انهيار فنزويلا يحوّل أبناءها إلى فقراء أميركا اللاتينية الجدد

خمسة آلاف يهربون من البلاد يومياً... والنساء أكبر الضحايا

TT

انهيار فنزويلا يحوّل أبناءها إلى فقراء أميركا اللاتينية الجدد

في وقت مضى كان أبناء فنزويلا، الذين بدا أنهم ينفقون المال بلا حساب، يتكدسون داخل متاجر في بلاد أجنبية اشتهروا فيها بعبارة «دام دوس»، التي تعني: «سأشتري قطعتين». إلا أن مواطني ما كانت تعد ذات يوم أغنى دول أميركا اللاتينية من حيث دخل الفرد، أصبحوا يواجهون اليوم تحولاً مدمراً في أوضاعهم الاقتصادية، ليصبحوا طبقة الفقراء الجدد في أميركا اللاتينية.
فمع تعثُّر بلادهم الغنية بالنفط تحت وطأة تجربة اشتراكية فاشلة، بدأ يرحل يومياً عن البلاد ما يقدر بـ5000 شخص في أكبر تدفُّق للمهاجرين على مستوى القارة منذ عقود.
اليوم، يهجر المهنيون الفنزويليون المستشفيات والجامعات بحثاً عن لقمة العيش في شوارع بيرو، والعمل في حراسة العقارات في الإكوادور. هنا في ترينيداد وتوباغو يعمل محامون من فنزويلا عمالاً بأجرة يومية وفي الدعارة. ونتيجة لهذا الوضع المتردي دعت مفوضية اللاجئين، التابعة للأمم المتحدة، الدول الأخرى لتوفير الحماية لأبناء فنزويلا، مثلما فعلوا مع ملايين السوريين الفارين من الحرب الأهلية. ونظراً لكونهم جزءاً من عالم يعاني فجوات عميقة في مستويات الحماية المتوافرة للاجئين، فإن أبناء فنزويلا الفارين من وطنهم غالباً ما يقايضون محنة مروعة مقابل أخرى لا أكثر.
فمثلاً لا يوجد في ترينيداد قوانين لجوء للتعامل مع اللاجئين، وكنتيجة لذلك يجد آلاف الفنزويليين البائسين أنفسهم أمام مخاطرة الاحتجاز والترحيل، والتعرض لانتهاكات من جانب الشرطة وما هو أسوأ من ذلك أحياناً.
من بين هؤلاء لوز، وهي أم معيلة تبلغ 21 عاماً، جاءت إلى ترينيداد رفقة صديقين بعد أن وثقت برجل يتحدث بلكنة كاريبية، ادعى أنه يعمل مع منظمة مسيحية تعرض مساعدات وخدمة إعادة التوطين. لكن بدلاً من ذلك جرى نقل النساء الثلاث إلى منزل، حيث تعرضن لضرب مبرح قبل الاعتداء عليهن، واستغلالهن من جانب ما يبدو أنه عصابة للأعمال المنافية للآداب.
تقول لوز إن كل سيدة جرى تصويرها أثناء اغتصابها من جانب مجموعة من الرجال. لكنها تمكنت من الفرار مع السيدتين الأخريين، وأصبحن يعشن الآن في ظل رعاية منظمة خيرية كاثوليكية.
من جهتها، قالت كارولينا خيمينيز، المسؤولة البارزة لدى منظمة العفو الدولية «الوضع غير المسبوق في فنزويلا تحول إلى أزمة حقوق إنسان داخلية، ثم إلى أزمة حقوق إنسان إقليمية»، مضيفة أن «دول المنطقة ليست مستعدة لاستقبال هذا العدد الكبير من طالبي اللجوء، ولا توجد لديها أنظمة اللجوء اللازمة للحيلولة دون تعرض اللاجئين للاستغلال في مجال العمل أو الاتجار في البشر. يجب حماية هؤلاء الأفراد، لكن بدلاً من ذلك يتعرضون للاستغلال».
منذ خمسينات القرن العشرين، وحتى مطلع ثمانينات القرن نفسه، كانت فنزويلا أشبه بمحرك اقتصادي. دولة تملك أكبر احتياطيات نفطية بالعالم، ومنارة جاذبة للاجئين المقبلين من بلدان بعيدة للغاية مثل إيطاليا وإسبانيا. لكن بعد ذلك تعرضت البلاد لصدمات نفطية، وأزمات على صعيد العملة حولتها إلى كومة من الفوضى.
وفي عام 1999 اتبع هوغو شافيز، الذي تولى الرئاسة، نمطاً من الاشتراكية أسفر عن انهيار كثير من الشركات أو تأميمها. وأدت حملة تطهير لقطاع النفط، الذي تتولى الدولة إدارته، إلى تسريح آلاف العمال... وتحول تداعي فنزويلا إلى حالة من السقوط الحر في ظل قيادة الرئيس نيكولاس مادورو. ويرى نقاد أن سوء إدارة حكومة مادورو وفسادها، وسعيه المتهور وراء تعزيز سلطته حتى في وقت كانت فيه أسعار النفط تتهاوى، تسبب في انهيار البلاد.
وعلى مدار سنوات شرع الفنزويليون الأثرياء في الفرار من وطنهم ليستقر بهم الحال داخل قصور ومنازل فخمة في ميامي ومدريد. لكن في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية أصبح الفارون اليوم من المعوزين بصورة متزايدة، بما في ذلك أعضاء من الطبقة الوسطى المنهارة. فيما تقدر الأمم المتحدة أعداد الفنزويليين الذين سيغادرون وطنهم هذا العام بمليوني نسمة. إضافة إلى 1.8 مليون نسمة غادروا خلال العامين الماضيين.
بالنسبة لمن يملكون المال والتأشيرات اللازمة فإنهم لا يزالون يتجهون إلى الولايات المتحدة، حيث يشكل أبناء فنزويلا اليوم الفئة الكبرى بين طالبي اللجوء، إلا أن الوجهة التي تقصدها أعداد أكبر من الفنزويليين تبقى هي دول أميركا اللاتينية ودول الكاريبي.
لكن داخل منطقة يعيش كثير من أبنائها بالفعل على هامش المجتمع، تعمل الحكومات على زيادة صعوبة بقاء اللاجئين الفنزويليين داخل بلادها.
وكمثال على ذلك، أقرَّت بنما متطلبات جديدة بالنسبة للفنزويليين للحصول على تأشيرتها. فيما أقرت تشيلي في أبريل (نيسان) الماضي عقبات جديدة أمامهم.
ويفر عشرات الآلاف من أبناء فنزويلا إلى الكاريبي، حيث تفتقر جزر المنطقة من الأساس إلى قوانين للجوء السياسي. وهناك يواجهون تحديات جمة. في هذا السياق قالت ماري آن غويري، المتحدثة الرسمية باسم منظمة «فينيكس» للإغاثة الموجودة بجزيرة كوراساو، إن المهاجرين الفنزويليين «يتعرضون لاستغلال وحشي. وفي واحدة من الحالات احتجز صاحب مطعم المدخرات النقدية الخاصة بعاملة فنزويلية لديه غير مقيدة بالسجلات الرسمية. وعندما طالبت العاملة بأموالها اعتدى عليها بالضرب وأبلغ الشرطة كي تحتجزها».
وذكرت منظمات إغاثة أن ما يصل إلى 45000 فنزويليّ عبروا المضايق الضيقة في السنوات الأخيرة إلى ترينيداد وتوباغو. ولا يزال ينضم إليهم أسبوعيا 160 فرداً.
ولأن القانون هنا يجرم الهجرة غير المنتظمة، يواجه الفنزويليون الذين يفدون في قوارب المهربين احتمالات الاحتجاز والغرامة. وفي أبريل أثارت ترينيداد موجة انتقادات دولية واسعة ضدها في أعقاب ترحيلها 82 فنزويلياً.
وبعد الحادثة، أكد رئيس الوزراء كيث راولي أنه «لن نسمح للمتحدثين باسم الأمم المتحدة بتحويلنا إلى معسكر للاجئين».
وأشار دبلوماسيون ووكالات دولية إلى أن هناك دلائل تشير إلى توجه جديد مثير للقلق داخل ترينيداد، مفاده أن الفنزويليين اليائسين، خصوصا النساء، تحولوا إلى سلع تُباع وتشترى.
من بين هؤلاء الضحايا لوز، التي قالت إنها فقدت أحد أطفالها الثلاثة في أبريل الماضي بعدما نفد الدواء من المستشفى الفنزويلي التي كانت تعالج فيها طفلتها من عدوى بكتيرية. وعندما تلقت عرضاً بالانتقال إلى ترينيداد بدا العرض مغرياً للغاية. وحول هذا القرار تقول لوز: «قلتُ في نفسي: (سأذهب على أية حال. ولن أفوِّت أي فرصة لجعل أطفالي أفضل حالاً لمجرد أن بعض الشكوك تنتابني)».
إلا أن المحنة التي تعرضت لها أثناء قضائها خمسة أسابيع قيد الأسر، وتصويرها مراراً أثناء اغتصابها تركتها «مدمرة».
وقد جرى توثيق هذه الحالة من جانب وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، باعتبارها حالة محتملة للاتجار في البشر.
وبالنسبة لكثير من الفنزويليين تشكل الحياة اليوم في ترينيداد تحولاً مروعاً عما كان عليه الحال من قبل. ومن الأمثلة على ذلك حالة يوهانا موتا (42 عاما)، التي اضطرت للعمل في مخبز بصورة غير قانونية مقابل 20 دولاراً في اليوم، وامتدت نوبة العمل إلى 8 ساعات ونصف الساعة، وأخيراً تعرضت للطرد.
تقول موتا: «لم يرغب رئيسي في العمل في وجود أشخاص غير قانونيين لديه»، وعندما حاولت تقنين أقامتها تعرضت للنصب، واستولى آخرون على 800 دولار منها، مقابل تأشيرة اتضح أنها مزيفة. واليوم تواجه ماتا خطر الترحيل.
* خدمة «واشنطن بوست»



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».