أيّامُنا العَصيبَة

TT

أيّامُنا العَصيبَة

قريتي الظاّلمة تحفلُ بالكلاب.
تجمَدُ حركَتُها كُلّما أدرْتُ المقبضَ في الصباح. تلفتتُ أعناقُ الحي نحوي، والنّظراتُ تصوّبني حالما أتجاوزُ ظلّ بيتي على عتبة الباب. أمشي في الحيِّ، والعيونُ خلال مشربيّاتِ النّوافذِ تلاحقُ خطوتي، وكُلّما مررتُ بنساءٍ على الأبواب، خفضْنَ هذرتهنّ، والتقطتُ مِنَ الهمسِ حروفَ اسمي وشيئاً عن الكلاب.
إنّي أموتُ كلَّ ليلة، أعودُ فيها إلى بيتي فيصافِحُني شخيرُ زوجي على أريكة مِنْ خيزران، أنفُه محمرّ وكرشتُه منفوخة من الخَمْر، بينَ قدميْه قنّينة طريحة، انسكَبَ آخرُها على حصيرة بالية، وبقُرْبِها عِظامُ عشائه في طبقٍ أعدتْهُ له ابنتنا قبْل النّوم. لا يخشى أبوها علَي الليل، ليس لأنّ الكلابَ تسْتَنْكفُ أن تهاجِمَ امرأة في الخَمْسين مثلي، بلْ لأنّ الحياة تمضي بهِ ثملاً على أريكتِه ليلاً، أو مترنّحاً بينَ حاناتِ القرية في النّهار.
أخبرتُه يوماً، على مسمعِ ابنتِنا، بأمر كلبٍ تعقّبَ عودَتي مِن بيتٍ عاونتُ فيهِ قابلة القرية الحدباء بولادة تعسَّرت، كلماتُه تمغّطتْ سكْرانة بلسانٍ مُرتخٍ «كلابُ القرية لا تتعقّبُ العجائز».
لكنّ الكلبَ الذي اقتفى أثري بأنفِه ظلَّ يتبعُني كلَّ ليلة. تشعُّ عيناهُ حين التفتُ ورائي، يكشِّرُ عن أنيابه مزمجراً ويسيلُ لعابُه، فتَتَّسِعُ خطوَتي محاذرِة انقضاضَه. حتّى إذا بلغتُ مشارفَ الحي انقطعتْ زمجرتُه واختفى مثلَ عفريتٍ يلتحمُ بالظّلام. حينَ استجرتُ منهُ بزوجي ثانية، همَدَ على أريكة الخيزرانِ يعبُّ من زجاجته، مسَحَ فمَه بكمِّه، وأشارَ نحوي بقاعِ القنّينة قابضاً على عنقِها «أخْبريني أيّتها المُتصابية، بمَ أغويتهِ؟»
فتوليّتُ عنْه. كان محقاً بشأنِ الكلاب. يعلمُ الأهالي كلُّهم أنّها من الغرابة أن تمّيزَ رائحة الشّاباتِ مِن إناثنا عنْ غيرِهنّ. اختلطَتْ على كلبِ اللّيلِ رائحتي؟ أخبرتْني ابنتي بالأمس عن بضعة كلابٍ حاصرَتْ بنتَ الخيّاطة وهي تحمِلُ على رأسِها صرّة ثيابٍ إلى بيتٍ مُجاور. مزّقتِ الأنيابُ الصرّة لمّا وقعتْ أرضاً ونهشَتْ ساقَ الفتاة، فتكَتْ بها لوْلا أدركتْها أمُّها بجذْوة مِن نار، فرّقتْ بها الكلابَ وهي تجْأر.
لكنّ القرية لمْ تكترِث، حتّى عندما هاجمَ قطيعٌ ضالّ أغناماً ترعى في المروج، عجَزَ راعيها عَن دفعِها بعصاه، واكتفى بتصويرِها بعدسة هاتفه وهي تبقرُ بطنَ شاة وتجرُّها من أحشائِها. تصويرُ الرّاعي الذي انتشَرَ مثلَ عدوى بينَ الأهالي، بلغ هاتفي مساءَ اليومِ نفسِه. شغّلتُ المقطعَ؛ كان مِن الشّناعة أنّي لَمْ أكمِلْ مُشاهدَتَه. وفي كآبِة غَسَقِ المَغيب، كان الأهالي يُعيدون تشغيلَ المشهدِ في بيوتِهم، وخوارُ الشّاة المذْبوحة وهي تُسحلُ بينَ نُباحِ الكلابِ يرتفعُ بصخبٍ كريهٍ من بيوت القرية متفاوتاً دونَ انسجام. تداوَلَ الناسُ المقطعَ بهوسٍ محموم، رغْمَ البَشاعة.
ثمّ أتتْ ليلة اتخذَ القمرُ فيها هيئة ظهرِ القابلة العجوز، وتخلّفَ كلبُ الليلِ عَن ملاحَقتي. كنتُ عائدة من تطعيمِ صغارِ حي بعيد. وحين اقتربتُ مِن حارتِنا وحاذيتُ حقلَ المانجا، أفزَعَني وثوبُ ثلاثة أشباحٍ من الأحراشِ اعترَضوا طريقي، أوسطُهم يحمِلُ فانوساً شاحبَ الضّوءِ من زجاجة كدَّرَها السّخام. ضمَّني واحدٌ منهم مِن خلفي وفحَّ بأذُني «لا جدوى مِن استغاثة لا يسمعُها أحد». حاولتُ التخلّصَ مِنه. لكنّه تعاونَ والآخرُ على حمْلي، رفعاني من يدي ورجلي إلى الحقل وأنا أنتفض، سارا يحملاني كالذّبيحة في الأحراشِ خلفَ حاملِ الفانوسِ الأسخم. علّقَه على جذْعِ شجرة طرحاني تحتَها، وَكمَن باغَتَهُم مسٌّ جَماعيّ، شرَعوا بتمزيقِ ملابسي. كِسرُ الأغصانِ اليابسة آذتْ بشْرة ظهري لمّا سحقوهُ على التراب. قاومتُهم حتى خارتْ قواي. استسْلمتُ. لم يحفلوا بتوسّلاتي. استرحامي تحوّل خواراً لمّا ثبّتوني، وصرتُ تحتهم أختضُ مثل جُثة باردة تغزُّها أسياخُ النّار، فروعُ الشّجرة فوقي ظلالُ أشواكٍ تعتَرِضُ حدبة القمَر. شعرْتُ بسخونة دمْعي أسفلَ صدغي يَسُحُ إلى أُذُنيّ. حتّى إذا فرِغوا منّي، قاموا يبصقون على عُرْيي. لمْلمتُ مزقَ ثيابي المُعَفّرة بالطّين، بينما شبكوا أزرارَ قُمصانِهم مُنْتَشين. تناولَ أوسطُهُم فانوسَه المعّلقَ على الجِذْع، وغارَ في ظُلمة الحَقْل مع صاحبيه، تلاشتْ ضَحَكاتُهُم بعيداً حوْلَ نقطَة الضّوْء.
إنّي أعرفُ سرَّها الآن، تلكَ النّظراتِ الطاّفِحَة بالرّيبة، وَوَشْوَشة نساءِ الحي وراءَ ظهري. كانَ زوجي في الحانة يومَ جاءتْني القابلة العجوزُ عصراً تطرقُ الباب. جلسَتْ وهمَسَتْ كي لا تسمع ابنتي. واسودتِ الدّنيا حينَ قالت إن المقطَعَ بدَأَ ينتشِرُ في القَرية. «ملامِحُكِ في ضوْءِ الفانوسِ الأصْفر، يا ابنتي، لا يُخطِئُها أحد». بيدي واريتُ وَجْهي. وَدَدْتُ الموتَ لحظتها. عانقَتْني. بكَيْتُ على كتْفِها. بكفِّها مسَحَتْ دمْعَتي. شجَّعَتْني «اذْهبي إلى عُمْدة القرية. نالي مِنهُم».
وَها أنا ذا، ما برِحْتُ مَنزلي لأربعة أيّام، مذُ خرجتُ مُتَلَفِّعَة إلى مقرِّ العُمدة، رفعتُ خِماري عندَه، وأخبَرْتَهُ بكلِّ شيء. لنْ أنسى نهوضَهُ وراءَ مكتبِهِ الخشبي المسوّس، وسبّابَتُه التي انتصبَتْ أمام شفَتَيْه:
«عودي إلى بيتِك يا امرأة. والتزِمي الصّمت»
فعدتُ خائبة إلى بيتي، حبيسة حجْرَتي وَخَبري يتفَشّى. أطلُّ مِن الكوّة وقت الغروب، أرى أمّهات حيّنا على العتباتِ ينادينَ فَتياتهنّ، فإذا حَلَّ الظَّلامُ ضَجَّتِ المزالجُ خلْفَ الأبْواب الموصدة، واقْفرّتِ السّكَكُ إلاّ مِن أخيلة تذوي سريعاً في امْتدادِ الحارة. غاراتُ الكلابِ لَمْ تُهادِنْ. وخوْفي على القرية يستحيلُ مقتاً.
إنّي أموتُ كلّ ليلة. لا أمسُّ زاداً تدفَعُهُ إلى بُنَيَّتي. تُقَرْفِصُ المسْكينة أمامي تُكلِّمُني فأَعْرِضُ عنْها. تقومُ عنّي، تُلقي علَي نظرة تقْطِرُ حَسرة، قَبْلَ أنْ تُغلِقَ دوني الباب.
وَقَدْ ارتأيتُ الخَلاص. سامِحيني يا ابْنَتي. لَنْ أموتَ ذبولاً بينَ الجُدران. وَغداً قبْلَ الشّروق، أَخْرُجُ إلى الحَقْل. ثمّ لَنْ يراني أحد».
كانَ ذلكَ آخر ما كتَبَتْهُ أُمّي في أوراقٍ عثرْتُ عليْها مُبَعْثَرة في حُجرتِها. شهدَتْ القرية أياماً عصيبة بعدَ رحيلِ أمّي. أضْربَتْ زميلاتُها تتزَعَّمَهُنَّ القابلة العجوزُ عَن العمَلِ خوفاً مِن الكِلاب. مُديريَّة أمْنِ المقاطَعَة أرسَلَتْ إليْنا مُخبِريها لّمّا بلغها الأمْر. تعَقَّبوا أصحابَ مقطَعِ أمّي. وشنّوا حمْلَة مُداهماتٍ أسْفَرَتْ عَن ْاصطيادِ الثلاثة كالجِرْذان، واحداً تِلْوَ آخر.
لكِنَّ القابلة العجوزَ لم تكتَفِ: «الكلاب».
فَما كانَ مِن راعي الغَنَمِ إلاّ أنْ ساقَ شاة إلى قَصّابِ القرية يشَحَذُ سِكّينَه. في ساحتنا أهْرَقَ دَمَها، وحَشا لَحْمَها بالذّعاف، ثمَّ ألْقى بِهِ في السِّكَكِ َمع عِظامِها المَغْموسَة بِالسُّمّ. ظلّتِ الأيامُ التي تَلَتْ عُثورَ راعي الغَنَمِ على أمّي مَشْنوقة في الحقلِ تحت شَجَرة المانجا، تُصَبِّحُنا بكلابٍ مصروعة علَى الطُّرُقات، فاغِرة أَعْيُنها وألْسِنتها تَتَدَلّى بينَ أنيابِها. لكنَّ نباحاً لم يزلْ يضجُّ من أماكن بعيدة في الليالي المُظْلِمَة. وَأيّامُنا العَصيبة بعد لَمْ تَنْتَهِ.
- كاتب كويتي



علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
TT

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري

كشف علماء آثار عن دليل لما قد يكون أول عملية جراحية في المخ في العالم، إذ تم العثور على جمجمة بشرية من عصر الفايكنج وقد أُزيل جزء منها.

وتتميز البقايا، التي تعود لرجل يتراوح عمره بين 17 و24 عاماً، بوجود ثقب بيضاوي الشكل يبلغ قطره نحو 3 سنتيمترات. ويعتقد الخبراء أن الرجل عاش خلال القرن التاسع الميلادي، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

من المرجح أن الرجل خضع لعملية تثقيب الجمجمة، وهي إجراء جراحي قديم يتم فيه حفر ثقب في جمجمة شخص حي لعلاج حالات مثل الصداع النصفي، أو النوبات. وامتد عصر الفايكنج من نحو عام 750 إلى عام 1050 ميلادي.

واكتشف طلاب جامعة كامبريدج البقايا العام الماضي خلال حفريات تدريبية في حصن واندلبوري الذي يعود للعصر الحديدي.

لا تكمن أهمية هذا الاكتشاف في العملية الجراحية فحسب، بل في بنية الرجل الجسدية أيضاً. وكان طوله 6 أقدام و5 بوصات، مما جعله أطول بكثير من متوسط ​​طول الرجل في ذلك العصر، والذي كان يبلغ طوله عادةً 5 أقدام و6 بوصات، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

قالت الدكتورة تريش بيرز، أمينة مختبر داكوورث بجامعة كامبريدج، في التقرير: «ربما كان لدى الشخص ورمٌ أثّر على غدته النخامية، مما تسبب في زيادة إفراز هرمونات النمو، إذ يمكننا ملاحظة ذلك في الخصائص الفريدة لعظام أطرافه الطويلة، وفي أجزاء أخرى من هيكله العظمي».

أشارت بيرز إلى أن مثل هذه الحالة كانت ستؤدي إلى زيادة الضغط داخل الجمجمة، والتسبب في صداع شديد. ويبدو أن عملية ثقب الجمجمة كانت محاولة لتخفيف هذا الألم، وهو هدف «ليس نادراً في حالات إصابات الرأس اليوم».

وشكّل موقع الدفن نفسه لغزاً محيراً، إذ احتوت المقبرة الجماعية على مزيج من الجثث الكاملة، والمقطّعة، بما في ذلك مجموعة من الجماجم، وما وصفه الباحثون بـ«كومة من الأرجل». وتمّ استخراج أربعة هياكل عظمية كاملة، بعضها في وضعيات توحي بأنها كانت مقيّدة.

وبدا أن معظم الجثث كانت لشبان أُلقي بهم في الحفرة دون اكتراث، مما دفع علماء الآثار إلى الاشتباه في أن الموقع يُشير إلى آثار مناوشة، أو معركة، أو إعدام جماعي.

وقال أوسكار ألدريد، من وحدة كامبريدج الأثرية: «ربما كان المدفونون ضحايا عقاب بدني، وقد يكون ذلك مرتبطاً بواندلبري باعتبار أنه مكان مقدس، أو معروف للاجتماعات». وأضاف: «ربما تكون بعض أجزاء الجثث الممزقة قد عُرضت سابقاً بوصفها جوائز، ثم جُمعت ودُفنت مع الأفراد الذين أُعدموا، أو ذُبحوا بطريقة أخرى».


ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

TT

ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

دونالد ترمب يريد أظفاراً كأظفارها ونيكي ميناج «المعجبة رقم واحد» بالرئيس (رويترز)
دونالد ترمب يريد أظفاراً كأظفارها ونيكي ميناج «المعجبة رقم واحد» بالرئيس (رويترز)

بعد سنوات من العداء تخللتها تصريحات إعلامية ناريّة، ها هي مغنية الراب نيكي ميناج، تشبكُ يدَيها بيدَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وتعلن أنها «المعجبة رقم واحد» به.

كيف انتقلت النجمة المثيرة للجدل من صفوف الكارهين، إلى مقاعد العاشقين؟ وهل هي خطوة بريئة دافعُها الإعجاب بشخصيته القوية وأناقته كما تقول؟ أم أنّ سيّد البيت الأبيض فتح ذراعَيه وأبوابه لـ«ملكة الراب» بسبب مصالح مشتركة؟

فتحت «ملكة الراب» صفحة جديدة مع سيّد البيت الأبيض (أ.ب)

بطاقة ذهبية ممهورة بوَجه ترمب

اختتمت نيكي ميناج الشهر الأول من السنة بهدية ثمينة. شَهرَت على منصة «إكس» بطاقة ترمب الذهبية التي تسهّل على المهاجرين إلى الولايات المتحدة، الحصول على الإقامة الطويلة هناك.

وجرى إطلاق تلك البطاقة التي طُبع عليها وجه ترمب نهاية 2025، وهي مخصصة للمهاجرين الأثرياء الراغبين في الحصول على الجنسية الأميركية. وتبلغُ قيمتها مليون دولار، إضافةً إلى 15 ألفاً مقابل رسوم الإجراءات القانونية والمعاملات الإدارية للحيازة على الجنسية.

إلا أن نيكي، ووفق ما كتبت على «إكس»، نالت البطاقة مجاناً. وأضافت المغنية المتحدّرة من جزيرة ترينيداد وتوباغو، أنها بصدَد «إنهاء إجراءات الحصول على الجنسية، وذلك بناءً على طلب رئيسي الرائع والكريم والفاتن».

ترمب معجب بأظفار نيكي

حطّت ميناج رحالها في الولايات المتحدة عام 1987. كانت حينَها في الخامسة من عمرها وقد أمضت سنواتها الأولى في مسقط رأسها؛ جزيرة ترينيداد وتوباغو، قبل أن تنتقل إلى نيويورك؛ تحديداً إلى منطقة كوينز التي شهدت على طفولة ترمب وشبابه.

ورغم صعودها سلالم الراب بسرعة صاروخية وتربّعها على عرش تلك الموسيقى، فإنّ ميناج بقيت محرومة من الجنسية الأميركية. ولطالما اشتكَت من أنها تسدّد ضرائبها بالملايين، ومع ذلك، فهي لا تُعدّ مواطنة شرعيّة، وغالباً ما صوّبت سهام اللوم باتّجاه ترمب.

نيكي ميناج في مسقط رأسها جزيرة ترينيداد وتوباغو عام 2023 (إنستغرام)

ثم أتت اللحظة التي كان من الصعب تخيّلها قبل سنة من الآن. في 28 يناير (كانون الثاني) 2026، ومن قلب واشنطن، حلّت نيكي ميناج ضيفة شرف على حفل مؤسسة «Trump Accounts» المخصصة لدعم الأطفال. كانت تلك المرة الأولى التي تطلّ فيها علناً إلى جانب الرئيس الأميركي.

بمُزاحِه المعهود، حاول ترمب التخفيف من ارتباك اللحظة، فأعرب عن إعجابه بأظفار نيكي ميناج الطويلة جداً؛ «سوف أربّي أظفاري لأني أحب أظفارها تلك»، قال الرئيس قبل أن تعتلي ضيفته المنصة. وبدا الودّ واضحاً بينهما بدليل تشابُك الأيدي والقبلات، ليبلغ التعبير ذروته في خطاب ميناج: «أنا على الأرجح المعجبة رقم واحد بالرئيس، وهذا لن يتغيّر رغم كُره الناس لذلك».

كان لافتاً تشابُك الأيدي بين ترمب وميناج (رويترز)

ترمب «كاره النساء»

أين نيكي ميناج الغاضبة من ترمب والتي لم تفوّت فرصة لانتقاده، من تلك النسخة الجديدة المذهولة به؟

لا في أغانيها ولا في حواراتها الصحافية ولا في منشوراتها على «السوشيال ميديا»، وفّرت المغنية ترمب من لسانها السليط. عام 2010، ظهرت في وثائقي تلفزيوني تحدّثت فيه عن دونالد ترمب بوصفه نموذجاً في كراهية النساء. وادّعت حينها أنه «متزوج من 50 امرأة ويواعد نساءً شابات».

ومع انطلاق الولاية الرئاسية الأولى لترمب عام 2016، رحّبت ميناج به على طريقتها. هي التي كانت قد بدأت تحقق شهرة في عالم الراب، سمّته بالاسم في إحدى أغانيها: «أنا فتاة الجزيرة... دونالد ترمب يريدني أن أعود إلى المنزل»، في إشارةٍ إلى سياسات الهجرة التي فرضها ترمب على غير الأميركيين.

بين 2010 و2020 لم توفّر نيكي ميناج ترمب من نَقدها اللاذع غناءً وتصريحات (أ.ب)

«عرَبة ترمب للسيرك»

في ذروة حملة احتجاز المهاجرين عام 2018 بأوامر من إدارة ترمب، استذكرت نيكي ميناج وصولها إلى نيويورك في الخامسة من العمر من دون أوراق ثبوتية. «جئت إلى هذا البلد مهاجرةً غير شرعية. لا أستطيع أن أتخيل رعب الوجود في مكان غريب، وأن يتم انتزاع والديّ مني في سن الخامسة»، كتبت في تعليق على صورة تُظهر أطفالاً مفصولين عن آبائهم على الحدود أثناء احتجازهم.

تَواصل هجومها المُستعِر على الرئيس دائماً في إطار اعتراضها على تعاطيه مع قضية المهاجرين. وبلغَ غضبُها الذروة عام 2020 خلال مؤتمر «بولستار» لتكريم الموسيقيين في كاليفورنيا. وأعلنت حينها أنها لن تقفز «على عربة السيرك الخاصة بترمب».

نيكي ميناج على منبر الأمم المتحدة!

لم تكد تمرّ سنة على ذاك التصريح العنيف، حتى بدأت ملامح الودّ تجاه ترمب تظهر على نيكي ميناج؛ وإن بشكلٍ غير مباشر. في البداية، جمعتهما الجائحة بما أنّ الاثنَين استخفّا بخطورة كورونا. وقد أثارت ميناج حينها ضجّةً بإصرارها على رفض تلقّي اللقاح.

إلا أن 2025 كانت سنة التحوّل الكبير؛ فمع عودة ترمب إلى البيت الأبيض، شهدت مواقف ميناج السابقة انقلاباً جذرياً. كانت البداية بإعادة نشر مقاطع فيديو من حساب البيت الأبيض على «تيك توك»، بما في ذلك فيديو استخدم إحدى أغانيها ترويجاً لسياسات ترمب المعادية للهجرة.

ووسطَ غضب معجبيها المستغربين انقلابها، أثنت ميناج على موقف ترمب من محنة المسيحيين في نيجيريا. فما كان من السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، سوى أن يدعوها للتحدّث على المنبر العالمي. وفي مشهدٍ أقرب إلى السريالية، استغربَ العالمُ وقوف مغنية تستعين بكمية هائلة من الكلام النابي في أغانيها، على أحد أكثر المنابر وقاراً في العالم.

جنسيّة أميركية أو أكثر؟

منذ ذلك اليوم الذي شهد دخول نيكي ميناج إلى مقر الأمم المتحدة، وهي تُراكِم الحوارات المخصصة لدعم الرئيس؛ من إطلالتها بضيافة إريكا كيرك، أرملة تشارلي كيرك، حيث وصفت ترمب بالوسيم والأنيق، مروراً بحضورها العرض الأول لفيلم «ميلانيا»، وليس انتهاءً بـ«بودكاست كيتي ميلر». ففي أحدث ظهورٍ لها بعد لقائها وترمب على المنبر في واشنطن، برّرت ميناج مواقفها المستجدّة بالقول: «ما عدت أحتمل الطريقة التي يجري التعامل بها مع الرئيس ترمب؛ من التنمّر إلى الأكاذيب وافتراءات أخرى». وأضافت أن حملة ترمب الرئاسية الأخيرة ألهمَتها، ملمّحةً إلى انخراطها في عالم السياسة: «طيلة حياتي انتابني إحساس بأنّ لديّ وظيفة ثانية أقوم بها».

ورغم الانتقادات المتصاعدة حيال انقلابها هذا وخسارتها عدداً لا بأس به من معجبيها، فإنّ نيكي ميناج تنغمس أكثر في دعم ترمب، سعياً وراء الجنسية الأميركية وربّما أكثر.


تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
TT

تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أمس (الجمعة)، نقلاً عن مصادر، أن ​شركة «سبيس إكس» التابعة للملياردير إيلون ماسك، أبلغت المستثمرين بأنها ستعطي الأولوية للوصول إلى القمر أولاً، وستحاول القيام برحلة إلى المريخ لاحقاً، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف التقرير أن الشركة ستستهدف شهر مارس (آذار) 2027، للهبوط على سطح القمر ‌من دون إرسال ‌رواد فضاء على ‌متن ⁠المركبة.

يأتي ​ذلك ‌بعد أن وافقت «سبيس إكس» على الاستحواذ على شركة «إكس إيه آي»، في صفقة قياسية تدمج شركة الصواريخ والأقمار الاصطناعية مع شركة الذكاء الاصطناعي المصنعة لروبوت الدردشة «غروك». وتقدر قيمة شركة ⁠الصواريخ والأقمار الاصطناعية بتريليون دولار وقيمة ‌شركة الذكاء الاصطناعي بـ250 مليار دولار.

صورة مركبة تظهر الملياردير إيلون ماسك وشعار شركة «سبيس إكس» (رويترز)

وقال ماسك العام الماضي، إنه يهدف إلى إرسال مهمة غير مأهولة إلى المريخ بحلول نهاية عام 2026.

وتعمل «سبيس ​إكس» على تطوير صاروخ «ستارشيب» من الجيل التالي، وهو صاروخ ضخم ⁠مصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ، ومصمم ليكون قابلاً لإعادة الاستخدام بالكامل، وليخدم مجموعة من المهام بما في ذلك الرحلات إلى القمر والمريخ.

وتواجه الولايات المتحدة منافسة شديدة هذا العقد، من الصين، في سعيها لإعادة رواد الفضاء إلى القمر، حيث لم يصل إليه أي إنسان منذ آخر مهمة ‌مأهولة ضمن برنامج «أبولّو» الأميركي في عام 1972.