مذكرات بسيوني الحلقة (8): فكرة حقوق الإنسان في أفغانستان ضعيفة.. الجميع يقتل والعالم غائب تماما

بنيتها التحتية تعود إلى 300 سنة وتحكمها «شريعة» القبائل والأميركيون و«أمراء الحرب»

بسيوني مع كرزاي بعد أن عرض عليه ملخصا لتقرير هيئة الأمم عن حالة حقوق الإنسان في أفغانستان عام 2005
بسيوني مع كرزاي بعد أن عرض عليه ملخصا لتقرير هيئة الأمم عن حالة حقوق الإنسان في أفغانستان عام 2005
TT

مذكرات بسيوني الحلقة (8): فكرة حقوق الإنسان في أفغانستان ضعيفة.. الجميع يقتل والعالم غائب تماما

بسيوني مع كرزاي بعد أن عرض عليه ملخصا لتقرير هيئة الأمم عن حالة حقوق الإنسان في أفغانستان عام 2005
بسيوني مع كرزاي بعد أن عرض عليه ملخصا لتقرير هيئة الأمم عن حالة حقوق الإنسان في أفغانستان عام 2005

بعد تعيينيه رئيسا للجنة التحقيق في أفغانستان، توجه شريف بسيوني إلى جنيف. وهناك حاول التعرف على تفاصيل مهمته. قيل له «إنها مهمة واسعة»، لكن من المهم البحث عن أية انتهاكات لحقوق الإنسان في أفغانستان. كان قرار الذهاب قد سبق تعيينه رئيسا للجنة بأكثر من عام. حينذاك، اعترضت الولايات المتحدة على تعيين أي شخص للذهاب إلى أفغانستان. كانت تخشى من أن تكشف لجنة التحقيق أو من يكلف بالذهاب إلى هناك، ما ارتكبته القوات الأميركية من انتهاكات، سواء ما جرى منها داخل المعتقلات والسجون، أو خلال عمليات استجواب المعتقلين، أو أثناء عمليات التعذيب، أو حتى ما كان نتيجة اللجوء إلى ممارسات معينة خلال الحرب، مثل تدمير بعض المناطق المدنية وقتل مدنيين. وكان ذلك وراء تعطل تعيين بسيوني تلك المدة.
قرر الأمين العام للأمم المتحدة تعيين بسيوني بغض النظر عن موافقة الأميركيين. اتجه بسيوني إلى جنيف من أجل المهمة، ووجد ما وجده في يوغوسلافيا السابقة، لا موارد مالية مخصصة له. وكما فعلوا في يوغوسلافيا حين عينوا اللجنة، فعلوا معه هذه المرة، لكن خبرته في تلك التجربة، دفعته إلى الاعتماد على نفسه في أفغانستان أيضا، في الحصول على موارد من خارج هيئة الأمم المتحدة وتحقيق أهدافه، على الرغم من وجود عراقيل بيروقراطية، كان لها انعكاسات سياسية. فالدول المعارضة لأي منهج، كانت تعمد إلى الإساءة لسمعة الشخص المسؤول. وهكذا «حاولوا الإساءة إلى سمعتي، على أساس أن التعامل معي صعب، وأنني رجل متعصب فكريا ولا أقبل الخضوع إلى أي قواعد»، هذا ما قاله بسيوني، الذي عدّ ذلك «هجوما شخصيا». تعلم الدرس، كما قال، وقرر الذهاب إلى أفغانستان، وطلب من الجمعية العامة أن توفر له ومن معه سبل الانتقال إلى هناك على الأقل. أجابوه بأنه لا توجد نفقات لشراء تذكرة الطائرة. قال: «حسنا، سأدفع ثمن التذكرة من مالي الشخصي وعندما يتوفر التمويل يمكن إعادته لي». ولم يجر تعويضه عما انفقه حتى اليوم.
في هذه الحلقة، «الثامنة»، يتابع بسيوني رواية تفاصيل مريعة عما كان يجري في تلك البلاد:
عندما توجهت إلى أفغانستان، اشترطوا أن يذهب معي بلجيكي كان يعاني من حالة نفسية صعبة آنذاك، وعمل معي فترة قصيرة، ثم أخذ إجازة مرضية وانسحب. لحسن حظي، أن معهد سيراكوزا كان يدرب قضاة في أفغانستان، بناء على اتفاقية بون لعام 2003 ، التي جرى فيها الاتفاق بين جميع الدول على إدارة أفغانستان في هذه الفترة المرحلية. كانت إيطاليا قد تعهدت بالعمل القضائي، وألمانيا تعهدت بتدريب الشرطة، وإنجلترا بمكافحة المخدرات، وأميركا تعهدت بالأمن القومي. وبعد توزيع هذه الأدوار، تعاقدت إيطاليا مع معهد سيراكوزا لتدريب هؤلاء القضاة، وكانت علاقتي مع رئيس المحكمة العليا، واسمه الشينواري علاقة طيبة جدا، واستطعت إقناعه منذ البداية، أن يعين 50 امرأة في القضاء الأفغاني، ولأول مرة في التاريخ عام 2004 عينت 50 امرأة،على مراحل، في القضاء الأفغاني الذي كان يضم وقتها، نحو 400 قاض كان معظمهم في القبائل، وكانوا قضاة مصالحة، أي كانوا يعملون بقوانين الأحكام العرفية، ومعظمهم لم تكن لهم أي خبرة قانونية حقيقية؛ ومن الـ400 قاض كانت هناك نسبة 11 في المائة من المتخرجين في كلية الحقوق.
عدد منهم كانوا أيضا من خريجي كليات دينية، وعددهم لا يزيد على 19 في المائة، يعني إجمالا كان هناك 30 في المائة لهم مقدرة معينة من العلم والباقون لم يكونوا كذلك، بل على العكس، فقد كان نحو 10 في المائة من القضاة لا يعرفون القراءة والكتابة.
ونتيجة العلاقة الطيبة بيني وبين الشينواري الذي كان متحكما بشكل كامل في مجال القضاء في أفغانستان، والذي كنت على إحاطة به لأني كنت دارسا للشريعة الإسلامية منذ كنت طالبا في كلية الحقوق بالقاهرة؛ حيث كان أستاذي الشيخ محمد أبو زهرة، وكان شهيرا جدا في الشريعة الإسلامية، خاصة الأمور الجنائية، وكنت ملازما له، فتعلمت منه كثيران، ثم سعيت لاكتساب العلم في هذا الموضوع. فكنت قادرا على الحديث مع الشيخ الشينواري وأعضاء المحكمة العليا، الذين كانوا كلهم تقريبا من خريجي كليات شريعة، والبعض منهم درسوا في الأزهر في مصر. وباعتبار أن المذهب السائد في أفغانستان هو المذهب الحنفي، وهو مذهب معروف في مصر وأنا أعرفه تماما، كنت قادرا على الحوار الديني والقانوني معهم، مما وفر اطمئنانا كاملا لي من جانب المحكمة العليا في برامج التدريب التي قمت بها.
وكان هناك نائب عام مستقل كانت علاقتي به طيبة، لكن نتيجة الظروف التي كانت سيئة جدا، لم تكن لدينا إمكانية التحدث عن هيئة قضائية. كان بعض القضاة متفهمين للعمل لكن عددهم كان قليلا. لم تكن هناك مبان قضائية، ولا مكاتب ولا معاونين يعملون في مكاتب القضاء. لم تكن هناك ملفات، وعندما تأتي قضية للاستئناف مثلا لم يكن من السهل معرفة مكان ملف القضية.
لم يكن العاملون متواجدين، وكان القضاة الذين يعملون خارج كابل، مهددين باستمرار، من جانب السياسيين الذين يستعملون العنف دائما، كما كان الأمر قبل التدخل الأميركي، حيث استمروا نحو 30 عاما، وفيما بعد، واجهوا تهديدات من قبل تجار المخدرات. كان هناك أيضا، التلاحم بين من يسمون «ذي وور لوردز» (أمراء الحرب)، و(أمراء المخدرات)، الذين عملوا معا لتعطيلعمل القضاء وعرقلته. وكانت المبالغ التي تأتي من تجارة المخدرات ضخمة جدا، فكان التقدير في العام الواحد بين 2003 و2004، ثلاثة مليارات من الدخل في حين أن القاضي في المحكمة العليا في هذا التاريخ كان يتقاضى 200 دولار في الشهر؛ فكان من السهل جدا أن يعرض على أي قاض في الميدان، سواء في الدرجة الأولى أو الاستئناف: إما أن تأخذ 10 آلاف دولار، أي ما يعادل راتبه في 10 سنوات، وإما أن تقتل أو يقتل شخص من أسرتك.
لاحظت خلال تنقلاتي الميدانية غياب المحاكم. استعنت بفريقي الخاص بالتدريب، حيث كان لمعهد سيراكوزا بيت لإقامة المعهد الدائم وسكنت فيه، واستخدمت الطاقم الدائم. كان لنا ثلاث سيارات وثلاثة سائقين استخدمتهم كذلك. واستفدت من العلاقات التي أقامها المعهد مع الشينواري ومع النائب العام ورئيس الجمهورية كرزاي، واستطعت من خلال هذا المدخل، القيام بزيارات داخل كابل وخارجها، وأن أعرف ما كان يحدث في مجال حقوق الإنسان.
بلا شك، كان النظام الاجتماعي في أفغانستان قائما على النظام القبلي. فأفغانستان بلد منقسم إلى ستة أجزاء وكل جزء مختلف عن الآخر؛ ففي المنطقة الملاصقة لإيران يتحدثون الفارسية تماما. والمنطقة المجاورة لباكستان يتحدثون البشتو، وعلاقتهم بباكستان علاقة قبلية موحدة، لأن الحدود بقيت سياسية وهمية وضعتها بريطانيا للتفريق بين القبائل، لكن القبائل لا تعترف بها، وأبناؤها يعتبرون أنفسهم كيانا واحدا، فينتقلون من مكان إلى آخر من باكستان إلى أفغانستان بكل حرية، ولهم ثقافتهم، وخير مثال على ذلك، أنه على الرغم من انهم ينظرون لأنفسهم باعتبارهم دولة إسلامية واحدة، بما في ذلك طالبان، إلا أن هناك اختلافا في تقييم الديّة (الفدية) فيما بين المناطق. أخذت أنا هذا المثل لمحاولة فهم تقسيم الدولة، فقلت لهم أنتم ناس طالبان وكلكم متوحدون في محاربة الأجانب، وتقولون إنكم مسلمون، إذن لماذا تختلفون في تطبيق الشريعة من منطقة إلى أخرى؟ هل الشريعة تختلف طبقا للاختلافات السياسية؟ كيف تختلفون؟ فكان الجواب صعبا.
البنية التحتية لكل البلاد تعود إلى ما بين 200 إلى 300 سنة إلى الوراء، لا أريد استعمال كلمة «تخلف» لأنها تنطوي على معنى سلبي، لكن الخطوة التي يحتاجونها للوصول إلى العالم (تو كاتش) 200 سنة، في العراق مثلا - عندما كنت أشارك في تدريب القضاة - كانت المسافة نحو 20 سنة فقط.
بين 2003 و2005 تقريبا خارج كابل، لم تكن توجد محاكم، وإذا وجدت فهي عبارة عن غرفة واحدة تتوسطها مائدة يجلس القاضي خلفها، والناس إما جالسون على الأرض وإما واقفون. أتذكر حوارا مع النائب العام قال فيه إن له في جميع أنحاء البلاد 11 مكتبا، وكل مكتب يتكون من غرفة واحدة، خارج كابل طبعا. معظم المحاكمات كانت حسب قانون القبائل وحسب اجتهاداتهم. المحاكمات الرسمية كانت قليلة وكانت المحاكمة وفق الشريعة وهم أميون. الحكومة الإيطالية في يوم ما، قررت أن تعطي معونة لأفغانستان لبناء سجن للنساء، فبنت السجن في كابل بطاقة استيعاب 40 سجينة، وعندما زرته وجدت فيه أكثر من 40 امرأة وأكثر من 200 طفل. سألت: من أين جاء الأطفال؟ قالوا: النساء اللواتي يحكم عليهن بالسجن يتبرأ أزواجهن منهن ومن أبنائهن، فتأتي المرأة بأطفالها، فنجد السجينة تنام مع أبنائها في سرير واحد وببطانية واحدة. في أفغانستان البرد شديد ولا نظام تدفئة في السجون، وحتى النوافذ من حديد، وبالتالي وجدت أن المساعدات تأتي فقط للسيدات في السجن، لكنهن يقتسمنها مع أطفالهن، والمعونة اليومية 60 سنتا في اليوم، وحتى السجانة لا يأتيها أكل من الحكومة فتتقاسم أيضا أكل السجينات.
وأتذكر سيدة صغيرة ونحيفة كانت ضمن السجينات. أردت سؤالها، فطلبت ملفها من المسؤولة عن السجن، فقالت إنها قتلت أربعة رجال. قلت كيف تقتل هذه (المرأة) أربعة؟ بعد التحري، فهمت، أن السيدات تتقدمن لإزالة عبء المسؤولية عن أزواجهن. أكثر السيدات يكن ضحايا لأزواجهن وإخوانهن. يقمن بحماية رجل في الأسرة، سواء كان زوجا أو أخا أو أبا. كما وجدت في بحث آخر قمت به، أن بعض العائلات في بعض القبائل، تعطي بنات صغيرات كزوجات للعائلة المتضررة. مثلا شخص قتل آخر من عائلة ما، فتكون «ديّته» أربع بنات غالبا في سن بين 10 إلى 15 سنة، ويزوجن صوريا لعائلة القتيل وتنتهي القصة. أنه نوع من الدية أقرب إلى العبودية. لقد تحدثت شخصيا مع كرزاي (الرئيس) في هذا الموضوع، لكنه قال إنه لا يعلم بهذا.
في الوقت نفسه، أعطت الإدارة الأميركية عقدا لشركة أميركية لبناء عدد من المحاكم، فجرى بناؤها همن دون علم وزارة العدل الأفغانية. ولما انتهوا من بنائها، ذهب المسؤول عن المعونة إلى وزير العدل، وأبلغه أنه أتى لتسليمه مفاتيح 20 محكمة، فقال الوزير: أنا لا أعلم شيئا عن هذه المحاكم ولا أماكن وجودها. فطلب الأميركي التسلم والتوقيع على ذلك. رد وزير العدل بأنه لا يمكنه القيام بذلك، لأنه إذا تسلم المباني «فهي تحتاج إلى خدمات مختلفة، من كهرباء وماء ونظافة وموظفين وإدارة، وليس لي ميزانية، أعطني ميزانية». أجابه المسؤول إن الجانب الأميركي كلف بالبناء فقط. في النهاية أخذ المفاتيح، وأصبحت بعض المباني محاكم والبعض الآخر بلديات، والبعض الثالث أخذه المحافظ وحوله إلى فيللا وسكن فيها.
ومما لاحظته في أفغانستان أيضا، استغلال الأطفال في العمالة؛ إذ كان من الطبيعي جدا أن ترى أطفالا في سن تسع سنوات أو عشر يعملون لمدة عشر أو ثماني ساعات في المصانع، بما يخالف الاتفاقيات الدولية، وطبعا لا الحكومة الأفغانية ولا الغرب ينظرون إلى هذا إلا من الناحية الشكلية أو الدعائية.
وأذكر كذلك مثالا آخر. في يوم ما زرت السجن الرئيس الذي كان قد بناه الروس عندما كانوا في أفغانستان، واسمه «بول أي شرخي» والذي يبعد حوالي 300 كلم عن كابل. بني السجن بالإسمنت وكان بلا شبابيك، وبلا حواجز. كنت في فبراير (شباط)، وكانت درجة الحرارة 7 تحت الصفر. استطعت أن أفرض على وزارة الداخلية أن تضع نوعا من أوراق البلاستيك لمنع البرد. لم يكن هناك ماء ساخن بل قليل جدا من الماء، ولا توجد حمامات، والناس لا يخرجون للساحة إلا مرة أو مرتين في الأسبوع. كان في كل عنبر أكثر من 100 شخص ولا مكان ينامون فيه، فكانوا ينامون صفوفا مثل المصلين، فمن ينام تكون قدماه على رأس من أمامه وهلم جرا. سألت عن المساجين، فقالوا إنهم سلموا أنفسهم في نهاية الحرب عام 2003. قلت ولماذا هم موجودون ونحن الآن في 2005 وقد مرت سنتان على وجودهم في السجن، وكان عددهم 852 شخصا. واتضح أنهم سلموا أنفسهم في أماكن مختلفة، وبعدها أراد الأميركيون أن ينقلوهم إلى مدينة اسمها مزار شريف، وتعاقدوا مع ناقلي البضائع لنقلهم عن طريق شاحنات، ومات كثير منهم في الطريق. ولما وصلت البقية إلى مزار شريف تمردوا، وكانت النتيجة أن أمر الأميركيون بإطلاق النار عليهم، وقتلوا أكثر من 700 شخص، في حين لم يزد الأمر عن تمرد داخلي. ثم احتفظوا بالباقين في السجن وتركوهم عاما ونصف العام في مزار شريف، ثم نقلوهم لـ«بولي شاركي».
بعد أن علمت بقصتهم توجهت للشينواري، وقلت: كيف تسمح بهذا؟ فأجاب بأنه لا علم له، وطلب مني أن أراجع النائب العام، فتوجهت إلى لنائب العام، فقال إنه لا علم له أيضا. قلت له: ما هذه الدولة التي تأمر قوات أجنبية من دون أمر قضائي! كذلك وزير العدل، قال ان لا حيلة له. وقال وزير الداخلية، إن هذا أمر أميركي. توجهت إلى السفير الأميركي خليل زاهي، فقال إن اشكروفت قال نريد القبض عليهم للتحقق من مدى خطورتهم على الولايات المتحدة، لكن على اعتبار أنهم يتحدثون لغات مختلفة مثل البشتو والفارسية وغيرها، لم نجد المترجمين الكافين. قلت ولأن جون اشكروفت طلب التحقيق ولم تجدوا مترجمين، تتركون الناس لمدة سنتين في هذه الظروف! وعدت إلى المستشفى، فوجدت أن 200 منهم مرضى بأمراض داخلية، منهم 120 مصابون بالربو. ذهبت إلى كرزاي وقلت، إنك إذا لم تخرج هؤلاء فسأفضحك، وتحدثت لخليل زادي بأني سأفضح أميركا، وسأذهب للجمعية العمومية وأفضحكم شفاهة، وكرزاي اقتنع، وخليل زادي أقنع الأميركان وأخلي طرف هؤلاء المساجين بعدها.

بسيوني خبير مستقل لحقوق الإنسان في أفغانستان
في عام 2004، عين الأمين العام للأمم المتحدة البروفسور بسيوني خبيرا مستقلا لحقوق الإنسان في أفغانستان، بناء على قرار من لجنة حقوق الإنسان، وهي اللجنة التي أصبحت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في عام 2005. ولم يتوفر للخبير المستقل طاقم العمل أو الموارد التي لولا وجودها لم يكن ليتم مهمته. وكرئيس للمعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية (ISISC)، اعتمد البروفسور بسيوني على الهيكل التنظيمي والعاملين بالمعهد في أفغانستان. حيث تصادف عمل البروفسور بسيوني في أفغانستان، حين كان المعهد يقوم بتنفيذ برنامج تدريبي للمؤسسة القضائية هناك فيما يخص العدالة الجنائية والذي مولته الحكومة الإيطالية التي كانت تقوم بمهمة في مجال العدالة في أفغانستان بموجب اتفاق بون أو اتفاق بشأن ترتيبات مؤقتة في أفغانستان ريثما يعاد إنشاء المؤسسات الحكومية
تألف طاقم العمل الذي كان متاحا للخبير المستقل من عامل واحد من الأمم المتحدة في جنيف كان يعمل بنصف دوام. وقد استقال هذا العامل أثناء المهمة لظروف صحية. لم يكن هناك أفراد آخرون متاحون للخبير المستقل. وكان متوقعا في ذلك الوقت أن تكون بيروقراطية الأمم المتحدة في صف الولايات المتحدة الأميركية التي عارضت تلك المهمة. وسافر الخبير المستقل معتمدا على دعم طاقم عمل المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية في أغسطس (آب) عام 2004 ويناير (كانون الثاني) عام 2005. ولولا البنية التحتية التي أنشاها المعهد وطاقم عمله وكذلك اتصالاته مع مؤسستي القضاء والرئاسة في أفغانستان، بالإضافة للاتصالات الشخصية للخبير المستقل مع الرئيس حامد كرزاي، لم يكن للنجاح أن يكتب لتلك المهمة.
قدم البروفسور بسيوني تقريرا أوليا لمناقشته في اجتماع اللجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في أكتوبر (تشرين الأول)، قوبل بترحيب كبير من جميع الدول الأعضاء باستثناء إدارة الرئيس بوش. وقُدم التقرير الثاني لمفوضية حقوق الإنسان في جنيف، سويسرا، في أبريل (نيسان) من عام 2005. وبعد تقديم الخبير المستقل لتقريره الثاني للمفوضية، عملت الولايات المتحدة بوضوح، التي عارضت تلك المهمة من البداية وكان وراء عدم إمداد المفوضية في جنيف البروفسور بسيوني بطاقم عمل أو أية موارد، ومنع التجديد لتلك المهمة. لكن الولايات المتحدة فعلت ذلك بطريقة غاية في الأناقة، عندما قالت إن الخبير المستقل قدم تحليلا دقيقا لا يدع مجالا لأي خبير مستقل آخر أو أية لجنة لتقوم بعمل إضافي، وأن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان سوف يعول على هذا التحليل. وكانت تلك هي نهاية أي نوع من الرقابة على الممارسات الأميركية في أفغانستان، وكذلك ممارسات الحكومة الأفغانية وحركة طالبان.
كان التقرير هو الأول من نوعه الذي يكشف ممارسة التعذيب وسوء المعاملة ضد المعتقلين التي كانت تمارسها الحكومة وقوات التحالف، خاصة القوات الأميركية. وكان الأول أيضا في انتقاد ممارسات القوات الأميركية في قاعدة باغرام الجوية ومجموعة من القواعد العسكرية الأخرى، وكذلك نقل بعض المعتقلين إلى معتقل غوانتانامو دون أدلة كافية، الأمر الذي أدى إلى إرسال العديد من الأشخاص بلا جريرة إلى غوانتانامو، البعض منهم سوف يظل محبوسا هناك طوال 11 عاما مقبلة.
أثار التقريران عددا من القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان في أفغانستان، خاصة فيما يتعلق بمحاسبة أمراء الحرب، والانتهاكات التي ارتكبها تجار المخدرات، والفساد الحكومي، والدور الفاسد الذي لعبه المقاولون الأميركيون الذين كانوا يعملون من دون رقابة أميركية كافية، والتمييز الذي كان يُمارس بشكل واسع ضد طبقات ومجموعات محددة داخل المجتمع الأفغاني، فضلا عن المرأة، وأخيرا وليس آخرا المعاملة القاسية وغير الإنسانية التي كان يتعرض لها الأشخاص المحتجزون في المعتقلات. وخلال السنوات اللاحقة، لم يحدث أي نوع من الإصلاح في تلك القضايا المذكورة آنفا، فقد لاقت توصيات الخبير المستقل استحسانا كبيرا في نيويورك وجنيف ولكنها لم تطبق في أفغانستان. ولم تقدم الحكومة الأفغانية أو الولايات المتحدة بما يدل على اهتمامهما بوضع تلك التوصيات موضع التنفيذ. واصلت إيطاليا عملها في مجال العدالة، والمملكة المتحدة في مجال مكافحة المخدرات، وألمانيا في مجالات إنفاذ القانون، لكن على نطاق ضيق جدا. وباستثناء ما يقرب من 644.4 مليار أنفقتها الولايات المتحدة في أفغانستان خلال الفترة من 2003 إلى 2013، هناك دلائل بسيطة على أن الولايات المتحدة ساهمت في تحسين البنية التحتية في البلاد، فضلا عن مساهمتها في خلق دولة مستدامة. لكن فظاعة الجرائم التي ارتكبها أمراء الحرب قبل عام 2003 والجرائم التي ارتكبتها حركة طالبان والولايات المتحدة بعد عام 2003 لن يعرفها أحد، ويمكن القول إن محاسبة من ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتعذيب والكثير من انتهاكات حقوق الإنسان في ذلك البلد لم تحدث على الإطلاق.

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (7)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (6)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (5)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (4)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (3)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (2)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1)
 



مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».


ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
TT

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)

أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، السبت، زيارة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وقال ويتكوف، عبر منصة «إكس»: «التقيتُ اليوم مع الأدميرال براد كوبر وجاريد كوشنر، مع البحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات( يو إس إس أبراهام لينكولن)، والمجموعة القتالية التابعة لها، والجناح الجوي التاسع، الذين يحموننا، ويحافظون على رسالة الرئيس ترمب للسلام من خلال القوة».

وأضاف: «شاهدنا عمليات إقلاع الطائرات، وتحدثنا مع الطيار الذي أسقط طائرة إيرانية مسيرة من دون طيار اقتربت من الحاملة».

وتابع: «أشعر بالفخر للوقوف مع الرجال والنساء الذين يدافعون عن مصالحنا، ويردعون خصومنا، ويظهرون للعالم كيف تبدو جاهزية الولايات المتحدة وعزيمتها، في حالة استعداد دائم».

كانت شبكة «سي إن إن» أفادت، في وقت سابق من اليوم (السبت)، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قاما بزيارة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بعد محادثات أميركية غير مباشرة مع إيران بوساطة من سلطنة عمان عقدت في مسقط أمس.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يصافح أحد الضباط الأميركيين على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وخلفه جاريد كوشنر (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

ونقلت الشبكة عن مصادر القول إن الزيارة جاءت بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وإن الغرض من الزيارة، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي رفيع المستوى، هو «التعبير عن الامتنان للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة».

وجاءت الزيارة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بأن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً».

ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وخلفهما طائرة «إف 35» على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

وتسارعت وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان ترمب أنه يضع من ضمن خياراته توجيه ضربة إلى إيران، رغم أن الرئيس لم يُشر إلى أنه اتخذ قراراً محدداً بعد.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.


الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.