إردوغان يواصل هيكلة مؤسسات الدولة لتثبيت النظام الرئاسي

تغليب المدنيين في مجلس الشورى العسكري وإلحاق رئاسة الأركان بـ«الدفاع»

أم تزور قبر ابنها الذي قتل في محاولة الانقلاب في 2016 بأنقرة أمس (رويترز)
أم تزور قبر ابنها الذي قتل في محاولة الانقلاب في 2016 بأنقرة أمس (رويترز)
TT

إردوغان يواصل هيكلة مؤسسات الدولة لتثبيت النظام الرئاسي

أم تزور قبر ابنها الذي قتل في محاولة الانقلاب في 2016 بأنقرة أمس (رويترز)
أم تزور قبر ابنها الذي قتل في محاولة الانقلاب في 2016 بأنقرة أمس (رويترز)

أصدر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، مجموعة جديدة من المراسيم لإعادة هيكلة مؤسسات سياسية وعسكرية وهيئات حكومية بارزة، في إطار إقرار النظام الرئاسي التنفيذي الذي انتقلت إليه تركيا عقب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المبكرة التي شهدتها في 24 يونيو (حزيران) الماضي. ومن أبرز معالمها إعادة هيكلة مجلس الشورى العسكري الأعلى، وتغليب المدنيين على الجناح العسكري، وضم صهر إردوغان وزير الخزانة والمالية برات البيراق إليه، وإلحاق رئاسة هيئة أركان الجيش بوزارة الدفاع.
ونشرت الجريدة الرسمية في تركيا، أمس، 7 مراسيم تخص العديد من مؤسسات الدولة، بما في ذلك الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي ومديرية الصناعات الدفاعية ومجلس الشورى العسكري وغيرها من الهيئات والمؤسسات. وشمل أحدث التغييرات وضع هيئة الأركان العامة للجيش التركي تحت سلطة وزير الدفاع بعد تعيين إردوغان، رئيس الأركان السابق خلوصي أكار، وزيراً للدفاع، في واحدة من النوادر في تاريخ الجمهورية التركية.
ومن بين المراسيم التي أصدرها إردوغان، أمس، مرسوم يقضي بإعادة هيكلة مجلس الشورى العسكري الأعلى لتصبح غالبية أعضائه من المدنيين، كما أصدر قراراً بتعيين صهره وزير المالية والخزانة برات البيراق، في المجلس.
وتزامن صدور هذه المراسيم مع الذكرى الثانية لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في منتصف يوليو (تموز) 2016، وقُتل خلالها 250 شخصاً على الأقل وأصيب نحو 2200 آخرين، غالبيتهم مدنيون، عندما حاولت مجموعة من العسكريين الإطاحة بحكم إردوغان، ونُسبت المحاولة إلى الداعية التركي فتح الله غولن المقيم في بنسلفانيا الأميركية منذ عام 1999 والذي نفى أي صلة له بها. وشهدت أنحاء تركيا أمس، مراسم احتفالية لإحياء الذكرى الثانية لمحاولة الانقلاب، التي فرضت السلطات حالة الطوارئ على أثرها، والتي من المقرر أن ينتهي العمل بها بعد غد (الأربعاء). وشارك إردوغان على مدى أمس وأول من أمس في العديد من المراسم، والتقى عائلات القتلى والمصابين على مأدبة غداء بالقصر الرئاسي في أنقرة أمس، قبل أن ينتقل إلى إسطنبول للمشاركة في مسيرة على جسر «شهداء 15 يوليو» (البسفور سابقاً)، مساء أمس.
وأدى إردوغان اليمين الدستورية، يوم الاثنين الماضي، بعد إعادة انتخابه رئيساً للجمهورية ولكن بصلاحيات واسعة هذه المرة في ظل النظام الرئاسي الجديد. وأكد أن الرئاسة التنفيذية ضرورية لزيادة كفاءة الحكومة ودفع النمو الاقتصادي وضمان الأمن. بينما تحذر المعارضة ومنتقدون في الغرب من أن هذا النظام سيعزز من الشمولية وحكم الفرد في تركيا.
وكان إردوغان قد نشر في اليوم الثالث لأدائه اليمين الدستورية أمام البرلمان الجديد، مرسوماً رئاسياً قضى بإلحاق عدد من مؤسسات الدولة برئاسة الجمهورية هي: رئاسة هيئة أركان الجيش، وجهاز المخابرات، والأمانة العامة لمجلس الأمن القومي، ورئاسة مستشارية الصناعات الدفاعية، ورئاسة الاستراتيجية والميزانية، ورئاسة أرشيف الدولة، ومجلس رقابة الدولة، ورئاسة الشؤون الدينية، ورئاسة الاتصالات، ورئاسة إدارة القصور الوطنية، والصندوق السيادي التركي. وستقوم هذه المؤسسات بأعمالها وفاعلياتها تحت مظلة الرئاسة التركية. كما صدر مرسوم رئاسي يقضي بأن يقرر رئيس الجمهورية الترقيات والتعيينات في قيادة الجيش، ودخل حيز التنفيذ مع تعيين الجنرال يشار غولار قائد القوات البرية السابق، رئيساً للأركان محل رئيس الأركان السابق خلوصي أكار.
ووفق التعديلات، ستتم ترقية الضباط في «يوم النصر» الموافق 30 أغسطس (آب) من كل عام. وبذلك تدخل الترقيات من رتب العقيد إلى عميد، ومن لواء إلى رتبة أعلى، ضمن صلاحيات إردوغان. وبموجب ذلك يجري تعيين رئيس الأركان من بين قادة الجيش الذين يحملون رتبة فريق أول. وكانت ترقيات الجيش وفق النظام البرلماني السابق تتم من قبل مجلس الشورى العسكري الأعلى، الذي يلتئم برئاسة رئيس الوزراء (منصب أُلغي بموجب النظام الرئاسي)، ويصدّق عليها رئيس الجمهورية.
وحسب المراسيم الصادرة أمس، سيجتمع مجلس الشورى بدعوة من نائب رئيس الجمهورية مرة على الأقل في السنة، ولرئيس الجمهورية صلاحية دعوة المجلس للاجتماع، عند اللزوم وترؤّسه. وحسب المرسوم الجديد، فإنّ «المجلس يتكون من نواب رئيس الجمهورية، ووزراء العدل، والخارجية، والداخلية، والخزانة والمالية، والتربية، والدفاع، ورئيس الأركان، وقادة القوات المسلحة».
وعند غياب رئيس البلاد عن اجتماع المجلس، يخوِّل لأحد نوابه رئاسة الاجتماع. وستكون مهمة المجلس تقديم الآراء حول القضايا المتعلقة بتحديد الفكرة الاستراتيجية العسكرية، والأهداف الرئيسية للقوات المسلحة، كما يقوم المجلس بتدقيق ومراجعة مشاريع القوانين ذات الصلة بالقوات المسلحة، وتنفيذ القرارات المتخذة. ووفقاً للمرسوم الرئاسي، فإنّ «المجلس يجتمع بحضور جميع الأعضاء، وعلى الذين يتعذر حضورهم، إبلاغ الأمانة العامة للمجلس، بالعذر الذي يعيق مشاركتهم قبل يوم الاجتماع». وسيتم اتخاذ القرارات بأغلبية أصوات الحضور، وفي حال تساوت الأصوات فإنّ صوت رئيس الاجتماع سيحدد الكفة الراجحة.
ويحق للأعضاء غير المشاركين في الاجتماع، إبلاغ المجلس بآرائهم حول الموضوعات المدرجة على جدول أعمال الاجتماع، عبر رسالة مكتوبة.
وستدخل قرارات مجلس الشورى العسكري الأعلى حيّز التنفيذ، بعد توقيع رئيس الجمهورية. وستكون اجتماعات المجلس سرّية، ويحظر نشر الآراء المقترحة والقرارات المتخذة فيها، دون قرار المجلس، على أن تتولى وزارة الدفاع نشر ما يُسمح بنشره.
وشهدت القوات المسلحة التركية حملة تطهير واسعة في صفوفها بعد محاولة الانقلاب، وشهد الجيش أكبر عملية لإعادة الهيكلة في تاريخه. وبموجب المراسيم الصادرة، أمس، أيضاً تم إلحاق رئاسة إدارة الطوارئ والكوارث بوزارة الداخلية بعدما كانت تتبع رئاسة مجلس الوزراء التي أُلغيت في ظل النظام الرئاسي. وأشار المرسوم إلى أن مجلس إدارة رئاسة إدارة الطوارئ والكوارث سوف يجتمع مرتين على الأقل كل عام، كما سيجتمع بشكل استثنائي بناءً على دعوة رئيس مجلس الإدارة.
وتتمثل مهام مجلس الإدارة في الحدّ من مخاطر الكوارث، ومواجهة الحالات الطارئة، وتقديم اقتراحات لأعمال وسياسات وأولويات الكوارث والحالات الطارئة، وتضمن المرسوم أيضاً إنشاء مديريات للكوارث والطوارئ في الولايات التركية.
كما نشرت الجريدة الرسمية، أمس، مرسوماً رئاسياً يقضي باستحداث رئاسة شؤون الاتحاد الأوروبي وتتبع وزارة الخارجية. وذكر المرسوم أن رئاسة شؤون الاتحاد الأوروبي في الخارجية التركية، ستمتلك مكاتب تابعة لها داخل وخارج البلاد، وستعمل على متابعة مسيرة انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي. كما أشار المرسوم إلى أن الرئاسة ستتكون من الإدارة العامة للعلاقات مع الاتحاد الأوروبي، والمديرية العامة للتعاون المالي وتنفيذ المشاريع، وإدارة الخدمات الإدارية، وإدارة تطوير الاستراتيجيات، ومكتب الاستشارات القانونية، والمكتب الصحافي والعلاقات العامة.
في غضون ذلك، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، إن الهدف من محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت منذ عامين كان تركيع تركيا، وإنّ بلاده هزمت الانقلابيين بفضل تضامن العسكريين الذين يحبون وطنهم، مع قوات الأمن والشعب.
ولفت، خلال لقاء مع عائلات ضحايا ومصابي محاولة الانقلاب في مدينة أنطاليا جنوب تركيا الليلة قبل الماضية، إلى أن «ذوي الضحايا ممتنون لمحاسبة (الخونة) المتورطين في المحاولة الفاشلة وملاحقتهم داخل تركيا وخارجها». وأضاف: «قبل يومين تم إحضار اثنين من الأعضاء المهمين في حركة غولن إلى تركيا، وتسليمهما للعدالة، ولم تكن هذه المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة». وتابع: «هؤلاء يخططون لمحاولة انقلابية في دولة أخرى»، مضيفاً: «مع الأسف يسيطر هؤلاء بشكل كبير على دولة شقيقة لنا مثل قيرغيزيا».



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».