مذكرات بسيوني الحلقة (8): فكرة حقوق الإنسان في أفغانستان ضعيفة.. الجميع يقتل والعالم غائب تماما

بنيتها التحتية تعود إلى 300 سنة وتحكمها «شريعة» القبائل والأميركيون و«أمراء الحرب»

بسيوني مع كرزاي بعد أن عرض عليه ملخصا لتقرير هيئة الأمم عن حالة حقوق الإنسان في أفغانستان عام 2005
بسيوني مع كرزاي بعد أن عرض عليه ملخصا لتقرير هيئة الأمم عن حالة حقوق الإنسان في أفغانستان عام 2005
TT

مذكرات بسيوني الحلقة (8): فكرة حقوق الإنسان في أفغانستان ضعيفة.. الجميع يقتل والعالم غائب تماما

بسيوني مع كرزاي بعد أن عرض عليه ملخصا لتقرير هيئة الأمم عن حالة حقوق الإنسان في أفغانستان عام 2005
بسيوني مع كرزاي بعد أن عرض عليه ملخصا لتقرير هيئة الأمم عن حالة حقوق الإنسان في أفغانستان عام 2005

بعد تعيينيه رئيسا للجنة التحقيق في أفغانستان، توجه شريف بسيوني إلى جنيف. وهناك حاول التعرف على تفاصيل مهمته. قيل له «إنها مهمة واسعة»، لكن من المهم البحث عن أية انتهاكات لحقوق الإنسان في أفغانستان. كان قرار الذهاب قد سبق تعيينه رئيسا للجنة بأكثر من عام. حينذاك، اعترضت الولايات المتحدة على تعيين أي شخص للذهاب إلى أفغانستان. كانت تخشى من أن تكشف لجنة التحقيق أو من يكلف بالذهاب إلى هناك، ما ارتكبته القوات الأميركية من انتهاكات، سواء ما جرى منها داخل المعتقلات والسجون، أو خلال عمليات استجواب المعتقلين، أو أثناء عمليات التعذيب، أو حتى ما كان نتيجة اللجوء إلى ممارسات معينة خلال الحرب، مثل تدمير بعض المناطق المدنية وقتل مدنيين. وكان ذلك وراء تعطل تعيين بسيوني تلك المدة.
قرر الأمين العام للأمم المتحدة تعيين بسيوني بغض النظر عن موافقة الأميركيين. اتجه بسيوني إلى جنيف من أجل المهمة، ووجد ما وجده في يوغوسلافيا السابقة، لا موارد مالية مخصصة له. وكما فعلوا في يوغوسلافيا حين عينوا اللجنة، فعلوا معه هذه المرة، لكن خبرته في تلك التجربة، دفعته إلى الاعتماد على نفسه في أفغانستان أيضا، في الحصول على موارد من خارج هيئة الأمم المتحدة وتحقيق أهدافه، على الرغم من وجود عراقيل بيروقراطية، كان لها انعكاسات سياسية. فالدول المعارضة لأي منهج، كانت تعمد إلى الإساءة لسمعة الشخص المسؤول. وهكذا «حاولوا الإساءة إلى سمعتي، على أساس أن التعامل معي صعب، وأنني رجل متعصب فكريا ولا أقبل الخضوع إلى أي قواعد»، هذا ما قاله بسيوني، الذي عدّ ذلك «هجوما شخصيا». تعلم الدرس، كما قال، وقرر الذهاب إلى أفغانستان، وطلب من الجمعية العامة أن توفر له ومن معه سبل الانتقال إلى هناك على الأقل. أجابوه بأنه لا توجد نفقات لشراء تذكرة الطائرة. قال: «حسنا، سأدفع ثمن التذكرة من مالي الشخصي وعندما يتوفر التمويل يمكن إعادته لي». ولم يجر تعويضه عما انفقه حتى اليوم.
في هذه الحلقة، «الثامنة»، يتابع بسيوني رواية تفاصيل مريعة عما كان يجري في تلك البلاد:
عندما توجهت إلى أفغانستان، اشترطوا أن يذهب معي بلجيكي كان يعاني من حالة نفسية صعبة آنذاك، وعمل معي فترة قصيرة، ثم أخذ إجازة مرضية وانسحب. لحسن حظي، أن معهد سيراكوزا كان يدرب قضاة في أفغانستان، بناء على اتفاقية بون لعام 2003 ، التي جرى فيها الاتفاق بين جميع الدول على إدارة أفغانستان في هذه الفترة المرحلية. كانت إيطاليا قد تعهدت بالعمل القضائي، وألمانيا تعهدت بتدريب الشرطة، وإنجلترا بمكافحة المخدرات، وأميركا تعهدت بالأمن القومي. وبعد توزيع هذه الأدوار، تعاقدت إيطاليا مع معهد سيراكوزا لتدريب هؤلاء القضاة، وكانت علاقتي مع رئيس المحكمة العليا، واسمه الشينواري علاقة طيبة جدا، واستطعت إقناعه منذ البداية، أن يعين 50 امرأة في القضاء الأفغاني، ولأول مرة في التاريخ عام 2004 عينت 50 امرأة،على مراحل، في القضاء الأفغاني الذي كان يضم وقتها، نحو 400 قاض كان معظمهم في القبائل، وكانوا قضاة مصالحة، أي كانوا يعملون بقوانين الأحكام العرفية، ومعظمهم لم تكن لهم أي خبرة قانونية حقيقية؛ ومن الـ400 قاض كانت هناك نسبة 11 في المائة من المتخرجين في كلية الحقوق.
عدد منهم كانوا أيضا من خريجي كليات دينية، وعددهم لا يزيد على 19 في المائة، يعني إجمالا كان هناك 30 في المائة لهم مقدرة معينة من العلم والباقون لم يكونوا كذلك، بل على العكس، فقد كان نحو 10 في المائة من القضاة لا يعرفون القراءة والكتابة.
ونتيجة العلاقة الطيبة بيني وبين الشينواري الذي كان متحكما بشكل كامل في مجال القضاء في أفغانستان، والذي كنت على إحاطة به لأني كنت دارسا للشريعة الإسلامية منذ كنت طالبا في كلية الحقوق بالقاهرة؛ حيث كان أستاذي الشيخ محمد أبو زهرة، وكان شهيرا جدا في الشريعة الإسلامية، خاصة الأمور الجنائية، وكنت ملازما له، فتعلمت منه كثيران، ثم سعيت لاكتساب العلم في هذا الموضوع. فكنت قادرا على الحديث مع الشيخ الشينواري وأعضاء المحكمة العليا، الذين كانوا كلهم تقريبا من خريجي كليات شريعة، والبعض منهم درسوا في الأزهر في مصر. وباعتبار أن المذهب السائد في أفغانستان هو المذهب الحنفي، وهو مذهب معروف في مصر وأنا أعرفه تماما، كنت قادرا على الحوار الديني والقانوني معهم، مما وفر اطمئنانا كاملا لي من جانب المحكمة العليا في برامج التدريب التي قمت بها.
وكان هناك نائب عام مستقل كانت علاقتي به طيبة، لكن نتيجة الظروف التي كانت سيئة جدا، لم تكن لدينا إمكانية التحدث عن هيئة قضائية. كان بعض القضاة متفهمين للعمل لكن عددهم كان قليلا. لم تكن هناك مبان قضائية، ولا مكاتب ولا معاونين يعملون في مكاتب القضاء. لم تكن هناك ملفات، وعندما تأتي قضية للاستئناف مثلا لم يكن من السهل معرفة مكان ملف القضية.
لم يكن العاملون متواجدين، وكان القضاة الذين يعملون خارج كابل، مهددين باستمرار، من جانب السياسيين الذين يستعملون العنف دائما، كما كان الأمر قبل التدخل الأميركي، حيث استمروا نحو 30 عاما، وفيما بعد، واجهوا تهديدات من قبل تجار المخدرات. كان هناك أيضا، التلاحم بين من يسمون «ذي وور لوردز» (أمراء الحرب)، و(أمراء المخدرات)، الذين عملوا معا لتعطيلعمل القضاء وعرقلته. وكانت المبالغ التي تأتي من تجارة المخدرات ضخمة جدا، فكان التقدير في العام الواحد بين 2003 و2004، ثلاثة مليارات من الدخل في حين أن القاضي في المحكمة العليا في هذا التاريخ كان يتقاضى 200 دولار في الشهر؛ فكان من السهل جدا أن يعرض على أي قاض في الميدان، سواء في الدرجة الأولى أو الاستئناف: إما أن تأخذ 10 آلاف دولار، أي ما يعادل راتبه في 10 سنوات، وإما أن تقتل أو يقتل شخص من أسرتك.
لاحظت خلال تنقلاتي الميدانية غياب المحاكم. استعنت بفريقي الخاص بالتدريب، حيث كان لمعهد سيراكوزا بيت لإقامة المعهد الدائم وسكنت فيه، واستخدمت الطاقم الدائم. كان لنا ثلاث سيارات وثلاثة سائقين استخدمتهم كذلك. واستفدت من العلاقات التي أقامها المعهد مع الشينواري ومع النائب العام ورئيس الجمهورية كرزاي، واستطعت من خلال هذا المدخل، القيام بزيارات داخل كابل وخارجها، وأن أعرف ما كان يحدث في مجال حقوق الإنسان.
بلا شك، كان النظام الاجتماعي في أفغانستان قائما على النظام القبلي. فأفغانستان بلد منقسم إلى ستة أجزاء وكل جزء مختلف عن الآخر؛ ففي المنطقة الملاصقة لإيران يتحدثون الفارسية تماما. والمنطقة المجاورة لباكستان يتحدثون البشتو، وعلاقتهم بباكستان علاقة قبلية موحدة، لأن الحدود بقيت سياسية وهمية وضعتها بريطانيا للتفريق بين القبائل، لكن القبائل لا تعترف بها، وأبناؤها يعتبرون أنفسهم كيانا واحدا، فينتقلون من مكان إلى آخر من باكستان إلى أفغانستان بكل حرية، ولهم ثقافتهم، وخير مثال على ذلك، أنه على الرغم من انهم ينظرون لأنفسهم باعتبارهم دولة إسلامية واحدة، بما في ذلك طالبان، إلا أن هناك اختلافا في تقييم الديّة (الفدية) فيما بين المناطق. أخذت أنا هذا المثل لمحاولة فهم تقسيم الدولة، فقلت لهم أنتم ناس طالبان وكلكم متوحدون في محاربة الأجانب، وتقولون إنكم مسلمون، إذن لماذا تختلفون في تطبيق الشريعة من منطقة إلى أخرى؟ هل الشريعة تختلف طبقا للاختلافات السياسية؟ كيف تختلفون؟ فكان الجواب صعبا.
البنية التحتية لكل البلاد تعود إلى ما بين 200 إلى 300 سنة إلى الوراء، لا أريد استعمال كلمة «تخلف» لأنها تنطوي على معنى سلبي، لكن الخطوة التي يحتاجونها للوصول إلى العالم (تو كاتش) 200 سنة، في العراق مثلا - عندما كنت أشارك في تدريب القضاة - كانت المسافة نحو 20 سنة فقط.
بين 2003 و2005 تقريبا خارج كابل، لم تكن توجد محاكم، وإذا وجدت فهي عبارة عن غرفة واحدة تتوسطها مائدة يجلس القاضي خلفها، والناس إما جالسون على الأرض وإما واقفون. أتذكر حوارا مع النائب العام قال فيه إن له في جميع أنحاء البلاد 11 مكتبا، وكل مكتب يتكون من غرفة واحدة، خارج كابل طبعا. معظم المحاكمات كانت حسب قانون القبائل وحسب اجتهاداتهم. المحاكمات الرسمية كانت قليلة وكانت المحاكمة وفق الشريعة وهم أميون. الحكومة الإيطالية في يوم ما، قررت أن تعطي معونة لأفغانستان لبناء سجن للنساء، فبنت السجن في كابل بطاقة استيعاب 40 سجينة، وعندما زرته وجدت فيه أكثر من 40 امرأة وأكثر من 200 طفل. سألت: من أين جاء الأطفال؟ قالوا: النساء اللواتي يحكم عليهن بالسجن يتبرأ أزواجهن منهن ومن أبنائهن، فتأتي المرأة بأطفالها، فنجد السجينة تنام مع أبنائها في سرير واحد وببطانية واحدة. في أفغانستان البرد شديد ولا نظام تدفئة في السجون، وحتى النوافذ من حديد، وبالتالي وجدت أن المساعدات تأتي فقط للسيدات في السجن، لكنهن يقتسمنها مع أطفالهن، والمعونة اليومية 60 سنتا في اليوم، وحتى السجانة لا يأتيها أكل من الحكومة فتتقاسم أيضا أكل السجينات.
وأتذكر سيدة صغيرة ونحيفة كانت ضمن السجينات. أردت سؤالها، فطلبت ملفها من المسؤولة عن السجن، فقالت إنها قتلت أربعة رجال. قلت كيف تقتل هذه (المرأة) أربعة؟ بعد التحري، فهمت، أن السيدات تتقدمن لإزالة عبء المسؤولية عن أزواجهن. أكثر السيدات يكن ضحايا لأزواجهن وإخوانهن. يقمن بحماية رجل في الأسرة، سواء كان زوجا أو أخا أو أبا. كما وجدت في بحث آخر قمت به، أن بعض العائلات في بعض القبائل، تعطي بنات صغيرات كزوجات للعائلة المتضررة. مثلا شخص قتل آخر من عائلة ما، فتكون «ديّته» أربع بنات غالبا في سن بين 10 إلى 15 سنة، ويزوجن صوريا لعائلة القتيل وتنتهي القصة. أنه نوع من الدية أقرب إلى العبودية. لقد تحدثت شخصيا مع كرزاي (الرئيس) في هذا الموضوع، لكنه قال إنه لا يعلم بهذا.
في الوقت نفسه، أعطت الإدارة الأميركية عقدا لشركة أميركية لبناء عدد من المحاكم، فجرى بناؤها همن دون علم وزارة العدل الأفغانية. ولما انتهوا من بنائها، ذهب المسؤول عن المعونة إلى وزير العدل، وأبلغه أنه أتى لتسليمه مفاتيح 20 محكمة، فقال الوزير: أنا لا أعلم شيئا عن هذه المحاكم ولا أماكن وجودها. فطلب الأميركي التسلم والتوقيع على ذلك. رد وزير العدل بأنه لا يمكنه القيام بذلك، لأنه إذا تسلم المباني «فهي تحتاج إلى خدمات مختلفة، من كهرباء وماء ونظافة وموظفين وإدارة، وليس لي ميزانية، أعطني ميزانية». أجابه المسؤول إن الجانب الأميركي كلف بالبناء فقط. في النهاية أخذ المفاتيح، وأصبحت بعض المباني محاكم والبعض الآخر بلديات، والبعض الثالث أخذه المحافظ وحوله إلى فيللا وسكن فيها.
ومما لاحظته في أفغانستان أيضا، استغلال الأطفال في العمالة؛ إذ كان من الطبيعي جدا أن ترى أطفالا في سن تسع سنوات أو عشر يعملون لمدة عشر أو ثماني ساعات في المصانع، بما يخالف الاتفاقيات الدولية، وطبعا لا الحكومة الأفغانية ولا الغرب ينظرون إلى هذا إلا من الناحية الشكلية أو الدعائية.
وأذكر كذلك مثالا آخر. في يوم ما زرت السجن الرئيس الذي كان قد بناه الروس عندما كانوا في أفغانستان، واسمه «بول أي شرخي» والذي يبعد حوالي 300 كلم عن كابل. بني السجن بالإسمنت وكان بلا شبابيك، وبلا حواجز. كنت في فبراير (شباط)، وكانت درجة الحرارة 7 تحت الصفر. استطعت أن أفرض على وزارة الداخلية أن تضع نوعا من أوراق البلاستيك لمنع البرد. لم يكن هناك ماء ساخن بل قليل جدا من الماء، ولا توجد حمامات، والناس لا يخرجون للساحة إلا مرة أو مرتين في الأسبوع. كان في كل عنبر أكثر من 100 شخص ولا مكان ينامون فيه، فكانوا ينامون صفوفا مثل المصلين، فمن ينام تكون قدماه على رأس من أمامه وهلم جرا. سألت عن المساجين، فقالوا إنهم سلموا أنفسهم في نهاية الحرب عام 2003. قلت ولماذا هم موجودون ونحن الآن في 2005 وقد مرت سنتان على وجودهم في السجن، وكان عددهم 852 شخصا. واتضح أنهم سلموا أنفسهم في أماكن مختلفة، وبعدها أراد الأميركيون أن ينقلوهم إلى مدينة اسمها مزار شريف، وتعاقدوا مع ناقلي البضائع لنقلهم عن طريق شاحنات، ومات كثير منهم في الطريق. ولما وصلت البقية إلى مزار شريف تمردوا، وكانت النتيجة أن أمر الأميركيون بإطلاق النار عليهم، وقتلوا أكثر من 700 شخص، في حين لم يزد الأمر عن تمرد داخلي. ثم احتفظوا بالباقين في السجن وتركوهم عاما ونصف العام في مزار شريف، ثم نقلوهم لـ«بولي شاركي».
بعد أن علمت بقصتهم توجهت للشينواري، وقلت: كيف تسمح بهذا؟ فأجاب بأنه لا علم له، وطلب مني أن أراجع النائب العام، فتوجهت إلى لنائب العام، فقال إنه لا علم له أيضا. قلت له: ما هذه الدولة التي تأمر قوات أجنبية من دون أمر قضائي! كذلك وزير العدل، قال ان لا حيلة له. وقال وزير الداخلية، إن هذا أمر أميركي. توجهت إلى السفير الأميركي خليل زاهي، فقال إن اشكروفت قال نريد القبض عليهم للتحقق من مدى خطورتهم على الولايات المتحدة، لكن على اعتبار أنهم يتحدثون لغات مختلفة مثل البشتو والفارسية وغيرها، لم نجد المترجمين الكافين. قلت ولأن جون اشكروفت طلب التحقيق ولم تجدوا مترجمين، تتركون الناس لمدة سنتين في هذه الظروف! وعدت إلى المستشفى، فوجدت أن 200 منهم مرضى بأمراض داخلية، منهم 120 مصابون بالربو. ذهبت إلى كرزاي وقلت، إنك إذا لم تخرج هؤلاء فسأفضحك، وتحدثت لخليل زادي بأني سأفضح أميركا، وسأذهب للجمعية العمومية وأفضحكم شفاهة، وكرزاي اقتنع، وخليل زادي أقنع الأميركان وأخلي طرف هؤلاء المساجين بعدها.

بسيوني خبير مستقل لحقوق الإنسان في أفغانستان
في عام 2004، عين الأمين العام للأمم المتحدة البروفسور بسيوني خبيرا مستقلا لحقوق الإنسان في أفغانستان، بناء على قرار من لجنة حقوق الإنسان، وهي اللجنة التي أصبحت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في عام 2005. ولم يتوفر للخبير المستقل طاقم العمل أو الموارد التي لولا وجودها لم يكن ليتم مهمته. وكرئيس للمعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية (ISISC)، اعتمد البروفسور بسيوني على الهيكل التنظيمي والعاملين بالمعهد في أفغانستان. حيث تصادف عمل البروفسور بسيوني في أفغانستان، حين كان المعهد يقوم بتنفيذ برنامج تدريبي للمؤسسة القضائية هناك فيما يخص العدالة الجنائية والذي مولته الحكومة الإيطالية التي كانت تقوم بمهمة في مجال العدالة في أفغانستان بموجب اتفاق بون أو اتفاق بشأن ترتيبات مؤقتة في أفغانستان ريثما يعاد إنشاء المؤسسات الحكومية
تألف طاقم العمل الذي كان متاحا للخبير المستقل من عامل واحد من الأمم المتحدة في جنيف كان يعمل بنصف دوام. وقد استقال هذا العامل أثناء المهمة لظروف صحية. لم يكن هناك أفراد آخرون متاحون للخبير المستقل. وكان متوقعا في ذلك الوقت أن تكون بيروقراطية الأمم المتحدة في صف الولايات المتحدة الأميركية التي عارضت تلك المهمة. وسافر الخبير المستقل معتمدا على دعم طاقم عمل المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية في أغسطس (آب) عام 2004 ويناير (كانون الثاني) عام 2005. ولولا البنية التحتية التي أنشاها المعهد وطاقم عمله وكذلك اتصالاته مع مؤسستي القضاء والرئاسة في أفغانستان، بالإضافة للاتصالات الشخصية للخبير المستقل مع الرئيس حامد كرزاي، لم يكن للنجاح أن يكتب لتلك المهمة.
قدم البروفسور بسيوني تقريرا أوليا لمناقشته في اجتماع اللجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في أكتوبر (تشرين الأول)، قوبل بترحيب كبير من جميع الدول الأعضاء باستثناء إدارة الرئيس بوش. وقُدم التقرير الثاني لمفوضية حقوق الإنسان في جنيف، سويسرا، في أبريل (نيسان) من عام 2005. وبعد تقديم الخبير المستقل لتقريره الثاني للمفوضية، عملت الولايات المتحدة بوضوح، التي عارضت تلك المهمة من البداية وكان وراء عدم إمداد المفوضية في جنيف البروفسور بسيوني بطاقم عمل أو أية موارد، ومنع التجديد لتلك المهمة. لكن الولايات المتحدة فعلت ذلك بطريقة غاية في الأناقة، عندما قالت إن الخبير المستقل قدم تحليلا دقيقا لا يدع مجالا لأي خبير مستقل آخر أو أية لجنة لتقوم بعمل إضافي، وأن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان سوف يعول على هذا التحليل. وكانت تلك هي نهاية أي نوع من الرقابة على الممارسات الأميركية في أفغانستان، وكذلك ممارسات الحكومة الأفغانية وحركة طالبان.
كان التقرير هو الأول من نوعه الذي يكشف ممارسة التعذيب وسوء المعاملة ضد المعتقلين التي كانت تمارسها الحكومة وقوات التحالف، خاصة القوات الأميركية. وكان الأول أيضا في انتقاد ممارسات القوات الأميركية في قاعدة باغرام الجوية ومجموعة من القواعد العسكرية الأخرى، وكذلك نقل بعض المعتقلين إلى معتقل غوانتانامو دون أدلة كافية، الأمر الذي أدى إلى إرسال العديد من الأشخاص بلا جريرة إلى غوانتانامو، البعض منهم سوف يظل محبوسا هناك طوال 11 عاما مقبلة.
أثار التقريران عددا من القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان في أفغانستان، خاصة فيما يتعلق بمحاسبة أمراء الحرب، والانتهاكات التي ارتكبها تجار المخدرات، والفساد الحكومي، والدور الفاسد الذي لعبه المقاولون الأميركيون الذين كانوا يعملون من دون رقابة أميركية كافية، والتمييز الذي كان يُمارس بشكل واسع ضد طبقات ومجموعات محددة داخل المجتمع الأفغاني، فضلا عن المرأة، وأخيرا وليس آخرا المعاملة القاسية وغير الإنسانية التي كان يتعرض لها الأشخاص المحتجزون في المعتقلات. وخلال السنوات اللاحقة، لم يحدث أي نوع من الإصلاح في تلك القضايا المذكورة آنفا، فقد لاقت توصيات الخبير المستقل استحسانا كبيرا في نيويورك وجنيف ولكنها لم تطبق في أفغانستان. ولم تقدم الحكومة الأفغانية أو الولايات المتحدة بما يدل على اهتمامهما بوضع تلك التوصيات موضع التنفيذ. واصلت إيطاليا عملها في مجال العدالة، والمملكة المتحدة في مجال مكافحة المخدرات، وألمانيا في مجالات إنفاذ القانون، لكن على نطاق ضيق جدا. وباستثناء ما يقرب من 644.4 مليار أنفقتها الولايات المتحدة في أفغانستان خلال الفترة من 2003 إلى 2013، هناك دلائل بسيطة على أن الولايات المتحدة ساهمت في تحسين البنية التحتية في البلاد، فضلا عن مساهمتها في خلق دولة مستدامة. لكن فظاعة الجرائم التي ارتكبها أمراء الحرب قبل عام 2003 والجرائم التي ارتكبتها حركة طالبان والولايات المتحدة بعد عام 2003 لن يعرفها أحد، ويمكن القول إن محاسبة من ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتعذيب والكثير من انتهاكات حقوق الإنسان في ذلك البلد لم تحدث على الإطلاق.

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (7)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (6)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (5)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (4)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (3)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (2)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1)
 



مصر تجدد رفضها المساس بوحدة الصومال

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تجدد رفضها المساس بوحدة الصومال

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)

جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي موقف بلاده الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه ورفضها القاطع لأي إجراءات تمسّ هذه الوحدة، بما في ذلك الاعتراف باستقلال أي جزء من إقليمه، وقال في مؤتمر صحافي، الأحد، عقب مباحثات عقدها مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود: «بحثنا تعزيز التعاون العسكري والأمني»، مؤكداً استعداد مصر لمشاركة خبراتها في مكافحة الإرهاب، مع الصومال.

وتوافقت مصر والصومال على «تكثيف التنسيق لمواجهة التحديات التي تعترض منطقة القرن الأفريقي». وشدد الرئيس السيسي ونظيره الصومالي على أن «مسؤولية تأمين البحر الأحمر وخليج عدن، تقع حصرياً على عاتق الدول المشاطئة لهما».

وأشار السيسي في كلمته خلال المؤتمر الصحافي، إلى «الدور الخاص المنوط بمصر والصومال، على ضوء موقعهما الفريد، على المدخلين الجنوبي والشمالي للبحر الأحمر».

مؤتمر صحافي مشترك بين السيسي وحسن شيخ محمود الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وتأتي زيارة الرئيس الصومالي للقاهرة بينما تتصاعد التوترات في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لا سيما مع اعتراف إسرائيل بـ«إقليم أرض الصومال» الانفصالي دولة مستقلة، والذي قوبل برفض مصري وعربي؛ ما يعكس بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، إدراك البلدين خطورة التحديات التي تواجه القرن الأفريقي.

وأكد السيسي «عزم بلاده استكمال نشر قواتها ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في جميع ربوع الصومال»، وقال إن «مصر ستظل دوماً شريكاً صادقاً وداعماً للصومال... وستواصل جهودها لتعزيز أمن واستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

وجدد السيسي التأكيد، على «موقف مصر الثابت الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه ورفضها القاطع لأي إجراءات تمس هذه الوحدة، بما في ذلك الاعتراف باستقلال أي جزء من إقليمه، الأمر الذى يعد انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي... وسابقة خطيرة تهدد استقرار القرن الأفريقي بأسره».

بدوره، أعرب الرئيس الصومالي عن «تقديره لموقف مصر وجهودها في تعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي»، مؤكداً «حرص بلاده على تعزيز التنسيق مع مصر بما يخدم الأمن الإقليمي».

ووقَّعت مصر والصومال، في أغسطس (آب) 2024، بروتوكول تعاون عسكري، واتفق البلدان حينها على مشاركة مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت القاهرة مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبحسب الباحث الصومالي الدكتور شافعي يوسف عمر، فإن زيارة الرئيس الصومالي للقاهرة «تأتي في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، في ظل توترات في القرن الأفريقي ومحاولات المساس بسيادة الصومال ووحدة أراضيه، خصوصاً فيما يتعلق بالبحر الأحمر وخليج عدن». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الزيارة تعكس إدراكاً مشتركاً بأن أمن الصومال لم يعد شأناً داخلياً، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي وأمن الممرات البحرية الدولية».

وتابع: «هذه الزيارة تؤكد أن القاهرة ومقديشو تتحركان اليوم كجبهة سياسية واحدة لمنع انزلاق المنطقة إلى صراعات أوسع في عالم يشهد تحولات حادة في موازين القوة».

وعقد الزعيمان لقاءً ثنائياً، تلته جلسة مباحثات موسعة، تم خلالهما التأكيد على «موقف مصر الثابت الداعم لوحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، والتحذير من أي خطوات قد تأتي على حساب أمن وسيادة الدول، بوصفها انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة»، بحسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية.

وأضاف البيان المصري: «الرئيسان توافقا على ضرورة تسوية مختلف النزاعات الإقليمية عبر الوسائل السلمية، فضلاً عن أهمية تثبيت السلم والاستقرار الإقليمي، لا سيما في منطقة القرن الأفريقي، من خلال الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، وصون مقدرات الشعوب، إضافة إلى بحث سبل تعزيز أمن الملاحة البحرية».

مصر جددت رفضها المساس بوحدة الصومال أو الاعتراف باستقلال أي إقليم منه (الرئاسة المصرية)

ويرى الأمين العام لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير علي الـحفني أن «الوضع الراهن في القرن الأفريقي والبحر الأحمر يستدعي تكرار الزيارات واللقاءات على أعلى مستوى والتشاور والتنسيق بين الزعيمين». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة تشهد تطورات مهمة تتعين متابعتها والتحسب لتداعياتها، والحيلولة دون أي محاولات لزعزعة الاستقرار».

وهذه هي الزيارة الخامسة للرئيس الصومالي إلى القاهرة منذ يناير (كانون الثاني) 2024. وأعرب السيسي عن «تقديره لتنامى وتيرة الزيارات رفيعة المستوى بين البلدين بما يعكس عمق وخصوصية العلاقات التاريخية، والروابط الأخوية، والتي تجسدت في الشراكة الاستراتيجية، التي أعلن عنها، خلال زيارة شيخ حسن محمود للقاهرة في يناير 2025».

وأشار إلى أن «هذا الزخم يعكس حرص البلدين على الارتقاء بالعلاقات الثنائية، وتعزيز التنسيق؛ من أجل دعم الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وعدم المساس بتخوم الأمن القومي المصري».

ولفت الباحث الصومالي إلى أن «تكرار اللقاءات بين الرئيسين هو انعكاس لانتقال العلاقات من إطار الدعم التقليدي إلى شراكة استراتيجية قائمة على التنسيق العميق» مشيراً إلى «إرساء القاهرة ومقديشو أساساً قانونياً وسياسياً للعلاقات عبر (إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة)، و(بروتوكول التعاون العسكري والأمني) وغيرها من الاتفاقيات التي تم توقيعها في السنوات الثلاث الماضية». وقال: «هذه الاتفاقيات ليست شكلية، بل تعبّر عن إرادة سياسية مشتركة لبناء محور استقرار في القرن الأفريقي». وأوضح أن «التحالف المصري - الصومالي ركيزة أساسية لمنع زعزعة هذا التوازن الاستراتيجي».

وتناولت المباحثات – وفق البيان الرئاسي المصري - عدداً من ملفات التعاون الثنائي، وسبل تعزيزه في مختلف المجالات، وفي مقدمتها التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، وتعظيم الاستفادة من سهولة الربط الجوي والبحري بين البلدين. وأكد السيسي أن «مصر تولي أهمية كبيرة للتعاون مع الصومال في المجال الطبي»، مشيراً إلى أن القاهرة «تعتزم إرسال قافلة طبية إلى الصومال قريباً».

كما تطرقت المباحثات أيضاً إلى «تعزيز التعاون في مجالات التدريب وبناء القدرات، عبر برامج (الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية)، إلى جانب التعاون العسكري والأمني»، وأعرب السيسي عن «استعداد بلاده لمشاركة خبراتها في مكافحة الإرهاب مع الصومال».


«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)
أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)
TT

«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)
أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)

أفادت منظمة الصحة العالمية، اليوم الأحد، بأن ولاية جنوب كردفان السودانية تعرّضت لهجمات استهدفت ثلاث منشآت صحية خلال الأسبوع الأخير، أسفرت عن مقتل أكثر من 30 شخصاً.

وقال مدير المنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس عبر منصة «إكس» إن «النظام الصحي في السودان يتعرّض إلى الهجوم مجدداً».

ويخوض الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» حرباً منذ أبريل (نيسان) 2023، أسفرت عن مقتل عشرات آلاف الأشخاص، وتشريد ملايين آخرين، وتسببت في إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وأكد تيدروس أن النظام الصحي تعرض لهجمات عديدة في منطقة كردفان في وسط السودان، حيث يتركز القتال حالياً.

وقال: «خلال هذا الأسبوع وحده، تعرّضت ثلاث منشآت صحية إلى هجمات في جنوب كردفان، في منطقة تعاني أساساً من سوء التغذية الحاد».

وأفاد بأن في الثالث من فبراير (شباط) قتل ثمانية أشخاص هم خمسة أطفال وثلاث نساء وجُرح 11 آخرون في هجوم على مركز رعاية صحية أولية.

وأكد أنه في اليوم التالي «تعرض مستشفى لهجوم أسفر عن مقتل شخص واحد».

وفي 5 فبراير «وقع هجوم آخر على مستشفى أسفر عن مقتل 22 شخصاً بينهم 4 عاملين في المجال الصحي وإصابة 8 آخرين»، بحسب ما ذكر تيدروس.

وقال: «ينبغي على العالم أجمع أن يدعم مبادرة السلام في السودان لإنهاء العنف، وحماية الشعب، وإعادة بناء النظام الصحي»، مشدّداً على أن «أفضل دواء هو السلام».

اقرأ أيضاً


تقرير أممي: غارات إسرائيل عمّقت فجوة الواردات في اليمن

أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

تقرير أممي: غارات إسرائيل عمّقت فجوة الواردات في اليمن

أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

أكد تقرير أممي حديث أن الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت منشآت ومواني خاضعة لسيطرة الحوثيين أسهمت بصورة مباشرة في تقليص قدرتها التشغيلية على استقبال السفن التجارية، وهو ما انعكس بوضوح على حركة الواردات، خصوصاً القمح والوقود.

وفي المقابل، سجلت المواني الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ارتفاعاً غير مسبوق في واردات السلع الأساسية، وسط تحسن نسبي في سعر صرف الريال اليمني، وانخفاض ملموس في أسعار المواد الغذائية.

ووفق تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)، ارتفعت واردات القمح إلى مواني الحكومة مع نهاية عام 2025 بنسبة 329 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، في مؤشر يعكس تحولات عميقة في خريطة الإمدادات الغذائية داخل البلاد.

وأوضح التقرير أن هذا التحسن يرتبط بعدة عوامل، أبرزها الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي اليمني في عدن، ولا سيما تنظيم عمليات الاستيراد وضبط سوق الصرف، ما أسهم في تعزيز استقرار العملة المحلية.

النقص المحتمل في الوقود يهدد سلاسل الإمداد الغذائي باليمن (إعلام محلي)

ولم تتجاوز واردات القمح عبر الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين - حسب التقرير الأممي - 40 في المائة خلال الفترة ذاتها، ما يبرز اتساع الفجوة بين مناطق الحكومة والمناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعة.

ويعزو خبراء هذا التراجع الحاد إلى الغارات الإسرائيلية التي استهدفت البنية التحتية للمواني، والتي أدت إلى تقليص قدرتها على استقبال السفن وتأمين عمليات التفريغ والنقل.

ولم يقتصر التأثير على القمح فحسب، بل امتد ليشمل الوقود، إذ انخفضت واردات الوقود إلى ميناء رأس عيسى، الذي يديره الحوثيون، بنسبة 82 في المائة، في حين ارتفعت إجمالاً بنسبة 20 في المائة عبر المواني الحكومية، بما فيها عدن والمكلا. هذا التباين الحاد في حركة الوقود انعكس بشكل مباشر على استقرار الأسواق، وأسهم في تعميق التحديات الاقتصادية في مناطق سيطرة الحوثيين.

تحسن العملة

ولفتت البيانات الأممية إلى أن الريال اليمني في مناطق سيطرة الحكومة ظل أقوى بنسبة 27 في المائة مقارنة بنهاية عام 2024، وهو ما انعكس إيجاباً على أسعار الوقود والمواد الغذائية. فقد ظلت أسعار الوقود مستقرة نسبياً مقارنة بالشهر السابق، لكنها انخفضت بنسبة تتراوح بين 14 في المائة و22 في المائة مقارنة بالعام الماضي، رغم بقائها أعلى من متوسط السنوات الثلاث الماضية بنسبة تتراوح بين 4 في المائة و13 في المائة.

وينطبق الأمر ذاته على أسعار المواد الغذائية الأساسية، التي شهدت انخفاضاً ملحوظاً في مناطق الحكومة بنسبة تتراوح بين 12 في المائة و20 في المائة، وفق ما أوردته تقارير إعلامية محلية.

تراجع ملحوظ في أسعار المواد الغذائية بسبب تحسن الريال اليمني (إعلام محلي)

ويعزو الخبراء هذا التراجع إلى تحسن قيمة العملة المحلية، وانخفاض تكاليف الوقود والنقل، إلى جانب ارتفاع حجم الواردات الغذائية، وفي مقدمتها القمح.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر التقرير الأممي من أن الأمن الغذائي في اليمن لا يزال يتعرض لضغوط شديدة نتيجة أزمات متعددة ومتشابكة. ففي مناطق الحكومة، لا يزال تقلب سعر الصرف يشكل عامل خطر قد يعيد إشعال موجات تضخم جديدة في أسعار الغذاء والوقود، في حال تراجع الاستقرار النقدي، أو تعثرت إجراءات البنك المركزي.

استقرار هش

أما في مناطق سيطرة الحوثيين، فتتمثل أبرز التحديات - وفق التقرير الأممي - في ضوابط السوق الصارمة، والاضطراب الحاد في القطاع المالي، الناتج عن العقوبات التي تؤثر على المدفوعات والتحويلات المالية، إضافة إلى القيود المفروضة على استيراد دقيق القمح ومحدودية المساعدات الإنسانية. وأكد التقرير أن هذه العوامل مجتمعة تزيد من هشاشة سلاسل الإمداد، وترفع عدد الأسر المعرّضة لخطر انعدام الأمن الغذائي الحاد.

وخلال الفترة نفسها، ظلت تكلفة سلة الغذاء الدنيا في مناطق الحكومة مستقرة نسبياً، وكانت أقل بنسبة 20 في المائة مقارنة بالعام الماضي، وأقل بنسبة 5 في المائة من متوسط السنوات الثلاث الماضية. غير أن هذا الاستقرار لا يخفي واقعاً صعباً تعيشه شريحة واسعة من السكان، إذ يعتمد نحو 35 في المائة منهم على رواتب حكومية غير منتظمة تآكلت قيمتها بفعل التضخم السابق.

واردات الوقود تراجعت إلى ميناء رأس عيسى بنسبة 82 % (إعلام محلي)

كما رصد التقرير خلال شهر ارتفاعاً في أسعار الأسماك بنسبة 5 في المائة في مناطق الحكومة، لتصبح أعلى بنسبة 6 في المائة مقارنة بالعام الماضي، وبنسبة 18 في المائة مقارنة بمتوسط السنوات الثلاث الماضية.

في المقابل، ظلت أجور العمالة الزراعية والمؤقتة مستقرة نسبياً، مدعومة بالاستقرار النسبي للريال، حيث ارتفعت الأجور الزراعية بنسبة 8 في المائة، وأجور العمالة المؤقتة بنسبة 2 في المائة على أساس سنوي.

ورأت منظمة الأغذية والزراعة أن هذه المؤشرات تعكس مزيجاً من العوامل الإيجابية والسلبية، إذ يسهم تحسن العملة واستقرار الواردات في تخفيف الضغوط المعيشية، لكن استمرار التوترات الأمنية واضطراب الإمدادات في مناطق الحوثيين، خصوصاً الوقود، يظل عامل تهديد لاستقرار الأسواق على مستوى البلاد.