كمال العيادي: الغرب يريد كتابا «باعة بهارات».. والكتاب صار قفص دجاج

كنا نترجم في القرن الثاني للهجرة ضعف ما ترجمنا في القرن العشرين

كمال العيادي
كمال العيادي
TT

كمال العيادي: الغرب يريد كتابا «باعة بهارات».. والكتاب صار قفص دجاج

كمال العيادي
كمال العيادي

* ما سر غربتك الطويلة والمبكرة خارج الوطن؟ هل كانت هروبا من القيود أم بحثا عن ماذا؟
- خرجت من تونس منذ ربع قرن تزيد سنة، وقبلها خرجت من القيروان، مدينتي العجوز القاسية الملهمة، إلى العاصمة تونس، ضيقا بنسيج أسئلتي المحرجة عن الأصول والماهية والمنابع.
بدت لي المدرسة الصوفية القيروانية أضيق من تسارع أنفاسي ودهشتي البكر التي لا يشبعها غير الأفق الرحب الممتد والمفتوح على أكثر من واجهة. فكان أن سلمتني هذه الرغبة المتوحشة للمعرفة إلى آفاق أبعد. فكان نداء المثالية الماركسية التي تداعت وتهشمت سريعا ومنذ السنوات الأولى لي بموسكو، وضربت من جديد في أرض الله الحرة. وكان لا بد لي من عشرين سنة في ميونيخ، عاصمة الشر والاقتصاد والفلسفة الألمانية، ومختبر هتلر نفسه. ولكنني انتهيت مجددا إلى قناعة ويقين بأن ما ينقص الأخضر ليكون شجرة هو نفسه ما ينقص ألمانيا لتكون موطني ومسكني، حيث أبيض وأبني لي بها عشا. ولم أكن في حاجة لملهم لأعرف أن القاهرة هي وجهتي المقبلة. ولكن الله زاد في إكرامي بأن أرسل ملهمة تؤمن بي وتناديني منذ ربع قرن بالكينغ. وكانت القاهرة مستقري (منذ أربع سنوات). وأتصور أن حياة واحدة لا تكفي لأباغت يوما بنداء الرحيل من جديد.
* «سردوك»، و«المربوع»، و«باريسا»، و«رحلة إلى الجحيم»، أعمال متميزة تحمل توقيعك، أيها أقرب إلى نفسك؟ وهل يمكن اعتبار «رحلة إلى الجحيم» أقرب إلى سيرة ذاتية؟
- أرتاح بصراحة لاستعمال ضمير المتكلم حين أكتب. وهذا مشروع وطبيعي. وهو الأقرب لمنطق من يريد الإقناع بتحريك شخوصه وجعلهم يتقاطعون في عوالم ممكنة وقريبة من الواقع. وأنا أتقاطع مع شخوصي وأومن بها ولا أحقد عليها، ولا يؤذيني أن أمنحها ضميري لتتكلم به وتخربط من خلاله بين الدمعة والضحكة. هذا كل ما في الأمر. أما عن السيرة الذاتية فأنا أحتقر كل كاتب يكتب سيرته الذاتية وهو لم يكمل نصف مشروعه بعد. من حقه أن يكتب سيرة ذاتية ولكن لا ينشرها في كتاب تام وشاهد عليه. من يكتب سيرته الذاتية فهو يكتب وصيته، وعليه أن ينزاح قليلا ليترك مكانه لمن هو في طور عيش، وممارسة سيرته الذاتية التي تنتهي بموته أو تقاعده. أنا أدعو كل كاتب يكتب سيرته الذاتية بإلحاح إلى أن يستقيل قبل ذلك، ويعلن رسميا أن حبره جف ومنابعه يبست. أما أنا فلا دخل لي بالسيرة الذاتية.
ما زال قدامي نصف عمر كامل وأصر عليه. وأنا أبدأ ككاتب حقيقي صبيحة كل مرة يصدر لي فيها كتاب. طبعا، لا علاقة لي بشخوصي، غير أنني خالقها ومحركها ومخرجها من الظلمات إلى النور ومسارح الحياة، رغم أن فيها بطبيعة الحال من سخطي ومن نفسي ومن روحي الكثير. تقاطعا إيجابيا حينا وعكسيا حينا آخر.
* إلى أى مدى تمثل الكتابة الأدبية عن نصوص أجنبية تحديا للكاتب عن الإبداع الخاص ؟ وكيف يهرب من خطر الذوبان فى شخصية صاحب النص الأصلى ؟
- هناك الكاتب وهناك المستكتب. المستكتب جمعه مستكتبون, وهم (كتاّب عموميّون) ومفرده (كاتب عمومي) وهذا طبعًا معرضّ لأن يكون لصًا أو مختلسًا أو في أفضل الأحوال معرض لأن يكون ضحية الإعتداء عليه من طرف الكتاب الكبار الحقيقيون ليتلبسوه ببصمتهم ورائحتهم وأسلوبهم ومرحهم أو تجهمهم, فهؤلاء الطبقة هم من قماش سردي أو شعري شفاف, يظهر ببساطة ويفضح من وراءهم أما النوع الثاني من الكُتّاب, فهم غيلان حقيقيون. لا يتأثرون بأي بصمة أخرى ولا تركب عليهم، بالعكس هم حين يتأثرون بجملة ما أو صورة ما فهم يضيفون إليها.
* كيف تقيم جهود الترجمة في العالم العربي؟ وهل هناك توازن مع الترجمة عن الأعمال العربية في الخارج؟
- بصراحة، حركة الترجمة عندنا ملف مخجل ومربك. أنا أشعر بالشفقة والحزن حين أقرأ أن بلدا صغيرا في حجم علبة السردين مثل إسرائيل يترجم سبعة أضعاف ما يترجم في كل البلدان العربية، وأن بلدا صغيرا جدا مثل النمسا أو حتى ألمانيا، يترجم ثلاثة ملايين عنوان لعمل فني وأدبي في السنة، بين السينما، والبرامج التلفزيونية، وكتب للأطفال، والروايات. بينما نجد أننا لا نكمل العشرة آلاف عنوان في أفضل الحالات. وأضيفي إلى ذلك أن الأغلبية من السادة المترجمين المحترمين، يتحايل ويترجم عن لغة واحدة يتقنها من كل آداب العالم. وبصراحة أنا أنظر بريبة لكل من يترجم عملا إبداعيا عن لغة وسيطة ليست لغته. أنا أعرف من يترجم كل ستة أشهر عملا من لغة جديدة وعملا ضخما فوق ذلك. وفي اعتقادي أن صمته وموته أفضل للأجيال المقبلة من آثار هذه الجرائم. أنا ترجمت لبوشكين وليرمانتوف وكريلوف وغيرهم، لأنني أحسست بحرقة أن أقرأ آثارا تشبه عيون نصوصنا، مثل «كليلة ودمنة» والقرآن و«الأغاني» وغيرها، وهي كتب مترجمة منذ بداية القرن الخامس عشر للروسية، عن طريق المشروع المسيحي الأترودوكسي الكبير في عهد العائلات القيصرية وبداية التجارة مع الشرق. وأحيانا أحتاج لشهر كامل من العمل اليومي من أجل ترجمة قصيد واحد. فكيف يمكن لأحدهم ترجمة كتاب ضخم في ألف صفحة في شهرين؟ وعن لغة لا يتقنها أصلا؟ كل هذا وما زلنا نحبو، رغم أننا كنا في القرن الثاني للهجرة مثلا، نترجم ضعف ما يترجم الآن في القرن العشرين.
* بأي عقل تفكر وأنت تكتب نصا عن لغة أجنبية إلى العربية؟ هل تفكر بالألمانية مثلا أو الروسية أو بلغتك العربية؟
- أفكر وأكتب باللغة العربية في أغلب الأحوال، رغم أنني أحلم كثيرا بالروسية والألمانية. وأفكر طبعا بالألمانية حين يكون خطابي موجها لعقلية ألمانية وقارئ ألماني. ولا تنسي أنني عشت في ألمانيا أكثر بكثير مما عشت في تونس. لكن الأصل هو العربية وهي منابعي ومرجعيتي دائما.
* رغم خلفيتك التونسية ذات الثقافة الفرنسية، لماذا اخترت اللغة الروسية والألمانية؟ وما الذي يميز الكتابات الأدبية في تلك اللغات لمن لا يعرفها؟
- الروسية اخترتها عن قناعة، ودرستها في تونس في المركز الثقافي الروسي وأنا في بداية حياتي. وكان ذلك السبب الذي من أجله وافقوا على تمكيني من منحة سخية للدراسة في روسيا. وقد عشقت حد الهيام هذه اللغة الفاتنة وإلى حد اليوم وبعد ربع قرن من عدم تطبيقها عمليا في كلامي. فأنا أحبذ أن أعبر بعبارة بالروسية حين أتناقش مع زوجتي ورفيقة الدرب، الروائية الكبيرة د. سهير المصادفة التي تتقن الروسية بشكل جيد أيضا. وبالمناسبة اللغة الروسية قريبة جدا في عمقها وثرائها وحميميتها ومبالغاتها من اللغة العربية. أما الألمانية، فقد فرضت علي بصراحة، لأنني حملت جسدي معي كمهاجر هناك في ميونيخ. وكان لا بد لأعيش وأدرس أن أتعلم لغتهم بشكل جيد. والحقيقة أنني اكتشفت عمقها وصرامتها بعد سنوات طويلة من سنوات الجامعة.
* من واقع تجربتك في الغربة، هل يجيد الآخرون التفكير بالأدب العربي؟ بمعنى هل يجد مكانته اللائقة في الغرب؟
- نحن بعيدون سنوات ضوئية عن الغرب، وجدلية الشرق والغرب ما زالت أهم موضوع يشغل الغرب في تطلعاته وانتظاراته للترجمات من العربية، وتثير اهتماماته. ما زال الطيب صالح الروائي المفضل لديهم، لأن لغته طريفة ومفهومة. وما زالوا يريدون باعة بهارات مثل رفيق شامي، وعلاء الأسواني، وينفخون في صورهم ويملؤون كبدهم وأفواههم بالمال والعقود حتى يغروا البقية، ويدجنونهم. وهذا ما يحدث للأسف، حتى عاد الكتاب مثل دجاج الأقفاص الأبيض، أو مثل البيض، كل بيضة تشبه الأخرى، لأنهم يكتبون حسب مطالب الغرب وانتظاراته. من يريد موقفا إنسانيا مع اليهود، ويريدنا وكأننا حيوانات أليفة تقفز وتنط كالنسانيس، وربعنا شهريار والربع الآخر شهرزاد والربع الثالث مسرور السياف، والبقية شخوص ضائعة وخواطر بشرية في مستنقع الرذيلة والسخط أو الإيمان الضال وهكذا.
* وصفوا أعمالك بـ«التعدد الباذخ»، بسبب تنوع إبداعاتك كقاص ومسرحي وشاعر وصحافي. فأين تجد نفسك بين هذه الدروب الإبداعية؟
- أنا غير مخلص لجنس إبداعي واحد. وهذا عيب أقر به، لكن الشعر والسرد هما أكثر ما يشدني ويغريني وخاصة السرد نهارا والشعر ليلا.
* كيف ترى المبدعة العربية وهل لازالت متخلفة فى الركب عن الرجال فى العالم العربى ولماذا ؟ وهل تعانى المرأة الغربية من نفس الإشكالية ؟
- قبل المطالبة بتحرير المرأة العربيّة والكاتبات العربيات بالأخص من ضيق الحصار والشوفينية التي تمارس على إبداعها وخاصة إذا كانت تمسّ التابوهات, علينا بالمطالبة بتحرير عقلية الرجل الشرقي المرضيّة, علينا إعادة توزيع الأدوار, ولنبدأ مثل الغرب من المدرسة,هذا ما ناديت به دائمًا .
* من واقع تجربتك الخاصة فى المهجرهل تعتقد أنه عندما تجبر الظروف المبدع على الهروب خارج الوطن فإنه يبدع أكثر ؟
- أعتقد أن تجربة المهجر, تزيد طينة المبدع صلابة, وتفتح أمامه آفاقًا جديدة ومتنوعة وثرية, لكنه شرط غير ضروري للمبدع, وأغلب المبدعين الكبار مثل ليرمانتوف ورامبو والشابي وليركه وطاغور والماغوط وغيرهم لم يعيشوا تجربة المهجر, لكنهم أبدعوا بشكل فاتن وهم في غربة أنفسهم وأوطانهم الضيقة ومع فساد حكامهم وقسوة حياتهم. الأمر محسوم.. إذا كنت مبدعًا, فأنت ستبدع ولو كنت في سجن منفرد في أقصى الدنيا, وإذا كنت مغشوشًا, فلن يفيدك شيء، ولن يُنتظر منك شيء.
* بعد صدور «غابة الخبز» و«رحلة إلى الجحيم» ما جديد إصدارات كمال العيادي؟
- تصدر لي قريبا أربعة أعمال مهمة: الأولى هي روايتي ومشروعي ورهاني الأكبر، التي ستنشر في أكثر من ألف صفحة على جزأين. والعمل السردي الثاني هو «مذكرات بلبل». والعمل الثالث هو «اعترافات الفتى القيرواني الشقي». والعمل الرابع والمهم هو سلسلة كبيرة من كتب الأطفال المترجمة عن الروسية والألمانية. وستصدر عن إحدى أكبر دور النشر العربية قريبا جدا. فضلا عن مجموعة «أرواح هائمة» التي صدرت منذ أيام قليلة عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».