مساعٍ فرنسية في صنعاء لإقناع الميليشيات بخطة غريفيث

عزف انقلابي على وتر الأوضاع الإنسانية للهروب من تسليم الحديدة

TT

مساعٍ فرنسية في صنعاء لإقناع الميليشيات بخطة غريفيث

جددت الجماعة الحوثية، أمس، رفضَها تسليم الحديدة ومينائها سلمياً، والانسحاب من بقية مناطق وموانئ الساحل الغربي، في الوقت الذي وصل فيه إلى صنعاء السفير الفرنسي لدى اليمن، كريستيان تيستو، في مسعى يُرجَّح أنه للضغط على الجماعة من أجل القبول بالخطة الأممية التي قدمها المبعوث الدولي مارتن غريفيث.
وفي حين تزامن وصول السفير الفرنسي إلى صنعاء مع تصريحات لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي نشرتها إحدى الصحف الفرنسية، ركّز قادتها خلال لقائهم أمس مع السفير الفرنسي على تداعيات الأوضاع الإنسانية في البلاد، مع العزف على الجانب الحقوقي، في مسعى للتأثير على الموقف الفرنسي بشأن الأزمة اليمنية التي كان فجَّرَها انقلاب الجماعة على الشرعية أواخر 2014. ونفى قادة حوثيون، أمس، في تصريحات نقلتها المصادر الرسمية الموالية لهم أي موافقة لهم على الانسحاب من الحديدة، أو من الساحل الغربي، وذكر القيادي في الجماعة ضيف الله الشامي أن العرض الوحيد المقدَّم من جماعته هو ذاته الذي أفصح عنه زعيم الجماعة في تصريحات سابقة قبل أن يعيد تأكيدها أخيراً في مقابلته مع الصحيفة الفرنسية، حيث يقتصر على السماح بإشراف أممي فني ولوجيستي على إيرادات ميناء الحديدة، شريطة أن تُسخَّر إيرادات الميناء لصرف رواتب الموظفين في مناطق سيطرة الميليشيات.
وكانت الجماعة الانقلابية استغلَّت الهدنة المعلنة من قبل القوات الشرعية والتحالف الداعم لهم لجهة إعطاء فرصة للجهود الأممية والدولية قبل منح الضوء الأخضر باقتحام المدينة وتحرير مينائها، إذ واصلت حشد الآلاف من أتباعها إلى الساحل الغربي وقطعت أوصال مدينة الحديدة والطرق المؤدية إليها بعشرات الخنادق والحواجز الإسمنتية وحولت أحياء المدينة إلى ثكنات ومخازن أسلحة وسكانها إلى دروع بشرية. وذكرت المصادر الرسمية للجماعة، أن وزير خارجية انقلابها هشام شرف ونائبه القيادي البارز في صفوفها حسين العزي، استقبلا أمس السفير الفرنسي، كرستيان تيستو، وقالت إن وزيرها ونائبه قدما استعراضاً للأوضاع الإنسانية المتدهورة في البلاد، إضافة إلى الاحتياجات التي تتطلبها هذه الأوضاع.
ونسبت المصادر الحوثية إلى السفير الفرنسي أنه قال إن الهدف من زيارته هو «توضيح موقف باريس تجاه القضية اليمنية، الذي يرتكز على إيمانها بأنه لا حل عسكريّاً للأزمة اليمنية، وأن عملية التفاوض السياسي باتجاه حكومة وحدة وطنية يشارك فيها الجميع هي المخرج الحقيقي لليمن».
وفي سياق محاولة الميليشيات التذرع بالجانب الإنساني، للضغط على المنظمات الغربية والدوائر الدبلوماسية، جددت الجماعة أمس خلال لقاء السفير الفرنسي المطالبة بفتح مطار صنعاء أمام الرحلات التجارية، وكذا المطالبة باعتماد وثائق السفر التي تصدرها من صنعاء، وإلغاء الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الشرعية بهذا الشأن.
ولم تُشِر المصادر الحوثية، إلى جوهر النقاش الذي دار مع السفير الفرنسي، إلا أن مصادر مطلعة أفادت لـ«الشرق الأوسط» بأن وزير خارجية الجماعة ونائبه، أبلغا السفير بأن العرض المتاح من قبل الجماعة سبق أن طرحه زعيم الجماعة على المبعوث الأممي غريفيث، أثناء زيارته لصنعاء، وأن مسألة الانسحاب الكامل من الحديدة ومينائها ومن الساحل الغربي أمر غير وارد، لأنه بالنسبة لها مسألة حياة أو موت.
كما زعمت المصادر الحوثية أن وزير خارجية الجماعة ونائبه، طلبا من السفير الفرنسي منع بيع الأسلحة لدول تحالف دعم الشرعية، وفي المقابل حاول المسؤولان الحوثيان إغراء السفير عن طريق تأكيدهما أن الجماعة ترحب بالشركات الفرنسية ورجال الأعمال الفرنسيين للاستثمار في مناطق سيطرتها بحسب ما أوردته النسخة الحوثية من وكالة «سبأ».
وكانت قيادة الشرعية ممثلة بالرئيس عبد ربه منصور هادي، ورئيس حكومته أحمد بن دغر ووزير الخارجية خالد اليماني، أكدت التمسك بالمرجعيات الثلاث في أي مساعٍ للسلام تقودها الأمم المتحدة، واشترطوا قبل أي عودة للحوار مع الميليشيات، إطلاق المختطفين والأسرى، ووقف إطلاق الصواريخ الباليستية، وفك الحصار عن تعز.
وفي شأن الحديدة ومينائها، أكدت الشرعية اليمنية أنها لن توقف العمليات العسكرية التي أطلقتها لتحريرها، إلا إذا التزمت الميلشيات بالانسحاب الكامل وغير المشروط من المدينة ومينائها، ومن موانئ رأس عيسى والصليف وبقية مناطق الساحل الغربي.
وتخوض الحكومة برئاسة بن دغر منذ أيام، نقاشات في الرياض مع سفراء الدول الغربية لدى اليمن، في محاولة لشرح الموقف الحكومي من استئناف عملية التفاوض مع الحوثيين ومن المقترحات التي قدمها المبعوث الأممي مارتن غريفيث بهذا الشأن، إلى جانب مقترحاته بشأن الحديدة. وكان الرئيس هادي، عقب لقائه الأخير بالمبعوث الأممي في عدن، كلف لجنة وزارية برئاسة بن دغر، دراسةَ المقترحات التي قدمها غريفيث، التي تتضمن الإطار العام الذي يحاول أن يجعله أساساً توافقياً لعودة المفاوضات بين الشرعية والانقلابيين الحوثيين.
وبحسب مصادر في الحكومة الشرعية، فإن الدبلوماسية الغربية تمارس ضغوطاً على الجانب الحكومي لتقديم تنازلات، كما أنها تحاول أن تمارس الدور ذاته على الجماعة الحوثية، وهو ما ترى فيه الحكومة إجحافاً بحقها ومحاولة للتغطية على جوهر الأزمة اليمنية المتمثل في وجود جماعة مسلحة طائفية تخدم أجندة إيرانية انقلبت على الشرعية التوافقية بقوة السلاح واجتاحت المدن، وشنت حرباً شاملة لتثبيت سلطتها وزعزعة أمن الدول المجاورة.
وفي حين يرفض الجانب الحكومي أي خروج على المرجعيات المتفق عليها، يشدد على ضرورة تنفيذ الميليشيات لقرار مجلس الأمن الدولي 2216 بصفته أهم جزء في المرجعيات، حيث نص القرار على إنهاء الانقلاب الحوثي والانسحاب من المدن وتسليم السلاح وخروج الميليشيات من مؤسسات الدولة.
كما يذهب كثير من المراقبين، إلى أن الجماعة الحوثية، ليست مستعدة للسلام الحقيقي، وأنها باتت ترى فيها نفسها سلطة شرعية لحكم البلاد بالقوة بنفس طائفي وأجندة إيرانية بحتة، وأن حديثها على السلام هو مجرد لعبة لتضييع الوقت والحصول على راحة لإعادة ترتيب وضع ميليشياتها للاستمرار في الحرب سعياً لتثبيت أركان الانقلاب. وكان غريفيث زار صنعاء منذ توليه مهمة المبعوث الأممي إلى اليمن، ثلاث مرات، وزار عدن مرتين، وجاب أكثر من عاصمة عربية وإقليمية، ضمن مساعيه لاستئناف المفاوضات التي قال في أحدث إحاطة له إلى مجلس الأمن، إنه يأمل انعقادها خلال أسابيع بعد أن يستكمل تفاصيل الإطار العام مع مختلف الأطراف.
وتخشى الحكومة الشرعية أن يؤدي استمرار التعاطي الدبلوماسي الغربي، وبالذات الأوروبي، مع الميليشيات الحوثية إلى التأثير كلية على مسار الأزمة ونتائجها المستقبلية، إذ من غير المنطقي - كما يطرح مسؤولون في الحكومة وناشطون موالون لها - أن يتم التعاطي مع الأزمة اليمنية وكأنها بين طرفين متساويين، في حين أن الجهود الدولية يجب أن تسخر - على حد قولهم - للضغط على الميليشيات للانصياع للقرارات الدولية، والاستمرار في عزلها دبلوماسيّاً، مع دعم الجهود الحكومية والإقليمية المساندة لاستعادة الدولة وإنهاء الوجود الانقلابي.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.