النظام يمهّد لمعركة فتح طريق حمص ـ حلب وتأمين معاقله في حماة واللاذقية

عشرات الضحايا بقصف عنيف على معاقل المعارضة... وتضارُب حول موعد بدء الهجوم على ريف إدلب

رجل يتفقد ركام أبنية مدمرة بفعل قصف قوات النظام على بلدة أورم الكبرى في ريف حلب الغربي ليلة الجمعة (أ.ف.ب)
رجل يتفقد ركام أبنية مدمرة بفعل قصف قوات النظام على بلدة أورم الكبرى في ريف حلب الغربي ليلة الجمعة (أ.ف.ب)
TT

النظام يمهّد لمعركة فتح طريق حمص ـ حلب وتأمين معاقله في حماة واللاذقية

رجل يتفقد ركام أبنية مدمرة بفعل قصف قوات النظام على بلدة أورم الكبرى في ريف حلب الغربي ليلة الجمعة (أ.ف.ب)
رجل يتفقد ركام أبنية مدمرة بفعل قصف قوات النظام على بلدة أورم الكبرى في ريف حلب الغربي ليلة الجمعة (أ.ف.ب)

يمضي النظام السوري في الاستعداد لمعركة محدودة في ريف إدلب في شمال سوريا، تمكّنه من إعادة افتتاح طريق حمص - حلب الدولي، وتؤمّن مناطق حيوية في حماة واللاذقية، وسط تقديرات بأن يكون «الجيش السوري الحر» المتضرر الأكبر من «عملية إدلب»التي تتضارب المعلومات حول موعد انطلاقها.
وساد هدوء حذر في المحافظات الشمالية غداة قصف عنيف استهدف معاقل مسلحي المعارضة في ريف جنوب محافظة إدلب بشمال غربي سوريا بعد منتصف ليلة الجمعة، مما أسفر عن مقتل وإصابة عشرات المدنيين بينهم أطفال. وتوزعت الضربات على مدينة خان شيخون وبلدة التمانعة وبلدتي التح والدرابلة، وتلت مجزرة ارتكبها النظام في بلدة أورم الكبرى بريف حلب الغربي.
وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن القصف الجوي الذي استهدف ليلة الجمعة - السبت مناطق سيطرة الفصائل المعارضة في شمال سوريا، تسبب في مقتل 53 مدنياً، بينهم 26 طفلاً. وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن، لوكالة الصحافة الفرنسية: «قُتل 41 مدنياً بينهم 25 طفلاً جراء القصف الجوي ليلاً على بلدة أورم الكبرى في ريف حلب الغربي»، بينما قُتل 12 آخرون بينهم طفل في الغارات على محافظة إدلب المحاذية. وكانت حصيلة سابقة قد أشارت إلى مقتل نحو 30 مدنياً.
ووصفت مصادر المعارضة في الشمال، التطورات الأخيرة بأنها «عمليات تمهيدية» عادةً ما يتبعها النظام قبل الانطلاق في حملة عسكرية واسعة، مشيرةً إلى أن المعركة «لها مبررات كافية بالنسبة إلى النظام وروسيا للمضي بها»، في إشارة إلى اتفاق غير معلن بين تركيا وروسيا على إعادة افتتاح خط حمص - حلب الدولي الخاضع في مناطق محددة لسيطرة قوات المعارضة، وتفكيك «جبهة النصرة». وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «ما يتم الآن هو عمليات تحضيرية، تسبق عملية محدودة ستكون على الأرجح قبل سبتمبر (أيلول)»، وذلك خلافاً لما قاله قائد ميداني يقاتل مع القوات النظامية عن أن معركة محافظة إدلب لن تبدأ قبل بداية شهر سبتمبر القادم. وقال القائد الميداني لوكالة الأنباء الألمانية، أمس: «تواصل القوات الحكومية إرسال تعزيزات عسكرية إلى محافظتي حماة وإدلب، وأول تلك التعزيزات توجهت أمس إلى معسكر جورين في أقصى الشمال الغربي من محافظة حماة وقرب مدينة جسر الشغور في ريف إدلب الغربي». وأكد القائد العسكري أن «تعزيزات عسكرية أخرى للقوات الحكومية وصلت إلى مواقع للقوات الحكومية شرق مدينة حماة استعداداً لمعركة ريفي حماة وإدلب».
غير أن سياق المعركة، لن يكون واسعاً، حسب ما يقول الباحث السياسي السوري والخبير في شؤون الجماعات المتشددة عبد الرحمن الحاج، الذي أعرب عن اقتناعه بأنه «إذا ما باشر النظام بالمعركة الآن، فإنه لن يذهب إلى اجتياح كامل، إذ ستكون المعركة محدودة بالسيطرة على طريق حمص - حلب الدولي، وستطال جنوب المحافظة المرتبطة بشمال محافظة حماة بغرض تأمين منطقة وسط سوريا الخاضعة لسيطرته، إضافة إلى السيطرة على جسر الشغور بهدف إبعاد المعارضة عن اللاذقية وتأمين المحافظة الحيوية» التي تعد معقلاً للنظام، وتقيم فيها روسيا قاعدتها العسكرية الأكبر في سوريا.
وقال الحاج: «سيحاول النظام اللجوء إلى المصالحات لتخفيف الخسائر، لكنه في المقابل لن يمضي في عملية واسعة لأسباب عدة أهمها أن هناك مئات الآلاف من اللاجئين الذين قد يتدفقون إلى تركيا، ولا تستطيع تركيا استيعابهم بأكملهم إذا ما اتخذ القرار العسكري بالسيطرة على كامل المحافظة، فضلاً عن أن مشكلة جبهة النصرة لم تُحل بعد»، ما يعني أن جزءاً من المحافظة سيبقى متاحاً لقوات المعارضة، بسبب قضية اللاجئين.
ويقول مطلعون على الملف إن الاتفاق الروسي - التركي الذي تم التوصل إليه في آستانة العام الماضي يتضمن شقين لم يتم تنفيذهما، وسيكونان «ذريعة للنظام للهجوم على إدلب» بعد أن صفّى مناطق سيطرة المعارضة تدريجياً بأرياف دمشق ودرعا والقنيطرة وحمص، وهما ملف طريق حمص - حلب الدولي، وملف إنهاء «النصرة» وتفكيكها، والتوصل إلى حل كامل لمسألة الجماعات المتشددة، وهو ما عملت عليه تركيا منذ أكثر من عام. وقال الحاج: «قطعت تركيا شوطاً كبيراً في جهود تفكيك (النصرة) وإعادة دمج عناصرها، لكنها لم تستطع إنهاء هذا الملف بعد. نحن أمام وضع جديد لـ(النصرة)، بعد انسحابها من أكثر من 400 قرية في وقت سابق، وتركز وجودها في شمال المحافظة، لكنه ليس الوضع المثالي بعد، بالنظر إلى أن عملية تكييفها ودمج عناصرها هي الحلقة الأصعب كونها مرتبطة بملف الأجانب وحل التنظيم نهائياً». لكنه أشار إلى أن التنظيم المتشدد «لن يحل كيانه إلا إذا أحس بأنه معرّض للفناء بالكامل». وقال: «إنجاز عملية كاملة في هذا الوقت غير متاح وغير ممكن، ما يعني أن (النصرة) ستكون لديها قدرة على البقاء، حتى أشهر إلى الأمام على الأقل، ولن تكون معرضة لهجمات كون عملية النظام بعيدة عن مواقع وجودها في الشمال، بينما سيكون (الجيش الحر) وتحديداً (جيش العزة) هو الأكثر تضرراً من العملية المزمع القيام بها، لأنه يوجد في مناطق جنوب المحافظة».
وقال قائد عسكري في «جيش العزة» التابع لـ«الجيش الحر» إن فصائل المعارضة المشاركة في «الجبهة الوطنية للتحرير» تستعد لمعارك محافظة إدلب وريفي حماة الغربي والشرقي، وإن عدد مقاتلي الفصائل أكثر من مائة ألف مقاتل بقيادة فضل الله الحجي على جبهات ريف حلب الجنوبي وجبهات إدلب وريفي حماة الشرقي والغربي وريف اللاذقية.
من جانبه، كشف مصدر رفيع المستوى في المعارضة السورية عن أن تركيا أبلغت فصائل المعارضة في شمال سوريا بضرورة الاستعداد للمعركة وقالت لهم: «استعدوا للمعركة ونحن نتدخل في الوقت المناسب». وأكد المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، لوكالة الأنباء الألمانية: «لن تترك تركيا فصائل المعارضة كما حصل في غوطة دمشق ودرعا، بل سيكون لها وجود قوي في شمال سوريا من خلال الفصائل المرتبطة بها، وتقوم تركيا حالياً بتقديم خدمات من مستشفيات ومعاهد وجامعات واتصالات في مناطق إدلب وريف حلب الشمالي وحماة، لذلك لن تترك الفصائل وحدها بمواجهة القوات الحكومية المدعومة بغطاء جوي روسي». وأشار إلى أن هناك توافقاً روسياً - تركياً على فتح الطرق الدولية في محافظة حلب إن كان لجهة دمشق - حلب أو لجهة حلب والحدود التركية عبر معبري باب السلامة وباب الهوى.
ميدانياً، رصد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» استهداف قوات النظام بمزيد من القذائف المدفعية والصاروخية، لمناطق في قرى الأربعين والزكاة ومعركبة، الواقعة في القطاع الشمالي لحماة، ليرتفع إلى أكثر من 1914 عدد القذائف المدفعية والصاروخية التي أطلقتها قوات النظام مستهدفة مناطق في القطاع الشمالي من ريف حماة والقطاعين الشمالي الغربي والشمالي الشرقي، خلال الأيام الـ35 الأخيرة.
ونقلت وكالة «رويترز» عن «أبو البراء الحموي» وهو من قادة المعارضة المسلحة في شمال حماة، أن الضربات على بلدة أورم الكبرى غرب حلب تسببت في ما وصفه بالمذبحة. وذكرت قناة «أورينت» التلفزيونية المؤيدة للمعارضة أن 20 شخصاً قُتلوا، بينما قال «المرصد» إن 18 شخصاً على الأقل قُتلوا. وكان الجيش السوري قد ألقى منشورات، الخميس، فوق محافظة إدلب تدعو الناس إلى الموافقة على عودة حكم الدولة وتبلغهم بأن الحرب شارفت على نهايتها.
وقال الحموي إن هجمات، أول من أمس (الجمعة)، وهي الأعنف منذ أشهر، بدت جزءاً مما وصفه بالحرب النفسية على السكان. وأضاف لـ«رويترز» أن مقاتلي المعارضة مستعدون لصد أي هجوم محتمل مع قوات الحكومة، مشيراً إلى أن إدلب مختلفة عن بقية المناطق.
وقال محمد رشيد، وهو متحدث باسم «جيش النصر» في محافظة حماة، إن القوات الموالية للحكومة السورية لم تتقدم بعد براً، وإن الهجمات تعتمد على القصف والغارات الجوية.
وذكرت جماعة الخوذ البيضاء للإغاثة التي تعمل في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، على حسابها على «تويتر»، أن براميل متفجرة استُخدمت في القصف.
ونقلت «رويترز» عن الوكالة العربية السورية للأنباء السورية الرسمية، أن الجيش السوري نفّذ عمليات ضد ما وصفها بـ«الجماعات الإرهابية» في ريف حماة الشمالي ودمر عدداً من مقراتها وقتل وأصاب عدداً غير محدد من أفرادها.
وعقب حملة القصف الجوي والمدفعي ليلة الجمعة، ساد هدوء حذر في شمال سوريا، أمس. وتزامن هذا الهدوء مع إدخال القوات التركية شحنة جديدة من الكتل الإسمنتية والجدران مسبقة الصنع، حيث تستخدمها القوات التركية في تحصين نقاطها العسكرية.



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.