رجاء النقاش يعود إلى الذاكرة

كتاب يرصد جهوده في «نقد الشعر» مع ذكرى رحيله

رجاء النقاش يعود إلى الذاكرة
TT

رجاء النقاش يعود إلى الذاكرة

رجاء النقاش يعود إلى الذاكرة

وهو يتتبع المسيرة الرائعة لشاعر تشيلي العظيم بابلو نيرودا في كتابه «شعراء عالميون»، يخلص الناقد المصري الراحل رجاء النقاش من قراءة تعريفات نيرودا عن الشعر إلى أن «الشعر سيف ومنديل»، وذلك «حتى يمكن لهذا الشعر أن يجفِّف العَرَق بعد الجهد والآلام الكثيرة، وأن يكون سلاحاً في معركة الخبز». هذا الانحياز الإنساني الوظيفي لدور الشعر والشاعر في خدمة البشر والقضايا العادلة، لم يألُ النقاش جهداً في التأكيد عليه في كل كتاباته عن الشعر، فلديه «الشعر ضرورة للناس جميعاً».
ولترسيخ هذا الدور الكبير للشعر سيفاً ومنديلاً، قدَّم النقاش (1934 - 2008)، الذي مرَّت في شهر فبراير (شباط) الماضي ذكرى وفاته العاشرة، إسهامات كبيرة محبة خادمة وفاهمة وواعية بضرورة الشعر وحاجتنا البشرية إليه، جاسراً في كل كتاباته وطروحاته النقدية الصحافية ذات اللغة المبسطة والمشوقة والقريبة والعميقة في الآن نفسه، ما يتخيله البعض فجوة بين الشاعر والمتلقي، مقدِّماً بذلك خدمات جليلة سواء للقارئ العربي أو للشعراء أنفسهم، لا سيما أنه كان كشافاً لعدد كبير من الشعراء (على رأسهم الشاعر محمود درويش «شاعر الأرض المحتلة» ونظراؤه)، إلى جانب حماسه المعروف عنه لشعراء الستينات منذ بزوغ أزهارهم الأولى.
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله، صدر عن الهيئة العامة للكتاب في مصر، كتاب «نقد الشعر عند رجاء النقاش» لمؤلفه الأستاذ الأكاديمي رجب أبو العلا، متخذاً من الأطروحات والمواقف والقضايا التي ناقشها رجاء النقاش في كتاباته عن الشعر والشعراء مجالاً لتقديم رؤية شاملة عن النقاش ناقداً للشعر.
كان الشعر هو الميدان المحبَّب للناقد الراحل، تمتع برصيد كبير بين مؤلفاته، على رأسها كتابه «ثلاثون عاماً مع الشعر والشعراء» و«شعراء عالميون... دراسات حول نيرودا وكفافي وطاغور ورسول حمزتوف» و«محمود درويش شاعر الأرض المحتلة» و«أبو القاسم الشابي شاعر الحب والرومانسية» وغيرها من المؤلفات والأسفار التي جمع فيها مقالاته الصحافية التي نشرها طوال مسيرته في العشرات من المجلات والصحف المصرية والعربية.
ولعل أبرز ما يتسم به نقد رجاء النقاش جَمْع صاحبه بين صفتي الناقد والصحافي، وحضوره الكبير في ريادة الصحافة الثقافية العربية، وهو ما طبع كتاباته عموماً، وبالأخص عن الشعر، بطابع شعبوي، فهو يكتب في الأغلب للصحافة السيارة، وبالتالي للقارئ غير المختص، ولذا ينحاز للغة المبسطة البعيدة عن التعقيد النقدي والأكاديمي، وهو ما يتتبعه مؤلف كتاب «نقد الشعر عند رجاء النقاش»، مبرزاً اختلاف الناقد الراحل مع الطرح القائل إن «النقد الحق هو ذلك النقد الذي يدور في رحاب الجامعة»، ومنحازاً إلى «أن الذوق والإبداع ليس حكراً على أحد»، ومحاولاً «كسر حاجز الجمود وفك الأغلال التي فرضت سيطرتها على النقد الأدبي... فأصابته بالعقم والشلل التام، وجعلته عاجزاً عن النهوض والحركة»، كما يشير مؤلف الكتاب.
رجاء النقاش ذاته كان مصرّاً على التأكيد على اختلاف ما يقدمه عن النقد الأكاديمي، بل إنه ينصح في مقدمة كتابه «شعراء عالميون» مَن أراد منه تقديم «دراسة منظمة أكاديمية دقيقة» بالبحث عن كتاب غير هذا الكتاب، مؤكداً أن عمله هو «رحلة حرة ونوع مع الحياة مع الشعراء الأربعة (نيرودا وحمزاتوف وطاغور وكفافي) دون التقيد بمنهج أكاديمي صارم»، فرحلته «نوع من الحياة في حدائق هؤلاء الشعراء يتنقل فيها بحرية كاملة... أصحبهم صحبة الصديق أو التابع المحب العاشق»، وهو ما يخلق حالة البراح التي يتعامل فيها المثقف الراحل مع الشعر.
يخصص الدكتور رجب أبو العلا الفصل الأول من كتابه عن مفهوم الشعر عند رجاء النقاش، كما يعدد الأدوار التي يوجِب النقاش على الشاعر الالتزام بها، على رأسها «التعبير عن المجتمع»، بل إنه يصل إلى أن للشعر لديه «وظيفةً أسريةً»، مستنداً لمقالة له بعنوان «قصيدة تمنع الطلاق»، حيث لجأت الشاعرة منيرة توفيق لكتابة قصيدة لاستعادة زوجها من الطلاق المحتوم.
ويبرز الكتاب الجديد بعض القضايا التي أثارها النقاش، على رأسها رأيه في «قصيدة المدح العربية»، وتبنيه رأياً مختلفاً في مدائح المتنبي، وتبريره للشاعر العربي مدحه سيف الدولة ثم هجره له، ثم مدحه حاكم مصر كافور الإخشيدي، ثم سبه وذمه، دافعاً بأن المتنبي كان يجمع بين صفتي الشاعر والسياسي في الوقت ذاته، فهو يحمل إلى جانب طموح الشعر «طموح رجل سياسي له مبدؤه ورغبته في حماية الأرض العربية».
في المقابل، لا يضيء الكتاب النقدي الجديد حول عدد من القضايا الأخرى والمعارك الشهيرة التي خاضها رجاء النقاش، أهمهما معركته ضد أدونيس، حيث شنّ ضده هجوماً عنيفاً، وكال له الاتهامات، وهو ما قابله الشاعر السوري بحملة من الشتائم ضد النقاش في حوار للأخير في مجلة «الشعر»، أجراه معه الشاعر المصري أحمد الشهاوي.
وأشعل النقاش فتيل المعركة الأدونيسية بمقال له بعنوان «أيها الشاعر الكبير... إني أرفضك»، مكيلاً الاهتمامات لأدونيس لرفضه دعوة من وزارة الثقافة المصرية بحجة الموقف السياسي المصري من إسرائيل، ثم عودته لزيارة القاهرة، ليحل ضيفاً على محافلها، وهو ما رأى الناقد فيه تناقضاً دعاه للرد على هذا الموقف بمقال عنيف، وصم في آخره أدونيس بأنه «كاره للعرب ووحدتهم ورافض للتراث الإسلامي وليس لديه ذرة من التعاطف مع مصر ودورها الرائد في الثقافة العربية والإسلامية».
هذه المواجهة النقاشية - الأدونيسية استرعت اهتمام كثير من المتداخلين العرب، بعضها كان دفاعاً عن أدونيس، من بينها مداخلة من الدكتور جابر عصفور، ومداخلة من «صديق يمني»، كما يصفه النقاش، رأى في هجوم الناقد على الشاعر نكوصاً عن دوره التجديدي.
ولم تكن المواجهة الأدونيسية الوحيدة التي خاضها النقاش، ولكن كتابه «ثلاثون عاماً مع الشعر والشعراء» مليء بمثلها، منها هجومه الضاري على «موجة الحداثة» ممثلة في مجلة «شعر» اللبنانية، وخصوصاً أنسي الحاج وأدونيس، وذلك في مقال له بعنوان «ظاهرة العبث في الشعر العربي المعاصر»، واصفاً أنسي الحاج بأنه «شاعر ضعيف الموهبة».
كما يتصدى النقاش لمواجهة أخرى وهي اتهام أمل دنقل بسرقة محمد الماغوط، وذلك في مقاله «أمل دنقل والماغوط سرقة أم تأثر؟!»، عارضاً رسالة من الأديب اليمني عبد الرحمن الوزير يتهم فيها أمل بالسطو بشكل يكاد يكون حرفياً على بعض أسطر شعرية للماغوط، واستلهامه كثيراً من روح القصائد، ضارباً بعض الأمثلة، منها قول الماغوط: «من هذا الشبح الراقد على الأرض. والنمل يتجاذب مسبحته ومنديله وخصلات شعره». وقول أمل دنقل: «من ذلك الهائم في البرية ينام تحت الشجر الملتف والقناطر الخيرية» وغيرها من المقاطع. ويتصدى النقاش لهذه القضية بالتأكيد على أن ما بين أمل والماغوط هو تأثُّر من الأول بالثاني، يدعمه ما بين الشاعرين من تشابه في الطبيعة الفنية والطبيعة الشخصية، وهو تأثر مشروع وليس له علاقة بالسرقات الأدبية.
وفى فصل بعنوان «بين عبد الناصر ونزار قباني»، يروي النقاش وقائع منع الشاعر نزار قباني من دخول مصر، جراء قصيدته «هوامش على دفتر النكسة» التي تمت مصادرتها، وشنّت أوساط قريبة من السلطة حملة عنيفة على الشاعر، كان في مقدمتها الشاعر صالح جودت، أدت لمنع إذاعة أغاني نزار قباني، ومنع اسمه من أجهزة الإعلام.
ويروي النقاش تفاصيل لقاء له مع نزار في بيروت تحدث خلالها الأخير عن ألمه وضيقه مما يحدث له في مصر جراء قصيدته، وهنا طرأت على رأس النقاش فكرة أن يكتب نزار رسالة شخصية لجمال عبد الناصر يحملها هو ويوصلها إلى دوائر السلطة، وهو ما تم بالفعل، ويرد عبد الناصر بخط يده على رسالة نزار بـ«يُلغى قرار المصادرة بالنسبة للقصيدة. ويُرفع أي حظر على اسم نزار أو أي قرار يمنعه من دخول مصر».
وفى مقالة بعنوان «لماذا يتراجع المجددون؟!» يناقش رجاء النقاش ظاهرة من أغرب الظواهر، ممثَّلَة في الشاعرة نازك الملائكة التي كانت من أقوى أصوات التجديد في الأدب العربي، وكانت صاحبة أول صيحة مؤثرة في الدعوة لحركة الشعر الحر، إلا أنها بعد ما يقرب من 20 عاماً على دعوتها التجديدية عادت وتراجعت عنها تراجعاً كاملاً، ووصل بها الأمر للقول إن «تيار الشعر الحر سيتوقف في يوم غير بعيد... وسيرجع الشعراء إلى الأوزان الشطرية بعد أن خاضوا في الخروج عنها والاستهانة بها...».، ويرجع النقاش ظاهرة التراجع هذه لأسباب من بينها تقدم العمر بهؤلاء المفكرين، ممثلاً بمواقف لطه حسين من الشعر الجاهلي والشيخ علي عبد الرازق ومحمد حسين هيكل والعقاد الذي بدأ حياته أيضاً داعياً للتجديد قبل أن يعود ليقف في وجه حركة التجديد، وبالأخص ضد قصيدة الشعر الحر.
ويأخذ صاحب كتاب «نقد الشعر عند رجاء النقاش» على الناقد المصري عدداً من الملحوظات، منها «اعتماده على الذاكرة، وهو ما يوقعه في بعض الأخطاء» و«انعزاله في الفترة الأخيرة من حياته عن متابعة الجديد في الحركة الشعرية»، ولكن الدكتور رجب أبو العلا يتغافل عن أحكام نقدية عامة يسقط فيها النقاش، وآراء غير محسوبة، من بينها وصمه الشاعر اللبناني أنسي الحاج صاحب التجربة المهمة بـ«ضعف الموهبة»، وذلك في الحين الذي نجده ينحاز لشعراء آخرين في المشهد الشعري العربي.



أطعمة تبدو صحية لكنها غنية بالملح... مصادر خفية للصوديوم في نظامك الغذائي

الإفراط في استهلاك الملح يرتبط بمخاطر صحية (جامعة هارفارد)
الإفراط في استهلاك الملح يرتبط بمخاطر صحية (جامعة هارفارد)
TT

أطعمة تبدو صحية لكنها غنية بالملح... مصادر خفية للصوديوم في نظامك الغذائي

الإفراط في استهلاك الملح يرتبط بمخاطر صحية (جامعة هارفارد)
الإفراط في استهلاك الملح يرتبط بمخاطر صحية (جامعة هارفارد)

قد يعتقد كثيرون أن الأطعمة الأكثر احتواءً على الملح تقتصر على الوجبات السريعة ورقائق البطاطس واللحوم المصنعة، لكن بعض المنتجات التي تُصنَّف على أنها صحية، مثل السلطات والسندويشات والأطعمة المخمّرة، قد تحتوي أيضاً على كميات كبيرة منه، ما يجعلها مصدراً غير متوقع للصوديوم في النظام الغذائي اليومي.

ويحتاج الجسم إلى الصوديوم للحفاظ على توازن السوائل وضمان أداء الأعصاب والعضلات وظائفها بصورة طبيعية، لكن الإفراط في استهلاكه قد يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، الذي يُعد أحد أبرز عوامل الخطر للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكتات الدماغية. كما يرتبط الإفراط في تناول الملح بمخاطر صحية أخرى، تشمل أمراض القلب وهشاشة العظام والخرف وسرطان المعدة، حسبما أوردت صحيفة «ذا تايمز» البريطانية، السبت.

وتكمن صعوبة الحد من استهلاك الملح في احتواء كثير من المنتجات الغذائية الجاهزة على كميات كبيرة منه، ما يعني أن الامتناع عن إضافته أثناء الطهي أو إلى الطعام على المائدة لا يكفي بالضرورة للسيطرة على إجمالي الكمية المستهلكة.

ويبلغ متوسط استهلاك البالغين في المملكة المتحدة نحو 8.4 غرام من الملح يومياً، متجاوزاً الحد الأقصى الموصى به من هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، والبالغ 6 غرامات يومياً. ويأتي نحو 75 في المائة من الملح المستهلك من الأطعمة الجاهزة التي يشتريها الأشخاص، وليس من الكميات التي يضيفونها بأنفسهم.

ومن بين المصادر غير المتوقعة للملح السندويشات والسلطات الجاهزة؛ إذ تسهم مكوناتها، مثل اللحوم المصنعة والأجبان والصلصات والتوابل، في رفع محتواها منه. ويحتوي سندويش الدجاج المدخن مع سلطة سيزر على 6.88 غرام من الملح، وهي كمية تتجاوز الحد اليومي الموصى به للبالغين في المملكة المتحدة.

وتشمل هذه المصادر أيضاً بعض الأطعمة الآسيوية، مثل السوشي وصلصة الصويا، والأطعمة المخمّرة، ومنها الكيمتشي ومخلل الملفوف، فضلاً عن الزيتون المحفوظ في المحلول الملحي. وتحتوي ملعقتان صغيرتان من صلصة الصويا على نحو 1.69 غرام من الملح.

ولا تقتصر المشكلة على الأطعمة الصلبة؛ إذ قد يحتوي الحساء الجاهز أيضاً على كميات كبيرة من الملح. فعلى سبيل المثال، تحتوي حصة من حساء «توم يوم» التايلاندي الجاهز على نحو 3.03 غرام من الملح. كذلك تسهم المخبوزات، بما فيها البسكويت والكعك، في زيادة الاستهلاك اليومي للصوديوم، رغم أن كثيرين لا يربطون بين هذه المنتجات والمذاق المالح.

وللحد من استهلاك الملح، ينصح خبراء التغذية بقراءة الملصقات الغذائية ومقارنة محتوى المنتجات من الملح، خصوصاً الأطعمة الجاهزة والصلصات والحساء والمخبوزات. ووفقاً للإرشادات البريطانية، يُصنَّف الطعام على أنه مرتفع الملح إذا احتوى على أكثر من 1.5 غرام لكل 100 غرام، في حين أنه يُعد منخفض الملح إذا احتوى على 0.3 غرام أو أقل لكل 100 غرام.

كما يُنصح باختيار المنتجات الأقل احتواءً على الملح، وإعداد الوجبات في المنزل للتحكم في الكميات المستخدمة، وتقليل الاعتماد على مكعبات المرق والصلصات الجاهزة، والاستعاضة عن الملح بالأعشاب، والتوابل، وعصير الليمون، والخل لإضفاء نكهات متنوعة على الطعام.


«داليدا»... استعراض يخطف ومضات من سيرة «الديفا»

قدمت فرح الديباني أغنيات عدَّة خلال العرض (الشرق الأوسط)
قدمت فرح الديباني أغنيات عدَّة خلال العرض (الشرق الأوسط)
TT

«داليدا»... استعراض يخطف ومضات من سيرة «الديفا»

قدمت فرح الديباني أغنيات عدَّة خلال العرض (الشرق الأوسط)
قدمت فرح الديباني أغنيات عدَّة خلال العرض (الشرق الأوسط)

من مأساة المغني والملحن الإيطالي لويجي تينكو، ومحاولة داليدا الانتحار بعدها، يفتح العرض الغنائي الاستعراضي «داليدا... الأغنية التي لا تنتهي» نافذة على ماضي النجمة الفرنسية ذات الأصول الإيطالية، المولودة في مصر، عائداً إلى طفلة في حي شبرا الشعبي بالقاهرة تتعرض للتنمر بسبب نظارتها الطبية، وتنتظر أباً يأخذه الاعتقال بعيداً عن أسرته، ثم يعود إليها رجلاً آخر. وفيما يستعيد العرض هذه البدايات، يرصد حكاية امرأة بحثت عن الحب والأمان، في حين كانت تصنع حضوراً غنائياً تجاوز الحدود واللغات.

وقدمت الفنانة المصرية فرح الديباني شخصية داليدا في عرض أخرجه المصري خيري بشارة، وكتبه وليد خيري، مستعيناً بالغناء والتمثيل والرقص لاستعادة محطات من سيرتها، وقُدّم للمرة الأولى مساء السبت على خشبة مسرح مكتبة الإسكندرية.

ويتوقف العمل، الذي استمر لأكثر من 130 دقيقة، عند العلاقات التي أسهمت في تشكيل حياة داليدا، والمسافة بين صورتها أمام الجمهور واحتياجاتها الشخصية، فيما منحت العودة إلى الطفولة مجالاً لقراءة هذه المسافة عبر تجارب سبقت الشهرة، وبقيت آثارها حاضرة في الذاكرة.

ويضع استهلال العرض بمأساة انتحار المغني والملحن الإيطالي لويجي تينكو المشاهد أمام جرح مفتوح، قبل أن يدعوه إلى التعرف على صاحبته. فقد اقترنت علاقته بداليدا بمشروع فني وحلم بالزواج، وانتهت بوفاته منتحراً خلال مهرجان سان ريمو عام 1967، ثم بمحاولتها الانتحار بعد ذلك.

قدم العرض برؤية غنائية مسيرة داليدا (الشرق الأوسط)

وعلى مدار الأحداث، تعرض لقطات مصورة سلفاً بعض مراحل حياة داليدا، إلى جانب استعادة ما تناولته وسائل الإعلام من أخبار عن حياتها، فنرى الطفلة يولاندا قبل أن تصبح داليدا، وهي تواجه تعليقات الآخرين على النظارة التي ترتديها.

وتكتسب هذه التفاصيل معناها حين توضع إلى جوار الصورة اللاحقة للنجمة، التي أصبح جمالها وأناقتها جزءاً من حضورها العام، فالطفلة التي تتأذى من نظرات المحيطين تكبر لتعيش تحت أنظار جمهور واسع.

وتحضر علاقة الأب بوصفها أحد المحاور الأساسية في مرحلة الطفولة؛ إذ كان عازف الكمان الإيطالي بيترو جيجليوتي يعمل في أوبرا القاهرة قبل اعتقاله خلال الحرب العالمية الثانية، ويمتد أثر الاعتقال إلى البيت الذي ينتظر عودته، ثم يعود الأب أكثر قسوة.

وفي انتقالها إلى باريس، تظل هذه البدايات خلفية لحكاية تتسع فصولها تدريجياً، وتأتي محطة الغناء على مسرح «الأولمبيا» لتجسد الانتقال من الرغبة في الاعتراف إلى نيله أمام الجمهور. فالوقوف على المسرح يضعها في علاقة جديدة مع نظرات الآخرين؛ تنصت القاعة إلى صوتها، وتمنحها استجابتها، وتبدأ صورة داليدا في التكون. وتكتسب هذه اللحظة أهميتها بوصفها اختباراً للحضور، وبداية لمسار تصبح فيه الأغنية مهنة وحياة والتزاماً يومياً.

وفي هذا المسار يظهر المسؤول الإذاعي الفرنسي لوسيان موريس، مكتشفها والداعم لانطلاقتها، رجلاً تتداخل في علاقتها به العاطفة والطموح، لتبرز الفجوة بين ما تنتظره منه وما يستحوذ على اهتمامه؛ فهي تريد الزواج وحياة مشتركة، بينما ينشغل هو بنجاحها واستمرار صعودها.

وحين يتحقق الزواج، لا تنتهي المسافة بينهما، فيتسلل الإهمال إلى الحياة المشتركة، ويصبح ما انتظرته داليدا طويلاً عاجزاً عن منحها الطمأنينة المنشودة. وتضيف رغبتها في الإنجاب، مقابل رفض زوجها، وجهاً آخر للخلاف؛ فهما يتقاسمان النجاح، لكن تصورهما للحياة لا يتطابق.

وتواصلت قصص الحب في حياة داليدا مع الممثل والرسام الفرنسي جان سوبيسكي، الذي ارتبطت به بعد ابتعادها عن لوسيان موريس، قبل أن تنتهي علاقتهما بدورها.

قُدم العرض على خشبة مسرح مكتبة الإسكندرية (الشرق الأوسط)

وجمعتها بالممثل الفرنسي آلان ديلون علاقة عاطفية، إلى جانب صداقة وتعاون فني أثمر أغنية «بارول بارول» عام 1973. أما الفرنسي ريتشارد شانفري، الذي قدّم نفسه باسم «كونت سان جيرمان»، فشاركها سنوات من حياتها قبل انفصالهما عام 1981، ثم وفاته منتحراً عام 1983. وتكشف هذه العلاقات، على اختلاف ظروفها ونهاياتها، جانباً من بحثها المتكرر عن الاستقرار، من دون أن تختصر وحدها أسباب معاناتها النفسية.

واستعان المخرج خيري بشارة بتقنيات الذكاء الاصطناعي في تصميم عدد من الخلفيات المسرحية، التي استحضرت صوراً لداليدا في مراحل مختلفة من حياتها، إلى جانب أماكن عاشت فيها خلال ستينات القرن الماضي وسبعيناته. كما احتل الغناء مساحة واسعة من العرض، بصوت فرح الديباني.

وقال الناقد المصري علي الكشوطي لـ«الشرق الأوسط» إن الحكم على العرض من ليلته الأولى قد ينطوي على قدر من التسرع والظلم؛ لأن التجارب المسرحية تحتاج إلى تتابع ليالي العرض حتى تنضج، ويزداد التفاهم بين المشاركين فيها، خصوصاً حين تكون فترة التحضير والبروفات محدودة. وأشار إلى أن اختيار فرح الديباني لتجسيد داليدا موفق، لما تمتلكه من صوت مميز وإمكانات غنائية كبيرة.

وأضاف أن فرح الديباني وبقية الممثلين كانوا بحاجة إلى تدريبات مكثفة على الأداء التمثيلي، مؤكداً أن اعتماد العمل على الغناء والاستعراض لا يقلل من أهمية البناء الدرامي للشخصيات.

وانتقد الكشوطي المقاطع المصنوعة بالذكاء الاصطناعي التي استعان بها المخرج خيري بشارة، موضحاً أن ملامح داليدا تبدلت بدرجة ملحوظة بين مقطع وآخر، بما أضعف اتساق صورتها.

وأعرب عن أمله في أن تشهد الليالي المقبلة تطوراً في الأداء التمثيلي وتسلسل الأحداث، بما يتيح للجمهور التعرف بصورة أعمق على أبعاد معاناة داليدا الإنسانية.


أحد عشاق طائرة «إيرباص A380» ينقل جزءاً من فخامتها إلى منزله

زوار يحيطون بطائرة من طراز «إيرباص A340-600» بمطار في برلين (أ.ب)
زوار يحيطون بطائرة من طراز «إيرباص A340-600» بمطار في برلين (أ.ب)
TT

أحد عشاق طائرة «إيرباص A380» ينقل جزءاً من فخامتها إلى منزله

زوار يحيطون بطائرة من طراز «إيرباص A340-600» بمطار في برلين (أ.ب)
زوار يحيطون بطائرة من طراز «إيرباص A340-600» بمطار في برلين (أ.ب)

في حصاد أبرز القصص المتعلقة بالسفر، هذا الأسبوع، يسلط تقرير «سي إن إن» الأميركية الضوء على أغرب طائرات الركاب ذات المحركات الأربعة، وطائرة خاصة فاخرة من ثمانينات القرن الماضي يمكن حجزها للإقامة، إلى جانب أحد عشاق طائرة «إيرباص A380» الذي حوّل منزله إلى نسخة تحاكي مقصورة الدرجة الأولى.

لم يكن الإعجاب من النظرة الأولى هو ما جمع الهندي آرون راجاغوبال بطائرة «إيرباص A380»، أكبر طائرة ركاب في العالم، بل احتاج الأمر إلى 4 رحلات جوية حتى تتحول تجربته معها إلى شغف استثنائي.

ويقول راجاغوبال إن نقطة التحول جاءت خلال رحلته الرابعة على متن الطائرة، عندما سافر على درجة رجال الأعمال إلى سنغافورة. ويتذكر قائلاً: «كانت المقاعد ضخمة، وكانت هناك صالة تضم حانة في مؤخرة الطائرة»، مضيفاً أن التجربة منحته شعوراً بالدهشة، كأنها تنقله إلى مستوى مختلف تماماً من الراحة والرفاهية.

منذ ذلك الحين، أصبح يحرص على السفر بطائرات «A380» كلما أتيحت له الفرصة. وحتى الآن، تجاوز عدد رحلاته على متنها 220 رحلة، قطع خلالها نحو 715 ألف ميل، عبر 6 قارات.

ولم يكتفِ راجاغوبال بخوض تجربة الطائرة في أثناء السفر، بل قرر نقل جانب منها إلى منزله في دبي؛ فقد اقتنى مقعدين من مقاعد الدرجة الأولى التابعة لأول طائرة «A380» لدى طيران الإمارات، إلى جانب مصابيح أصلية من مقصورة الدرجة الأولى، فضلاً عن إعادة توظيف إحدى عجلات الطائرة، وتحويلها إلى طاولة للقهوة.

لكن القطعة الأبرز في منزله تتمثل في إعادة تصميم غرفة المعيشة وتجديدها بعناية، لتصبح نسخة تحاكي جناح «ذا ريزيدنس» الفاخر التابع للاتحاد للطيران، وهو جناح خاص يتكون من 3 غرف، ويُعد من أكثر تجارب السفر الجوي رفاهية. وقد استغرق تنفيذ المشروع عاماً كاملاً، ليتمكن من استحضار أجواء هذه التجربة داخل منزله.

وعلى صعيد آخر، تسلط القصة الضوء على طائرة «إيرباص A340-600»، التي حطمت الأرقام القياسية عند إطلاقها عام 2002، بعدما أصبحت أطول طائرة ركاب في العالم آنذاك، غير أن مسيرتها التجارية لم تحقق النجاح المأمول؛ إذ واجهت صعوبات في الانتشار بسبب استهلاك محركاتها الأربعة كميات كبيرة من الوقود، فضلاً عن طول هيكلها الذي يبلغ 247 قدماً، وما يتطلبه ذلك من ترتيبات خاصة على مدارج المطارات.

وتتميز الطائرة أيضاً بتصميم غير مألوف؛ إذ تضم دورة مياه في الطابق السفلي، داخل مساحة مخصصة عادة للشحن، وهو تفصيل أثار اهتمام بعض المسافرين ومحبي الطيران.

ورغم محدودية نجاحها التجاري، فقد اكتسبت الطائرة قاعدة جماهيرية كبيرة بين عشاق الطيران وأطقم شركات الطيران. وقد شهد مطار واشنطن دالاس الدولي، هذا الشهر، حضور عدد من المهتمين لمتابعة وصول رحلة تمثل نهاية العلاقة بين شركة «لوفتهانزا» الألمانية والطائرة، في مشهد يعكس مكانتها الخاصة لدى محبي الطيران.