رحيل ناشط السلام الإسرائيلي أوري أفنيري عن 94 عاماً

حارب 70 عاماً من أجل مواقفه... وعمل علناً مع عرفات وتعرض لمحاولتي اغتيال

الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات خلال استقباله ناشط السلام الإسرائيلي أوري أفنيري في رام الله في يناير 2002 (رويترز)
الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات خلال استقباله ناشط السلام الإسرائيلي أوري أفنيري في رام الله في يناير 2002 (رويترز)
TT

رحيل ناشط السلام الإسرائيلي أوري أفنيري عن 94 عاماً

الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات خلال استقباله ناشط السلام الإسرائيلي أوري أفنيري في رام الله في يناير 2002 (رويترز)
الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات خلال استقباله ناشط السلام الإسرائيلي أوري أفنيري في رام الله في يناير 2002 (رويترز)

توفي في تل أبيب، أمس الاثنين، الكاتب والصحافي والسياسي الإسرائيلي المخضرم، أوري أفنيري، عن عمر يناهز الرابعة والتسعين، بدأه محاربا في إحدى أشد التنظيمات اليمينية تطرفا، ثم فتح عينيه مبكرا على بشائع الحرب، وأحدث تحولا حادا وشجاعا في مسيرته نحو معسكر السلام، وحارب من أجل ذلك طيلة 70 عاما. وكان آخر ما شارك به، مظاهرة المائة ألف التي أقيمت في تل أبيب ضد قانون القومية، في الرابع من الشهر الحالي، حيث تعرض في اليوم التالي، لسكتة دماغية أمهلته أسبوعين.
وقد نعى أفنيري عدد كبير من الشخصيات السياسية في إسرائيل وفلسطين والعالم أجمع، مشيدين بشخصيته المميزة، الجريئة، المتأثرة بأفكاره الإنسانية، وبنضالاته من أجل الصحافة الحرة والقيم الإنسانية العالية، وحرية التعبير، والسلام، ومحاربة الاحتلال والعنصرية والإكراه الديني.
وُلِد أوري في ألمانيا لعائلة ثرية، قدمت إلى فلسطين بعد صعود النازية بزعامة أدولف هتلر إلى سدة الحكم في ألمانيا عام 1933. خسر والده أمواله في البلاد، فاضطر أوري إلى العمل بدلا من الذهاب إلى المدرسة. وقد بدأ مسيرته السياسية في الجهة اليمينيّة من الخريطة السياسية. ففي عام 1938، في سن 15 عاماً، تجند للمنظمة السرية (الإتسل)، التي بدأت حربها ضد البريطانيين باعتبارهم استعماراً كولونيالاً، ثم تحول إلى محاربة الفلسطينيين والعرب.
وفي حرب 1948، التحق بشعبة «غولاني»، وبموازاة مشاركته في العمليات الحربية، كان يكتب التقارير الميدانية لصحيفة «هآرتس». وقد تعرض أوري أفنيري لإصابة خطيرة في أثناء الحرب، وخلع بزته العسكرية.
تبلورت وجهة نظره، التي تمسك بها حتى يومه الأخير، والتي تولي أهمية لإقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، عندما كان يمضي فترة العلاج في المستشفى. وكما كتب في سيرته الذاتية: «في أثناء الحرب، اقتنعت بأن هناك شعباً فلسطينياً يجب صنع السلام معه أولاً، لهذا يجب أن تقوم دولة فلسطينية».
في عام 1950، ترك أوري العمل في صحيفة «هآرتس»، وأصدر مجلة أسبوعية بمساعدة أصدقائه، تدعى «هعولام هزيه» (هذا العالم). وقد اختار لها عنواناً ظهر في أعلى كل عدد من المجلة: «بعيداً عن الخوف والتمييز»، فنشر تحقيقات صحافية لم تكن مألوفة في الصحافة العبرية، إذ كافح فيها الفساد، وهاجم سياسة الحكومة العدوانية، ورفع شعار «دولتان لشعبين» وراح يطالب بإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وحارب سياسة التمييز العنصري ضد العرب، وقاد سوية مع الشيوعيين والمواطنين العرب، المعركة من أجل إزالة الحكم العسكري المفروض عليهم.
واستقطبت المجلة عداء المؤسسة السياسية الإسرائيلية والأحزاب الحاكمة والمعارضة على السواء. لكنها تحولت إلى مدرسة في الصحافة الحرة. ومن أبرز تحقيقاته: تفاصيل مرعبة عن مجزرة كفر قاسم، التي حاولت فيها إسرائيل استغلال الحرب العدوانية على مصر (سنة 1956)، فأقدمت على قتل 49 مواطناً كانوا عائدين من مزارعهم بغرض تخويف من تبقى من الفلسطينيين في أرض الوطن وترحيلهم، وكشف قضيتي فساد كبيرتين تورط فيهما وزراء وعدد كبير من المسؤولين.
وفي سبيل محاربته، أصدرت المخابرات العامة (الشاباك) مجلة منافسة، بهدف تحطيمه اقتصادياً، لكن مجلة «الشباك» هي التي أفلست. وفي مرحلة لاحقة، تواصل أفنيري مع الشاعر سميح القاسم والكاتب عماد شقور، واتفق معهما على إصدار نسخة عربية من مجلته حملت العنوان «هذا العالم». وكان شرطه أن ينشرا مقاله الافتتاحي فيها مقابل نشر ما يريانه مناسباً عن قضايا الجمهور العربي والشعب الفلسطيني.
وتعرض أفنيري لمحاولتي اغتيال بسبب مواقفه هذه. واشترى مسدساً للدفاع عن نفسه. وقرر عندها أن الصحافة وحدها لا تكفي، فخاض الانتخابات البرلمانية وفاز بمقعد في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي). وواصل في الكنيست طرح مواقفه الشجاعة.
وفي سنة 1974، عندما بدأت الحكومة الإسرائيلية تبحث عن قادة فلسطينيين محليين يتعاونون معها على حل المسألة الفلسطينية في إطار حكم ذاتي، أعلن أفنيري عن التواصل مع منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. وأجرى المحادثات الأولى مع مبعوث ياسر عرفات، عصام السرطاوي، وأقنع عدداً من كبار الجنرالات السابقين في الجيش الإسرائيلي، بضرورة العمل من أجل السلام مع الفلسطينيين، وفي مقدمتهم ماتي بيلد، الذي انتخب لاحقاً للكنيست مع أفنيري. وأقام هؤلاء «المجلس الإسرائيلي من أجل السلام الإسرائيلي - الفلسطيني»، الذي اختار العمل علناً مع عرفات ومنظمة التحرير.
وفي عام 1982، في ذروة حرب لبنان الأولى التي استهدفت تصفية منظمة التحرير وتدميرها، دخل أفنيري إلى بيروت المحاصرة، وبيت صديقه عماد شقور، الذي أصبح مستشاراً كبيراً لدى عرفات. وهناك التقى أفنيري ياسر عرفات، ونشر نص مقابلة مطولة أجراها معه أثناء حصاره.
وقال في خطابه الذي ألقاه وهو بجانب عرفات: «حقيقة أننا نجلس هنا معا في ذروة الحرب البشعة، تشير إلى أن الشعبَين، الفلسطيني والإسرائيلي، سيجدان حلاً مشتركاً في المستقبل. أومن أنه ستقام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، وأن الشعبين سيعيشان بسلام معا، في دولتين ستصبحان تدريجيا جارتين تربطهما علاقات جيدة».
والتقى أوري وعرفات بعدها في تونس وفي أماكن أخرى في العالم عشرات المرات، ومع الرئيس الفلسطيني محمود عباس فيما بعد. ولكن هذا لم يكن عوضا عن مشاركته الفاعلة ميدانيا في النضالات السلمية. فكان هو وزوجته يشاركان في المظاهرات الأسبوعية في بلعين بالضفة الغربية المحتلة، إلى حين توفيت قبل خمس سنوات، وأصيبا مرات عدة بقنابل الغاز التي ألقاها عليهما جنود الاحتلال الإسرائيلي.
وسعى أفنيري لدى كثير من الحركات والجمعيات الأوروبية لدعم حركات السلام في إسرائيل والمناطق الفلسطينية. وأصدر أفنيري 25 كتابا، بينها: «الوجه الآخر للعملة»، الذي أوضح فيه قناعاته عن مساوئ ومآسي الحرب، وتعرض بسببه إلى نقد بالغ السلبية، وإلى انتقادات، ونبذته بسببها، نخبة المجتمع إسرائيلي التي كانت تمجد الحرب والقتل. وكذلك «الإرهاب مرض الطفولة للثورة العبرية» و«حرب أم سلام في المحيط السامي» و«من الدفاع عن النفس إلى الحرب - نحو حرب شاملة: ملف لتأملات حول الحرب الشاملة». وكان مثيراً للإعجاب بشكل خاص، كتاب عن مذكراته في جزأين: «متفائل - 1»، و«متفائل - 2»، وفيهما اعتبر المستقبل مشرقاً رغم كل الظلام.
وفي وصية أوري أفنيري، طلب أن يتم حرق جثمانه، والتبرع بكل ما لديه من أموال لنشاطات من أجل السلام.
يُذكر أن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، أجرى اتصالاً هاتفياً، أمس الاثنين، مع الصحافية الإسرائيلية اليسارية عنات سراغوستي، المقربة جداً من أوري أفنيري، مقدماً التعازي، ومؤكداً أن أفنيري كان وسيبقى أيقونة من أجل السلام الحقيقي والدائم في المنطقة، مشيراً إلى انه كان من أوائل الذي أيدوا بشدة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، ودعا إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لكل الأراضي العربية التي احتلت عام 1967. كما هاتف عباس، ناشط السلام لطيف دوري صديق الراحل ورفيق دربه، مقدماً له التعازي برحيل رجل السلام.
وقال رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، محمد بركة، إن أفنيري، كان على مدى عقود، صوتا جهوريا ضد الاحتلال، ومناديا لقيام الدولة الفلسطينية، وأسس حركة «كتلة السلام»، التي يسجل لها أنها طليعية في حركة مقاطعة المستوطنات، على المستويين المحلي والعالمي. وتابع بركة قائلا: «بالتأكيد، فإن مسيرة أفنيري في بداياتها إشكالية جداً، من ناحيتنا كشعب فلسطيني، وبالتأكيد على المستوى الشخصي، كابن لعائلة لاجئة في وطنها، إلا أن أفنيري وبقناعات كانت نتيجة لاستنتاجات، اتخذت منحى آخر، وباتت الخلافات في الرأي تتقلص، وفي العقود الثلاثة الأخيرة تقلصت إلى درجة كبيرة. وقد كرّس أفنيري قلمه في العقود الأخيرة، لموقف واضح جلي ضد الاحتلال، وضد مشروع المستوطنات. ومما لا شك فيه، أن غياب قلمه بمقاله الأسبوعي في صحيفة (هآرتس)، سيُضعف الصوت الواضح ضد الاحتلال، في ماكينة صناعة الرأي الإسرائيلية».



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.