لماذا أحلم بعصر تنوير عربي؟

لوحة تمثل الثورة الفرنسية التي اندلعت في يوليو (تموز) 1789
لوحة تمثل الثورة الفرنسية التي اندلعت في يوليو (تموز) 1789
TT

لماذا أحلم بعصر تنوير عربي؟

لوحة تمثل الثورة الفرنسية التي اندلعت في يوليو (تموز) 1789
لوحة تمثل الثورة الفرنسية التي اندلعت في يوليو (تموز) 1789

بداية اسمحوا لي أن أطرح هذا السؤال: لماذا أنا معجب بشخص مثل فولتير؟ ليس فقط لأن نيتشه أهداه أحد كتبه الشهيرة قائلا: إلى فولتير أحد كبار محرري الروح البشرية. المقصود بأنه حررها من الدوغمائيات الدينية المتحجرة. وإنما لأنه نهض ضد التجاوزات المجحفة ودافع عن الأقلية البروتستانتية المضطهدة والمكفرة من قبل طائفته الجبارة بالذات. ومعلوم أنه كان ينتمي إلى طائفة الأغلبية الكاثوليكية المهيمنة تاريخيا على فرنسا. ومع ذلك فقد تحداها من أجل الحق والحقيقة، من أجل العدالة والحرية. بل وغامر بنفسه إذ تحداها لأنها كانت قادرة على سحق أي مثقف ينتقدها أو يقف في وجهها. وقد عانى بسبب ذلك ما عاناه. ولم يكن أي شيء يجبره على ذلك والتضحية بطمأنينته الشخصية. ولكنها معركة الفكر، قضية الفكر، شرف الفكر.
ثم تحولت معاركه ومعارك سواه إلى منجزات راسخة في الدول المتقدمة. فمن في أوروبا يريد التراجع عن حرية الضمير والمعتقد مثلا؟ من الذي يريد العودة إلى العصر الأصولي والمجازر الطائفية بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين؟ من الذي يريد العودة إلى فتاوى التكفير اللاهوتية والذبح على الهوية؟ كل هذا حرره التنوير منها وقضى عليه إلى الأبد. أحيل بهذا الصدد إلى كتاب «فلسفة الأنوار» لأرنست كاسيرر الذي أصبح كلاسيكيا الآن ومرجعا لكل الباحثين.
ولكن قبل فرنسا كان التنوير إنجليزيا. فلولا جون لوك وإسحاق نيوتن ما كان فولتير وديدرو وجان جاك روسو وسواهم. والواقع أن فولتير يعترف بذلك. ولا أحد يستطيع أن ينكر إنجازات شافتسبري، وديفيد هيوم، وادموند بيرك، وآدم سميث، وغيرهم كثيرون. وبالتالي فالاستنارة كانت أولاً إنجليزية قبل أن تصبح فرنسية وألمانية وأوروبية عموما. وأكبر دليل على ذلك هو أن الثورة الإنجليزية سبقت الثورة الفرنسية بقرن من الزمان (1688 - 1789). وبالتالي فالشعب الإنجليزي سبق الشعب الفرنسي إلى التحرر السياسي ونيل حقوقه بعد القضاء على الاستبداد والطائفية والتعصب الأعمى وحكم التعسف والاعتباط.
ولهذا السبب نقول إن إنجلترا هي أعرق ديمقراطية في العالم. نقول ذلك وبخاصة أن الثورة الإنجليزية تمت بشكل سلمي ولم تكن دموية كالثورة الفرنسية. وقد أمَّنت للشعب حقوقه الفردية والدينية والسياسية وكذلك حق الملكية والتنقل والتعبير والنشر والصحافة... إلخ... ثم جاءت الثورة الأميركية بعد الثورة الإنجليزية عام 1776. وقد استلهمت مبادئ عصر التنوير وفصلت بين الكنيسة والدولة وأسست المواطنة على أسس حديثة لا علاقة لها بالمذهب أو الطائفة، وطبقت المبدأ الشهير القائل: الدين لله والوطن للجميع. ولهذا السبب ازدهرت بلدان الغرب وتطورت بعد أن قضت على كابوس الطائفية الذي كان سبب الحروب الأهلية والمجازر الدموية. ثم جاءت بعد الثورتين الإنجليزية والأميركية الثورة الفرنسية عام 1789. وأصبحت الباراديم الأعلى أو النموذج الأعظم للثورات. ومشت على منوالهما وأعطت للشعب حقوقه في التعبير عن نفسه، واختيار حكامه بعد أن ألغت النظام الإقطاعي الطائفي القديم. وهنا نطرح هذا السؤال: ولكن ما هي المبادئ التي قامت عليها كل هذه الثورات التحررية أو التحريرية التي أسست الحداثة السياسية؟ إنها مبادئ فلسفة التنوير بالذات، وهي الفلسفة التي بلورها مفكرو إنجلترا وفرنسا وأميركا منذ القرن السابع عشر وحتى القرن الثامن عشر وما بعده.
ومن أوائل فلاسفة التنوير في فرنسا المفكر الفرنسي بيير بايل الذي نشر كتابه الشهير المدعو «بالقاموس التاريخي والنقدي» عام 1697. أي في أواخر القرن السابع عشر. وفيه انتقد كل العقائد الأصولية المسيحية القديمة وتنبأ بأن العصر المقبل، أي القرن الثامن عشر، سيكون مستنيراً حقا. فهنيئا للأجيال القادمة التي ستعيش فيه وفيما بعده. ومعلوم أن بيير بايل هذا عانى من الاضطهاد الطائفي معاناة هائلة لأنه أقلوي ينتمي إلى الطائفة البروتستانتية التي كانت محتقرة جدا في فرنسا من قبل الأغلبية الكاثوليكية البابوية. وقد حاولوا إبادتها عن طريق فتوى لاهوتية شهيرة تكفرها وتستبيح دماءها. وقد أطلق هذه الفتوى أكبر أصولي كاثوليكي فرنسي في القرن السابع عشر: بوسويه... وكان يرعب حتى لويس الرابع عشر! ولذلك حمل بيير بايل هذا حملة شعواء على الفكر الطائفي الذي كان مهيمنا على عصره كحقيقة مطلقة مثلما هو مهيمن علينا الآن في العالم العربي والإسلامي كله إلا بعض بقع الضوء هنا أو هناك. وقد صدَّقت الأيام نبوءته، فالقرن الثامن عشر كان عصر التنوير بامتياز. ومصطلح التنوير يدل على تلك الحركة الفكرية النقدية التي ازدهرت إبان القرن الثامن عشر وأدت إلى تفتح الأفكار الفلسفية الجديدة وانتشارها وحلولها محل الأفكار اللاهوتية المسيحية القديمة. وبالتالي فإن مشروع التنوير العلمي والفلسفي هو الذي أدى إلى صنع كل هذه الحضارة الجبارة التي نشهدها الآن في أوروبا وأميركا الشمالية.
وأهم ميزة لعصر التنوير هي تمجيده للعقل وانتقاده للعقائد التراثية القديمة. ففي السابق، أي في العصور الوسطى، كان رجل الدين هو الذي يمثل قمة المعرفة والفكر. كان يمثل الهيبة العليا التي تعلو ولا يعلى عليها. من يستطيع أن يناقش البابا أو حتى أصغر كاهن مسيحي؟ ولم يكن يستطيع أحد أن ينقده أو يخالفه لأنه يتحدث باسم الهيبة اللاهوتية العليا والمقدسة للدين المسيحي. وهكذا شاعت الخرافات والعقليات التواكلية: أي عقلية المعجزات والخرافات والحكايات الخارقة للعادة. كل ذلك شاع وانتشر بين الناس. ولذلك كانت أوروبا جاهلة، أصولية، فقيرة، متخلفة. وقد ظلت كذلك ما دام الكهنة يسيطرون عليها. أما بدءاً من عصر التنوير فلم يعد رجل الدين هو الذي يمثل الهيبة العليا للمشروعية المعرفية وإنما أصبح الفيلسوف أو العالم الطبيعي هو الذي يجسدها. وعلى هذا النحو خرجت أوروبا من ظلام العصور الوسطى ودخلت في أنوار العصور الحديثة. ولذلك سمّوا ذلك العصر بعصر التنوير. فمتى سيطل علينا عصر الأنوار العربية؟ وهل سيحل المثقفون العرب المتنورون محل شيوخ الفضائيات يوما ما؟ هذا الكلام لا يعني إطلاقا هجوما مجانيا على رجال الدين أو دعوة للخروج من الدين. فالدين هو قمة القمم وغاية الغايات. ولكنه يعني الانتقال من الفهم الظلامي الطائفي القديم للدين إلى الفهم الجديد المستنير بنور العقل وضوء الفلسفة. هل هذا ممنوع أيضا؟
على أي حال هذا ما حصل في أوروبا. ولهذا السبب انطلق وسيطرت على العالم بعد أن تحررت من قيودها التقليدية وأصفادها اللاهوتية. وعلى هذا النحو أصبح العقل سيد الموقف. فقد راح يتفحص كل العقائد ويغربلها: فما تماشى مع العقلانية المنطقية أبقاه، وما لم يتماش رفضه وأزاله من الوجود. وعندئذ انتشرت الأفكار العلمية والفلسفية في أوساط الشعوب الأوروبية وأدت في نهاية المطاف إلى قلب نظام القدامة وإحلال نظام الحداثة محله. ورافق كل ذلك بالطبع حلول العقلية التجريبية العلمية المحسوسة محل العقلية الغيبية أو الميتافيزيقية البعيدة عن الواقع. كل هذا ينبغي أن نأخذه بعين الاعتبار إذا ما أردنا أن نفهم سبب تفوق أوروبا على جميع شعوب العالم طيلة القرون الثلاثة أو الأربعة الماضية. ولكن المستقبل هو للشعوب التي لم تدخل التاريخ بعد. وقد أصبحت تدق على أبوابه بكل قوة من الصين إلى الهند إلى العالم العربي. وأصبحت هيمنة الغرب المطلقة على وشك الأفول! لكن قبل اختتام هذا الحديث لا بد من المصارحة حتى ولو كانت مرة وجارحة. لن يدخل العرب التاريخ ولا المسلمون ككل ما لم تتغير عقليتهم القديمة وتتفكك يقينياتهم التراثية الجبارة التي أصبحت عالة عليهم وعلى العصر. وهذه عملية عويصة وشائكة سوف تكلف ثمنا غاليا. لهذا السبب يتردد المثقفون العرب المستنيرون في القيام بها ويخشونها كل الخشية. فهي ستؤدي إلى تمزق كبير وإلى نزيف دموي حاد. لأفصح أكثر وأقول: إننا مطالبون الآن بغربلة التراث كله من أوله إلى آخره غربلة صارمة لا هوادة فيها. ورغم أن هذه اليقينيات التراثية عزيزة على قلوبنا وغالية علينا لأننا تربينا عليها وتشربناها مع حليب الطفولة إلا أننا مضطرون للانفصال عنها أو التخلص منها. من هنا صعوبة العملية وعسرها بل وخطورتها على توازن النفسية الجماعية ككل. لذلك أتوقع أن تكون معركة التنوير العربي القادمة ضارية بل وأكثر من ضارية. وذلك لأن المشكلة أصبحت منك وفيك ولم تعد مع عدو خارجي. ينبغي أن تحارب نفسك، أن تصارع نفسك، أن تنتصر على نفسك. هنا يكمن لب المسألة وجوهرها. وهذه أصعب أنواع المعارك وأشدها قساوة على النفس. ولكن هذه المعركة الداخلية أصبحت إجبارية بعد أن تضخمت الحركات الظلامية مؤخرا بل واستفحلت إلى درجة مخيفة. انظر تصريحاتهم النارية اليومية التي أدت إلى تمزيق النسيج الاجتماعي لبلدان المشرق العربي خصوصا. ولا أحد يعرف متى يلتئم مرة أخرى: ربما بعد خمسين سنة قادمة؟ لقد قسموا البلاد حتى قبل أن تُقسم ودكوا إسفينا عميقا في صميم وحدتها الوطنية. كنا نحلم بثورات تنويرية جديدة تقذف بنا إلى الأمام فإذا بنا أمام «ثورات» تكفيرية ظلامية تعيدك قرونا إلى الوراء! ثم يطالبونك بأن تصفق لها! أين نحن؟ إنهم يكفرون شرائح كبيرة من المجتمع على أسس طائفية مذهبية ويدعون علنا إلى ذبحها شرعا وإبادتها طبقا لفتاوى قديمة، صدئة، علاها الغبار. ولكنها لا تزال سارية المفعول بل وتشكل يقينيات لاهوتية مطلقة تهيمن على كل المدارس والجامعات وليس فقط على كليات الشريعة والمعاهد الدينية التقليدية. بل وتهيمن حتى على عقلية ما يدعى خطأ: بالمثقفين العرب. وقسم منهم متواطئ سرا أو علانية مع جماعات الإخوان المسلمين وكل ما نتج عنهم. ثم بعد كل ذلك يتشدقون بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان! أين هو فولتير العربي؟ أو جان جاك روسو العربي؟ أو سبينوزا العربي؟ أو كانط العربي؟ أو غوته العربي؟ أو كاسيرير العربي؟ أو بول ريكور العربي؟ هذا ناهيك عن نيتشه العربي! إلخ... من هنا خطورة المسألة ووعورتها. ولكن لحسن الحظ فهناك استثناءات كثيرة مضيئة هنا أو هناك. هناك كواكب مشعة من مثقفين ومثقفات نادرات. وهي تتزايد أكثر فأكثر وعليها تعلق الآمال. على أي حال فإن معركة التنوير العربي القادمة سوف تشتبك بالضبط مع هذه اليقينيات التراثية والفتاوى اللاهوتية القاتلة التي تشكل حقيقة مطلقة تهيمن على عقلية الملايين.



«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
TT

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)

دخل رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس2» إلى مدار القمر، أمس، في وثبة عملاقة للبشرية، تمكنهم من مشاهدة أجزاء قمرية لم تَرَها عين مجردة لإنسان من قبل.

وقبل أقل من ساعة من التحليق في مدار القمر، كان مقرراً أن يصير رواد الفضاء الأربعة أبعد مَن يصل إلى هناك من البشر، متجاوزين الرقم القياسي للمسافة الأبعد، البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً، الذي سجلته المركبة الفضائية «أبولو13» في أبريل (نيسان) 1970. وتوقع مركز التحكم في المهمة أن تتجاوز كبسولة «أوريون» التابعة لـ«أرتيميس2» هذا الرقم القياسي بأكثر من 6600 كيلومتر.

وعلى رأس قائمة أهداف البعثة «حوض أورينتال»، وقد أظهرت صورةٌ أرسلها الطاقم هذه الفوهةَ التي لم تسبق رؤيتها إلا بواسطة كاميرات تدور في مدار حول القمر من دون وجود طاقم، بالإضافة إلى أطراف منطقة القطب الجنوبي، وهي الموقع المفضل لعمليات الهبوط المستقبلية.


أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.