كمال العيادي: الغرب يريد كتابا «باعة بهارات».. والكتاب صار قفص دجاج

كنا نترجم في القرن الثاني للهجرة ضعف ما ترجمنا في القرن العشرين

كمال العيادي
كمال العيادي
TT

كمال العيادي: الغرب يريد كتابا «باعة بهارات».. والكتاب صار قفص دجاج

كمال العيادي
كمال العيادي

* ما سر غربتك الطويلة والمبكرة خارج الوطن؟ هل كانت هروبا من القيود أم بحثا عن ماذا؟
- خرجت من تونس منذ ربع قرن تزيد سنة، وقبلها خرجت من القيروان، مدينتي العجوز القاسية الملهمة، إلى العاصمة تونس، ضيقا بنسيج أسئلتي المحرجة عن الأصول والماهية والمنابع.
بدت لي المدرسة الصوفية القيروانية أضيق من تسارع أنفاسي ودهشتي البكر التي لا يشبعها غير الأفق الرحب الممتد والمفتوح على أكثر من واجهة. فكان أن سلمتني هذه الرغبة المتوحشة للمعرفة إلى آفاق أبعد. فكان نداء المثالية الماركسية التي تداعت وتهشمت سريعا ومنذ السنوات الأولى لي بموسكو، وضربت من جديد في أرض الله الحرة. وكان لا بد لي من عشرين سنة في ميونيخ، عاصمة الشر والاقتصاد والفلسفة الألمانية، ومختبر هتلر نفسه. ولكنني انتهيت مجددا إلى قناعة ويقين بأن ما ينقص الأخضر ليكون شجرة هو نفسه ما ينقص ألمانيا لتكون موطني ومسكني، حيث أبيض وأبني لي بها عشا. ولم أكن في حاجة لملهم لأعرف أن القاهرة هي وجهتي المقبلة. ولكن الله زاد في إكرامي بأن أرسل ملهمة تؤمن بي وتناديني منذ ربع قرن بالكينغ. وكانت القاهرة مستقري (منذ أربع سنوات). وأتصور أن حياة واحدة لا تكفي لأباغت يوما بنداء الرحيل من جديد.
* «سردوك»، و«المربوع»، و«باريسا»، و«رحلة إلى الجحيم»، أعمال متميزة تحمل توقيعك، أيها أقرب إلى نفسك؟ وهل يمكن اعتبار «رحلة إلى الجحيم» أقرب إلى سيرة ذاتية؟
- أرتاح بصراحة لاستعمال ضمير المتكلم حين أكتب. وهذا مشروع وطبيعي. وهو الأقرب لمنطق من يريد الإقناع بتحريك شخوصه وجعلهم يتقاطعون في عوالم ممكنة وقريبة من الواقع. وأنا أتقاطع مع شخوصي وأومن بها ولا أحقد عليها، ولا يؤذيني أن أمنحها ضميري لتتكلم به وتخربط من خلاله بين الدمعة والضحكة. هذا كل ما في الأمر. أما عن السيرة الذاتية فأنا أحتقر كل كاتب يكتب سيرته الذاتية وهو لم يكمل نصف مشروعه بعد. من حقه أن يكتب سيرة ذاتية ولكن لا ينشرها في كتاب تام وشاهد عليه. من يكتب سيرته الذاتية فهو يكتب وصيته، وعليه أن ينزاح قليلا ليترك مكانه لمن هو في طور عيش، وممارسة سيرته الذاتية التي تنتهي بموته أو تقاعده. أنا أدعو كل كاتب يكتب سيرته الذاتية بإلحاح إلى أن يستقيل قبل ذلك، ويعلن رسميا أن حبره جف ومنابعه يبست. أما أنا فلا دخل لي بالسيرة الذاتية.
ما زال قدامي نصف عمر كامل وأصر عليه. وأنا أبدأ ككاتب حقيقي صبيحة كل مرة يصدر لي فيها كتاب. طبعا، لا علاقة لي بشخوصي، غير أنني خالقها ومحركها ومخرجها من الظلمات إلى النور ومسارح الحياة، رغم أن فيها بطبيعة الحال من سخطي ومن نفسي ومن روحي الكثير. تقاطعا إيجابيا حينا وعكسيا حينا آخر.
* إلى أى مدى تمثل الكتابة الأدبية عن نصوص أجنبية تحديا للكاتب عن الإبداع الخاص ؟ وكيف يهرب من خطر الذوبان فى شخصية صاحب النص الأصلى ؟
- هناك الكاتب وهناك المستكتب. المستكتب جمعه مستكتبون, وهم (كتاّب عموميّون) ومفرده (كاتب عمومي) وهذا طبعًا معرضّ لأن يكون لصًا أو مختلسًا أو في أفضل الأحوال معرض لأن يكون ضحية الإعتداء عليه من طرف الكتاب الكبار الحقيقيون ليتلبسوه ببصمتهم ورائحتهم وأسلوبهم ومرحهم أو تجهمهم, فهؤلاء الطبقة هم من قماش سردي أو شعري شفاف, يظهر ببساطة ويفضح من وراءهم أما النوع الثاني من الكُتّاب, فهم غيلان حقيقيون. لا يتأثرون بأي بصمة أخرى ولا تركب عليهم، بالعكس هم حين يتأثرون بجملة ما أو صورة ما فهم يضيفون إليها.
* كيف تقيم جهود الترجمة في العالم العربي؟ وهل هناك توازن مع الترجمة عن الأعمال العربية في الخارج؟
- بصراحة، حركة الترجمة عندنا ملف مخجل ومربك. أنا أشعر بالشفقة والحزن حين أقرأ أن بلدا صغيرا في حجم علبة السردين مثل إسرائيل يترجم سبعة أضعاف ما يترجم في كل البلدان العربية، وأن بلدا صغيرا جدا مثل النمسا أو حتى ألمانيا، يترجم ثلاثة ملايين عنوان لعمل فني وأدبي في السنة، بين السينما، والبرامج التلفزيونية، وكتب للأطفال، والروايات. بينما نجد أننا لا نكمل العشرة آلاف عنوان في أفضل الحالات. وأضيفي إلى ذلك أن الأغلبية من السادة المترجمين المحترمين، يتحايل ويترجم عن لغة واحدة يتقنها من كل آداب العالم. وبصراحة أنا أنظر بريبة لكل من يترجم عملا إبداعيا عن لغة وسيطة ليست لغته. أنا أعرف من يترجم كل ستة أشهر عملا من لغة جديدة وعملا ضخما فوق ذلك. وفي اعتقادي أن صمته وموته أفضل للأجيال المقبلة من آثار هذه الجرائم. أنا ترجمت لبوشكين وليرمانتوف وكريلوف وغيرهم، لأنني أحسست بحرقة أن أقرأ آثارا تشبه عيون نصوصنا، مثل «كليلة ودمنة» والقرآن و«الأغاني» وغيرها، وهي كتب مترجمة منذ بداية القرن الخامس عشر للروسية، عن طريق المشروع المسيحي الأترودوكسي الكبير في عهد العائلات القيصرية وبداية التجارة مع الشرق. وأحيانا أحتاج لشهر كامل من العمل اليومي من أجل ترجمة قصيد واحد. فكيف يمكن لأحدهم ترجمة كتاب ضخم في ألف صفحة في شهرين؟ وعن لغة لا يتقنها أصلا؟ كل هذا وما زلنا نحبو، رغم أننا كنا في القرن الثاني للهجرة مثلا، نترجم ضعف ما يترجم الآن في القرن العشرين.
* بأي عقل تفكر وأنت تكتب نصا عن لغة أجنبية إلى العربية؟ هل تفكر بالألمانية مثلا أو الروسية أو بلغتك العربية؟
- أفكر وأكتب باللغة العربية في أغلب الأحوال، رغم أنني أحلم كثيرا بالروسية والألمانية. وأفكر طبعا بالألمانية حين يكون خطابي موجها لعقلية ألمانية وقارئ ألماني. ولا تنسي أنني عشت في ألمانيا أكثر بكثير مما عشت في تونس. لكن الأصل هو العربية وهي منابعي ومرجعيتي دائما.
* رغم خلفيتك التونسية ذات الثقافة الفرنسية، لماذا اخترت اللغة الروسية والألمانية؟ وما الذي يميز الكتابات الأدبية في تلك اللغات لمن لا يعرفها؟
- الروسية اخترتها عن قناعة، ودرستها في تونس في المركز الثقافي الروسي وأنا في بداية حياتي. وكان ذلك السبب الذي من أجله وافقوا على تمكيني من منحة سخية للدراسة في روسيا. وقد عشقت حد الهيام هذه اللغة الفاتنة وإلى حد اليوم وبعد ربع قرن من عدم تطبيقها عمليا في كلامي. فأنا أحبذ أن أعبر بعبارة بالروسية حين أتناقش مع زوجتي ورفيقة الدرب، الروائية الكبيرة د. سهير المصادفة التي تتقن الروسية بشكل جيد أيضا. وبالمناسبة اللغة الروسية قريبة جدا في عمقها وثرائها وحميميتها ومبالغاتها من اللغة العربية. أما الألمانية، فقد فرضت علي بصراحة، لأنني حملت جسدي معي كمهاجر هناك في ميونيخ. وكان لا بد لأعيش وأدرس أن أتعلم لغتهم بشكل جيد. والحقيقة أنني اكتشفت عمقها وصرامتها بعد سنوات طويلة من سنوات الجامعة.
* من واقع تجربتك في الغربة، هل يجيد الآخرون التفكير بالأدب العربي؟ بمعنى هل يجد مكانته اللائقة في الغرب؟
- نحن بعيدون سنوات ضوئية عن الغرب، وجدلية الشرق والغرب ما زالت أهم موضوع يشغل الغرب في تطلعاته وانتظاراته للترجمات من العربية، وتثير اهتماماته. ما زال الطيب صالح الروائي المفضل لديهم، لأن لغته طريفة ومفهومة. وما زالوا يريدون باعة بهارات مثل رفيق شامي، وعلاء الأسواني، وينفخون في صورهم ويملؤون كبدهم وأفواههم بالمال والعقود حتى يغروا البقية، ويدجنونهم. وهذا ما يحدث للأسف، حتى عاد الكتاب مثل دجاج الأقفاص الأبيض، أو مثل البيض، كل بيضة تشبه الأخرى، لأنهم يكتبون حسب مطالب الغرب وانتظاراته. من يريد موقفا إنسانيا مع اليهود، ويريدنا وكأننا حيوانات أليفة تقفز وتنط كالنسانيس، وربعنا شهريار والربع الآخر شهرزاد والربع الثالث مسرور السياف، والبقية شخوص ضائعة وخواطر بشرية في مستنقع الرذيلة والسخط أو الإيمان الضال وهكذا.
* وصفوا أعمالك بـ«التعدد الباذخ»، بسبب تنوع إبداعاتك كقاص ومسرحي وشاعر وصحافي. فأين تجد نفسك بين هذه الدروب الإبداعية؟
- أنا غير مخلص لجنس إبداعي واحد. وهذا عيب أقر به، لكن الشعر والسرد هما أكثر ما يشدني ويغريني وخاصة السرد نهارا والشعر ليلا.
* كيف ترى المبدعة العربية وهل لازالت متخلفة فى الركب عن الرجال فى العالم العربى ولماذا ؟ وهل تعانى المرأة الغربية من نفس الإشكالية ؟
- قبل المطالبة بتحرير المرأة العربيّة والكاتبات العربيات بالأخص من ضيق الحصار والشوفينية التي تمارس على إبداعها وخاصة إذا كانت تمسّ التابوهات, علينا بالمطالبة بتحرير عقلية الرجل الشرقي المرضيّة, علينا إعادة توزيع الأدوار, ولنبدأ مثل الغرب من المدرسة,هذا ما ناديت به دائمًا .
* من واقع تجربتك الخاصة فى المهجرهل تعتقد أنه عندما تجبر الظروف المبدع على الهروب خارج الوطن فإنه يبدع أكثر ؟
- أعتقد أن تجربة المهجر, تزيد طينة المبدع صلابة, وتفتح أمامه آفاقًا جديدة ومتنوعة وثرية, لكنه شرط غير ضروري للمبدع, وأغلب المبدعين الكبار مثل ليرمانتوف ورامبو والشابي وليركه وطاغور والماغوط وغيرهم لم يعيشوا تجربة المهجر, لكنهم أبدعوا بشكل فاتن وهم في غربة أنفسهم وأوطانهم الضيقة ومع فساد حكامهم وقسوة حياتهم. الأمر محسوم.. إذا كنت مبدعًا, فأنت ستبدع ولو كنت في سجن منفرد في أقصى الدنيا, وإذا كنت مغشوشًا, فلن يفيدك شيء، ولن يُنتظر منك شيء.
* بعد صدور «غابة الخبز» و«رحلة إلى الجحيم» ما جديد إصدارات كمال العيادي؟
- تصدر لي قريبا أربعة أعمال مهمة: الأولى هي روايتي ومشروعي ورهاني الأكبر، التي ستنشر في أكثر من ألف صفحة على جزأين. والعمل السردي الثاني هو «مذكرات بلبل». والعمل الثالث هو «اعترافات الفتى القيرواني الشقي». والعمل الرابع والمهم هو سلسلة كبيرة من كتب الأطفال المترجمة عن الروسية والألمانية. وستصدر عن إحدى أكبر دور النشر العربية قريبا جدا. فضلا عن مجموعة «أرواح هائمة» التي صدرت منذ أيام قليلة عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة.



ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
TT

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

دعاء

أعدني للكتاب

لاخضرار يدي

كلما لامست ورقة.

أعدني إلى الراقدين على الرفِ

علّي أتشربُ شيئا

من مدادٍ يسيلُ

حين يزحف ضوءُ

أو يبرق رعدُ.

أعدني لعيني

تسفح الضوءَ فوق الحروف

على المتنِ والهامشِ

أعدني لتلك السلاسل،

طينيةً، رمليةً، صخريةً،

ولا تغلق الحرفَ دوني.

أعدني لمكتبة النهرِ

أقرأ أسماءَ موتاهُ

مفروشة على الماء مثل النجوم،

لمكتبةِ الطيرِ

أقرأ ما حمل الريشُ

قدني إلى مدخل البرجِ

أبسطْ يديّ،

أعنْ قدميّ

لأصعد للبرجٍ حيث كتاب أبي...

أمام النهر

قلت: أمضي إلى النهرِ

علّيَ أنسى

شبح البيت، يطرق كل مساء

على الصدرِ...

علّ القواربَ تأخذني

إلى آخر النهرِ

حيث السماء

تتلألأ فوق المياه،

لذاك الضياءِ،

موسيقاه تعزف فوق الضفاف.

قمر جديد

سيهبط فوق الشجر

ويولد ليل جديد.

أتوحد والماءَ،

يصعد نحو السماء

قطرةً...قطرةً.....القوارب تمضي بدوني،

ربما إلى البحرِ،

وأنا أرقب النهرَ...

كان نهراً غريبا.

كأني بيت قديم

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً... حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

-لا أبا لك-

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ - أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ...

كلّ ليلِ.


على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية