«بوتين ـ ترمب 2»... لقاء خريفي مرتقب عقب قمّة صيفية في هلسنكي

لم تطأ قدم رئيس روسي البيت الأبيض منذ ما يقارب العقد

الرئيس ترمب خلال قمة هلسنكي مع المترجمة مارينا غروس التي قد تمثل أمام الكونغرس كونها الشاهدة الوحيدة على ما دار في القمة مع الرئيس الروسي (أ.ف.ب)
الرئيس ترمب خلال قمة هلسنكي مع المترجمة مارينا غروس التي قد تمثل أمام الكونغرس كونها الشاهدة الوحيدة على ما دار في القمة مع الرئيس الروسي (أ.ف.ب)
TT

«بوتين ـ ترمب 2»... لقاء خريفي مرتقب عقب قمّة صيفية في هلسنكي

الرئيس ترمب خلال قمة هلسنكي مع المترجمة مارينا غروس التي قد تمثل أمام الكونغرس كونها الشاهدة الوحيدة على ما دار في القمة مع الرئيس الروسي (أ.ف.ب)
الرئيس ترمب خلال قمة هلسنكي مع المترجمة مارينا غروس التي قد تمثل أمام الكونغرس كونها الشاهدة الوحيدة على ما دار في القمة مع الرئيس الروسي (أ.ف.ب)

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعوة للرئيس فلاديمير بوتين لعقد اجتماع ثان في البيت الأبيض، الخريف المقبل، غير آبه بالانتقادات المستمرة للقمة التي عقدها مع الزعيم الروسي. بدوره، صرّح سفير موسكو في واشنطن أن موسكو منفتحة على مناقشة مثل هذا الاجتماع، رغم الالتباس الذي لا يزال يحيط بما ناقشه الرئيسان خلال اللقاء الأول. ومنذ لقاء الرئيسين الذي دام ساعتين في العاصمة الفنلندية، لا تزال مساعي التلميع مستمرة بعد تصريح ترمب المتأخر الذي اعتبر فيه أنّ «الاقتراح المذهل» الذي قدّمه الرئيس الروسي لإجراء تحقيقات روسية - أميركية مشتركة كان «غير جيّد على الإطلاق». وفي حال حصول اللقاء في البيت الأبيض، سيكون بمثابة امتداد دراماتيكي لشرعية الزعيم الروسي، الذي يعيش منذ وقت طويل حالة من العزلة الغربية على خلفية نشاطاته في أوكرانيا وسوريا، وغيرها من الدول، بالإضافة إلى الشكوك القوية حول تدخّله في الانتخابات الأميركية عام 2016 لصالح وصول ترمب إلى الرئاسة. هذا ولم تطأ قدم رئيس روسي البيت الأبيض منذ ما يقارب العقد من الزمن.
وكشفت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة هاكابي ساندرز، الخميس، أنّ ترمب طلب من مستشار الأمن القومي جون بولتون توجيه الدعوة لبوتين، وأنّ «هذه النقاشات قائمة حالياً بالفعل». وكان ترمب قد غرّد في وقت سابق، عبر «تويتر»، أنّه يتطلّع قدماً لما سماه «اجتماعنا الثاني»، في إطار دفاعه عن أدائه في قمّة الاثنين، التي ناقش خلالها الزعيمان قضايا عديدة منها: الإرهاب، وأمن إسرائيل، والانتشار النووي، وكوريا الشمالية. وقال ترمب في تغريدته: «توجد الكثير من الإجابات لهذه المشاكل، بعضها بسيط والآخر صعب... ولكنّ يمكن إيجاد الحلول لها جميعها!».
وقال السفير الروسي لدى الولايات المتحدة أناتولي أنتونوف، إنّه من الضروري «التعامل مع نتائج» القمّة الأولى، قبل الإسراع إلى عقد قمّة جديدة. ولكنّه قال أيضاً إنّ «روسيا لا طالما كانت منفتحة على طروحات مشابهة. ونحن جاهزون لمناقشة هذا الأمر». أمّا الكلمة الأخيرة فتبقى للكرملين، الذي لم يردّ حتى الساعة على دعوة ترمب. ويبدو أن خبر هذه الدعوة كان صاعقاً حتى لأكبر مسؤولي الاستخبارات في الولايات المتحدة. فما كان من مدير الاستخبارات الوطنية دان كوتس، إلّا أن طلب ممن أبلغه بخبر الدعوة خلال حضوره لمنتدى آسبن الأمني في كولورادو تكرار ما قاله، ثمّ أضاف: «حسناً» متبعة باستراحة ونفس عميق «سيكون حدثاً مميزاً». وجاء الإعلان عن الدعوة في وقت يسعى فيه البيت الأبيض إلى التغطية على أيام من التصريحات الملتبسة التي أطلقها ترمب عقب القمّة حول تدخّل روسيا في انتخابات عام 2016. وكان تشكيك ترمب بحقيقة مسؤولية روسيا عن التدخّل في الانتخابات خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الروسي يوم الاثنين قد أثار موجة من الانتقادات الجمهورية والديمقراطية، دفعت بالرئيس الأميركي إلى تقديم اعتراف نادر وعلني بالإخفاق. بعدها، عاد البيت الأبيض وصرّح الخميس أنّ ترمب «غير موافق» على عرض بوتين السماح للولايات المتحدة باستجواب 12 شخصية روسية متهمين بالتدخل في الانتخابات الأميركية مقابل استجواب الروس للسفير الأميركي السابق لدى روسيا وشخصيات أميركية أخرى يتهمها الكرملين بارتكاب جرائم غير محددة. في البداية، وصف ترمب فكرة بوتين بـ«العرض المذهل». إلا أن البيت الأبيض تراجع عن هذا التصريح مباشرة قبل تصويت مجلس الشيوخ بغالبية ساحقة ضدّ الطرح، الذي جاء بمثابة توبيخ رسمي أول من قبل الكونغرس لترمب على سلوكه خلال القمّة وما تلاها. وعند سؤاله عن الدعوة الموجهة لبوتين، قال دان سوليفان العضو الجمهوري في مجلس الشيوخ عن ولاية ألاسكا: «ما كنت لأفعلها، وأنا أكيد من ذلك». وأضاف: «إن كان الروس يريدون علاقة أفضل، لن تفيدهم الرحلات إلى البيت الأبيض. عليهم أن يتوقّفوا عن اجتياح جيرانهم».
وزادت رسائل ترمب المتناقضة مخاوف الكونغرس من أنّ البيت الأبيض لا يتعامل بجدية مع التهديدات التي تحدّث عنها مسؤولون رفيعون عن تحضير روسيا لاختراق الانتخابات النصفية الأميركية المرتقبة هذا العام.
وسعى الديمقراطيون يوم الخميس إلى تمديد صلاحية برنامج معني بتأمين الانتخابات، ولكن الجمهوريين جابهوهم بالرفض. يحظى هذا المشروع الذي يهدف لمساعدة الولايات على تعزيز أنظمة الانتخابات في مواجهة القرصنة وغيرها من الاعتداءات الإلكترونية بمخصصات مالية تبلغ 380 مليون دولار تمّ إقرارها في الموازنة الحالية.
وخلال الجدال في الكونغرس، صدحت أصوات المشرعين الديمقراطيين الذين هتفوا باسم الولايات المتحدة. وفي معرض تعليقها على عرض الرئيس بوتين حول التحقيقات، اعتبرت ساندرز أنّه «عرض صادق»، وقالت إن بلادها تأمل «مثول الروس المتهمين في الولايات المتحدة لإثبات براءتهم أو تورطهم».
قبل يوم واحد فقط، كان البيت الأبيض قد صرّح بأنّ عرض بوتين قيد الدراسة، على الرغم من وصف وزارة الخارجية الأميركية للادعاءات الروسية ضدّ الأميركيين، ومن بينهم السفير السابق لدى روسيا مايكل ماك فول، بـ«السخيفة». وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو يوم الخميس إن التحقيق الروسي المقترح «لن يحصل». وأضاف بومبيو في مقابلة أجراها مع شبكة «ذا كريستين برودكاستنج» أنّ «الإدارة الأميركية لن تدفع بمواطنين أميركيين للسفر بالقوة إلى روسيا للتحقيق معهم من قبل فلاديمير بوتين وفريقه». وكان الجمهوريون قد انضموا إلى الديمقراطيين في مجلس الشيوخ وصوّتوا لصالح قرار سريع (حاز على الموافقة بإجماع قياسي) يقضي بمنع استجواب مسؤولين أميركيين من قبل حكومة أجنبية.
خلال الاجتماع، تولّى السيناتور الجمهوري ميتش ماك كونيل ترتيباً سريعاً للتصويت، بينما أطلق بعض المشرعين العنان لسيل من القرارات، وقدّم آخرون اقتراحاً باتخاذ إجراءات طارئة ضدّ اجتماع ترمب ببوتين واستجابة البيت الأبيض الملتبسة.
وقال كوتس يوم الخميس إنه تمنّى لو أنّ الرئيس لم ينسف استنتاجات أجهزة الاستخبارات الأميركية خلال وقوفه إلى جانب الرئيس بوتين، وشعر أنّ من واجبه تصحيح هذا السجل. كما أعاد التذكير بتقييم الاستخبارات الأميركية حول التدخّل الروسي و«جهود موسكو المستمرة والواسعة للقضاء على الديمقراطية الأميركية».
وكان ترمب في أوائل هذا العام قد فتح الباب أمام لقاءات محتملة مع بوتين في البيت الأبيض، بعد عدّة اجتماعات مغلقة جرت بينهما في 3 مناسبات مختلفة عام 2017. وصرّح الكرملين في أبريل (نيسان) أنّ ترمب دعا الرئيس الروسي لزيارته في البيت الأبيض خلال محادثة هاتفية جرت بينهما في مارس (آذار). في الوقت ذلك عمل مسؤولو البيت الأبيض على إقناع الرئيس المشكك أنّ عاصمة الشمال تمثّل خلفية أفضل للقاء كهذا، وحذروه من عاصفة نارية سيؤدي إليها أي اجتماع في الجناح الغربي للبيت الأبيض.
ولكنّ ترمب أصرّ على تفضيله إقامة الاجتماعات الهامة في البيت الأبيض، ومن بينها دعوة زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ - أون لزيارة واشنطن بعد لقائهما في سنغافورة الشهر الفائت.
وفي حال تمّ هذا اللقاء، سيطأ بوتين البيت الأبيض للمرة الأولى منذ أكثر من 10 سنوات. وكان الأخير قد زار البيت الأبيض عام 2005 عندما التقى الرئيس جورج دبليو. بوش، الذي استقبله في الغرفة الشرقية كـ«صديق له». بعدها في عام 2010، استقبل الرئيس باراك أوباما، ديمتري ميدفيديف، الرئيس الروسي آنذاك، واصطحبه في جولة لتناول البرغر خارج العاصمة. وفي أولى تعليقاته على القمة، قال بوتين لدبلوماسيين روس إن العلاقات الأميركية - الروسية هي بشكل ما «أسوء مما كانت عليه إبّان الحرب الباردة»، ولكنّ اجتماعه مع ترمب سمح بانطلاق «مسار التغيير الإيجابي». من جهتها، قالت كيرستن نيلسن، وزيرة الأمن الداخلي، إنّها حتى اليوم لم ترَ دليلاً على أنّ موسكو ساعدت في إيصال ترمب إلى الرئاسة، معتبرة خلال مشاركتها في منتدى آسبن أنّ روسيا تحاول «إحداث الفوضى على كلا الجانبين».



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».