العالم يخسر كوفي أنان «الوجه الأرستقراطي» للدبلوماسية الدولية

صانع السلام اختلف مع أميركا وصمد في وجه الفضائح والعثرات - كاريزماتي ارتقى سلم المراتب في الأمم المتحدة ليصير أول أمين عام أفريقي




 مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 2001 في رام الله (أ.ف.ب)
مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 2001 في رام الله (أ.ف.ب)
TT

العالم يخسر كوفي أنان «الوجه الأرستقراطي» للدبلوماسية الدولية




 مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 2001 في رام الله (أ.ف.ب)
مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 2001 في رام الله (أ.ف.ب)

بغياب الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان، يخسر العالم من كان يعتبر أحد أهم شخصياته السياسية والدبلوماسية والرمز الكاريزماتي الذي ارتقى كل درجات سلم المراتب في المنظمة الدولية ليصير أمينها العام الأفريقي الأول، الذي فاز بجائزة نوبل للسلام وظلّ أيضاً مرجعاً لمن بعده في هذا المنصب وسواهم حتى الأشهر الأخيرة قبل وفاته السبت في سويسرا عن 80 عاماً. وأعلنت المؤسسة التي تحمل اسمه في تغريدة على «تويتر» أن الوفاة حصلت في سويسرا، مضيفة أنه توفي بعد مدة قصيرة من إصابته بالمرض. ولكنها لم تحدد سبب الوفاة. وأضافت أن زوجته الثانية ناني وأبناءه أما وكوجو ونينا كانوا بجواره في أيامه الأخيرة. وأفادت بأنه «أينما كانت هناك معاناة أو حاجة، اتصل وتواصل مع أناس كثيرين بعطف وتعاطف عميقين».
وقال مصدران مقربان من أنان، الذي يحمل جنسية غانا، إنه توفي في مستشفى بيرن بسويسرا في الساعات الأولى من صباح السبت.
وأمضى أنان حياته المهنية بالكامل إدارياً في الأمم المتحدة. وساعده أسلوبه الذي كثيراً ما وصف بأنه «أرستقراطي» وأناقته الهادئة وذكاؤه السياسي في توجيه صعوده ليصير أمينها العام السابع، وهو الأول الذي يُعين لهذا المنصب من داخل المنظمة. وخدم ولايتين من 1 يناير (كانون الثاني) 1997 حتى 31 ديسمبر (كانون الأول) 2006، وتُوِّجت في منتصفها تقريباً عندما جرى منحه هو والأمم المتحدة جائزة نوبل للسلام عام 2001. وبعد انتهاء ولايته في الأمم المتحدة، تقاعد أنان وأقام في قرية سويسرية قريبة من مدينة جنيف. وتروج مؤسسته التي تأسست قبل عشر سنوات للحكم الرشيد والتحول في مجال الزراعة بأفريقيا. ولكنه ظل مناصراً قوياً للقضايا العالمية من خلال مؤسسته.
وخلال توليه المنصب، كان أنان على رأس بعض أسوأ الإخفاقات والفضائح في المنظمة الدولية، في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في العالم منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945. وأرغمته التحديات من البداية على تمضية معظم وقته في الكفاح من أجل استعادة سمعته الملطخة. وتمكن إلى حد كبير من صون رفعته الأخلاقية من الشوائب، بفضل الكاريزما التي اتسم بها وبفعل التفاوض مع معظم القوى في العالم. وعندما غادر الأمم المتحدة، ترك منظمة دولية أكثر انخراطاً في حفظ السلام ومحاربة الفقر، ووضع إطار عمل لاستجابة الأمم المتحدة في القرن الحادي والعشرين للفظائع الجماعية ولتأكيدها على حقوق الإنسان والتنمية. ونعاه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في بيان قائلاً إن أنان «كان قوة موجهة للخير»، فضلاً عن أنه كان يجسد منظمة الأمم المتحدة، التي ترقى بين صفوف الموظفين فيها ليقودها إلى الألفية الجديدة بعزم وإباء لا مثيل لهما.
وأضاف أنه يفخر بأن أنان كان صديقاً ومرشداً له، وبأنه اختاره ليكون مفوضاً سامياً لشؤون اللاجئين تحت قيادته. وقال: «ظلّ أنان شخصاً ألجأ إليه دائماً لطلب المشورة والحكمة، وأعلم أنني لم أكن وحدي في ذلك» لأنه «أتاح للناس في كل مكان مجالاً للحوار ولحل المشكلات ومساراً لإيجاد عالم أفضل»، معتبراً أنه «في هذه الأوقات الصعبة، لم يتوقف أنان عن العمل لتجسيد قيم ميثاق الأمم المتحدة»، مؤكداً أن «إرثه سيظل مصدر إلهام لنا جميعاً». وقال أيضاً إنه «في نواحٍ كثيرة كان كوفي أنان هو الأمم المتحدة. ترقى في السلم الوظيفي حتى قاد المنظمة إلى ألفية جديدة بكرامة وتصميم منقطعَي النظير».
وقدم غوتيريش تعازيه لزوجة كوفي أنان، ناني، ولذويه ولكل من يشعر بالحزن لوفاة «ابن أفريقيا الأبي الذي صار بطلاً عالمياً للسلام من أجل البشرية جمعاء». وكتب غوتيريش في تغريدة على «تويتر» أن «كوفي أنان كان قوة موجهة للخير، أشارك العالم الحداد على وفاته. في هذه الأوقات المضطربة والعصيبة، سيظل إرثه، باعتباره بطلاً عالمياً للسلام، مصدر إلهام حقيقياً لنا جميعاً».
وحتى عندما صار خارج المنصب، لم يغادر أنان قط مدار الأمم المتحدة. عاد إليها في أدوار خاصة، بما في ذلك المبعوث الخاص المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا عام 2012. واستقال بعد إخفاق قوى عالمية في الوفاء بالتزاماتها، قائلاً: «خسرت قواتي وأنا في الطريق إلى دمشق».
وتولى أنان المنصب الأرفع على قمة الأمم المتحدة بعد ست سنوات من انهيار الاتحاد السوفياتي وترأس خلال عقد، اتحد العالم فيه ضد الإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) ثم انقسم بشدة على الحرب بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق. واختبرته العلاقة مع الولايات المتحدة كزعيم دبلوماسي عالمي.
عارض بحزم الغزو الأميركي للعراق عام 2003. وقال في مقابلة مع مجلة «تايم» في فبراير (شباط) 2013 بمناسبة نشر مذكراته «عمليات التدخل: الحياة في الحرب والسلام»: «أعتقد أن اللحظة الأحلك لدي كانت حرب العراق، والحقيقة أننا لم نستطع إيقافها». وفي المقابلة المسجلة على شريط فيديو، التي نشرها موقع مؤسسة «كوفي أنان» على الإنترنت، أضاف: «عملتُ بجدّ - كنت أتصل عبر الهاتف لأتحدث مع الزعماء في أنحاء العالم. لم تحظَ الولايات المتحدة بالدعم في مجلس الأمن». وزاد: «لذلك قرروا الذهاب من دون المجلس. لكنني أعتقد أن المجلس كان على حق في عدم الموافقة على الحرب». وسأل: «هل يمكن أن تتخيلوا إذا كانت الأمم المتحدة أيدت الحرب في العراق، كيف ستكون سمعتنا؟ على رغم ذلك آنذاك، قال الرئيس (جورج دبليو) بوش إن الأمم المتحدة تتجه إلى أن تكون عديمة الصلة، لأننا لم ندعم الحرب. الآن نحن نعرف بشكل أفضل».
رغم مهاراته الدبلوماسية الحذقة، لم يخش أنان إطلاقاً التحدُّث بصراحة. لم يحصل على تأييد شعبي كافٍ بسبب ذلك، لا سيما في حال إدارة بوش، حيث أمضى معسكر أنان الكثير من الوقت في التشاحن معها. ومضى الكثير من فترة ولايته الثانية على خلاف مع الولايات المتحدة، المساهم الأكبر في الأمم المتحدة، بينما كان يحاول الاعتماد عليها لدفع ما يقرب من ملياري دولار من المتأخرات.
وتعرض أنان للانتقاد عندما كان رئيساً لعمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام بسبب إخفاق المنظمة الدولية في وقف الإبادة الجماعية التي وقعت في رواندا في التسعينات من القرن الماضي. وارتبط اسمه أيضاً بجهود السلام لإعادة توحيد شطري جزيرة قبرص؛ إذ تقدم بمسوَّدة خطة لإعادة توحيد الجزيرة لكن القبارصة اليونانيين رفضوها في استفتاء عام 2004.
وخلال مقابلة مع برنامج «هارد توك» في هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» في أبريل (نيسان) الماضي بمناسبة عيد ميلاده الثمانين، قال أنان: «يمكن تحسين الأمم المتحدة، إنها ليست مثالية (…) أنا متفائل عنيد. ولدت متفائلاً وسأظل متفائلاً».
وعندما كان كبير الموظفين الدوليين، كان من أولوياته برنامج الإصلاح الشامل لتعزيز منظومة الأمم المتحدة وجعل النظام العالمي أكثر فعالية. وكان مدافعاً ثابتاً عن حقوق الإنسان وسيادة القانون والأهداف الإنمائية للألفية وأفريقيا. وحرصاً منه على أن تكون الأمم المتحدة أكثر قرباً للجمهور العام، عزز علاقات المنظمة الدولية بالمجتمع المدني والقطاع الخاص وشركاء آخرين. وبمبادرة منه، عززت قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام بشكل مكَّن المنظمة من التكيف مع الزيادة السريعة في عدد عمليات وأفراد حفظ السلام.
وبناء على دعواته، أنشأت الدول الأعضاء لجنة بناء السلام، ومجلس حقوق الإنسان. كما قام بدور محوري في إنشاء الصندوق الائتماني الدولي لمحاربة الإيدز والسل والملاريا، واعتماد استراتيجية الأمم المتحدة الأولى لمكافحة الإرهاب، وفي قبول الدول الأعضاء مبدأ «مسؤولية الحماية» لضمان حماية الناس من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية.

زعماء العالم ينعون أنان
- الرئيس الغاني نانا أكوفو - أدو:
إن «الدبلوماسي الدولي المتمرس والأمين العام السابق للأمم المتحدة الذي يحظى باحترام شديد السيد كوفي أنان كان أول مَن يشغل هذا المنصب المرموق من دول أفريقيا جنوب الصحراء. حقق صيتاً متميزاً لبلدنا بهذا المنصب وعبر أدائه وسلوكه في الساحة الدولية. أنان كان مفعماً بالإيمان بقدرة المواطن الغاني على رسم مساره نحو التقدم والرخاء».
- الرئيس الغاني السابق جون ماهاما:
أنان «عاش وعمل من أجل السلام العالمي والأمن والتنمية المستدامة في أوقات صعبة للغاية. إنه فخر لغانا ولأفريقيا».
- مجموعة الحكماء التي أنشأها نيلسون مانديلا وتتألف من شخصيات عالمية وكان أنان عضواً فيها:
«لعب أنان دوراً حيوياً في قيادة عمل منظمة الحكماء وكان صوت القوة والحكمة في السر والعلن... فضلاً عن أنه كان مدافعاً ثابتاً عن حقوق الإنسان والتنمية وسيادة القانون. كوفي أنان كان ملتزماً مدى الحياة بقضية السلام وعُرف عنه معارضته القوية للعدوان العسكري، خصوصاً غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة عام 2003».
- ديسموند توتو... عضو مجموعة الحكماء:
«أنان يمثل قارتنا والعالم بحفاوة ونزاهة وامتياز... نشكر الله كثيراً على هذه النعمة».
- تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية:
«أنان زعيم رائع ومصلح للأمم المتحدة أسهم بشكل كبير في تحويل العالم الذي تركه إلى مكان أفضل عن العالم الذي وُلد فيه».
- إيمانويل ماكرون رئيس فرنسا:
«فرنسا تثني عليه. لن ننسى قط توجهه الهادئ والحازم للأمور والتزامه القوي».
- فلاديمير بوتين رئيس روسيا:
«سنوات كثيرة من حياة هذا الشخص المميز والسياسي العظيم كرسها لخدمة الأمم المتحدة. ترأس الأمم المتحدة في وقت عصيب، وفعل الكثير لتحقيق غايات وأهداف المنظمة، معززاً دورها المركزي في الشؤون العالمية... إسهاماته الشخصية في بناء إمكانات الأمم المتحدة لحفظ السلام، وكذلك في تسوية عدد من النزاعات الإقليمية، كانت مهمة بشكل خاص». أنا معجب بصدق بحكمته وشجاعته، وقدرته على ذلك اتخاذ قرارات متوازنة حتى في أصعب الأوضاع وأحرجها».
- سيريل رامابوسا رئيس جنوب أفريقيا:
«أنان كان زعيماً رائعاً ودبلوماسياً فريداً... طرح الأجندة الأفريقية داخل الأمم المتحدة ورفع علم السلام في كل أنحاء العالم».
- عبد الله المعلمي المندوب السعودي الدائم لدى الأمم المتحدة:
«نأسى لوفاة كوفي أنان. كان رجلاً كريماً وفضيلاً»، مشيراً إلى معرفته الشخصية به حيث «كان لي شرف الترحيب به في الرياض مع مجموعة الحكماء قبل أسابيع قليلة»، وإلى إدارته نقاشاً حول الشؤون العالمية حيث ظهر أنان باعتباره «مواطناً عالمياً مكرساً للسلام العالمي».
- أنور قرقاش وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية:
«رحل عن الدنيا بعد مسيرة سياسية حافلة... إنه قامة دبلوماسية تميز بأدائه في وظيفة شاقة وظروف صعبة».
- زيد رعد الحسين المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان المنتهية ولايته:
«أنان أفضل مثال على الإنسانية ونموذج للكياسة والعطف الإنساني... كلما أشعر بالعزلة والوحدة السياسية أخرج للسير لفترات طويلة مع أنان في جنيف». وأضاف: «أخبرته مرة كيف أن الجميع متبرمون مني، فنظر إلى كما ينظر أب لابنه وقال بثبات: إنك تفعل الصواب، دعهم يتبرموا، ثم علت محياه ابتسامة عريضة».
- غسان سلامة المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا:
«فقد العالم اليوم رجلاً نبيلاً أمضى العمر حتى ساعته الأخيرة عاملاً في سبيل السلم والوفاق وحل النزاعات». وأضاف: «كان كوفي أنان دمث الخلق، رقيق الشعور، حذقاً في التوسط، صبوراً في وجه العقبات، حكيماً في التعامل مع المتخاصمين، إنسانياً في رفقة الضعفاء، وصديقاً صدوقاً لأزمنة المصاعب كما لأيام الطمأنينة».
- نيكي هيلي المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة:
أنان «كرس حياته لجعل العالم مسالماً أكثر»، مضيفة أنه «عمل بلا كلل لتوحيدنا ولم يتوقف قط عن المحاربة من أجل كرامة كل شخص».


مقالات ذات صلة

تقرير: حرب ترمب على العدالة الدولية تطول موظفي المحكمة الجنائية والأمم المتحدة

الولايات المتحدة​ المقررة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: حرب ترمب على العدالة الدولية تطول موظفي المحكمة الجنائية والأمم المتحدة

حذرت الرسائل التي كتبتها فرانشيسكا ألبانيزي مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة أكثر من 12 شركة أميركية.

«الشرق الأوسط» (مودينا)
المشرق العربي مستوطنون إسرائيليون يراقبون في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال جولة أسبوعية في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 31 يناير 2026 (رويترز)

الأمم المتحدة: الضفة الغربية شهدت أعلى نسبة تهجير الشهر الماضي

قالت الأمم المتحدة، الخميس، إن هجمات المستوطنين الإسرائيليين ومضايقاتهم في الضفة الغربية المحتلة تسببت في تهجير نحو 700 فلسطيني خلال شهر يناير.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
الولايات المتحدة​ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)

غوتيريش: انتهاء معاهدة «نيو ستارت» النووية بين واشنطن وموسكو «لحظة عصيبة»

حض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الأربعاء، الولايات المتحدة وروسيا على الإسراع في توقيع اتفاق جديد للحد من الأسلحة النووية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم أرشيفية لسجناء من «داعش» داخل أحد سجون الرقة في شمال سوريا (الشرق الأوسط)

الأمم المتحدة: خطر تنظيم «داعش» ازداد وأصبح «أكثر تعقيداً»

قالت الأمم المتحدة الأربعاء إن التهديد الذي يشكّله تنظيم «داعش»  ازداد بشكل مطّرد منذ أواسط العام 2025 وأصبح «أكثر تعقيدا».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية رفض أممي لمشروع قانون إسرائيلي ينص على تنفيذ عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين المتهمين بقتل إسرائيليين (رويترز)

خبراء أمميون ينددون بمشروع قانون في الكنيست يطلب إعدام فلسطينيين متهمين بقتل إسرائيليين

ندد 12 خبيراً أممياً الأربعاء بمشروع قانون إسرائيلي ينص على تنفيذ عقوبة الإعدام بحق «الإرهابيين»؛ في إشارة إلى الفلسطينيين المتهمين بقتل إسرائيليين.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».