الفلسطينيون يعتبرون قانون خصم رواتب الأسرى «إعلان حرب»

أثار غضباً عارماً لسطوه على ملايين الدولارات من ميزانية السلطة

رجال الإسعاف يستعدون لنقل امرأة أصيبت خلال احتجاجات نسائية أمس قرب الحدود الشرقية لغزة (أ.ف.ب)
رجال الإسعاف يستعدون لنقل امرأة أصيبت خلال احتجاجات نسائية أمس قرب الحدود الشرقية لغزة (أ.ف.ب)
TT

الفلسطينيون يعتبرون قانون خصم رواتب الأسرى «إعلان حرب»

رجال الإسعاف يستعدون لنقل امرأة أصيبت خلال احتجاجات نسائية أمس قرب الحدود الشرقية لغزة (أ.ف.ب)
رجال الإسعاف يستعدون لنقل امرأة أصيبت خلال احتجاجات نسائية أمس قرب الحدود الشرقية لغزة (أ.ف.ب)

رد الفلسطينيون بغضب عارم، أمس (الثلاثاء)، على القانون الذي سنّه الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، ويقضي بخصم كل مبلغ تدفعه المؤسسات الفلسطينية لعائلات الأسرى والشهداء، من أموال الضرائب التي تجبيها إسرائيل للسلطة الفلسطينية لقاء عمولة، وتقدَّر بمليار و200 مليون شيكل (نحو 450 مليون دولار) في السنة. واعتبرها الناطق بلسان الرئاسة الفلسطينية بمثابة إعلان حرب على الفلسطينيين، وهدد هو وناطقون آخرون، بالرد عليها بخطوات درامية.
وكانت الهيئة العامة للكنيست، قد صادقت، في ساعة متأخرة من مساء أول من أمس (الاثنين)، بالقراءتين الثانية والثالثة، على مشروع القانون، الذي ينص على تجميد دفع قيمة مخصصات ذوي الشهداء والأسرى والجرحى الفلسطينيين، وذلك من خلال خصم هذه المخصصات من أموال الضرائب. وقد حظي القانون بتأييد كبير (87 مقابل 15 نائباً)، إذ صوتت معه أحزاب معارضة عدة.
ونصّ القانون، الذي وضعَته وزارة الأمن الإسرائيلية، تحت عنوان «خصم رواتب المخربين»، على أن الأموال التي سيجري خصمها من أموال الضرائب التي تجبيها إسرائيل للسلطة الفلسطينية، تُحوَّل إلى صندوق يقام مستقبلاً لثلاثة أهداف: «إنفاذ القرارات في الدعاوى التي قدمها ضحايا العمليات ضد السلطة الفلسطينية وضد المنفذين، وإقامة مشاريع لتعزيز مكافحة الإرهاب، وتطوير بنى تحتية مدنية مثل الشوارع والإنارة وأخرى أمنية». ويمنح القانون المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية (الكابينيت)، الحق في إعادة جميع الأموال المجمدة للسلطة الفلسطينية، إذا لم تقم السلطة بتحويل المخصصات لذوي الأسرى والشهداء والجرحى الفلسطينيين.
كما نص القانون على أن يقدم وزير الأمن إلى «الكابينيت» تقريراً مرة في السنة، يُوجز فيه تحويل الأموال من السلطة الفلسطينية إلى الأسرى وذويهم، وسيجري خصم قيمة المبلغ الذي سيقسم على 12 دفعة، بصورة شهرية، من عائدات الضرائب التي تجبيها سلطات الاحتلال لحساب السلطة الفلسطينية.
كان صاحب هذا القانون والمبادر إليه آفي ديختر، رئيس جهاز المخابرات العامة (الشاباك) سابقاً، قد عرضه على النواب قائلاً: «السلطة الفلسطينية تقوم في كل شهر بتحويل رواتب للمخربين وعائلاتهم، بقيمة 1.2 مليار شيكل في السنة، تعادل 7% من موازنتها. لكي تفهموا ما أقصد، فإن مخرباً من المواطنين العرب في إسرائيل اسمه وليد دقة، الذي قتل الجندي الإسرائيلي ديفيد تمام قبل 34 سنة وحُكم عليه بالسجن بالإعدام، حصل في السنوات الأربع الماضية على 600 ألف شيكل، منها 576 ألفاً هي الراتب ومكافأة 24 ألفاً لكونه مواطناً إسرائيلياً. وها هو القانون جاء ليوقف هذا الوضع العبثي».
وقد رد عليه النائب جمال زحالقة رئيس كتلة «القائمة المشتركة»، قائلاً: «ديختر كان رئيساً للشاباك وهو مسؤول عن قتل ألوف الفلسطينيين الأبرياء، ولا يحق له الحديث عن تخريب». وقال النائب د. أحمد الطيبي، نائب رئيس الكنيست عن القائمة المشتركة، إن «الاحتلال هو الاحتلال، أنتم تقدسون أشخاصاً قاموا بذبح عائلات فلسطينية وأردنية، مثل مئير هار تسيون، ونحن نعتبره قاتلاً وإرهابياً. وتدفعون لهذه العائلات مخصصات بطريقة غير مباشرة. وفي المقابل تطلقون على مناضلي وشهداء الشعب الفلسطيني إرهابيين، وتقومون بسن هذا القانون، وهو سطو مسلح على مخصصات الشعب الفلسطيني التي تجبونها وتقطعون منها 3% كضريبة. إنها عملية سرقة وسطو». وأضاف الطيبي: «اليوم كنت في فاعلية إحياء الذكرى الرابعة لحرق الطفل محمد أبو خضير على أيدي متطرفين يهود. لن تفكروا بقطع مخصصات التأمين الوطني عن قتلته، وقبل أسبوعين، قام بعض سوائب المستوطنين، بترديد نشيد (وين علي... على شواية اللحم)، أمام محكمة اللد، في وجه جد الطفل علي الدوابشة، أمام أعين الشرطة الإسرائيلية، ومر ذلك مرور الكرام».
وقد رد الفلسطينيون على القانون الإسرائيلي، من خلال العديد من التصريحات والتهديدات. فقال الناطق الرسمي باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة، إن «الرئاسة تؤكد رفضها القاطع لهذا القرار الخطير، وتعتبره مساساً بأسس العلاقة منذ اتفاق أوسلو حتى الآن. وفي حال تطبيقه، فإن ذلك سيؤدي إلى اتخاذ قرارات فلسطينية مهمة لمواجهته، لأن هذا الموضوع يُعتبر من الخطوط الحمر التي لا يُسمح لأحد بتجاوزه. واعتبره بمثابة إعلان حرب على الشعب الفلسطيني ومناضليه وأسراه، الذين حملوا راية الحرية، من أجل القدس وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة».
وتابع أبو ردينة: «إن المضي في تنفيذ هذا القرار، ستكون له تداعيات خطيرة، وستكون كل الخيارات الفلسطينية مفتوحة وعلى كل الأصعدة، ابتداءً من محكمة الجنايات الدولية ومروراً بمجلس الأمن الدولي». وقال إن «القيادة الفلسطينية ستدرس في اجتماعاتها القادمة، بما في ذلك اجتماع المجلس المركزي الذي أنشأ السلطة، اتخاذ قرارات مصيرية وتاريخية ستُغيّر طبيعة العلاقات القائمة، لأن هذه الخطوة الإسرائيلية تُعتبر هجوماً يستهدف تاريخ الشعب الفلسطيني وكفاحه من أجل الحرية والاستقلال».
ووصف الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي، القانون بأنه قرصنة لصوصية حقيرة وعملية نهب عنصرية. وقال إن «إسرائيل لا تملك ولا يجب أن تملك سلطة قانونية على أموال الشعب الفلسطيني، وهي بسلبها لأموال الضرائب تعامل السلطة الفلسطينية كسلطة تحت الاحتلال الكامل». وأضاف أن «إسرائيل تريد اغتيال ضحاياها من الشهداء الفلسطينيين مرتين، مرة بقتلهم وأخرى بقتل عائلاتهم وأبنائهم»، داعياً إلى الرد عبر «إلغاء كل الاتفاقيات معها، بما في ذلك الوقف الفوري للتنسيق الأمني، والتوجه إلى شن أوسع حملة لفرض المقاطعة والعقوبات عليها».
وطالبت هيئة شؤون الأسرى والمحررين في منظمة التحرير الفلسطينية، دول العالم بـ«عدم الانجرار وراء روايات الكذب والتضليل الإسرائيلي لقلب الحقائق في ما يتعلق بصرف رواتب للأسرى الفلسطينيين لدى إسرائيل». وقال بيان الهيئة: إن «إسرائيل دولة احتلالية تمارس أبشع سياسات التنكيل والقمع والقتل بحق أبناء الشعب الفلسطيني، وهي من تمثل رأس الإرهاب في المنطقة والعالم أجمع».
وأكد المجلس الوطني الفلسطيني بدوره، أن دفع المخصصات لعائلات المعتقلين والشهداء والجرحى، هو التزام قانوني وواجب وطني، لتوفير الحماية والرعاية الكريمة لهم، وهم ضحايا إرهاب الاحتلال الإسرائيلي الذي حوّل اتفاقية جنيف الرابعة، من اتفاقية لحماية المدنيين في زمن الحرب إلى اتفاقية لحماية جنوده. وشرح المجلس الوطني الفلسطيني في مذكرة برلمانية أرسلها رئيسه سليم الزعنون، إلى مختلف الاتحادات البرلمانية الدولية والإقليمية والمؤسسات المعنية، أبعاد ومخاطر القانون الذي صادق عليه الكنيست، مبيناً أن هذا القانون الذي جاء بعد أيام من قرار الإدارة الأميركية تجميد مساعداتها المالية لفلسطين، يعد مخالفاً للقوانين الدولية والإنسانية، وقرصنة مالية وإرهاباً سياسياً منظماً تمارسه الحكومة الإسرائيلية، وهما يأتيان في سياق حرب العقوبات المالية على الشعب الفلسطيني ودولة فلسطين، اللذين يأبيان القبول بما تسمى «صفقة القرن».
وتضمنت مذكرة المجلس الوطني الفلسطيني شرحاً حول مخالفة هذا القانون لالتزامات إسرائيل، باعتبارها «القوة الحاجزة» في ما يتعلق بمخصصات الأسرى، والمنصوص عليها في المادتين 81 و98 من اتفاقية جنيف الرابعة. فبموجبهما، على القوة الحاجزة التي تعتقل أشخاصاً محميين، إعالتهم، وتوفير الرعاية الطبية. وعليها كذلك، توفير مخصصات للمعتقلين الذين يجوز لهم تلقي إعانات من دولتهم، فضلاً عن واجبها تسليم جميع المعتقلين، وبانتظام، مخصصات للتمكن من شراء الحاجيات الأساسية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.