الطبقة تنتظر «الحل الشامل» لسوريا... وموظفو السد يعودون إلى عملهم

«الشرق الأوسط» تستطلع أوضاع المدينة الحليفة لواشنطن جنوب نهر الفرات

يتسوقون وسط مدينة الطبقة
يتسوقون وسط مدينة الطبقة
TT

الطبقة تنتظر «الحل الشامل» لسوريا... وموظفو السد يعودون إلى عملهم

يتسوقون وسط مدينة الطبقة
يتسوقون وسط مدينة الطبقة

يروي المهندس حكمت حسوة (59 سنة) المدير العام لمؤسسة سد الفرات، كيف أن عناصر تنظيم داعش وقبل انتهاء المعارك بشهر مايو (أيار) العام الماضي، أضرموا النار في غرفة القيادة المركزية، إلى جانب تفجير المجموعات الكهربائية الثماني.
آنذاك خرجت المحطة عن الخدمة نهائياً وكان السد مهدداً بخطر كبير. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «وقتها قام عمال الصيانة وموظفو السد بجهود جبارة حتى أنقذوا هذه المنشأة، اليوم الجميع حريص أن يعود السد إلى طاقته الطبيعية كما كان قبل 2011».
ويعد «سد الفرات» ويسمى أيضاً «سد الطبقة»، من أهم السدود بالنسبة لسوريا وتعتبر أول محطة كهرمائية على مستوى البلاد، إذ يولد السد 880 ميغاواط بالساعة عند عمل مجموعاته الثماني التي تبلغ طاقة كل واحدة منها نحو 110 ميغاواط، ويعود تاريخ بنائه للعام 1955 حيث يبلغ طوله 4.5 كلم، وعرضه من الأعلى 20 مترا وعند القاعدة 60 متراً.
ومنذ تخرجه في جامعة حلب فرع الهندسة الكهربائية سنة 1982، يعمل المهندس حكمت حسوة في السد ويشغل منصب المدير العام «لمنشأة سدود الفرات». وبعد تحرير السد من قبضة عناصر «داعش» عاد إلى عمله برفقة عدد قليل من الموظفين السابقين، وقد تمكنوا من تشغيل المجموعة رقم 8 التي تغذي احتياجات السد.
وفي شهر سبتمبر (أيلول) العام الماضي، دخلت المجموعة الثالثة للعمل. فيما عادت المجموعة الأولى للعمل نهاية العام الماضي بحسب المهندس حكمت، ويضيف: «بذلك يكون هناك ثلاث مجموعات تعمل على مدار 24 ساعة يومياً من أصل ثماني مضخات كهرمائية».
عودة موظفي الحكومة
أما المهندس علي الراوي (33 سنة)، الذي تخرج في قسم الهندسة إلكترونية من جامعة حلب سنة 2010، بدأ عمله في العام نفسه بسد الفرات. يشغل حالياً كبير مهندسي السد ورئيس شعبة الأتمتة، نقل أن منسوب بحيرة سد الفرات تناقص كثيراً، وأوضح: «حالياً لا تغذي البحيرة أكثر من مجموعتين على مدار 24 ساعة يومياً، وتولد كل مجموعة ما بين 105 إلى 110 ميغاواط»، إذ تحتاج كل مجموعة إلى 250 مترا مكعبا من المياه في كل ثانية، «لكن الكمية الموجودة في بحيرة الأسد لا تكفي لتغذية كل المجموعات»، والكلام للمهندس الراوي.
وقبل عام 2010 كانت بحيرة السد تبلغ طاقتها التخزينية 14 مليار متر مكعب من المياه، إذ يبلغ طولها 80 كلم ويصل عرضها إلى 5 كلم، أما اليوم فتناقصت كمية المياه الموجودة في البحيرة للنصف على حد تأكيد المهندس الراوي، ويعزو السبب إلى تغير العوامل المناخية وتراجع كميات الأمطار الشتوية، بالإضافة إلى تعمد الحكومة التركية إلى إغلاق المنافذ المائية الطبيعية لنهر الفرات، منوهاً: «حتى في حال عادت المجموعات الثماني للعمل لا توجد مياه كافية لتشغيلها».
وكشف مصدر مطلع على سير المحادثات الأولية بين الإدارة المدنية في الطبقة، والحكومة السورية التي أرسلت وفداً زار الطبقة بداية الشهر الجاري، من مهندسين وفنيين وعمال صيانة لتشغيل وتصليح سد الفرات، وطلبوا مرافقة الحماية الأمنية من النظام: «لكن قوات سوريا الديمقراطية ومجلس الطبقة المحلي رفضوا الطلب وأعطوا ضمانات الحماية بوجود شرطة محلية وهي أسايش».
وأكد المصدر أن مديرية السدود التابعة لوزارة الموارد المائية في الحكومة السورية افتتحت مكتباً رسمياً لها في مقر السد، ولفت إلى أن «القسم الأكبر من الموظفين الحكوميين عادوا إلى عملهم».
وقالت الإدارة المدنية في الطبقة عبر بيان نشر على حسابها الرسمي الأسبوع الماضي، إن الموظفين السابقين في سد الفرات لدى النظام ما زالوا على رأس عملهم، «لأن السد ثروة وطنية ويغذي كل المناطق في الشمال السوري بالتيار الكهربائي ونظراً لأنه تعرض لتدمير ممنهج خلال سيطرة عناصر (داعش) للسد، وبسبب وجود حاجة للمعدات لصيانة السد، لذا لا نرى مشكلة في أن يدير الموظفون السابقون والعمال الحاليون للإدارة السد بشكل مشترك بما يخدم المصلحة السورية العامة».
والطبقة هي المدينة الوحيدة الواقعة جنوب نهر الفرات خاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من التحالف الدولي والولايات المتحدة الأميركية، وتشكل منقطة تماس وعقدة مواصلات تربط المناطق الخاضعة للقوات النظامية، بالحدود الإدارية للمناطق الخاضعة لنفوذ «قوات سوريا الديمقراطية» شمال شرقي البلاد.
وبهدف إعادة تأهيل سد الفرات وتشغيله من جديد، اتفقت الإدارة المدنية في الطبقة مع وفد حكومة النظام على عودة جميع الموظفين والخبراء العاملين سابقاً في السد إلى أعمالهم، مقابل تأمين قطع الغيار وتشغيل السد من جديد.
واعتبر المصدر المطلع أن «ما تم بين الجانبين ليس اتفاقاً سياسيا إنما يقع في النطاق الخدمي. فالموظفون السابقون للسد ما زالوا على رأس عملهم، وباعتبار السد ثروة وطنية هناك حاجة للمعدات وقطع الصيانة»، لافتاً إلى أن الإدارة في الطبقة: «ليست لديها مشكلة في أن يدير موظفو النظام بالتنسيق مع العمال المعينين من قبل الإدارة منشأة السد بشكل مشترك، بما يخدم المصلحة الوطنية العامة».
مخاوف من عودة النظام
يتابع الحاج سعيد العليان (62 سنة) الأخبار المتسارعة في بلده سوريا عبر شاشة تلفاز مسطحة، وضعت في زاوية متجره الكائن في السوق الأول بمركز مدينة الطبقة، حيث كان منشغلاً بمتابعة نشرة الأخبار وكيفية استعادة القوات النظامية الموالية للأسد وبدعم من سلاح الجو الروسي؛ مناطق واسعة من مدينتي درعا والقنيطرة جنوب البلاد في الأيام القلية الماضية، وعقد لقاءات رسمية بين ممثلين من «قوات سوريا الديمقراطية» التي تسيطر على مسقط رأسه، والنظام السوري في دمشق.
واعتبر أنّ الخطوة تخدم مساعي الأسد لاستعادة السيطرة على سوريا بالكامل، وتساءل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «بعد درعا والقنيطرة هل ستكون إدلب الوجهة، أم الطبقة ستكون في مرمى المفاوضات لاستعادة سيطرتها»، منوهاً أن الكثير من الإشاعات تداولها الناس قبل أيام حول تسليمها للنظام وعودة أجهزته الأمنية.
ويمتلك الحاج سعيد المتحدر من مدينة الطبقة متجراً لبيع الأجبان والألبان، أمضى 4 عقود وهو يبيع ما لذ وطاب من أجود أنواع الجبن البلدي، والقشطة العربية ولبن البقر والأغنام في محله الذي يقع وسط السوق، ويضيف: «قبل أيام سمعنا أن النظام سيقيم مربعاً أمنياً في مركز الطبقة».
وتتبع مدينة الطبقة إداريا إلى محافظة الرقة (شمال شرقي سوريا) حيث تقع في ريفها الغربي على الضفة الجنوبية لنهر الفرات بجوار سد الطبقة، تبعد نحو 55 كيلومترا غرب مدينة الرقة، كما تبعد عن مدينة حلب بنحو 180 كلم باتجاه الشرق، وتشغل موقعاً مطلاً على بناء السد ومحطة التوليد وبحيرة الأسد وقلعة جعبر.
والطبقة ثاني أهم مدينة بعد الرقة تتبع محافظة الرقة وتنقسم إلى قسمين: المدينة القديمة وتعرف باسم الطبقة، والمدينة الجديدة التي أنشئت بعد بناء سد الفرات عام 1968 وتعرف باسم مدينة الثورة، حيث خرجت أولى المظاهرات المناهضة لنظام الحكم بداية شهر أبريل (نيسان) 2011. والصيدلي عزام (35 سنة) كان أحد المشاركين الأوائل في تلك الاحتجاجات.
يروي الصيدلي عزام كيف أجبر على التخفي ومتابعة نشاطه المعارض خشية من الاعتقال من الاستخبارات السورية التي كانت تلاحق النشطاء والمعارضين آنذاك. وبعد سيطرة فصائل من «الجيش السوري الحر»، عمل على مساعدة سكان مدينته وتقديم الرعاية الطبية، لكن هذا النشاط عرضه للخطر إبان سيطرة عناصر تنظيم داعش المتطرف بداية 2014، الأمر الذي دفعه للفرار وقصد مدينة الحسكة شمال شرق، وبعد تحرير مسقط رأسه من قبل التحالف الدولي و«قوات سوريا الديمقراطية» في مايو (أيار) 2017، قرر العودة إليها وفتح صيدلية من جديد.
وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، نقل أن اتجاهات سكان الطبقة متعددة، حيث تتالت عدة جهات عسكرية على حكمها منذ 8 سنوات فائتة، وقال: «بحسب خلفية كل شخص يميل إلى الجهة الأقرب إلى فكره»، ويضرب مثالاً على ذلك سوق المدينة، مشيراً: «عندما يمشي الناس رجالاً كانوا أم نساء، من السهل التعرف على هؤلاء الأشخاص والفكر الذي يحملونه، من خلال مظهر لباسهم أو وجوههم».
ويشرح عزام أن البعض لا يخفي ولاءه للتنظيمات الإسلامية المتشددة، وهناك آخرون يفضلون عودة النظام ومؤسسات الدولة لما كانت عليه قبل 2011، مضيفاً: «قسم من سكان الطبقة لا يزالون يقبضون رواتبهم من أجهزة النظام، لكن هناك قسم آخر يربطون مصير الطبقة بمناطق فيدرالية شمال سوريا»، ويرون أن الإدارة المدنية هي الشكل الأنسب في حكم المدينة، وعن رأيه بهذه الآراء يزيد: «ستبقى الطبقة مثلها مثل باقي المناطق السورية بانتظار حل شامل على مستوى البلاد. الحلول الجزئية مؤقتة وغير مناسبة سواءً على مستوى الحكم أو النظام التعليمي أو العدالة الانتقالية».
ولم يخف الصيدلي عزام تداول إشاعات بين سكان الطبقة بعودة أجهزة النظام ومؤسساته الأمنية تدريجياً إلى المدينة، وقال: «لا يفصلنا عن مناطق النظام سوى أمتار، هل سيعود عاجلاً أم آجلاً! العلم عند الله».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.