غزة تحت النار

إسرائيل تلوح بعملية برية وتستدعي 40 ألف جندي * القسام تعلن قصف حيفا والقدس وتل أبيب بصواريخ

دخان كثيف ونيران بعد قصف الطيران الاسرائيلي لقطاع غزة أمس (رويترز)
دخان كثيف ونيران بعد قصف الطيران الاسرائيلي لقطاع غزة أمس (رويترز)
TT

غزة تحت النار

دخان كثيف ونيران بعد قصف الطيران الاسرائيلي لقطاع غزة أمس (رويترز)
دخان كثيف ونيران بعد قصف الطيران الاسرائيلي لقطاع غزة أمس (رويترز)

شنت إسرائيل، فجر أمس الثلاثاء، هجوما كبيرا على قطاع غزة هو الأوسع منذ انتهاء عملية «عامود السحاب» في 2012. وقصف الطيران الإسرائيلي، أمس، نحو 100 هدف في القطاع، بينها منازل مواطنين لأول مرة منذ سنوات، وسيارات وأراض زراعية وخالية، وهو ما خلف 13 قتيلا بينهم مسؤول وحدة الكوماندوز البحرية في كتائب القسام التابعة لحماس، وناشطون ومواطنون وأطفال، وعشرات المصابين، إضافة إلى تدمير ما لا يقل عن خمسة منازل.
ولم تتوقف الغارات الإسرائيلية على غزة طيلة يوم أمس، بعدما أعطى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أوامره بتنفيذ عملية «الجرف الصامد» ضد حماس في غزة، وردت الحركة الإسلامية وفصائل فلسطينية أخرى بإطلاق صواريخ استهدفت بئر السبع وبلدات إسرائيلية أخرى.
وأعادت مشاهد الغارات والجثث المتفحمة في غزة، وإطلاق صواريخ على بلدات إسرائيلية، ذكريات الحرب الأخيرة على القطاع، وأعلنت انهيار الهدنة تماما.
وأوعز نتنياهو إلى قيادة الجيش الإسرائيلي بـ«خلع القفازات» وتوسيع رقعة العملية العسكرية ضد حماس، وطالبهم باتخاذ الاستعدادات اللازمة «للذهاب حتى النهاية»، بما في ذلك احتمال دخول قوات برية إلى القطاع.
وقال مصدر سياسي إسرائيلي إن نتنياهو أكد، خلال جلسة المشاورات الأمنية التي عقدت بعد ساعات من الهجوم على غزة، أنه يجب التهيؤ لخوض معركة منهجية طويلة ومتواصلة لاستهداف حركة حماس وردعها وحملها على دفع ثمن باهظ.
وكان الجيش الإسرائيلي أعلن بشكل مفاجئ فجر الثلاثاء بدء عملية «الجرف الصامد» لاستهداف قدرات حماس.
وقال الناطق بلسان الجيش، البريغادير موتي الموز، إن سلاح الجو سيواصل خلال الأيام القليلة المقبلة مهاجمة أهداف في قطاع غزة على نطاق واسع بهدف توجيه ضربة قاسية لحركة حماس وإعادة الهدوء إلى جنوب إسرائيل.
وأضاف أنه جرى نشر لواءين من القوات البرية بمحاذاة قطاع غزة، وسيجري على الأرجح استدعاء المزيد من جنود الاحتياط.
وقرر المجلس الأمني والسياسي المصغر الإسرائيلي استدعاء 40 ألفا من جنود الاحتياط، في إطار العملية التي تشنها إسرائيل على غزة.
ويهدف تجنيد الاحتياط الذي جرى بناء على طلب رئيس الأركان بيني غانتس، إلى تسليم هذه القوات بعض الأعمال الروتينية اليومية في مناطق أخرى، بينما تحول القوات النظامية إلى غزة.
وقال ليرنر للصحافيين: «نعزز القوات لنتمكن من تعبئتها إذا لزم الأمر. لا نعتقد أن ذلك سيحدث على الفور، ولكن لدينا ضوء أخضر لتجنيد المزيد من قوات الاحتياط لنتمكن من تنفيذ مهمة برية».
وبدأت عملية «الجرف الصامد» باستهداف مناطق مفتوحة، ومن ثم قتلت إسرائيل أحد عناصر القسام، ويدعى رشاد ياسين، في قصف في النصيرات، قبل أن تغتال ثلاثة من قادة القسام باستهداف سيارتهم في منطقة جباليا، بينهم محمد شعبان الذي قال جهاز الشاباك (الأمن الداخلي) الإسرائيلي، إنه قائد وحدة الكوماندوز البحري في القسام.
وعلى مدار يوم أمس قصفت الطائرات الإسرائيلية معظم مناطق القطاع، لكنها ركزت على استهداف منازل عناصر في حماس.
وقتلت إسرائيل في ضربة واحدة سبعة فلسطينيين باستهداف منزل لعائلة كوارع في خانيونس، بعدما رفض أفراد العائلة مغادرته وتحصنوا مع متطوعين على سطح المنزل لمنع قصفه. وأظهرت صور قصف المنزل جثثا متفحمة لأطفال وأشلاء لآخرين أخرجوا من تحت الركام. وقال الدكتور أشرف القدرة الناطق باسم وزارة الصحة إن أشلاء سبعة شهداء وصلت إلى مستشفيات جنوب القطاع ضمنهم أطفال و25 جريحا بعد استهداف منزل كوارع.
وقال الجيش الإسرائيلي إنه حقق في حادثة المنزل وإن القوات تصرفت بشكل سليم لأنها كانت حذرت سكان المنزل بضرورة مغادرته.
ومن ثم استهدف صاروخ دراجة نارية وقتل اثنين من الناشطين.
وردت الفصائل الفلسطينية بإطلاق أكثر من 100 صاروخ على إسرائيل. وعدت كتائب القسام استهداف المنازل تجاوزا للخطوط الحمر. وهدد الجناح العسكري لحماس برد «مزلزل» على الهجمات الإسرائيلية ولمسافات أبعد.
وجاء في بيان للقسام: «إننا نحذر العدو بأنّ استهداف البيوت الآمنة بهذا الشكل هو تجاوز لكل الخطوط الحمراء، وإذا لم يوقف العدو فورا سياسة قصف المنازل فإننا سنرد بتوسيع دائرة استهدافنا، وسنواجه هذه السياسة بما لا يتوقعه العدو، وعلى قيادة العدو أن تتحمل نتائج هذا الإجرام وهذه السياسة الهمجية. وقد أعذر من أنذر». واقتصرت الصواريخ الفلسطينية أمس على قصف بلدات إسرائيلية على بعد 40 كيلومترا من غزة، وقالت إسرائيل إن منظومة القبة الحديدية اعترضت خمسة منها.
وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون عن حالة خاصة في التجمعات السكنية التي تبعد 40 كيلومترا أو أقل عن قطاع غزة.
وأمرت وزارة الداخلية الإسرائيلية بإلغاء جميع النشاطات الدراسية والتعليمية بما فيها المخيمات الصيفية في التجمعات السكنية الواقعة على بعد 40 كيلومترا أو أقل من حدود قطاع غزة، وأصدرت أوامر بحظر التجمعات ودعت السكان إلى البقاء قرب الغرف المحصنة.
لكن سامي أبو زهري، الناطق باسم حماس، قال إن كل الإسرائيليين سيصبحون أهدافا مشروعة للمقاومة، في إشارة إلى توسيع نطاق إطلاق الصواريخ.
وقال أبو زهري، في تصريح مقتضب: «مجزرة خانيونس ضد النساء والأطفال هي جريمة حرب بشعة، وكل الإسرائيليين أصبحوا بعد هذه الجريمة أهدافا مشروعة للمقاومة».
من جهته، طالب الرئيس الفلسطيني محمود عباس إسرائيل بوقف التصعيد فورا، ووقف غاراتها على قطاع غزة. وأكد عباس أهمية الحفاظ على الهدنة التي جرى التوصل إليها حفاظا على أرواح أبناء شعبنا وممتلكاتهم وتجنيب الأبرياء ويلات الدمار.
وقالت الرئاسة الفلسطينية: «إن قرار حكومة الاحتلال توسيع عدوانها في غزة، ومواصلة سياسة القمع والتنكيل والاستيطان في الضفة الغربية، بمثابة إعلان حرب شاملة على شعبنا ستتحمل الحكومة الإسرائيلية وحدها تبعاته وتداعياته، وما يجره من ردود فعل، إذ لن يقف الشعب الفلسطيني مكتوف الأيدي أمام المذبحة المفتوحة التي ترتكب بحق أطفاله ونسائه وشيوخه». وجاء في بيان رئاسي: «من حق شعبنا التصدي للعدوان والدفاع عن نفسه من خلال جميع الوسائل والطرق المشروعة».
وأضاف البيان «أن قرار حكومة الاحتلال بتوسيع الحرب هو في ذات الوقت قرار بتدمير أي فرصة أمام التهدئة وإدخال المنطقة في دوامة من العنف الدموي الذي سيحترق بنارها الجميع».
وأشار البيان إلى أن «الصمت الدولي، وخاصة من الإدارة الأميركية، لم يعد مقبولا، الأمر الذي سيدفع القيادة الفلسطينية إلى اتخاذ قرارات مصيريه دفاعا عن شعبنا، في مواجهة هذا العدوان».
وفي غضون ذلك، ناشد الرئيس الأميركي باراك أوباما الإسرائيليين والفلسطينيين السعي للتوصل إلى تسوية سلمية في الشرق الأوسط، مشيرا إلى أن السلام هو الطريق الوحيد لضمان أمن إسرائيل والفلسطينيين.
وكتب أوباما في مقال بصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية الصادرة أمس الثلاثاء يقول: «السلام ممكن»، موضحا في الوقت نفسه أنه يتعين على كلا الطرفين أن يكونا مستعدين للمخاطرة من أجل ذلك.
وكتب أوباما بمناسبة مؤتمر للسلام تنظمه «هآرتس»: «الحل الوحيد هو دولة يهودية ديمقراطية (تعيش) جنبا إلى جنب في سلام وأمن مع دولة فلسطينية مستقلة قادرة على الحياة». وأضاف أوباما: «إذا وجدت الإرادة السياسية لمفاوضات جادة فستكون الولايات المتحدة هنا مستعدة للقيام بدورها».
من جهة أخرى، قررت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أمس فتح معبر كرم أبو سالم جزئيا لإدخال مساعدات غذائية ووقود.
ونقلت وكالة «معا» الفلسطينية عن رائد فتوح رئيس اللجنة الرئاسية لتنسيق البضائع، القول إنه من المقرر دخول 180 شاحنة فقط محملة ببضائع للقطاعين التجاري والزراعي والمساعدات.
وبين فتوح أنه سيجري ضخ كميات من السولار الصناعي الخاص بمحطة توليد الكهرباء وكميات من البنزين وسولار المواصلات وغاز الطهي. وفي هذا السياق، أكد مصدر في الارتباط الفلسطيني أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي أغلقت وبشكل مفاجئ معبر بيت حانون «إيرز» شمال قطاع غزة. وأكد المصدر أن المعبر يعمل اليوم للحالات الطارئة من المرضى فقط. من جهته، دعا الأمين العام للجامعة العربية الدكتور نبيل العربي، أمس، إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن حول غزة. وقال إنه يدعو «مجلس الأمن للانعقاد الفوري لاتخاذ التدابير اللازمة لوقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة».
ومن جانبها، قالت مصادر الجامعة العربية إن العربي «على اتصال بالرئيس الفلسطيني محمود عباس وكذلك مع وزراء الخارجية العرب للعمل على وقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة». وتابعت المصادر أن العربي «كلف ممثل الجامعة العربية في الأمم المتحدة أحمد فتح، بالتشاور العاجل مع المجموعة العربية في المنظمة الدولية لطلب عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.