد المتواضع في الأولمبياد الأخير وما سبقه من منافسات أولمبية، حيث تتركز الأمور حول عدم وجود بناء قوي في المدارس للأجيال من الناحية الرياضية، حيث إن الاهتمام في المدارس بلعبة كرة القدم ولا تطبق برامج حقيقية من خلال مختصين من أجل أن يكون هناك تأسيس للأبطال؛ فمعلم التربية الرياضية قد يرمي كرة القدم في الملعب ويجعل الأطفال يركضون خلفها دون أن يسعى لتطويرهم، هذا حال كرة القدم في المدارس فماذا سيكون حال الألعاب الأخرى؟».
وأضاف «وزارة التعليم تتحمل مسؤولية كبيرة في هذا المجال، يجب ألا يكون اللاعب مجهزاً فقط من النادي الذي ينتمي إليه، بل يجب أن تكون المدارس لها دور وتسهم في تعزيز قدرات المواهب، كلاً في المجال الذي يمكن أن يقدم فيه الأفضل، وهناك مناطق مثلاً يتواجد بها موهوبون في لعبة رفع الأثقال من خلال البنية الجسمانية والقدرات الأخرى، مثل المنطقة الشرقية وجازان وجدة، وفي هذه المناطق يجب أن يكون هناك تركيز في بعض المدارس على إعداد أبطال للمستقبل، ويكون النادي مكملاً، وحينما يصل اللاعب للمنتخب يكتسب مزيداً من الخبرة أيضاً، ويتطور حتى يصل إلى الإنجاز».
- توزيع الألعاب على المناطق
من جانبه، قال عصام الملا، رئيس الاتحاد السعودي للبلياردو، إن المشكلة الرئيسية تتحملها وزارة التعليم فهي لم تقدم الشيء الملموس لدورها في بنية النشء بنية رياضية منذ الصفر رغم وفرة الإمكانات التي قدمتها الدولة لقطاع التعليم، وخصوصاً وجود الكثير من المباني النموذجية المتكاملة، وعدم تخصيص أوقات أطول للرياضة، وهناك أهمية أن تكون لكل منطقة أو أكثر اهتمام مباشر بلعبة معينة، فمثلاً في العاصمة الرياض تكون للبلياردو، ويكون هناك توسيع أكبر للممارسين في المدارس، وفي المنطقة الشرقية لعبة أخرى، والغربية غيرها، وفي المنطقة الجنوبية يكون الاهتمام أكثر بألعاب القوى ما دام أن هناك انخفاضاً في نسبة الأكسجين ويكون الأبطال مصنوعين أو مؤهلين من المناطق، وهذا لا يعني أن يتم قتل طموحات المواهب من المناطق الأخرى، لكن يمكن أن يتجمعوا في المنتخبات، وتكون المنافسة بشكل أكبر على ارتداء شعار الوطن في المنافسات الكبرى.
وبيّن، أن الآباء ليس لديهم قناعة أن الرياضة يمكن أن تجعل من ابنهم يؤمّن مستقبله، بل يعتبرونها مضيعة للوقت، وهذه الثقة لا يمكن أن تزرع إلا بعمل ممنهج ومدروس، كما قلت، يبدأ من المدارس إلى الأندية والمراكز وغيرها، أما استمرار العشوائية والمجهودات الفردية فلن يحقق نتائج.
كما وجّه الملا اللوم إلى القطاع الخاص لتقصيره الكبير في هذا الجانب، وعدم تعاون شريحة واسعة منه مع الرياضيين من حيث التفريغ والتشجيع والدعم، بل إن هناك شركات تحارب منسوبيها من اللاعبين النجوم نتيجة بحثها عن مصالحها الخاصة المتعلقة بالربح مع أن تحقيق الرياضيين السعوديين منجزات ينعكس إيجابياً حتى على القطاع الخاص؛ لأن الرياضة رسالة عالمية جميلة تصنع الكثير.
ورأى الملا أيضاً وجود أهمية في أن يتم الاستقطاب المتكرر للأبطال العالميين للمملكة؛ من أجل تحفيز النشء على بلوغ منجزات مستقبلية.
- خطط غائبة
أما البطل الأولمبي السعودي السابق هادي صوعان، أحد أبرز الأبطال في تاريخ الرياضة السعودية وعضو الاتحاد السعودي لألعاب القوى سابقاً، فقد اعترف بأن المنجزات السعودية في «الآسياد» متواضعة جداً، إلا أنه اعتبر أن المشكلات لا تقتصر على جانب معين، بل إنها تتشعب إلى أمور عدة، وأهمها اليقين أن البطل الأولمبي لا يمكن أن يصنع في يوم وليلة، بل إن هناك خططاً كبيرة يجب أن تنفذ وتلقى كل الدعم من أجل إنجازها.
وأشار إلى أهمية تعزيز دور المدارس والأندية والمراكز، ودعمها بالكفاءات الإدارية التي تحسن التصرف في الجوانب المكلفة بها، سواء المالية أو الإدارية أو غيرها، حيث إن توفير المال وحده من دون فكر لا يمكن أن يصنع شيئاً.
وشدد على أهمية التفريغ للاعبين في المعسكرات من أعمالهم، وأن يكون هناك تعاون أكبر من قبل القطاع الخاص وتشجيع بالدعم، مبيناً أن هناك عملاً كبيراً يجب أن يتم وفق رؤية وخطط بعيدة المدى لصناعة جيل رياضي منجز في المستقبل، متحفظاً عن إبداء أي نقد للاتحادات الرياضية التي حصلت على دعم كبير، لكنها لم تحقق المتوقع منها.
- مشكلات نفسية وسوء تنظيم
أما البطل السعودي السابق في ألعاب القوى محمد الخويلدي، الذي حطم 3 أرقام آسيوية في «الوثب العشاري»، وكذلك حصد برونزيتين في بطولتي العالم في فالنسيا في الصالات، وكذلك في أثينا، فقد اعتبر أن المشكلة في المقام الأول نفسية.
وقال الخويلدي «تحدثت عن المشكلة النفسية، وهي واقع حقيقي يتمثل في كون اللاعب الذي يحقق بعض المنجزات لا يوفى له الوعد الذي قدم له قبل دخول المعترك، وهذا ما حصل مرات عدة، أو أن المبلغ الذي حدد له لا يصرف من قبل الاتحادات، ليس لوجود عجز مالي لديها، بل تبرر ذلك بعدم وجود بند من قبل اللجنة الأولمبية يمكنها من تطبيق وعدها، وهذا مؤثر بكل تأكيد ويهز الثقة».
وأضاف «في هذا الجانب أيضاً، يوجد ضعف في التنظيم الإداري؛ فاللاعب لا يعلم بموعد سفره حتى الساعات الأخيرة، وخصوصاً للمعسكرات، حيث إنه يظل معلقاً بالتفكير والشرود وعدم الجاهزية الذهنية للسفر، فتتم المماطلة فيه، مع أنه كما ذكرت تتوافر الأمور المالية التي تقدمها الدولة لهذه الاتحادات عن طريق اللجنة الأولمبية، لكن للأسف العلة إدارية بشكل واضح».
واعتبر الخويلدي أن هناك قلة اهتمام بالألعاب المختلفة في المملكة، وأن الإعلام له دور كبير في ذلك، حيث إن اللاعب في الألعاب المختلفة لا يحظى بما يحظى به في الدول الغربية، حيث إن الأبطال السعوديين معروفون في الإعلام الغربي سواء أميركا وغيرها أكثر من بلدهم، وهذا شيء محبط أيضاً.
وشدد على أن دور الإداريين غالباً في المعسكرات ضعيف جداً، ويركز على مراقبة وقت نوم اللاعب وحضوره التمرين وأمور بديهية، لكنه يتجاهل أموراً أهم، من بينها نوع الغذاء والاقتراب أكثر من اللاعب من أجل متابعة بعض أحواله العائلية، خصوصاً إذا كان متغرباً لفترة طويلة عن أسرته، وبعد أن يتعرض اللاعب للإخفاق يتلقى لوماً وتوبيخاً شديدين؛ مما يحبطه، وهذا ما يتطلب علاجه من خلال وجود مختصين تغذية، وكذلك مختصون نفسيون في المعسكرات؛ لأن للأسف الفكر الإداري في الكثير من الاتحادات لم يصل إلى الوضع المطلوب.
- بناء مختلف كل 4 سنوات
أما رئيس الاتحاد السعودي للعبة الدراجات سابقاً، خالد التويجري، فرأى أن المشكلة تكمن في أن كل مجلس إدارة جديد يأتي لأي اتحاد يود أن ينسف خطط من سبقه، وينهي العمل ويبدأ من الصفر دون السعي لتكملة النواقص وإكمال المسيرة وتطوير النهج، وهذا يعني أن هناك خططاً وبناءً جديداً كل أربع سنوات/ بحيث يريد كل مجلس أن يطبق برامج يراها مناسبة له، وهذا يتنافى مع الخطط بعيدة الأمد.
وأشار إلى أن هناك عملاً قام به مجلس الإدارة الذي ترأسه وانتهت فترته القانونية العام الماضي من خلال إنشاء مراكز تدريب في عدد من المناطق في عدد من المحافظات التابعة للمنطقتين الوسطى والجنوبية وغيرهما، وكانت هناك آمال كبيرة عقدت على هذه المراكز، وكان من المهم أن يتم السير على نهج وخطط بعيدة الأمد، لكن للأسف الجانب الإداري له الدور الأكبر في الإخفاقات.
- من الهواية إلى الاحتراف
من جانبه، قال نائب رئيس الاتحاد السعودي ناصر البجاش، إن هناك عوامل عدة جعلت الألعاب الرياضية السعودية تكون أقل من الطموحات في الأولمبياد الأخير، ومن أهمها تركيز الأندية على لعبة كرة القدم وتوجيه النسبة الأكبر من ميزانياتها لهذه اللعبة، بل إن هناك أندية ميزانية كرة القدم فيها تساوي ميزانيات الاتحادات الرياضية.
وأضاف: لا نضع كل اللوم على الجانب المادي، لكنه عامل لا مفر من التأكيد عليه، وهناك أيضاً فكر إداري يتوجب تطويره وعمل برامج تطويرية جاذبة، ونحن في اتحاد كرة الطائرة نركز على الفئات السنية من أجل بناء مستقبل كبير في هذه اللعبة التي لم تحقق للأسف منجزات كبرى في السنوات الماضية وإن كانت على مستوى الفئات السنية؛ مما يدل على وجود منافس، لكن الاهتمام في المواصلة ضعيف حتى إدارياً، مع أنها اللعبة تعبر الشعبية الثانية في المملكة، حيث تمارس في كل مكان».
وأشار إلى «أهمية تفريغ اللاعبين البارزين ولعب القطاع الخاص دوراً فاعلاً وأكبر، مع الشكر لهم على التعاون الذي يبدو أنه غير كافٍ، ويجب أن تكون نقلة حقيقية أشبه بالاحتراف، وأن تتحول هذه اللعبة من هواية إلى احتراف حتى يمكن أن تنجز».
- بيروقراطية وموظفون غير متخصصين
من جانبه، أشار الأمين العام للجنة الأولمبية السعودية السابق، محمد المسحل، إلى الإعلان المهم لرئيس هيئة الرياضة بشأن عقد اتفاقيات كبرى من أجل تطوير الرياضة السعودية بشكل عام لتأتي في المكانة التي تستحقها على الصعيد الدولي وفق خطط استراتيجية مدروسة ومدعومة بشكل قوي كمشروع دولة.
وبيّن المسحل، أن تسع وزارات حكومية وفي مقدمتها التعليم والصحة والشؤون البلدية والقروية، وكذلك وزارة الداخلية ووزارة المالية، وغيرها من الوزارات تسهم في إنجاح هذا المشروع الضخم، إلا أن الأولوية تكمن في إعادة صياغة كل الاتحادات وتشكيلها وتحديث لوائحها ووضع الأشخاص المناسبين وتعيين المحاسبين المناسبين والتخلص من البيروقراطية في العمل، مبيناً أن هناك أشخاصاً يحملون شهادات أكاديمية ويعملون في الرياضة رغم أنها ليس تخصصهم.
واستدل المسحل بقيام المحاسبين بالسعي لإقناع الاتحادات الرياضية بشراء المستلزمات الرياضية الأقل سعراً وجودة بهدف التوفير، علماً بأن بعضها غير مطابق للمواصفات ولا يسمح بالمشاركة فيها في المنافسات، لكن عدم وجود محاسبين متخصصين هو بحد ذاته مشكلة، كما هي مشكلة عدم وجود إداريين مختصين؛ ولذا هناك أهمية في إحداث غربلة قبل الانتقال للخطوات الأخرى الهادفة للتطوير.
وأيّد المسحل فكرة التخصيص، وبناء مراكز متخصصة في بعض المناطق تهتم بألعاب معينة، مشيراً إلى البناء لا يعني فقط البناء الجديد وهجر الموجود، بل إن البناء يعني تحويل المنشآت حسب الحاجة إليها بما يتماشى مع الأنظمة المعمول به، وتطوير ما يمكن تطويره منها بما يتناسب مع الوضع الراهن.
كما أكد المسحل، وهو بطل سعودي سابق في لعبة التايكوندو، على أهمية تأسيس خمس أكاديميات كبرى على مستوى المملكة تؤهل الرياضيين وتمنح الشهادات الأكاديمية، سواء من البكالوريوس أو الشهادات الأعلى؛ لأن الدول الكبرى التي تحقق منجزات على مستوى العالم وفي مقدمتها أميركا تولي اهتماماً بذلك وتوفرها.
هل تكفي ذهبية «سعودية» واحدة؟!
«الشرق الأوسط» تسلط الضوء على أسباب الأداء الضعيف في دورة «الألعاب الآسيوية» ومتخصصون يجيبون عن التساؤلات
كرة الطائرة السعودية أثارت التساؤلات بأدائها الضعيف في جاكرتا («الشرق الأوسط»)
هل تكفي ذهبية «سعودية» واحدة؟!
كرة الطائرة السعودية أثارت التساؤلات بأدائها الضعيف في جاكرتا («الشرق الأوسط»)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




