مذكرات بسيوني الحلقة (8): فكرة حقوق الإنسان في أفغانستان ضعيفة.. الجميع يقتل والعالم غائب تماما

بنيتها التحتية تعود إلى 300 سنة وتحكمها «شريعة» القبائل والأميركيون و«أمراء الحرب»

بسيوني مع كرزاي بعد أن عرض عليه ملخصا لتقرير هيئة الأمم عن حالة حقوق الإنسان في أفغانستان عام 2005
بسيوني مع كرزاي بعد أن عرض عليه ملخصا لتقرير هيئة الأمم عن حالة حقوق الإنسان في أفغانستان عام 2005
TT

مذكرات بسيوني الحلقة (8): فكرة حقوق الإنسان في أفغانستان ضعيفة.. الجميع يقتل والعالم غائب تماما

بسيوني مع كرزاي بعد أن عرض عليه ملخصا لتقرير هيئة الأمم عن حالة حقوق الإنسان في أفغانستان عام 2005
بسيوني مع كرزاي بعد أن عرض عليه ملخصا لتقرير هيئة الأمم عن حالة حقوق الإنسان في أفغانستان عام 2005

بعد تعيينيه رئيسا للجنة التحقيق في أفغانستان، توجه شريف بسيوني إلى جنيف. وهناك حاول التعرف على تفاصيل مهمته. قيل له «إنها مهمة واسعة»، لكن من المهم البحث عن أية انتهاكات لحقوق الإنسان في أفغانستان. كان قرار الذهاب قد سبق تعيينه رئيسا للجنة بأكثر من عام. حينذاك، اعترضت الولايات المتحدة على تعيين أي شخص للذهاب إلى أفغانستان. كانت تخشى من أن تكشف لجنة التحقيق أو من يكلف بالذهاب إلى هناك، ما ارتكبته القوات الأميركية من انتهاكات، سواء ما جرى منها داخل المعتقلات والسجون، أو خلال عمليات استجواب المعتقلين، أو أثناء عمليات التعذيب، أو حتى ما كان نتيجة اللجوء إلى ممارسات معينة خلال الحرب، مثل تدمير بعض المناطق المدنية وقتل مدنيين. وكان ذلك وراء تعطل تعيين بسيوني تلك المدة.
قرر الأمين العام للأمم المتحدة تعيين بسيوني بغض النظر عن موافقة الأميركيين. اتجه بسيوني إلى جنيف من أجل المهمة، ووجد ما وجده في يوغوسلافيا السابقة، لا موارد مالية مخصصة له. وكما فعلوا في يوغوسلافيا حين عينوا اللجنة، فعلوا معه هذه المرة، لكن خبرته في تلك التجربة، دفعته إلى الاعتماد على نفسه في أفغانستان أيضا، في الحصول على موارد من خارج هيئة الأمم المتحدة وتحقيق أهدافه، على الرغم من وجود عراقيل بيروقراطية، كان لها انعكاسات سياسية. فالدول المعارضة لأي منهج، كانت تعمد إلى الإساءة لسمعة الشخص المسؤول. وهكذا «حاولوا الإساءة إلى سمعتي، على أساس أن التعامل معي صعب، وأنني رجل متعصب فكريا ولا أقبل الخضوع إلى أي قواعد»، هذا ما قاله بسيوني، الذي عدّ ذلك «هجوما شخصيا». تعلم الدرس، كما قال، وقرر الذهاب إلى أفغانستان، وطلب من الجمعية العامة أن توفر له ومن معه سبل الانتقال إلى هناك على الأقل. أجابوه بأنه لا توجد نفقات لشراء تذكرة الطائرة. قال: «حسنا، سأدفع ثمن التذكرة من مالي الشخصي وعندما يتوفر التمويل يمكن إعادته لي». ولم يجر تعويضه عما انفقه حتى اليوم.
في هذه الحلقة، «الثامنة»، يتابع بسيوني رواية تفاصيل مريعة عما كان يجري في تلك البلاد:
عندما توجهت إلى أفغانستان، اشترطوا أن يذهب معي بلجيكي كان يعاني من حالة نفسية صعبة آنذاك، وعمل معي فترة قصيرة، ثم أخذ إجازة مرضية وانسحب. لحسن حظي، أن معهد سيراكوزا كان يدرب قضاة في أفغانستان، بناء على اتفاقية بون لعام 2003 ، التي جرى فيها الاتفاق بين جميع الدول على إدارة أفغانستان في هذه الفترة المرحلية. كانت إيطاليا قد تعهدت بالعمل القضائي، وألمانيا تعهدت بتدريب الشرطة، وإنجلترا بمكافحة المخدرات، وأميركا تعهدت بالأمن القومي. وبعد توزيع هذه الأدوار، تعاقدت إيطاليا مع معهد سيراكوزا لتدريب هؤلاء القضاة، وكانت علاقتي مع رئيس المحكمة العليا، واسمه الشينواري علاقة طيبة جدا، واستطعت إقناعه منذ البداية، أن يعين 50 امرأة في القضاء الأفغاني، ولأول مرة في التاريخ عام 2004 عينت 50 امرأة،على مراحل، في القضاء الأفغاني الذي كان يضم وقتها، نحو 400 قاض كان معظمهم في القبائل، وكانوا قضاة مصالحة، أي كانوا يعملون بقوانين الأحكام العرفية، ومعظمهم لم تكن لهم أي خبرة قانونية حقيقية؛ ومن الـ400 قاض كانت هناك نسبة 11 في المائة من المتخرجين في كلية الحقوق.
عدد منهم كانوا أيضا من خريجي كليات دينية، وعددهم لا يزيد على 19 في المائة، يعني إجمالا كان هناك 30 في المائة لهم مقدرة معينة من العلم والباقون لم يكونوا كذلك، بل على العكس، فقد كان نحو 10 في المائة من القضاة لا يعرفون القراءة والكتابة.
ونتيجة العلاقة الطيبة بيني وبين الشينواري الذي كان متحكما بشكل كامل في مجال القضاء في أفغانستان، والذي كنت على إحاطة به لأني كنت دارسا للشريعة الإسلامية منذ كنت طالبا في كلية الحقوق بالقاهرة؛ حيث كان أستاذي الشيخ محمد أبو زهرة، وكان شهيرا جدا في الشريعة الإسلامية، خاصة الأمور الجنائية، وكنت ملازما له، فتعلمت منه كثيران، ثم سعيت لاكتساب العلم في هذا الموضوع. فكنت قادرا على الحديث مع الشيخ الشينواري وأعضاء المحكمة العليا، الذين كانوا كلهم تقريبا من خريجي كليات شريعة، والبعض منهم درسوا في الأزهر في مصر. وباعتبار أن المذهب السائد في أفغانستان هو المذهب الحنفي، وهو مذهب معروف في مصر وأنا أعرفه تماما، كنت قادرا على الحوار الديني والقانوني معهم، مما وفر اطمئنانا كاملا لي من جانب المحكمة العليا في برامج التدريب التي قمت بها.
وكان هناك نائب عام مستقل كانت علاقتي به طيبة، لكن نتيجة الظروف التي كانت سيئة جدا، لم تكن لدينا إمكانية التحدث عن هيئة قضائية. كان بعض القضاة متفهمين للعمل لكن عددهم كان قليلا. لم تكن هناك مبان قضائية، ولا مكاتب ولا معاونين يعملون في مكاتب القضاء. لم تكن هناك ملفات، وعندما تأتي قضية للاستئناف مثلا لم يكن من السهل معرفة مكان ملف القضية.
لم يكن العاملون متواجدين، وكان القضاة الذين يعملون خارج كابل، مهددين باستمرار، من جانب السياسيين الذين يستعملون العنف دائما، كما كان الأمر قبل التدخل الأميركي، حيث استمروا نحو 30 عاما، وفيما بعد، واجهوا تهديدات من قبل تجار المخدرات. كان هناك أيضا، التلاحم بين من يسمون «ذي وور لوردز» (أمراء الحرب)، و(أمراء المخدرات)، الذين عملوا معا لتعطيلعمل القضاء وعرقلته. وكانت المبالغ التي تأتي من تجارة المخدرات ضخمة جدا، فكان التقدير في العام الواحد بين 2003 و2004، ثلاثة مليارات من الدخل في حين أن القاضي في المحكمة العليا في هذا التاريخ كان يتقاضى 200 دولار في الشهر؛ فكان من السهل جدا أن يعرض على أي قاض في الميدان، سواء في الدرجة الأولى أو الاستئناف: إما أن تأخذ 10 آلاف دولار، أي ما يعادل راتبه في 10 سنوات، وإما أن تقتل أو يقتل شخص من أسرتك.
لاحظت خلال تنقلاتي الميدانية غياب المحاكم. استعنت بفريقي الخاص بالتدريب، حيث كان لمعهد سيراكوزا بيت لإقامة المعهد الدائم وسكنت فيه، واستخدمت الطاقم الدائم. كان لنا ثلاث سيارات وثلاثة سائقين استخدمتهم كذلك. واستفدت من العلاقات التي أقامها المعهد مع الشينواري ومع النائب العام ورئيس الجمهورية كرزاي، واستطعت من خلال هذا المدخل، القيام بزيارات داخل كابل وخارجها، وأن أعرف ما كان يحدث في مجال حقوق الإنسان.
بلا شك، كان النظام الاجتماعي في أفغانستان قائما على النظام القبلي. فأفغانستان بلد منقسم إلى ستة أجزاء وكل جزء مختلف عن الآخر؛ ففي المنطقة الملاصقة لإيران يتحدثون الفارسية تماما. والمنطقة المجاورة لباكستان يتحدثون البشتو، وعلاقتهم بباكستان علاقة قبلية موحدة، لأن الحدود بقيت سياسية وهمية وضعتها بريطانيا للتفريق بين القبائل، لكن القبائل لا تعترف بها، وأبناؤها يعتبرون أنفسهم كيانا واحدا، فينتقلون من مكان إلى آخر من باكستان إلى أفغانستان بكل حرية، ولهم ثقافتهم، وخير مثال على ذلك، أنه على الرغم من انهم ينظرون لأنفسهم باعتبارهم دولة إسلامية واحدة، بما في ذلك طالبان، إلا أن هناك اختلافا في تقييم الديّة (الفدية) فيما بين المناطق. أخذت أنا هذا المثل لمحاولة فهم تقسيم الدولة، فقلت لهم أنتم ناس طالبان وكلكم متوحدون في محاربة الأجانب، وتقولون إنكم مسلمون، إذن لماذا تختلفون في تطبيق الشريعة من منطقة إلى أخرى؟ هل الشريعة تختلف طبقا للاختلافات السياسية؟ كيف تختلفون؟ فكان الجواب صعبا.
البنية التحتية لكل البلاد تعود إلى ما بين 200 إلى 300 سنة إلى الوراء، لا أريد استعمال كلمة «تخلف» لأنها تنطوي على معنى سلبي، لكن الخطوة التي يحتاجونها للوصول إلى العالم (تو كاتش) 200 سنة، في العراق مثلا - عندما كنت أشارك في تدريب القضاة - كانت المسافة نحو 20 سنة فقط.
بين 2003 و2005 تقريبا خارج كابل، لم تكن توجد محاكم، وإذا وجدت فهي عبارة عن غرفة واحدة تتوسطها مائدة يجلس القاضي خلفها، والناس إما جالسون على الأرض وإما واقفون. أتذكر حوارا مع النائب العام قال فيه إن له في جميع أنحاء البلاد 11 مكتبا، وكل مكتب يتكون من غرفة واحدة، خارج كابل طبعا. معظم المحاكمات كانت حسب قانون القبائل وحسب اجتهاداتهم. المحاكمات الرسمية كانت قليلة وكانت المحاكمة وفق الشريعة وهم أميون. الحكومة الإيطالية في يوم ما، قررت أن تعطي معونة لأفغانستان لبناء سجن للنساء، فبنت السجن في كابل بطاقة استيعاب 40 سجينة، وعندما زرته وجدت فيه أكثر من 40 امرأة وأكثر من 200 طفل. سألت: من أين جاء الأطفال؟ قالوا: النساء اللواتي يحكم عليهن بالسجن يتبرأ أزواجهن منهن ومن أبنائهن، فتأتي المرأة بأطفالها، فنجد السجينة تنام مع أبنائها في سرير واحد وببطانية واحدة. في أفغانستان البرد شديد ولا نظام تدفئة في السجون، وحتى النوافذ من حديد، وبالتالي وجدت أن المساعدات تأتي فقط للسيدات في السجن، لكنهن يقتسمنها مع أطفالهن، والمعونة اليومية 60 سنتا في اليوم، وحتى السجانة لا يأتيها أكل من الحكومة فتتقاسم أيضا أكل السجينات.
وأتذكر سيدة صغيرة ونحيفة كانت ضمن السجينات. أردت سؤالها، فطلبت ملفها من المسؤولة عن السجن، فقالت إنها قتلت أربعة رجال. قلت كيف تقتل هذه (المرأة) أربعة؟ بعد التحري، فهمت، أن السيدات تتقدمن لإزالة عبء المسؤولية عن أزواجهن. أكثر السيدات يكن ضحايا لأزواجهن وإخوانهن. يقمن بحماية رجل في الأسرة، سواء كان زوجا أو أخا أو أبا. كما وجدت في بحث آخر قمت به، أن بعض العائلات في بعض القبائل، تعطي بنات صغيرات كزوجات للعائلة المتضررة. مثلا شخص قتل آخر من عائلة ما، فتكون «ديّته» أربع بنات غالبا في سن بين 10 إلى 15 سنة، ويزوجن صوريا لعائلة القتيل وتنتهي القصة. أنه نوع من الدية أقرب إلى العبودية. لقد تحدثت شخصيا مع كرزاي (الرئيس) في هذا الموضوع، لكنه قال إنه لا يعلم بهذا.
في الوقت نفسه، أعطت الإدارة الأميركية عقدا لشركة أميركية لبناء عدد من المحاكم، فجرى بناؤها همن دون علم وزارة العدل الأفغانية. ولما انتهوا من بنائها، ذهب المسؤول عن المعونة إلى وزير العدل، وأبلغه أنه أتى لتسليمه مفاتيح 20 محكمة، فقال الوزير: أنا لا أعلم شيئا عن هذه المحاكم ولا أماكن وجودها. فطلب الأميركي التسلم والتوقيع على ذلك. رد وزير العدل بأنه لا يمكنه القيام بذلك، لأنه إذا تسلم المباني «فهي تحتاج إلى خدمات مختلفة، من كهرباء وماء ونظافة وموظفين وإدارة، وليس لي ميزانية، أعطني ميزانية». أجابه المسؤول إن الجانب الأميركي كلف بالبناء فقط. في النهاية أخذ المفاتيح، وأصبحت بعض المباني محاكم والبعض الآخر بلديات، والبعض الثالث أخذه المحافظ وحوله إلى فيللا وسكن فيها.
ومما لاحظته في أفغانستان أيضا، استغلال الأطفال في العمالة؛ إذ كان من الطبيعي جدا أن ترى أطفالا في سن تسع سنوات أو عشر يعملون لمدة عشر أو ثماني ساعات في المصانع، بما يخالف الاتفاقيات الدولية، وطبعا لا الحكومة الأفغانية ولا الغرب ينظرون إلى هذا إلا من الناحية الشكلية أو الدعائية.
وأذكر كذلك مثالا آخر. في يوم ما زرت السجن الرئيس الذي كان قد بناه الروس عندما كانوا في أفغانستان، واسمه «بول أي شرخي» والذي يبعد حوالي 300 كلم عن كابل. بني السجن بالإسمنت وكان بلا شبابيك، وبلا حواجز. كنت في فبراير (شباط)، وكانت درجة الحرارة 7 تحت الصفر. استطعت أن أفرض على وزارة الداخلية أن تضع نوعا من أوراق البلاستيك لمنع البرد. لم يكن هناك ماء ساخن بل قليل جدا من الماء، ولا توجد حمامات، والناس لا يخرجون للساحة إلا مرة أو مرتين في الأسبوع. كان في كل عنبر أكثر من 100 شخص ولا مكان ينامون فيه، فكانوا ينامون صفوفا مثل المصلين، فمن ينام تكون قدماه على رأس من أمامه وهلم جرا. سألت عن المساجين، فقالوا إنهم سلموا أنفسهم في نهاية الحرب عام 2003. قلت ولماذا هم موجودون ونحن الآن في 2005 وقد مرت سنتان على وجودهم في السجن، وكان عددهم 852 شخصا. واتضح أنهم سلموا أنفسهم في أماكن مختلفة، وبعدها أراد الأميركيون أن ينقلوهم إلى مدينة اسمها مزار شريف، وتعاقدوا مع ناقلي البضائع لنقلهم عن طريق شاحنات، ومات كثير منهم في الطريق. ولما وصلت البقية إلى مزار شريف تمردوا، وكانت النتيجة أن أمر الأميركيون بإطلاق النار عليهم، وقتلوا أكثر من 700 شخص، في حين لم يزد الأمر عن تمرد داخلي. ثم احتفظوا بالباقين في السجن وتركوهم عاما ونصف العام في مزار شريف، ثم نقلوهم لـ«بولي شاركي».
بعد أن علمت بقصتهم توجهت للشينواري، وقلت: كيف تسمح بهذا؟ فأجاب بأنه لا علم له، وطلب مني أن أراجع النائب العام، فتوجهت إلى لنائب العام، فقال إنه لا علم له أيضا. قلت له: ما هذه الدولة التي تأمر قوات أجنبية من دون أمر قضائي! كذلك وزير العدل، قال ان لا حيلة له. وقال وزير الداخلية، إن هذا أمر أميركي. توجهت إلى السفير الأميركي خليل زاهي، فقال إن اشكروفت قال نريد القبض عليهم للتحقق من مدى خطورتهم على الولايات المتحدة، لكن على اعتبار أنهم يتحدثون لغات مختلفة مثل البشتو والفارسية وغيرها، لم نجد المترجمين الكافين. قلت ولأن جون اشكروفت طلب التحقيق ولم تجدوا مترجمين، تتركون الناس لمدة سنتين في هذه الظروف! وعدت إلى المستشفى، فوجدت أن 200 منهم مرضى بأمراض داخلية، منهم 120 مصابون بالربو. ذهبت إلى كرزاي وقلت، إنك إذا لم تخرج هؤلاء فسأفضحك، وتحدثت لخليل زادي بأني سأفضح أميركا، وسأذهب للجمعية العمومية وأفضحكم شفاهة، وكرزاي اقتنع، وخليل زادي أقنع الأميركان وأخلي طرف هؤلاء المساجين بعدها.

بسيوني خبير مستقل لحقوق الإنسان في أفغانستان
في عام 2004، عين الأمين العام للأمم المتحدة البروفسور بسيوني خبيرا مستقلا لحقوق الإنسان في أفغانستان، بناء على قرار من لجنة حقوق الإنسان، وهي اللجنة التي أصبحت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في عام 2005. ولم يتوفر للخبير المستقل طاقم العمل أو الموارد التي لولا وجودها لم يكن ليتم مهمته. وكرئيس للمعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية (ISISC)، اعتمد البروفسور بسيوني على الهيكل التنظيمي والعاملين بالمعهد في أفغانستان. حيث تصادف عمل البروفسور بسيوني في أفغانستان، حين كان المعهد يقوم بتنفيذ برنامج تدريبي للمؤسسة القضائية هناك فيما يخص العدالة الجنائية والذي مولته الحكومة الإيطالية التي كانت تقوم بمهمة في مجال العدالة في أفغانستان بموجب اتفاق بون أو اتفاق بشأن ترتيبات مؤقتة في أفغانستان ريثما يعاد إنشاء المؤسسات الحكومية
تألف طاقم العمل الذي كان متاحا للخبير المستقل من عامل واحد من الأمم المتحدة في جنيف كان يعمل بنصف دوام. وقد استقال هذا العامل أثناء المهمة لظروف صحية. لم يكن هناك أفراد آخرون متاحون للخبير المستقل. وكان متوقعا في ذلك الوقت أن تكون بيروقراطية الأمم المتحدة في صف الولايات المتحدة الأميركية التي عارضت تلك المهمة. وسافر الخبير المستقل معتمدا على دعم طاقم عمل المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية في أغسطس (آب) عام 2004 ويناير (كانون الثاني) عام 2005. ولولا البنية التحتية التي أنشاها المعهد وطاقم عمله وكذلك اتصالاته مع مؤسستي القضاء والرئاسة في أفغانستان، بالإضافة للاتصالات الشخصية للخبير المستقل مع الرئيس حامد كرزاي، لم يكن للنجاح أن يكتب لتلك المهمة.
قدم البروفسور بسيوني تقريرا أوليا لمناقشته في اجتماع اللجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في أكتوبر (تشرين الأول)، قوبل بترحيب كبير من جميع الدول الأعضاء باستثناء إدارة الرئيس بوش. وقُدم التقرير الثاني لمفوضية حقوق الإنسان في جنيف، سويسرا، في أبريل (نيسان) من عام 2005. وبعد تقديم الخبير المستقل لتقريره الثاني للمفوضية، عملت الولايات المتحدة بوضوح، التي عارضت تلك المهمة من البداية وكان وراء عدم إمداد المفوضية في جنيف البروفسور بسيوني بطاقم عمل أو أية موارد، ومنع التجديد لتلك المهمة. لكن الولايات المتحدة فعلت ذلك بطريقة غاية في الأناقة، عندما قالت إن الخبير المستقل قدم تحليلا دقيقا لا يدع مجالا لأي خبير مستقل آخر أو أية لجنة لتقوم بعمل إضافي، وأن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان سوف يعول على هذا التحليل. وكانت تلك هي نهاية أي نوع من الرقابة على الممارسات الأميركية في أفغانستان، وكذلك ممارسات الحكومة الأفغانية وحركة طالبان.
كان التقرير هو الأول من نوعه الذي يكشف ممارسة التعذيب وسوء المعاملة ضد المعتقلين التي كانت تمارسها الحكومة وقوات التحالف، خاصة القوات الأميركية. وكان الأول أيضا في انتقاد ممارسات القوات الأميركية في قاعدة باغرام الجوية ومجموعة من القواعد العسكرية الأخرى، وكذلك نقل بعض المعتقلين إلى معتقل غوانتانامو دون أدلة كافية، الأمر الذي أدى إلى إرسال العديد من الأشخاص بلا جريرة إلى غوانتانامو، البعض منهم سوف يظل محبوسا هناك طوال 11 عاما مقبلة.
أثار التقريران عددا من القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان في أفغانستان، خاصة فيما يتعلق بمحاسبة أمراء الحرب، والانتهاكات التي ارتكبها تجار المخدرات، والفساد الحكومي، والدور الفاسد الذي لعبه المقاولون الأميركيون الذين كانوا يعملون من دون رقابة أميركية كافية، والتمييز الذي كان يُمارس بشكل واسع ضد طبقات ومجموعات محددة داخل المجتمع الأفغاني، فضلا عن المرأة، وأخيرا وليس آخرا المعاملة القاسية وغير الإنسانية التي كان يتعرض لها الأشخاص المحتجزون في المعتقلات. وخلال السنوات اللاحقة، لم يحدث أي نوع من الإصلاح في تلك القضايا المذكورة آنفا، فقد لاقت توصيات الخبير المستقل استحسانا كبيرا في نيويورك وجنيف ولكنها لم تطبق في أفغانستان. ولم تقدم الحكومة الأفغانية أو الولايات المتحدة بما يدل على اهتمامهما بوضع تلك التوصيات موضع التنفيذ. واصلت إيطاليا عملها في مجال العدالة، والمملكة المتحدة في مجال مكافحة المخدرات، وألمانيا في مجالات إنفاذ القانون، لكن على نطاق ضيق جدا. وباستثناء ما يقرب من 644.4 مليار أنفقتها الولايات المتحدة في أفغانستان خلال الفترة من 2003 إلى 2013، هناك دلائل بسيطة على أن الولايات المتحدة ساهمت في تحسين البنية التحتية في البلاد، فضلا عن مساهمتها في خلق دولة مستدامة. لكن فظاعة الجرائم التي ارتكبها أمراء الحرب قبل عام 2003 والجرائم التي ارتكبتها حركة طالبان والولايات المتحدة بعد عام 2003 لن يعرفها أحد، ويمكن القول إن محاسبة من ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتعذيب والكثير من انتهاكات حقوق الإنسان في ذلك البلد لم تحدث على الإطلاق.

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (7)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (6)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (5)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (4)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (3)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (2)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1)
 



وزيرة الخارجية اليمنية: علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»
وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»
TT

وزيرة الخارجية اليمنية: علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»
وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»

ما نوع العلاقة بين الحوثيين وإيران؟ سألت «الشرق الأوسط» أفراح الزوبة، أول امرأة تتوسد وزارة الخارجية اليمنية، فأجابت بالقول: «أستخدم تعبير التخادم؛ لأنه يصف العلاقة بصورة أدق».

وفي أول حوار تُجريه منذ تولّيها الحقيبة المثخنة بالتحديات، تقول الزوبة إن الحوثيين «ليسوا مجرد أداة بلا مشروع محلي، وفي الوقت نفسه لا يمكن فصل ما أصبحوا عليه عن علاقتهم العميقة والمتراكمة مع إيران».

تمعن الوزيرة في الوصف وتقول إن الجماعة «ليست مجرد ذراع؛ بل كتلة تهديد قائمة بذاتها، تتقاطع مصالحها مع المشروع الإيراني حيثما يخدم ذلك توسيع نفوذها وفرض الأمر الواقع».

وتكمل بالقول: «نحن أمام جماعة إرهابية تحمل مشروعاً آيديولوجياً وسياسياً في الداخل، يقوم على العنف المحض وخرافة الاصطفاء السلالي التمييزي والعنصري تجاه المجتمع اليمني، وتعتقد بأحقّيتها المطلقة في الحكم والثروة، وتسخير قوى الشعب وفئاته لخدمة مشروعها، وإرساء نظام حكم ثيوقراطي شديد الانغلاق والانعزالية ومُعادٍ لقيم المواطنة والحريات والكرامة الإنسانية».

شرح «التخادم»

عند حديثها عن «التخادم» الحوثي الإيراني، تشرح الزوبة قائلة إن «(الحوثي) يستفيد من إيران لتعزيز مشروعه في الداخل، وإيران تستفيد من (الحوثي) وموقع اليمن الاستراتيجي كأداة نفوذ وضغط في الإقليم».

لكن هذا «التخادم»، وفق الوزيرة، «لم يعد مقتصراً على العلاقة مع إيران»، وتعلل ذلك قائلة: «توسعت الحوثية الإرهابية بالتعاون وتبادل المصالح مع عناصر وتنظيمات إرهابية وشبكات تهريب مرتبطة بالساحة اليمنية، ومع جماعات إرهابية في القرن الأفريقي وجماعات مسلّحة في العراق، بما يعكس تشابكاً متزايداً في المصالح والأدوات ومسارات التهريب، ويضاعف من طبيعة التهديد العابر للحدود».

وتظهر خطورة ذلك، والحديث للزوبة، في محاولات تحويل اليمن وموقعه الجغرافي إلى منصة لتهديد دول الجوار والسفن والموانئ والممرات البحرية، وصولاً إلى استهداف ميناء المخا، وتحويل البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن إلى ساحات للضغط والابتزاز.

وترى الوزيرة أن هذا السلوك «يدفع اليمن إلى صراعات لا تخدم مصالح شعبه، ويهدد أمن واستقرار المنطقة والملاحة الدولية».

مسار التصعيد

خلال الأيام الأخيرة، اتسعت دائرة التصعيد الحوثي من استهداف القوات المسلّحة في مأرب وحضرموت إلى مخيّمات النازحين والأعيان المدنية في مأرب والمخا، وامتدت الاعتداءات إلى نجران في المملكة العربية السعودية، بالتوازي مع تجدد التهديد للسفن والممرات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب.

وعندما سألت «الشرق الأوسط» الوزيرة عما إذا كانت تنظر إلى هذه التطورات بوصفها حوادث متفرقة أم مسار تصعيد واحداً، أجابت: «لا أتعامل معها بوصفها حوادث منفصلة».

وتشرح: «عندما تُستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد قوات الدولة، ثم تمتد الاعتداءات إلى المدنيين والنازحين، ومنشآت ومرافق مدنية واقتصادية حيوية، وإلى المملكة العربية السعودية، وتتزامن مع تهديد السفن والممرات البحرية، فنحن أمام نمط واحد يتسع جغرافياً ويضغط على أكثر من جبهة في الوقت نفسه».

وتلفت الزوبة إلى أن التصعيد جاء في وقت كانت فيه الجهود السياسية لا تزال قائمة، وفي مقدمتها جهود المملكة العربية السعودية للعودة إلى المسار السياسي.

وتضيف أنه «لا توجد أسباب أو تطورات داخلية تفسر هذا التصعيد»، وعدَّت أن السياق الإقليمي يكشف عن «تصعيد إيراني واضح»، تجلَّى، وفق قولها، في إرسال طائرتين إيرانيتين إلى مطاريْ صنعاء والحديدة، دون موافقة الحكومة اليمنية، ومحاولات إيران المتكررة لتوظيف البحر الأحمر «كساحة للضغط والإضرار بالتجارة الدولية والاقتصاد العالمي».

ومن هنا، ترى وزيرة الخارجية أن الاعتداءات الأخيرة ينبغي أن تُقرأ «في سياقها الأوسع، لا بوصفها أحداثاً منفصلة أو عابرة».

أفراح الزوبة أول امرأة تتوسد وزارة الخارجية اليمنية (الشرق الأوسط)

«حق الدولة السيادي»

لكن كيف تتعامل الحكومة مع هذا التصعيد؟ وهل يعني الرد العسكري الذي أعلنته القوات المسلّحة، إلى جانب رفع مجلس الدفاع الوطني الجاهزية، أن الحكومة انتقلت من الاحتواء إلى مسار عسكري جديد؟

تجيب الزوبة بأن «المبدأ السياسي والقانوني واضح: للدولة حق سيادي ومشروع في الدفاع عن مواطنيها وقواتها ومؤسساتها، واتخاذ الإجراءات الضرورية والمتناسبة لردع الاعتداءات».

أما القرار العسكري تحديداً، فتشير الزوبة إلى أن مجلس الدفاع الوطني «في حالة انعقاد مستمر للتعامل مع الموقف»، وأنه وضع استعادة مؤسسات الدولة وحماية السيادة في صدارة الأولويات، ووجّه القوات المسلّحة بالرد على مصادر النيران والتعامل مع اعتداءات الحوثيين.

وتقول إن ذلك «جزء من مسؤولية الدولة في حماية حدودها وموانئها ومواطنيها ومنع تعرضها لابتزاز متكرر».

ومع ذلك تؤكد الزوبة أن موقف الدولة في جوهره لم يتغير، وتُلخصه في «إنهاء الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة، والعودة إلى المسار الذي سعت إليه الدولة، وصولاً إلى حل سياسي حقيقي ومستدام».

وترفض الوزيرة وجود تناقض بين الردع والتسوية، قائلة: «لا أرى تناقضاً بين حماية الدولة لنفسها وبين الحل السياسي. على العكس، لا يمكن الوصول إلى حل مستدام من موقع يسمح باستمرار الاعتداءات بلا كلفة. نحن نريد حلاً سياسياً، لكن في ظل دولة قادرة على حماية مواطنيها وسيادتها ومؤسساتها».

السلام والردع

بعد اثنيْ عشر عاماً من التجارب والهُدن والمفاوضات، أما زال الحل السياسي ممكناً؟ وهل شجعت سياسة احتواء الحوثيين الجماعة على مزيد من التصعيد؟

تقول الزوبة إن الأمل سيظل قائماً في إنهاء «هذا الكابوس الذي يعيشه اليمنيون منذ اثني عشر عاماً بطريقةٍ تحقن دماءهم وتحمي مقدّراتهم».

وتستعيد الوزيرة مساراً طويلاً يمتد من الحوار الوطني إلى مفاوضات الكويت واتفاق ستوكهولم ومبادرات التهدئة اللاحقة، وتقول إن الحكومة خاضت هذه المسارات «بحثاً عن مَخرج يعيد البلد إلى الاستقرار».

لكن التجربة مع الحوثيين، وفقاً للزوبة، أظهرت نمطاً متكرراً منذ الحروب الست، «في أكثر من محطة، كلما وجدت الجماعة نفسها تحت الضغط، اندفعت نحو التهدئة، ثم ما لبثت أن أعادت بناء قوتها وعززت قدراتها وعادت إلى الهجوم».

ومن هنا، ترى الزوبة أن «سياسة الاحتواء، عندما لا تقترن بعواقب وكلفة واضحة مترتبة على خرق الالتزامات، قد تُفهَم على أنها سماح بالمزيد».

وتضيف أن الحكومة والشعب «يتوقان إلى الخلاص من هذه المعاناة»، مشيرة إلى ما يواجهه المواطنون في مناطق سيطرة الحوثيين من الحرمان والقتل خارج القانون والاعتقالات التعسفية والتجنيد الإجباري، وإلى استهداف المنشآت النفطية ومصادر الدخل في المناطق الخاضعة للحكومة.

وتختصر الزوبة رؤيتها بالقول: «نريد سلاماً حقيقياً تدعمه أدوات ضغط وردع وآليات تنفيذ ومساءلة؛ تهدئة تقود إلى حل، لا فرصة لإعادة التموضع والتسليح».

البحر الأحمر... حماية السفن لا تكفي

وفي ملف البحر الأحمر، ترى وزيرة الخارجية أن موقع اليمن الجغرافي يمنحه مسؤولية كبيرة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، مشددة على أن هذه الممرات «ليست شأناً يمنياً أو إقليمياً فحسب؛ بل هي شرايين للتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد حول العالم».

وتنظر الحكومة اليمنية، وفق الزوبة، إلى «التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات» الذي أطلقته السعودية، بوصفه «خطوة مهمة»؛ لأنه ينقل حماية الملاحة «من ردود متفرقة إلى تعاون مؤسسي» يشمل حماية السفن وتبادل المعلومات ورفع الوعي البحري والتدريب وتعزيز القدرة على التعامل مع التهديدات.

لكنها تستدرك: «حماية السفينة في عرض البحر وحدها لا تكفي إلى ما لا نهاية، إذا بقيت مصادر التهديد على اليابسة والسواحل خارج سلطة الدولة».

وبالنسبة إلى الزوبة، فإن «الجزء المستدام من الحل» يكمن في تمكين الحكومة اليمنية من بسط سلطتها على سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية، وتعزيز خفر السواحل والقوات البحرية وأمن الموانئ ومكافحة التهريب.

وتضيف: «اليمن تاريخياً كان نقطة عبور وتجارة وتواصل مع العالم، ومن الظلم أن يُختزل موقعه اليوم في صورة مصدر تهديد، بدلاً من أن يعود جسراً للتجارة والاستقرار».

من حوار وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة مع الزميل بدر القحطاني (الشرق الأوسط)

ماذا يريد اليمن من العالم؟

تقر الزوبة بأن المجتمع الدولي أصبح أكثر فهماً لطبيعة السلوك الحوثي، وتقول إن الحكومة تُقدر المواقف الدولية الأخيرة، بما فيها ما صدر عن مجلس الأمن ودول ومنظمات إقليمية ودولية، خصوصاً ما يتعلق بسيادة اليمن وحق الحكومة في إدارة مجالها الجوي ومنافذها ورفض الاعتداءات على السعودية والسفن التجارية.

لكنها تشدد على أن «قيمة الموقف السياسي تظهر عندما يُترجم إلى تنفيذ».

وتُحدد الوزيرة ما تريده الحكومة عملياً فيما يلي: «تطبيق فعلي لقرارات مجلس الأمن ونظام الجزاءات وحظر السلاح، وإغلاق مسارات تهريب الصواريخ والطائرات المسيّرة والمكونات ذات الاستخدام المزدوج والخبرات التقنية، ومساءلة الشبكات التي تُموّل أو تُسهّل هذه الأنشطة».

وتضيف إلى ذلك ضرورة بناء قدرات الدولة اليمنية، خصوصاً خفر السواحل والأجهزة المختصة وأمن الموانئ.

وتقول الزوبة: «لا نطلب من العالم أن يقاتل نيابةً عنا»، وإنما ألا يُطلب من الدولة التخلي عن مسؤوليتها في حماية مواطنيها ومقدَّراتها وسيادتها، «بينما تبقى كلفة الانتهاك شِبه معدومة». وتضيف: «كل تجاوز بلا كلفة يشجع التجاوز الذي يليه».

ولا تقف مطالب الحكومة عند الجانب الأمني، إذ تجدد الزوبة طلباً تقول إن الحكومة ترفعه منذ نصف عقد يتعلق بـ«تصحيح طريقة الدعم الدولي والمساعدات الموجهة للشعب اليمني»، بحيث تنتقل من «دعم دوري لتسكين أعراض الأزمة الإنسانية» إلى معالجة جذورها عبر دعم مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على أداء وظائفها.

اليمنيون ليسوا أوراق تفاوض

وراء ضجيج الصواريخ والسياسة، تلفت وزيرة الخارجية إلى الجانب الإنساني، وتقول إن ملايين اليمنيين يعيشون ظروفاً شديدة القسوة، وإنه «لا يجوز أن يتحولوا إلى أدوات ضغط أو رهائن بيد الميليشيا الحوثية في حسابات سياسية وعسكرية».

وتضيف: «عندما يُستهدف نازح اضطر أصلاً إلى مغادرة بيته في مدينة مأرب، أو يُحتجز موظف أممي يعمل لخدمة الناس، أو تتعطل لقاحات الأطفال والمساعدات، فنحن أمام كلفة إنسانية تتجاوز المقاربة السياسية».

وتتهم الزوبة الحوثيين بالسيطرة على الموارد وعرقلة العمل الإنساني واحتجاز الموظفين وتعطيل وصول اللقاحات وتحويل هذه الملفات إلى وسائل ضغط على المواطن. وتشدد بالقول إن «الملفات الإنسانية حقوق وليست أوراق تفاوض أو ابتزازاً».

لكنها تربط، في الوقت نفسه، المعالجة المستدامة للأزمة باستعادة الدولة، قائلة إن «المساعدة تستطيع تخفيف الألم، لكنها لا تستطيع أن تحل محل دولة تؤمّن التعليم والصحة والرواتب وتحمي المواطنين».

ثلاثة اتجاهات لـ«الخارجية»

بعيداً عن ملفات الحرب، سألت «الشرق الأوسط» الوزيرة عما تريد أن يلمسه اليمنيون في عمل الخارجية، خلال المرحلة الأولى من تولّيها المنصب.

وتُحدد الزوبة ثلاثة اتجاهات رئيسية؛ أولها «توفير الإمكانات اللازمة للدبلوماسية اليمنية حتى تقوم بدورها وتواكب الفعل السياسي للدولة».

وتقول: «وزارة الخارجية هي قناة الاتصال الأساسية مع العالم، ولذلك يجب أن تكون طواقمها في الداخل والخارج قادرة على نقل سياسة الدولة والدفاع عن مصالحها».

أما الاتجاه الثاني فهو خدمة اليمنيين في الخارج، إذ تلفت إلى وجود جاليات يمنية كبيرة، وتقول: «هم ليسوا ملفاً قنصلياً فحسب؛ هم جزء من الاقتصاد الوطني، وسفراء يوميون لليمن، وتحويلاتهم بمليارات الدولارات سنوياً تسند ملايين الأُسر».

والاتجاه الثالث يتعلق بـ«تحسين البنية المؤسسية داخل الوزارة واستكمال الإصلاحات التي بدأت في المرحلة السابقة».

في هذا السياق، تُسجل الزوبة تقديرها للدكتور شائع الزنداني، الذي قاد الوزارة في المرحلة السابقة، وتقول إن العمل الدبلوماسي «بطبيعته عمل تراكمي تتكامل فيه جهود مَن تعاقبوا على المسؤولية».

وتوضح رؤيتها للوزارة: «أريد وزارة تعمل كمنظومة واحدة، بكادر مهني، ورسالة موحدة، وآليات واضحة للتقييم والمساءلة، بحيث تعكس السياسةَ الخارجية للدولة لا اجتهادات متفرقة».

رواتب الدبلوماسيين والتعيينات

وعن الملف الحساس المتعلق بتأخر رواتب الدبلوماسيين وأوضاع البعثات والتعيينات، تعبر الزوبة عن اعتزازها بالطاقم الدبلوماسي اليمني الذي عمل، كما تقول، «طوال هذه السنوات في ظروف بالغة الصعوبة، وظلّ إحدى جبهات الدولة في الخارج».

وتضيف: «من غير المنصف أن نتحدث عن دبلوماسية فاعلة دون أن نهتم بالأوضاع المهنية والمعيشية لمن يحملون هذه المسؤولية».

وتكشف أنها تعمل مع رئيس مجلس الوزراء والقيادة السياسية على «حلحلة الإشكالات المتراكمة والبحث عن المعالجات الممكنة لتحسين الوضع المالي للكادر والبعثات».

لكنها تتجنب تقديم موعد محدد للحل: «هذا ملف مرتبط بإمكانات الدولة، لذلك لن أقدم مواعيد أو وعوداً غير مضمونة، لكنني أستطيع أن أؤكد أنه في صدارة اهتمامنا».

أما التعيينات فتصفها بأنها «عملية طبيعية في أي سلك دبلوماسي»، لكنها تحتاج في الظروف الحالية إلى «دراسة وتأنٍّ».

وتُحدد أربعة معايير لهذا الملف: «الكفاءة والحاجة والأداء والمصلحة الوطنية»، مع الالتزام بالقوانين واللوائح وعدم حِرمان المستحقين وربط التعيينات باحتياجات الوزارة والبعثات.

«اليمن فرصة وليس مشكلة»

تريد الزوبة تغيير الطريقة التي يقدم بها اليمن نفسه إلى العالم، وتقول إن الحرب والأزمتين الإنسانية والاقتصادية تمثل تحديات لا يمكن إنكارها، «لكن اليمن يظل فرصة ودولة واعدة للأشقاء والأصدقاء».

وتُعدد ما يمتلكه البلد: «موقع استراتيجي، ومجتمع شاب، وموارد وإمكانات، وممرات بحرية حيوية، وتاريخ طويل من التجارة والتواصل».

وتضيف: «الدبلوماسية ينبغي ألا تذهب إلى العالم فقط لتشرح ماذا نحتاج، بل أيضاً ماذا يمكن أن يقدم اليمن كشريك».

وتطمح الوزيرة إلى نقل العلاقة مع الأشقاء والأصدقاء «من إدارة الأزمة إلى بناء شراكات في الأمن البحري، والتجارة، والطاقة، والاستثمار، والتعافي وإعادة الإعمار، وبناء القدرات».

وتضع في مقدمة هذه العلاقات الشراكة مع السعودية ودول مجلس التعاون، «بحكم الجغرافيا والمصالح والأمن المشترك»، إلى جانب علاقات متوازنة مع بقية الدول الصديقة.

وتختصر الزوبة الصورة التي تريد للدبلوماسية اليمنية أن تقدمها: «كلما كانت الدولة اليمنية أقوى وأكثر استقراراً، أصبح اليمن قيمة مضافة لأمن المنطقة، لا عبئاً عليها... لا نتحدث عن اليمن كمشكلة دائمة، بل كفرصة ونقطة ارتكاز للاستقرار والتعاون».

«اليمن أكبر من هذه السنوات الصعبة»

وعند سؤالها عن رسائل تُوجهها إلى اليمنيين في الداخل والخارج: «اليمن أكبر من هذه السنوات الصعبة»، قالت الوزيرة: «نحن دولة عربية عريقة، وشعب عُرف تاريخياً بالتجارة والانفتاح والتواصل واحترام المجتمعات التي يعيش فيها».

أما في الداخل فترى أن الأولوية هي «استعادة فكرة الدولة قبل أي شيء»، وتُحدد ملامحها بأنها دولة «تحمي المواطن، وتحتكر السلاح والقرار السيادي، وتقوم على القانون والمواطنة المتساوية، وتعيد الموارد إلى خدمة الناس».

وتُشدد على أن خلافات اليمنيين السياسية «ينبغي ألا تجعلهم يختلفون على هذه الأسس».

أما رسالتها إلى الخارج فتختصرها بالقول: «نريد أن نستعيد مكان اليمن الطبيعي كدولة ذات سيادة وصاحبة حضارة عريقة، وأن تعكس دبلوماسيتنا صورة شعب قادر على البناء والتواصل والمساهمة في استقرار محيطه، لا أن يبقى اليمن أسيراً لصورة الأزمة وتداعياتها».


انقلابيو اليمن يطاردون «عقال الحارات» بعصا التجنيد والجباية

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

انقلابيو اليمن يطاردون «عقال الحارات» بعصا التجنيد والجباية

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)

صعّدت الجماعة الحوثية من ضغوطها الأمنية على مسؤولي المربعات السكنية في العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، المعروفين محلياً باسم «عقال الحارات»، وذلك باعتقال أكثر من 30 منهم، وإقصاء نحو 23 آخرين، على خلفية اتهامهم بالإخفاق في تنفيذ مهام التجنيد والتعبئة وجمع المعلومات والتبرعات من السكان.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن عناصر تابعة لما يُسمَّى جهاز «استخبارات الشرطة» كثفت، خلال الأيام الأخيرة، حملة استدعاءات وتحقيقات طالت مسؤولين محليين ومشرفين ميدانيين في عدد من أحياء مديريات الثورة وبني الحارث والسبعين، قبل أن تنتهي باحتجاز 30 مسؤولاً وإقصاء 23 آخرين.

وبحسب المصادر، سبقت الاعتقالات عملية استدعاء لنحو 53 مسؤولَ حيٍّ ومشرفاً ميدانياً، للتحقيق في نتائج ما تسميه الجماعة «التقارير الميدانية»؛ خصوصاً ما يتعلق بمستويات استقطاب مقاتلين جدد، وجمع الأموال والمساعدات العينية، إلى جانب المعلومات المتعلقة بالسكان.

طلبة مدارس جندهم الحوثيون خلال استعراض في صنعاء (إ.ب.أ)

وأوضحت المصادر أن الجماعة حمّلت مسؤولي الأحياء مسؤولية التراجع في عمليات الحشد والتجنيد، وعدم تحقيق حصص محددة من المجندين والتبرعات، في وقت تسعى فيه إلى توسيع قاعدة التجنيد وتعزيز الموارد المخصصة لأنشطتها العسكرية.

وقال أحد مسؤولي الأحياء في صنعاء (طلب عدم كشف هويته لدواعٍ أمنية) إن مشرفي الجماعة كثفوا، خلال الأيام الماضية، ضغوطهم على مسؤولي الأحياء لتحقيق أعداد محددة من المجندين وجمع مبالغ مالية، مشيراً إلى أن الفشل في تنفيذ تلك التوجيهات يعرّض المسؤول للإقصاء أو الاستدعاء والتحقيق والاحتجاز.

وأضاف مصدر محلي آخر أن التحقيقات ركزت على أسباب تراجع عمليات الاستقطاب والتجنيد، ومستوى التحصيل المالي، فضلاً عن مدى تنفيذ مهام مراقبة السكان وجمع المعلومات عنهم.

وتزامنت هذه الإجراءات مع تصاعد حملات جمع التبرعات في أحياء صنعاء؛ حيث كثَّف مشرفو الجماعة زياراتهم إلى الأحياء والأسواق، وحضّوا السكان والتجار على تقديم مساهمات مالية وعينية تحت اسم دعم «المجهود الحربي»، وسط استياء متزايد بين الأهالي.

تضييق أمني على الأحياء

أكدت المصادر أن حملة الاعتقالات والإقصاء في أوساط «عقال الحارات» أثارت مخاوف محلية من اتساع نطاقها لتشمل مسؤولين آخرين في مناطق مختلفة من العاصمة المختطفة، خصوصاً مع استمرار الجماعة في تشديد قبضتها الأمنية والإدارية على السكان.

ويرى متابعون للشأن اليمني أن تشديد الإجراءات بحق مسؤولي الأحياء يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الجماعة في ملفَّي التجنيد والموارد المالية، ومحاولتها تحميل ممثليها المحليين مسؤولية ضعف الاستجابة الشعبية لحملات التعبئة والجباية.

أشخاص يستقلون الجزء الخلفي من شاحنة صغيرة في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

وتعد شبكة مسؤولي الأحياء والوجهاء والمشرفين إحدى الأدوات التي تعتمد عليها الجماعة في إدارة علاقتها بالسكان، ومراقبة الأحياء، وتنفيذ عمليات الحشد والتجنيد وجمع الأموال.

وبحسب المصادر، يتعرَّض هؤلاء المسؤولون لضغوط متواصلة لاستقطاب السكان، بمن فيهم المراهقون، إلى صفوف الجماعة، فضلاً عن دفعهم للمشاركة في دورات عسكرية وتحصيل الأموال لصالح أنشطتها.

حملة متكررة

لا تُعدّ الإجراءات الحالية الأولى من نوعها؛ إذ سبق للجماعة الحوثية أن أقصت، في منتصف مارس (آذار) من العام الماضي، نحو 52 مسؤول حيّ و«عاقل حارة» في صنعاء، واحتجزت عدداً آخر، بدعوى عدم تنفيذ مهام استقطاب مجندين جدد وجمع التبرعات من السكان، وفق مصادر محلية.

عنصر حوثي يقف بالقرب من مطار صنعاء (إ.ب.أ)

وتزامنت تلك الحملة مع إخضاع نحو 90 مسؤول حي في صنعاء وضواحيها لدورات ذات طابع عقائدي، ضمن ما سمَّته الجماعة حينها «برنامجاً فكرياً»، بإشراف شخصيات دينية مقربة من زعيمها، عبد الملك الحوثي.

وتشير الإجراءات المتكررة إلى استمرار الجماعة في استخدام مسؤولي الأحياء كحلقة وصل أمنية وتنظيمية بينها وبين السكان، مع تحميلهم بصورة متزايدة مسؤولية تنفيذ أهدافها في التجنيد والتعبئة والجباية ومراقبة المجتمع.


الترتيبات الإقليمية تتصدر زيارة وزير الخارجية التركي إلى مصر

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)
TT

الترتيبات الإقليمية تتصدر زيارة وزير الخارجية التركي إلى مصر

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)

تهيمن التطورات بالمنطقة وتعزيز التعاون الثنائي، على زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الخميس، إلى مصر، والتي تشمل لقاءات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي.

تلك الزيارة التي أعلنت عنها وسائل إعلام تركية رسمية، ستدفع، حسب خبراء بمصر وتركيا تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، العلاقات بين البلدين نحو شراكة استراتيجية شاملة تتجاوز التنسيق السياسي إلى آفاق أوسع.

وسيلتقي فيدان نظيره المصري بمدينة العلمين شمال البلاد، للبحث في التطورات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الحرب الإيرانية-الأميركية، والأوضاع الليبية، والصراع في السودان، وكذلك تطورات قطاع غزة، بحسب وسائل إعلام تركية رسمية.

وتأتي الزيارة بعد حديث فيدان قبل أيام، عن أن مصر قد تنضم مستقبلاً إلى «اتفاقية مكة» للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، المبرمة الجمعة الماضي، مؤكداً، أنه «لا يوجد ما يمنع القاهرة من المشاركة في الاتفاقية».

اجتماع سابق بين وزيري خارجية مصر وتركيا في أنقرة (الخارجية المصرية)

كما يناقش فيدان وعبد العاطي التطورات في غزة وسوريا وليبيا والسودان وشرق المتوسط، إلى جانب الوضع في الخليج ومضيق هرمز، بحسب ما نقله تلفزيون «تي أرت» التركي الأربعاء، عن مصادر بالخارجية التركية.

ومن المنتظر أن يؤكد فيدان، خلال زيارته التي تستمر الخميس والجمعة، دعم تركيا للجهود الدبلوماسية الرامية إلى إعادة تثبيت وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح مضيق هرمز، فضلاً عن ضرورة وقف الهجمات على غزة، وتطبيق وقف إطلاق النار بشكل كامل وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، بحسب المصدر التركي.

ويرى الخبير المصري في الشؤون الإقليمية، كرم سعيد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي في سياق مجموعة من التطورات المهمة، على رأسها استمرار المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة عبر وسطاء، مشيراً إلى وجود اتفاق مصري تركي على ضرورة دفع هذه المفاوضات، والعمل المشترك لمحاولة إنهاء الحرب الجارية في المنطقة، لما لها من انعكاسات مباشرة على كلا البلدين.

وفيما يخص الشأن الفلسطيني، أكد سعيد، أن الزيارة ستشهد تعزيزاً وتوسيعاً للتنسيق المصري التركي المتعلق بإدارة المشهد في قطاع غزة والضفة الغربية، خاصة في ظل عودة الاستهداف الإسرائيلي للقطاع وتوسع حركات الاستيطان في الضفة.

ولفت، إلى أن الملف الليبي سيكون حاضراً بقوة في ظل توافق مصري تركي على ضرورة بناء دولة ليبية موحدة، بخلاف التوترات في منطقة البحر الأحمر، بما في ذلك مساعي إسرائيل لإقامة قواعد عسكرية في منطقة «أرض الصومال»، بالإضافة إلى تحركات جماعة الحوثي.

البحر الأحمر

وبرأي المحلل السياسي التركي، طه عودة أوغلو، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، فإن الملف الأول على طاولة المباحثات «هو تنسيق الجهود المشتركة لوقف الحرب الدائرة في قطاع غزة، ودعم المسار السياسي، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية، فضلاً عن الملف الليبي الذي يشهد تنسيقاً عالي المستوى بين مصر وتركيا تجاه ملفات المنطقة، بخلاف أزمة الملاحة في هرمز وأمن البحر الأحمر».

وعلى مستوى العلاقات الثنائية، أفادت مصادر بوزارة الخارجية التركية الأربعاء، أن فيدان وعبد العاطي سيترأسان الاجتماع الثاني لمجموعة التخطيط المشتركة بين تركيا ومصر، بمشاركة مسؤولين من الجهات المعنية في البلدين.

ويناقش اللقاء مخرجات الاجتماع الثاني لـ«مجلس التعاون الاستراتيجي» رفيع المستوى الذي عقد في القاهرة في 4 فبراير (شباط) الماضي، إلى جانب التحضيرات للاجتماع الثالث للمجلس المقرر عقده في تركيا عام 2028، ومن المقرر أيضاً أن يلتقي فيدان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بحسب المصدر التركي.

ومن المتوقع أن تتناول المباحثات سبل تطوير العلاقات التركية المصرية في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والعسكرية، ومراجعة الاتفاقيات الجاري التفاوض بشأنها، إلى جانب تعزيز الاستثمارات المتبادلة وزيادة حجم التجارة الثنائية إلى 15 مليار دولار، مقارنة بنحو 8 مليارات دولار في 2025.

وتأسست مجموعة التخطيط المشتركة التركية-المصرية عام 2024 بهدف التحضير لاجتماعات «مجلس التعاون الاستراتيجي» وتعزيز التنسيق بين البلدين في مختلف مجالات التعاون، بينما عقد اجتماعها الأول في تركيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 برئاسة وزيري خارجية البلدين.

وعلى الصعيد الثنائي، وصف كرم سعيد، الجانب الاقتصادي بأنه «محور مهم وتقليدي في كافة اللقاءات رفيعة المستوى، ويتوقع أن تتجه العلاقات نحو شراكة استراتيجية شاملة تتجاوز التنسيق السياسي إلى آفاق أوسع».

ويتفق أوغلو مع سعيد، ويقول، إن زيارة فيدان إلى القاهرة تتجاوز البعد السياسي لتشمل أبعاداً أمنية واقتصادية واضحة جداً، مؤكداً أن الاقتصاد أصبح إحدى الركائز الأساسية للعلاقة بين أنقرة والقاهرة.