مذكرات شريف بسيوني الحلقة (7): أوقف {الناتو} قصفه الجوي لطرابلس48 ساعة لتسهيل تحركي فـ {حررت} 27 صحافيا

ما قمت به لم يكن شجاعة فأنا أخاف مثل اي إنسان لكني أحتاط للأمور وأتحسّب لها

بسيوني مع الرئيس الإيطالي جيوفاني ليوني عام 1979 يهديه عددا من كتبه عقب تقليده أعلى وسام إيطالي
بسيوني مع الرئيس الإيطالي جيوفاني ليوني عام 1979 يهديه عددا من كتبه عقب تقليده أعلى وسام إيطالي
TT

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (7): أوقف {الناتو} قصفه الجوي لطرابلس48 ساعة لتسهيل تحركي فـ {حررت} 27 صحافيا

بسيوني مع الرئيس الإيطالي جيوفاني ليوني عام 1979 يهديه عددا من كتبه عقب تقليده أعلى وسام إيطالي
بسيوني مع الرئيس الإيطالي جيوفاني ليوني عام 1979 يهديه عددا من كتبه عقب تقليده أعلى وسام إيطالي

عندما اختارت الأمم المتحدة شريف بسيوني رئيسا للجنة مجلس حقوق الانسان لتقصي الحقائق في ليبيا، حظي خيارها بتأييد سياسي كبير. لم يفكر بسيوني في متاعب تنفيذ المهمة وما سيواجه اللجنة التي يرأسها من اشكالات، بل في عدد الموظفين القليل الذين سيتولون هذا التنفيذ. لكن العام كان جاهزا لدعم المهمة، فقد كان كله ضد القذافي، على الرغم من ارتكاب نظامه انتهاكات قليلة، على الأقل، في بداية الثورة التي اندلعت ضده. صحيح انه استخدم الرصاص الحي في قتل متظاهرين ليبيين، إلا انه لم يبلغ مستوى ما جرى في دول عربية أخرى عاشت أحداث مشابهة. فعدد الضحايا في مصر مثلا، فاق كثيرا ما شهدته الفترة الأولى من الاضطرابات في ليبيا. ومع ذلك لم تكن هناك مطالبات بلجنة تقصي حقائق، نظرا لأن الظروف السياسية في مصر كانت مختلفة، وكان العالم مجمعا على اسقاط القذافي، وكانت تلك هي الفرصة المناسبة.
في هذه الحلقة، السابعة يتناول بسيوني تفاصيل عمل اللجنة التي تراسها.
للأسف تواجه لجان التقصي متاعب البيروقراطية السائدة في هيئة الأمم المتحدة، إذ يشترط في أي فرد عضو في هذه اللجان، أن يكون ممن يعملون لدى هيئة الأمم، وأن يكون متطوعا للعمل فيها لمدة 90 يوما، ولا يجوز قبول أي شخص من خارجها، إلا إذا اعتمدت ميزانية خاصة له.
كنت مكتوف اليدين، لأنه لم يكن بوسعي إلا أن أستعين بطاقم من المتطوعين ممن لا يستطيعون العمل أكثر من 90 يوما، يعودون بعدها إلى وظائفهم الأساسية. وأضطر أنا بعدها، لانتداب موظفين جددا بناء على مسابقة، وأضطر للانتظار ما بين ثلاثة أشهر إلى أربعة من دون القيام بأي عمل، في وقت لا تتوفر لي ميزانية إلا ما تبدي المفوضية السامية استعدادها لمنحي إياه.
يسهل العمل بيروقراطيا وماليا، إذا كان هناك هدف سياسي أو مصلحة، أو دفعا من جانب الدول الكبرى حيث الجميع يتحرك. وهذا ما جرى في الحالة الليبية، حيث كان هناك تحرك، بخلاف الحالة السورية، فاللجنة التي كلّفت التحقيق في سوريا، لم تنتقل إلى هناك منذ إنشائها قبل أكثر من عام، ولم تنتقل خارج جنيف.
منحتني هيئة الأمم الحرية، لكنها قالت: «لا تدخل إلى ليبيا». قلت: «كيف أتقصى وأنا خارج ليبيا؟». وهذا ما كنت سمعته في يوغوسلافيا، التي مررت بعدها بالعراق، ثم أفغانستان والبحرين. وقد تعلمت خلال هذه التجارب، كيف أجد وسيلة للوصول والإحاطة بالمشاكل. قلت لهيئة الأمم: «هل أستطيع الذهاب إلى مصر؟» فلم يمانعوا، وكانوا يعتقدون أنني سأذهب إلى القاهرة. ذهبت للقاهرة فعلا مع 25 شخصا من المحققين الذين اخترتهم ودربتهم. ثم انتقلت إلى السلوم، وهي قرب الحدود المصرية - الليبية، فقالوا إنه لا يمكنني الدخول إلى ليبيا. أجبتهم بأني أريد أن أتحدث مع اللاجئين الآتين من ليبيا. ثم أعدت طلبي بأني أريد دخول ليبيا، فأجابتني الأمم المتحدة بأنه لا مصادر لديها عن الحالة الأمنية الداخلية، ولا أستطيع الذهاب إلا إذا كانت لدي سيارات مصفحة. قلت لهم: «ليست متوفرة لدي، فهل تستطيعون توفيرها؟»، فقالوا: «لا»، قلت إذن علي أن أتصرف.
رافقنا خمسة حراس فرنسيين من فيلق «آيترونجير»، يعملون لدى هيئة الأمم، وكانوا مدنيين لكن مسلحين. قلت للأمم المتحدة إن لدينا حراسة، فأجابوا: «لديك الحراسة، إذن تلزمك السيارات»، وكانوا مطمئنين إلى أني لن أتمكن من توفيرها.
انتظرت عند الحدود، وكلما رأيت سيارة تتبع مفوضية اللاجئين، أو اليونيسيف أو غيرها، أوقفتها وسألت: «هل السيارة مصفحة؟» يأتيني الجواب: «نعم»، أتناول الهاتف وأتصل بالمسؤول سواء في القاهرة أو جنيف، وأطالب باستبدال السيارة المصفحة بسيارتي من نوع «لاند روفر» التي تعود للأمم المتحدة. وقد قمت بذلك فعلا على الحدود.
أخذنا خمس سيارات، وتطلب مني الأمر أربعة أيام لكي أدخل ليبيا، بين نهاية مارس (آذار) وبداية أبريل (نيسان). وكان هناك ما يسمى «الزوبعات» في الصحراء، أو «رياح الخماسين» التي راوحت سرعتها بين 40 و50 كيلومترا في الساعة، وكنا نسير عكس اتجاهها.
أما ثاني المصاعب التي واجهتنا، فكانت تتعلق باختيارنا أحد طريقين؛ طريق البحر، أو طريق الصحراء. وعندما دخلنا، لم نكن نعلم أين تقع مناطق القتال، ولا أين سنأكل أو نبيت. كنا خمسة في كل سيارة. بدأنا الرحلة من مدينة إلى أخرى؛ بدأنا ببنغازي وطبرق، ومنها مررنا بمدن أخرى حتى مصراتة. كنا نرى المرضى والجرحى، ونتحدث مع مقاتلين، وكل هذا تضمنه تقريرنا الرسمي.
استراتيجية القذافي
كان من الضروري فهم استراتيجية قوات القذافي التي كانت منقسمة، وكان هو، أي القذافي، يخشى من كونها تحت رئاسات مختلفة. لم يعتمد القذافي على الجيش في غالب الأحيان؛ بل على ما يسمى «الكتائب». وكان يعتمد على كتيبة «خميس» التي سميت على اسم شخص غير خميس ابنه أكثر من غيرها، ولأن ابنه كان قائد هذه الكتيبة، اختلط الأمر على الناس. كان تعداد أفراد الكتيبة يصل إلى ثلاثة آلاف جندي، ولديها سلاح كامل من مدرعات ومدفعية وغيرها. وكانت معظم عملياتها في مصراتة. كانوا يقصفون المدن بالمدفعية قصفا عشوائيا، وفي المستشفيات كنا نجد أغلب الضحايا من المدنيين.
وقد تحدثت إلى شخص قال لي، إنه كان يسكن في حي آمن لم يكن يتعرض إلى أي قصف، وترك ابنته ذات السنوات الست تلعب أمام البيت، لكن الكتيبة المشار إليها، قصفت فجأة الحي الذي لم يضرب من قبل، وتسبب هذا في وفاة ابنته بعد دخولها المستشفى.. مرة أخرى، للأسف كان أغلب ضحايا القصف العشوائي في ليبيا مدنيين.
الأمر الثاني أن القوات التي كان القذافي يعتمد عليها، لم تكن مدربة تدريبا جيدا، وبالتالي كانت تستخدم أسلحة غير ملائمة، فقد وجدنا مثلا، في مكان ما، ست جثث محترقة، نتيجة قصف بقذائف فيها فسفور، إلى درجة أننا رأينا أن آثار الحرق وصلت إلى العظام. ووجدنا بعض الناس وقد قتلوا بقذائف لا تكاد تستخدم إلا ضد الدبابات أو السيارات، وإحدى القذائف التي أطلقت من مدفع صغير شقت رجلا نصفين.
في مكان آخر من طرابلس، اكتشفنا موقعا كان مصنعا، وضعوا فيه سجناء من مدينة طرابلس وأشعلوا النار فيهم. وجدنا أقدامنا تغوص في الرماد ولم نتصور أنه رماد بشري، وحين وجدنا عظاما علمنا بأن ما تغوص فيه أقدامنا هو رماد بشر، وعلمنا بأنه أشعل حريق في المصنع وفيه 140 شخصا، وقد يكونون كلهم مدنيين.
كذلك كان الثوار يسيئون معاملة السجناء ويضربونهم، وفي الوقت نفسه كانوا يستغلونهم ويستخدمونهم رهائن لإجبار أهاليهم على دفع فدية لإخلاء سبيلهم. وطبعا مشكلة تدخل الكتائب التي أتت بعد سقوط النظام، ما تزال آثارها موجودة في وقتنا الحالي.
في أول زيارة لنا، حين دخلنا السلوم، قطعنا 2000 كلم بالسيارة في 10 أيام، وقد أمضينا معظم وقتنا في السيارة في الصحراء وسط العواصف. نتوقف في مناطق غريبة، ولا نعلم متى نجد فندقا أو مكانا ننام فيه، أو مطعما أو أي مكان نأكل فيه. في الوقت نفسه، كنا نتنقل بين المستشفيات والسجون والمناطق العسكرية، ونتحدث مع السياسيين والمدنيين. هكذا كان يومنا. كنا نبدأ في الساعة السابعة والنصف أو الثامنة صباحا، لينتهي يومنا في الساعة الحادية عشرة مساء أو عند انتصاف الليل. ومثلا حين ذهبنا إلى بنغازي، وهي مدينة كبيرة، كان أغلب عملنا عبارة عن لقاءات مع مجموعات، وكل فئة كانت تريد التحدث معنا، سواء مجموعات من النساء، أو من الناس الذين يريدون تقديم شكاوى. وقد لاحظنا وجود لافتات تحمل صور أشخاص مفقودين، وكان التحدث إلى أهاليهم مؤلما جدا لنا. لقد كانت أوقاتا مريرة.
وعندما قررت الانتقال إلى طرابلس، مانعت هيئة الأمم وأبلغتني: «لا تستطيع أن تفعل ذلك، لأن حلف شمال الأطلسي (الناتو) يقصف بالقنابل». اتصلت هاتفيا، بالمستشار القانوني لحلف شمال الأطلسي، وأخبرته برغبتي في التوجه إلى طرابلس. فقال: «لا يمكن، لأن الناتو يقصف جوا باستمرار، ونحن لا نعلم إذا ما انتقلت بطائرة خاصة ماذا يمكن أن يحدث». قلت: «أنا تعاقدت مع شركة خاصة في مالطا وأجرت منهم طائرة للتنقل مع طاقمي، وأريد أن تعطيني الوقت المناسب، وأنا احتاج 48 ساعة، وقد أجرت الطائرة لأسبوع على أساس أن تعطيني 48 ساعة خلال هذا الأسبوع».. أجاب: «الأمر صعب، لكن سنرى ما يمكن فعله».
قلت: «أنا رئيس لجنة مستقلة، وإذا لم تحددوا الوقت الذي يمكن أتنقل فيه فسأذهب بنفسي، وإذا قصفتموني فأنتم تتحملون عواقب عملكم». صعّد المستشار القانوني الموضوع للأمين العام للحلف، راسموسن، الذي قال له: «اطلب منه أن ينتظر إلى أن نبلّغه»، وقال: «اتجهوا إلى مالطا وانتظروا اتصالنا».
وفي إحدى الليالي اتصلوا بنا من «الناتو»، وقالوا: «غدا تذهبون الساعة السابعة إلى طرابلس»، وحددوا الطريق الذي نسير فيه، فتوقف القصف.
اتجهنا إلى مقر رئاسة الوزراء في طرابلس، وكان رئيس الوزراء خارج البلاد. وكان موجودا وزير الخارجية، ووزير العدل والنائب العام، وكانوا متعاونين، فقلت لهم: «لي فضل عليكم، لأن قصف الناتو سيتوقف لمدة 48 ساعة»، فقالوا مازحين: «فلتبق معنا باستمرار إذن». قلت: «أنا على استعداد.. غيروا النظام، وننتهي بسلام وسأبقى معكم»، فضحكوا وقالوا، نحن مدينون لك، وكانوا يعتقدون أن هذه كانت مجاملة مني، فقلت: «حسنا، هل تدفعون ما عليكم من دين؟»، قالوا: «ندفع»، فأخرجت من جيبي ورقة تحمل أسماء 28 صحافيا مسجونين، وطلبت إخلاء سبيلهم، وأنا كنت متحضرا، فقد كانت لدي طالبة تعمل محامية في كولورادو وأحد أقاربها، وهو آيرلندي، ضمن الصحافيين المسجونين، فوضعت اسمه، فبدأت الفكرة، وجمعت بقية الصحافيين الذين كان بينهم أربعة من صحيفة «نيويورك تايمز»، وقدمت القائمة وطلبت إخلاء سبيلهم، فبدأوا في التململ، فقلت: «أنتم اعترفتم بالدين؛ فلتسددوه»، وفعلا خلال أسبوع، أخلوا سبيل 27، لأن واحدا منهم كان قد قتل خطأ على حدود تونس.
وقبل سفري بيوم، سمعت قصة سيدة اغتصبت في طرابلس، وكانت تعمل في مجال حقوق الإنسان، حبسوها بعد اغتصابها داخل شقة في طرابلس لم تستطع مغادرتها. كنت مهتما جدا بها. وتمكنت من الحصول على رقم هاتفها، والوصول إلى شخص يتحدث معها. كنت في المطار على وشك العودة إلى مالطا، اتصلت وتفاوضت على إخراجها، وبعد أن سافرت بيومين، أخرجوها من ليبيا إلى تونس، حيث جلست اياما عدة، ثم ذهبت إلى الولايات المتحدة ومنها إلى أوروبا.
وبالنسبة للثوار، لم يكن من السهل أبدا حصر الانتهاكات التي ارتكبوها، خاصة التجاوزات الميدانية، إذ لم يكن ممكنا التحقق منها، والتجاوزات التي استطعنا التحقق منها فقط في السجون والمعتقلات، حيث كانوا يعدون المعتقل من الأعداء.
لا يمكن أن تعمل لجنة تقصٍّ، كما في حالة سوريا، وهي تأخذ معلوماتها من الإعلام فقط. لكن أنا بصفتي قانونيا ومختصا في القانون الجنائي، أعرف ما معنى المعلومة. وطبعا هذا ما قمت به في يوغوسلافيا والبحرين وغيرهما، وليس هذا لمغامرة أو شجاعة، فأنا أخاف مثل أي إنسان آخر، وأحتاط وأتحسب، وأنا مغامر بمعنى أني أنظر موضوعيا للأمور، وإذا قال لي شخص إن هناك بئرا فيها ثعابين، فلن أضع قدمي فيها، وإذا لم يكن الشخص عنيفا، فيمكنه أن يسير أموره. وأذكر في يوغوسلافيا أن مجموعة من الجنود الصرب هددوني، فقلت: «أين النجاح والبطولة إذا قتلتم رجلا بدينا في منتصف العمر يرتدي نظارات ويدخن (البايب) الخاص به»، فضحكوا مني، وقلت: «يمكنكم قتلي». كانت مغامرة، حيث كنت واثقا من أنه يمكنني النجاة من مآزق يصعب النجاة منها.. في ليبيا لم يعتد علي أحد سواء من طرف القذافي وأتباعه، أو الثوار؛ بل تعاونوا جميعا.

* لجنة مجلس حقوق الإنسان لتقصي الحقائق في ليبيا

* جرى تعيين البروفسور بسيوني رئيسا للجنة مجلس حقوق الإنسان لتقصي الحقائق في ليبيا (CoI)، التي أنشاها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في جلسة طارئة في 25 فبراير (شباط) 2011. استمرت اللجنة في تأدية عملها خلال الفترة من 2011 إلى 2012، حيث كانت تقوم بإعداد تقرير عن التحقيقات في مزاعم انتهاكات قانون حقوق الإنسان الدولي في الجماهيرية الليبية خلال فترة الصراع. وقد ضمت اللجنة في عضويتها كلا من: الخبير القانوني فيليب كيرش (الكندي بلجيكي الأصل)، والرئيس السابق للمحكمة الجنائية الدولية، وأسمى خضر (الأردن) الناشطة في حقوق الإنسان ووزيرة الثقافة السابقة. وقد استقال البروفسور بسيوني من رئاسة اللجنة في أكتوبر (تشرين الأول) 2011 اعتراضا على قرار مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف، بحل اللجنة وإعادة تشكيلها على مدى ثلاثة أشهر، بسبب البيروقراطية الداخلية في الأمم المتحدة. وشعر البروفسور بسيوني أن اللجنة كان بمقدورها تأدية مهمتها خلال تلك الفترة التي توقفت فيها عن العمل. وقد بقي البروفسور بسيوني عضوا في اللجنة خلال فترة عملها، وخلفه فيليب كيرش في رئاسة اللجنة.
قامت اللجنة بمهمتين ميدانيتين وقدمت عنهما تقريرين. جرى إعداد التقرير الأول في فترة رئاسة البروفسور بسيوني للجنة، وجرى عرضه على الجلسة السابعة عشرة لمجلس حقوق الإنسان في 8 يونيو (حزيران) 2011. وقد شهدت تلك الجلسة حضورا غير مسبوق من مندوبي الحكومات وممثلي المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية الحكومية، الذين امتلأت بهم قاعة الاجتماعات عن آخرها. وبعد عرض التقرير، طلبت 41 دولة إعطاءها فرصة التعليق عليه، عدا ثلاث دول هي: روسيا وفنزويلا وكوبا، وأشادت جميع الدول بالتقرير، وأثنت على البروفسور بسيوني شخصيا.
أما التقرير الثاني، فقد جرى إعداده خلال فترت رئاسة فيليب كيرش، وجرى عرضه على الجلسة التاسعة عشرة لمجلس حقوق الإنسان في 9 مارس (آذار) 2012. عرض التقرير الثاني بالتفصيل 12 نوعا من أشكال انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها نظام القذافي أو الثوار، كما ضم تحليلا عن العملية العسكرية التي قام بها حلف الناتو.
واصل البروفسور بسيوني عمله في تقصي الحقائق عن الوضع في ليبيا بعد انتهاء مهمة اللجنة. وسيصدر البروفسور بسيوني كتبا بعنوان: «ليبيا: من القمع إلى الثورة.. بيان بالصراع العسكري وانتهاكات القانون الدولي». وقد وُُصف الكتاب بأنه متميز ويقدم استعراضا شاملا هو الأول من نوعه للصراع في ليبيا. بالإضافة للمعلومات الجديدة، يعرض الكتاب بالتفصيل لتقريري اللجنة، ويقدم للقارئ المعلومات الأساسية لفهم الصراع الليبي؛ أسبابه ونتائجه، والمصاعب التي تواجه ليبيا أثناء إعادة البناء في أعقاب 40 عاما من القمع وتأثيرات الحرب.
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (6)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (5)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (4)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (3)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (2)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1)



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.