الجبالي في مذكراته لـ «الشرق الأوسط»: كنت شاباً مسيساً بدون توجه إسلامي

تعاونت مع اليسار.. وعملت مع جماعة التبليغ

الجبالي أثناء إعلان استقالته من رئاسة الحكومة
الجبالي أثناء إعلان استقالته من رئاسة الحكومة
TT

الجبالي في مذكراته لـ «الشرق الأوسط»: كنت شاباً مسيساً بدون توجه إسلامي

الجبالي أثناء إعلان استقالته من رئاسة الحكومة
الجبالي أثناء إعلان استقالته من رئاسة الحكومة

قراءة مذكرات شخصية ما، كانت وما زالت من أكثر المجالات التي تشدني، لأني أجد فيها الجانب السردي الروائي، في حين أنها تختلف عن الرواية نظرا لكونها حقيقة، و أجد الجانب التاريخي التوثيقي، وتختلف عن التوثيق التاريخي المعمول به عادة وهو أن يكتب التاريخ أناس من خارجه، كما تشمل الجانب الإنساني والذي يهمني الإبحار في أعماقه.
أما كتابتها، فرغم اختلافهاعن قراءتها، فإنها تشترك في الكثير من النقاط، أهمها أنني أبحث عن قيمة الشخص وفاعليته في صنع التاريخ ومدى تأثير ما قام به على واقعنا، ويبقى الجانب الإنساني مهما جدأ، والبحث فيه من اجل التوصل لدوافع تكوين الشخصية التي أحاورها، أو بالأحرى أستمع إليها.
حمادي الجبالي وصف أو صنف على أنه «مهندس» حركة النهضة التي كانت قبل أن يلتحق بقياداتها جماعة إسلامية تعمل بأسلوب، لا خطوط واضحة له، وخلال محاورته لفت انتباهي أنه كان حريصا جدا على التفاصيل بمافيها طريقة الجلوس والتحاور أثناء الاجتماعات التي كانت تعقد في بداية الحركة، وتدور بطريقة عفوية وكان كل يجلس على سجيته، ويجري تبادل الأفكار من دون معالم واضحة.
وخص رئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي {الشرق الأوسط} بتفاصيل لم يتحدث عنها من قبل، وتعرض خلال جلساتي معه إلى أن الخلفية الفكرية ومبادئ العروبة والإسلام جمعته بالغنوشي، وإلى نشاطاته في فرنسا وكيف بدأ مع جماعة التبليغ التي لم تكن بمستوى طموحاته حسبما ذكر، وكيف أن الحركات الإسلامية في الغرب نفرته بسبب طريقة عملها، وعن مغادرته لتونس عبر البحر ولجوئه إلى إسبانيا بعد أن صدر حكم بالإعدام عليه زمن حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، ثم مفاوضات بن علي وعودته إلى تونس سنة 1988 لـ{استدراجه} للسجن بحكم 16 عاما في قضية «براكة الساحل} التي قال الجبالي إنه لم يكن يعلم عنها شيئا.
كما خصنا بتفاصيل عن حياته في الزنزانة الانفرادية التي قضى فيها 10 سنوات، وما تعلمه من السجن الذي عده «عالما آخر}.
وفي المرحلة الأخيرة من الحلقات التي سننشرها تحدث الجبالي عن طبيعة الخلافات في حركة النهضة ودوافعه للاستقالة منها، كما عرض تفاصيل عن تجربته في حكومة الترويكا.

كل عمل تنظيمي هو تجسيد لفكرة قبل الإطار التنظيمي، وليس التنظيم هو الذي يأتي بالفكرة، بل الفكرة هي التي تأتي بالتنظيم، فعندما يكون لديك فكرة تبحث عن تجسيدها في إطار معين وبوسائل محددة وأنا بدأت حياتي بالبحث، كانت لدي أفكار وأبحث عن تنظيم لتجسيدها.
التزامي بالصلاة أعدّه نوعا من الاستفاقة، لم أفكر فيها أو أخطط لها أو أتأثر بأي كان، ففي يوم ما فجأة، ومن دون سابق تفكير، قررت أنا وأخي الهاشمي، أن نبدآ الصلاة، مع أننا ننتمي لعائلة غير معتادة على الصلاة، فلا والدي ولا والدتي كانا يصليان، وهنا أتحدث عن عام 1966، حين كان لا وجود لأي توجهات أو حركات إسلامية في تونس. لما بدأت الصلاة كنت في السنة الخامسة من التعليم الثانوي (الإعدادي)، أي كان عمري 15 أو 16 عاما، وكانت أول صلاة لنا في مدينة سوسة، في جامع الرباط، وكنا يوم الجمعة نذهب للمسجد الذي لم يكن فيه غير الشيوخ كبار السن، وخطبة الإمام كانت مملة جدا، وكنت غالبا ما أتساءل بيني وبين نفسي عما يتحدث هذا الرجل.
كنت مسيسا ومطلعا، أسير في اتجاه النشاط والبحث، وتربيتنا في البيت، كانت تربية تقليدية، كان غير مسموح لنا بأن نبقى في الشارع لوقت متأخر، أو أن نتبع طرق ما يسميه والدي «الفساد»، وأعتقد أن المنعرج في حياتي بدأ مع التزامن بالصلاة، بالإضافة إلى تربيتي المحافظة ومطالعاتي لكثير من الكتب وأزمة 1967، كل هذا بنى شخصيتي.

* الانتقال إلى فرنسا
* غادرت تونس عام 1969 إلى فرنسا للدراسة، وكان اختصاصي تقنية علوم (math technique). انتقلت إلى فرنسا لكلية العلوم في مدينة رانس، حيث درست سنتي اختصاص في الطاقة المتجددة التي تشمل الشمس والرياح.
يمكن القول إن نشاطي في فرنسا لم يبدأ سياسيا أو لا يمكن تصنيفه وقتها كذلك، حيث كان مجرد نشاط في إطار الجالية العربية المسلمة أكثر منه تنظيما سياسيا، وبطبيعة الحال عندما يتغرب الإنسان يشعر بهويته أو يبحث عنها أكثر، فكنا وقتها نلتقي في مدينة رانس في المساجد، ووقتها بدأت فرنسا تشهد ظاهرة تكاثرها، ولم يكن سبب تكاثر المساجد التنظيم السياسي، أو حركة إخوانية أو إسلامية، بل كانت جماعات التبليغ الذين كانوا يأتون إلى فرنسا من كل أنحاء العالم، وخصوصا من باكستان والهند، وباكستان وآسيا عموما، وكان همهم الجاليات الإسلامية في الغرب وكيفية احتوائها وإرجاعها إلى الصلاة والمساجد، وكانوا حريصين على ترسيخ مظاهر الدين حتى من خلال لباسهم، كانوا يرتدون العمامة والزي الإسلامي، وقلائل منهم يزورون البلدان العربية لأنه غير مسموح لهم بالنشاط داخلها من طرف البلدان نفسها، لكنهم انتشروا في أوروبا وأميركا.
وأين أجد هذا الإطار في رانس التي لم يكن فيها مسجد كبير، كما في باريس مثلا في الدائرة الخامسة.
بالنسبة لي وبفضول، أردت الالتحاق بجماعة التبليغ الذين كانوا يشترون قاعات كبيرة ويحولونها لمساجد، وما كان يميزهم أنهم لا يتكلمون في السياسة، وحسب تجربتهم كانوا يرون أن السياسة ستفرق، فكانوا في كل الاجتماعات يذكرون أنه من غير المسموح التكلم في السياسة، وكانت هذه أول تجربة لي رأيت فيها علاقة تقارب تجمع هؤلاء الناس وكان العمل خاصة على مستوى الطلبة.
وبالنسبة لتواصلي مع التونسيين في تلك الفترة، كان لنا طلبة في كلية العلوم، وأذكر أن أول من اجتمعت بهم كان زياد الدولاتي، الطالب في كلية الصيدلة بينما كنت انا ادرس في كلية العلوم، لكن كنا نتقابل باستمرار ونصلي معا، خاصة لقاءاتنا في الاقامة الجامعية، لكننا بطبيعة الحال مهتمان بالسياسة وبالحياة الفرنسية.
وكانت طريقة جماعات التبليغ التي تعتمد على تشكيل جماعات صغيرة، تعتمد على التجول في الشوارع والمقاهي والاقامات الجامعية للدعوة للصلاة، مختلفة عما نريد، فهم يعملون فقط على الجانب الإيماني، لكن بالنسبة لنا كنا نريد نشر معالم الإسلام، أي الإسلام بالمفهوم الشامل : دينا ودولة. كنا نريد العمل بطريقة مخالفة للمفهوم الكنائسي للدين.
جماعة التبليغ يقولون إنهم يريدون البدء بالصلاة ولا تهمهم السياسة، لكننا نحن كنا شبابا مسيسا. الإسلام بالنسبة لنا منظومة كاملة، ما تقوم به جماعات التبليغ يرضي فقط البسطاء، فهو يقتصر على الصلاة ومظاهر الإسلام الخارجية مثل اللحية.
في آخر سنة لي في رانس، عام1973 تقابلت أنا وزياد الدولاتي الذي هو أحد قياديي «النهضة» الآن، وتونسي آخر، وشخص مصري، وبدأنا نجتمع ونتبادل الأفكار حول العالم العربي وعن أسباب تأخر العرب، وعن شؤون بلادنا.
ينتمي زياد الدولاتي لعائلة عريقة، ومن ضمن المواضيع التي نتطرق إليها المواضيع السياسية عموما وأوضاع المسلمين، ونتكلم عن السياسة الفرنسية، وعن القضية الفلسطينية.
داخل المجال الطلابي في تلك الفترة كان جل الطلبة، إما من اليساريين أو ممن جاء لفرنسا للدراسة فقط، وهناك منهم المؤمنون الذين يقومون بفروض الإسلام مثل الصلاة، لكن لا تهمهم المسائل الأخرى. بالنسبة لمجموعتنا نحن لم نقبل أن نبقى على الهامش ولم نقتنع أيضا بالاقتصار على التبليغ.
بعد أربع سنوات من الدراسة في رانس انتقلت إلى باريس، وقد كنت في الفترة السابقة منقطعا عن كل ما يجري في تونس ايام الحبيب بورقيبة والأزمة في الحزب والتعاضد، (تطبيق التنظيم الاشتراكي) وبعد مجيء الهادي نويرة بدأت الحياة السياسية تتدهور، والمعارضة الوحيدة في الجامعات التونسية كانت من اليساريين، وأنا لم أمر بهذه التجربة في الجامعة التونسية، وحتى تركيبتها الطلابية لا أعرفها.

* التجربة مع جماعة التبليغ
* في باريس، حيث واصلت دراستي في مجال الطاقة، قررت الدخول في تجربة مع جماعة التبليغ ،وخرجت معهم في سبيل الله، وتحت مجموعة قيادية باكستانية، وكان فيهم عرب مغاربة، وكنت أنا المثقف الوحيد بينهم، وكان أغلبهم من العمال، وكان بين ثلاث وأربع مجموعات يخرجون ليقنعوا الناس بالصلاة مثلا، فكان يجب عليك امتلاك الجرأة لتتحدث للناس وتقنعهم، ثم من فرنسا خرجنا مرة إلى بلجيكا، وكنت أنا الخطيب فيهم، ثم ذهبنا أيضا إلى الدنمارك.
في بلجيكيا كنت مقتنعا بأن الجماعة أناس بسطاء طيبون، لكن أغضبوني في موقف، لأنني أتذكر أنني قابلت طالبا مغربيا وتحدثنا معا، فاقترب مني الأمير وقتها وذكرني أن لا حديث في السياسة، قلت له إننا لم نكن نتكلم في السياسة، بل كنا فقط نتحدث، لكنه أصر على أننا تكلمنا في السياسة، لم أرد مناقشته، لكن اخترت الانسحاب منهم.
عام 1972 بدأت أبحث عن دور آخر، تعرفت على شخص جزائري اسمه أبو بكر، لكنه كان حركيا يعمل ضد الحكومة الجزائرية، كانت لدي رغبة في التعرف على المسلمين الفرنسيين، ومن هناك تعرفت على شخص ترك بصمة في حياتي، هو عالم صالح زاهد اسمه حميد الله من أصل هندي ، باكستاني ، كان صوفيا طاعنا في السن يسكن في شقة صغيرة بأحد المباني المتواضعة بباريس، كان يتقن 12 لغة ويدرس في الجامعات العالمية، وفسر القرآن وترجمه إلى الفرنسية. تعرفت على مجموعة من الشباب الفرنسي الذي دخل الإسلام، وكان هؤلاء الشباب يتعلمون في مسجد باريس،وينظمون دروسا ومحاضرات في العقيدة، وخدمتني الظروف بأن أصبحت ألقي دروسا بدوري، لكن أبو بكر كان يمنع كل كلام في السياسة وقتها.
وواظبت على إلقاء الدروس بعد كل صلاة في مسجد باريس، وبعد فترة اكتشفت أن حميد الله يلقي دروسا في جمعية الطلبة المسلمين في العاصمة الفرنسية، فالتحقت بهم. هنالك تعرفت على منصف بن سالم (وزير التعليم العالي) وطلبة آخرين.
كانت جمعية حميد الله الذي كان يمتنع عن التطرق لأي مواضيع سياسية هي المهد الأول الذي جمع مجموعة من التونسيين منهم المنصف بن سالم الذي كان يعد شهادة الدكتوراه وقتها، وكان البقية كلهم في المرحلة الثالثة من التعليم العالي، وكنا نجتمع بشكل أسبوعي، ومنا من هو مغرم بالشعر والأدب.
يمكن أن نعد أن مهد تنظيم سياسي بدأ في ذلك الوقت في باريس، وكنا نعمل بالتوازي مع راشد الغنوشي وصالح كركر اللذين كانا يعملان في تونس. وأنشأنا وقتها مجموعة اسمها «لقاء» دون أن يكون لها ارتباط بالبلد الأم، وكان عددنا خمسة أو ستة أشخاص، وبدأت عام 1973 في باريس وبقيت هناك سنتين للدراسة وسنة للتخصص، أي ثلاث سنوات عدت بعدها إلى تونس.
كان ما يجمعنا ليس تنظيما فقط، بل أفكار نتبادلها، وكذلك انضم الشيخ راشد(الغنوشي) مثلي أنا، إلى جماعة التبليغ عندما زار فرنسا بعدما كان يدرس في سوريا، ولكنه مثلنا جميعا ميال إلى فكرة القومية والفكر الإسلامي، ورغم أن الشيخ راشد من الجنوب التونسي بينما أنا من منطقة الساحل، وثمة فارق في السن بيننا، فهو يكبرني سنا، وكذلك المنصف المرزوقي الرئيس الحالي لتونس الذي كان والده يوسفيا(أي من أنصار صالح بن يوسف)، وإحميدة النيفر وصالح كركر وعلي نوير، رحمه الله، رغم اختلاف التوجهات فإن الخلفية الفكرية جمعتنا بما فيها مبادئ العروبة والإسلام وجمال عبد الناصر والثورة.
واليوم أرى أن نشاطنا في تلك الفترة جاء كرد فعل سياسي اجتماعي فكري على فشل بورقيبة، وكانت وقتها أمراض الحزب الحاكم بدأت تبرز ومؤتمر الحزب والتعاضد الذي فشل، والأزمة في تونس وخطابات بورقيبة. وأيضا يعد نشاطنا رد فعل على الفكر الماركسي- اللينيني الذي استأثر بالجامعات التي كانت مسيسة.
هكذا بدأت نشأة هذا الفكر الإسلامي وعندما كنت في فرنسا كنا كطلبة نأخذ وجباتنا في «السيتيه إنترناشيونال»، فكنا طلبة إسلاميين، وآخرين من اليسار التونسي يدعمهم اليسار الفرنسي نلقي خطابات، ولكن في ذلك الحين كنا نعمل باحتشام.
وبدأ التواصل بالعمل في تونس، وكنا نتعاون مع اليسار كمعارضة، وفي البداية وجدنا تجاوبا من العمال البسطاء أكثر من النخب التي لم يكن يعنيها اليسار والثورية، فلم نكن بالنسبة لهم غير شباب متحمس.. فهذه كانت أول خطوة للاتصال بتونس.

* بروفايل: من زعيم «إسلامي سري» إلى رئيس للحكومة ومرشح محتمل لرئاسة الجمهورية
* عرف المهندس حمادي الجبالي عند تخرجه من جامعات العلوم في فرنسا أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات من القرن الماضي بهدوئه ومشاركته عن بعد في الأنشطة السياسية والثقافية، بما في ذلك أنشطة حزب «حركة الاتجاه الإسلامي» الذي أسس رسميا في تونس في السادس من يونيو (حزيران) 1981 وذلك بعد أن أعلن الرئيس التونسي آنذاك الحبيب بورقيبة عن موافقته على تعدد الأحزاب.
لكن رفض بورقيبة الاعتراف بهذا الحزب الذي اتهمه بـ«التستر بالدين» تطور في العام نفسه إلى محاكمات للقيادة التاريخية للحركة وزعاماتها الطلابية والنقابية ومطاردة القيادات التي تسلمت منها المشعل سرا وجرى إصدار إحكام غيابية ضدها.
في هذا الظرف، وتحديدا في خريف 1981، عاد الجبالي إلى تونس وتسلم قيادة «حركة الاتجاه الإسلامي» من الجيل الثاني للقيادة الذي انسحب بدوره بسبب المطاردات والمحاكمات.
وفي 1982 انتخب الجبالي من قبل الجيل الثالث من القيادة رئيسا جديدا للحركة وعرف طوال سنوات بنجاحه في «العمل التنظيمي» وفي «مراوغة البوليس السياسي» حتى إبرام قيادة الحركة صلحا مع محمد مزالي الوزير الأول (رئيس الوزراء) لبورقيبة في صيف 1984، الذي أنهكته الإضرابات الاجتماعية والصدامات الدامية في يناير (كانون الثاني) من نفس العام بين عشرات آلاف المتظاهرين وقوات الأمن والجيش ضمن ما عرف بـ«ثورة الخبز».
خلال مرحلة 1984 - 1987 خرج الجبالي من السرية وأصبح من أبرز قياداتها العلنية مع مؤسسيها الخارجين من السجن والعائدين من المنفى مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو وصالح كركر والفاضل البلدي.
لكن اندلاع مواجهة جديدة بين بورقيبة وزعامات حركة الاتجاه الإسلامي منتصف عام 1987 دفع الجبالي وقياديين بارزين من الحركة مثل كركر إلى مغادرة البلاد نحو فرنسا ثم اسبانيا في حين انتقل قياديون آخرون مثل مورو إلى السعودية. ومن فرنسا تابع الجبالي الإدلاء بتصريحات صحافية وإجراء مقابلات لفائدة رفاقه الذين أصدرت ضدهم محكمة أمن الدولة ومحاكم حق عام أحكاما قاسية وصلت إلى حد الإعدام.
إلا أن التغيير في أعلى هرم السلطة في نوفمبر (تشرين الثاني) 1987 ، الذي قاده رئيس الحكومة ووزير الداخلية آنذاك زين العابدين بن علي أوقف مسار المحاكمات وأدى إلى الإفراج عن غالبية زعامات الحركة وعودة المنفيين ومن ضمنهم الجبالي إلى تونس مطلع 1988.
وتسلم الجبالي منذ عودته إلى تونس الإشراف السياسي الفعلي على الحركة ومؤسساتها العلنية والسرية، و أصبح عضوا رسميا في قيادتها العلنية الجديدة التي تغيرت تسميتها منذ فبراير (شباط) 1989، وأصبحت حركة «النهضة» حتى تتلاءم مع قانون الأحزاب الجديد الذي يمنع «الأحزاب التي تعتمد أساسا على الدين أو اللغة أو الجنس».
كما عين الجبالي مديرا للصحيفة الأسبوعية الناطقة باسمها «الفجر» التي تعرضت للإيقاف بعد إصدار بعض أعدادها، وكانت السبب المباشر لإعادة اعتقاله ومحاكمته في 1991 بتهم انتهاك قانون الصحافة في فصول «الثلب ونشر الأخبار الزائفة».
وبعد انتخابات عام 1989 شنت حملة محاكمات شاملة ضد آلاف من نشطاء الحركة وقياداتها. وكان نصيب الجبالي في تلك المحاكمات عشرات السنين سجنا وقع تخفيضها تدريجيا، لكنه لم يغادر السجن إلا بعد أن قضى زهاء 16 عاما منها وبعد سلسلة من الاضرابات عن الطعام.
استأنف الجبالي نشاطه السياسي السري منذ 2006، وأسهم في حوارات غير مباشرة أجرتها قيادة الحركة مع بن علي إلى أن وقعت الإطاحة بالنظام في يناير 2011 فاعترفت السلطات المؤقتة الجديدة بالأحزاب المحظورة وبينها حركة النهضة، مما مكنها من المشاركة في انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2011 التي أسفرت عن تعيين الجبالي رئيسا للحكومة الائتلافية الأولى.
لكن اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد في فبراير 2013 ، واندلاع تحركات للمطالبة بإقالة الحكومة ثم فشل جهود الجبالي في تشكيل حكومة ائتلافية من «المستقلين» و«التكنوقراط» من بين العوامل التي تراكمت وعقدت الأوضاع في تونس، فاستقال من رئاسة الحكومة، لكنه ظل يحافظ على عضوية قيادة حزب النهضة رغم مقاطعته لأنشطته وتقدمه باستقالة من الأمانة العامة للحركة.

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (2): لولا نكسة 1967 ربما كنت ثائرا غير إسلامي



مصر تؤكد حرصها على منع تجدد التصعيد العسكري في غزة

وزير الخارجية المصري خلال لقاء رئيس المجلس الوطني الفلسطيني وأمين سر منظمة التحرير الفلسطينية الثلاثاء (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء رئيس المجلس الوطني الفلسطيني وأمين سر منظمة التحرير الفلسطينية الثلاثاء (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد حرصها على منع تجدد التصعيد العسكري في غزة

وزير الخارجية المصري خلال لقاء رئيس المجلس الوطني الفلسطيني وأمين سر منظمة التحرير الفلسطينية الثلاثاء (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء رئيس المجلس الوطني الفلسطيني وأمين سر منظمة التحرير الفلسطينية الثلاثاء (الخارجية المصرية)

التقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، مع رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح، وأمين سر منظمة التحرير الفلسطينية عزام الأحمد، في القاهرة، في إطار التشاور والتنسيق المستمر بشأن تطورات القضية الفلسطينية ومستجدات الأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية.

وخلال اللقاء، الذي انعقد مساء الثلاثاء، أكد الوزير حرص مصر على منع تجدد التصعيد العسكري في قطاع غزة، مع ضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، كما شدد على «التزامها بالعمل من أجل تحقيق الأمن والسلام في المنطقة».

وقال المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية المصرية تميم خلاف، الأربعاء، إن عبد العاطي شدد على «الموقف المصري الثابت والداعم لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، وعلى رأسها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على خطوط الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وذلك وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة».

وأشار عبد العاطي إلى أن وقف إطلاق النار في غزة يمثل خطوة أولى أساسية يجب البناء عليها للوصول إلى تهدئة مستدامة. كما لفت إلى دعم مصر لـ«اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة» برئاسة علي شعث «بوصفها إطاراً انتقالياً مؤقتاً لإدارة الشؤون اليومية للقطاع وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان، بما يضمن استقرار الأوضاع خلال المرحلة الانتقالية، تمهيداً لعودة السلطة الفلسطينية لتولي مسؤولياتها كاملة في قطاع غزة، اتساقاً مع قرار مجلس الأمن رقم 2803».

جانب من الدمار في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وتخضع «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» المُنشأة بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، لإشراف «مجلس السلام» برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وجدد عبد العاطي دعم مصر لتشكيل ونشر «قوة الاستقرار الدولية» لمراقبة وقف إطلاق النار وضمان الالتزام بتدفق المساعدات الإنسانية، وانسحاب إسرائيل من المناطق التي تسيطر عليها داخل القطاع، إلى جانب دعم القاهرة استكمال استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي.

وشدد الوزير على «ضرورة الحفاظ على وحدة الأرض الفلسطينية، ورفض أي محاولات للفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية أو تقسيم القطاع ذاته».

وأدان عبد العاطي القرارات والانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، «لا سيما القرارات الأخيرة الصادرة عن الحكومة الإسرائيلية لتعميق مخطط الضم غير الشرعي، بما في ذلك تغيير أوضاع تسجيل وإدارة الأراضي، وتسهيل الاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية، ونقل صلاحيات بلدية الخليل إلى سلطات الاحتلال، وفرض إجراءات تُمكّن من هدم المباني الفلسطينية، فضلاً عن التوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، وعنف المستوطنين».

وقال وزير الخارجية إن هذه الممارسات «تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وتهديداً مباشراً لفرص السلام وحل الدولتين»، مؤكداً أنها تقوّض الجهود الرامية إلى تحقيق تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية.

وزير الخارجية المصري يبحث مع رئيس المجلس الوطني الفلسطيني وأمين سر «منظمة التحرير» المستجدات في غزة الثلاثاء (الخارجية المصرية)

من جانبه أعرب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، وأمين سر منظمة التحرير الفلسطينية، عن تقديرهما البالغ لدور مصر في دعم القضية الفلسطينية، مثمنين جهودها في تثبيت وقف إطلاق النار بقطاع غزة، وتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية. وأكدا أهمية استمرار التنسيق والتشاور خلال المرحلة المقبلة.

وفيما يتعلق بإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، أطلق «الهلال الأحمر المصري»، الأربعاء، قافلة «زاد العزة الـ136»، حاملة سلالاً غذائية، ومستلزمات إغاثية وطبية، ومواد بترولية لتشغيل المستشفيات والأماكن الحيوية بالقطاع.

وتنتشر فرق «الهلال الأحمر المصري» على معبر رفح من الجانب المصري، لاستقبال وتوديع الدفعة الثامنة من الجرحى والمرضى والمصابين الفلسطينيين الوافدين والمغادرين، ومرافقتهم في إنهاء إجراءات العبور.

Your Premium trial has ended


خلايا «الانتقالي» المنحلّ تهاجم مبنى محافظة شبوة

تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
TT

خلايا «الانتقالي» المنحلّ تهاجم مبنى محافظة شبوة

تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)

شهدت مدينة عتق، مركز محافظة شبوة اليمنية، الأربعاء، اشتباكات مسلحة رافقت مظاهرة نظمها أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، وهو ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، فيما اتهمت اللجنة الأمنية العليا عناصر خارجين عن القانون بالوقوف وراء محاولة اقتحام ديوان عام المحافظة، والاعتداء على أفراد الأمن.

وأدانت اللجنة الأمنية في شبوة، بأشد العبارات، في بيان رسمي ما وصفته بـ«العمل الإجرامي المسلح» الذي أقدمت عليه عناصر «مندسة، وخارجة عن النظام، والقانون»، متهمة إياها باستهداف أفراد الوحدات الأمنية، والعسكرية بالذخيرة الحية، ومحاولة اقتحام مبنى السلطة المحلية بالقوة.

وأفادت مصادر محلية بأن التوتر بدأ مع تحرك مجموعة من المحتجين باتجاه مبنى السلطة المحلية، في حين تدخلت قوات الأمن لتفريقهم، قبل أن تتطور الأحداث إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وسط تضارب في الأرقام، والروايات حول هوية الضحايا، وعددهم.

الأمن في شبوة اتهم مندسين في مظاهرة «الانتقالي» بإطلاق النار (إكس)

سكان ونشطاء تداولوا مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر محتجين يرفعون أعلام «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل، وصور قياداته، بينما بدت مجاميع مسلحة ترافقهم في شوارع المدينة. وبحسب روايات متداولة، حاولت مجموعة الصعود إلى سطح مبنى المحافظة لإنزال العلم اليمني، ما فاقم التوتر في محيط الموقع.

وتحدث ناشطون عن إلقاء قنبلة متفجرة باتجاه حراسة بوابة المبنى، ما أدى إلى إصابة عدد من الجنود المكلفين بحمايته، فيما أشارت روايات أخرى إلى أن القوات أطلقت النار في الهواء لتفريق الحشود قبل أن تتطور المواجهات إلى تبادل إطلاق نار.

وفي حين لم تورد السلطات الرسمية توضيحاً عن عدد الضحايا، قال الإعلام الموالي لـ«الانتقالي» إن 4 قتلى سقطوا، كما أصيب 28 آخرون، وسط اتهامات لعيدروس الزبيدي -الذي كان هرب إلى أبوظبي الشهر الماضي- بمحاولة زعزعة الاستقرار في المحافظات اليمنية الجنوبية، والشرقية عبر موالين له.

توضيح أمني

وفي خضم هذه التطورات، أصدرت اللجنة الأمنية بمحافظة شبوة بياناً أدانت فيه الأحداث، وقالت إن عناصر مندسّة، وخارجة عن النظام، والقانون، اعتدت على أفراد الوحدات الأمنية، والعسكرية، واستهدافهم بالذخيرة الحية، مع محاولة اقتحام ديوان عام المحافظة بالقوة.

وأكدت اللجنة في بيان لها أن هذا التصرف المدان يمثل اعتداءً سافراً على مؤسسات الدولة، وهيبتها، وتهديداً مباشراً للأمن، والاستقرار في المحافظة، محملةً العناصر المشبوهة المسؤولية القانونية الكاملة عن تبعات هذه الأعمال الإجرامية، وما أسفرت عنه من سقوط ضحايا، ومصابين نتيجة استخدام القوة المسلحة بصورة متعمدة، في تحدٍ خطير للقوانين النافذة، واستخفاف واضح بحرمة الدم اليمني، والسلامة العامة.

قوات أمنية أمام مبنى الإدارة المحلية لمحافظة شبوة في مدينة عتق (إكس)

وشددت اللجنة الأمنية على أن الحق في التعبير، والتظاهر السلمي مكفول بالقانون، إلا أن حمل السلاح، والاعتداء على رجال الأمن، واستهداف المنشآت الحكومية يُعد من الجرائم الجسيمة التي يعاقب عليها القانون، ولن يتم التساهل معها تحت أي ظرف، أو مبرر.

وأعلنت اللجنة مباشرتها إجراءات ملاحقة العناصر المتورطة في هذا الاعتداء، وضبط كل من يثبت تورطه في التحريض، أو التمويل، أو التخطيط، أو التنفيذ، وتقديمهم للعدالة لينالوا جزاءهم الرادع وفقاً للقانون.

تشديد على رفض الفوضى

وأكد البيان أن الأجهزة الأمنية والعسكرية في شبوة ستتخذ كافة التدابير، والإجراءات اللازمة لحماية مؤسسات الدولة، وصون الأمن العام، ولن تسمح بفرض الفوضى، أو تقويض السكينة العامة.

وحملت اللجنة الأمنية المسؤولية الكاملة لكل من سعى إلى جرّ المحافظة نحو مربع العنف، والفوضى، محذرةً من مغبة الاستمرار في مثل هذه الأعمال التي لن تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، والمساءلة القانونية الصارمة.

ودعت اللجنة كافة المواطنين إلى الالتزام بالنظام، والقانون، وعدم الانجرار خلف الدعوات المشبوهة، والتعاون مع الأجهزة المختصة للحفاظ على أمن المحافظة، واستقرارها، مجددة عزمها الثابت على فرض النظام، وسيادة القانون، والتزامها بحماية الأرواح، والممتلكات، والتعامل بحزم ومسؤولية مع أي تهديد يمس أمن المحافظة.

موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل يرفعون صور الزبيدي (إكس)

وكانت اللجنة الأمنية استبقت هذه الأحداث ببيان أكدت فيه التزامها الكامل بالحفاظ على الأمن، والاستقرار، وحماية المكتسبات الوطنية التي تحققت في المحافظة، مشددة على ضرورة احترام القانون، والنظام في جميع الفعاليات، والأنشطة العامة.

وقالت إنها تحترم الحريات العامة، وحق الرأي، والتعبير السلمي، مع التأكيد على أن ممارسة هذه الحقوق يجب أن تكون ضمن الأطر القانونية، والتشريعية، حفاظاً على السلم الاجتماعي، والأمن العام.

وفي حين حذرت اللجنة الأمنية في شبوة من قيام أي فعالية غير مرخصة، أو تنفذ من دون التنسيق مع الجهات المختصة، دعت جميع المواطنين، والمكونات المجتمعية إلى تغليب المصلحة الوطنية، والالتزام بالقوانين المنظمة للأنشطة، والفعاليات، لضمان حماية المكتسبات الوطنية، وصون السلم الاجتماعي.


توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
TT

توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)

أفادت مصادر يمنية مطّلعة بتصاعد حدة التوتر بين الجماعة الحوثية وحزب «المؤتمر الشعبي العام» (جناح صنعاء)؛ على خلفية استمرار رفض قيادة الحزب المشاركة الصورية في حكومة الانقلاب الجديدة، التي تأخّر إعلان تشكيلها، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على مقتل رئيسها السابق أحمد الرهوي وعدد من الوزراء، في غارة إسرائيلية استهدفت صنعاء.

يأتي هذا التوتر في سياق سياسي واقتصادي معقد، حيث تزداد الضغوط الداخلية على الجماعة، في ظل أوضاع معيشية صعبة وعجز عن إدارة المرحلة أو تقديم معالجات حقيقية للأزمات المتراكمة.

وكشفت مصادر سياسية في صنعاء عن استمرار رفض قيادة جناح «المؤتمر الشعبي» المشاركة في أي حكومة لا تقوم على شراكة حقيقية وصلاحيات واضحة، وعَدَّت أن أي انخراط شكلي لن يسهم في معالجة الأزمات المتفاقمة التي يكابدها اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين.

القيادي بحزب «المؤتمر» صادق أبو راس خلال فعالية في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضحت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف الحزب «نابع من تجربة سابقة أثبتت أن الشراكة الصورية لا تصنع استقراراً أو تنمية»، مشيرة إلى أن جناح الحزب، المتحالف شكلياً مع الجماعة منذ الانقلاب، لا يرغب في الاستمرار بوصفه غطاء سياسياً لقرارات لا يشارك في صياغتها أو تحمُّل تبِعاتها.

وطبقاً للمصادر نفسها، فإن الخلافات الحالية لا تقتصر على توزيع الحقائب الوزارية، بل تمتد إلى طبيعة القرار السياسي وآلية إدارة مؤسسات الدولة في صنعاء، وغياب الضمانات المتعلقة باستقلال الحكومة المفترضة، وقدرتها على ممارسة مهامّها بعيداً عن هيمنة القادة والمشرفين الحوثيين.

أزمة أعمق

وتشير هذه المعطيات إلى أزمة أعمق تتعلق بتوازنات السلطة الانقلابية داخل صنعاء، حيث يرى مراقبون أن إعادة تشكيل الحكومة الحوثية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الجماعة لإشراك حلفائها في صنع القرار، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج صيغة حكم تتركز فيها الصلاحيات الفعلية خارج الأُطر المؤسسية المعلَنة.

في موازاة ذلك، تتحدث مصادر حزبية عن تصاعد حالة التذمر داخل أوساط «المؤتمر الشعبي» من استمرار ما تصفه بـ«التضييق» على النشاط السياسي والتنظيمي للحزب، بما في ذلك القيود المفروضة على الاجتماعات والفعاليات، وهو ما يفاقم فجوة الثقة بين الطرفين، ويضعف فرص التوافق في المدى المنظور.

عنصران حوثيان خلال تجمُّع دعا له زعيم الجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وعلى وقْع استمرار تعثر إعلان الحكومة غير المعترف بها دولياً، برزت، خلال الأيام الأخيرة، انتقادات لاذعة من ناشطين وكُتاب محسوبين على الجماعة الحوثية، عبّروا فيها عن استيائهم من التأخير المستمر في تشكيل الحكومة، وعدُّوا أن هذا التعطيل ينعكس سلباً على الأوضاع المعيشية، ويزيد حالة الإرباك الإداري والاقتصادي.

وأشار بعض هؤلاء إلى أن تأخر تشكيل الحكومة «لم يعد مبرراً»، وأن استمرار المشاورات دون نتائج ملموسة «يزيد من حالة الإحباط، ويعكس ارتباكاً في إدارة المرحلة»، وفق ما نقلته مصادر محلية.

وذهب آخرون إلى اتهام قيادات داخل الجماعة بالمماطلة، والإبقاء على مؤسسات الدولة في حالة شلل، بما يسمح بإدارة الملفات الحساسة عبر قنوات غير رسمية.

Your Premium trial has ended