«ماجد» و«باسم» و«بلبل» سافروا بالقراء الصغار إلى عالم الحكايات والخيال

مجلات الأطفال لمعت في التسعينات واختار بعضها مواكبة التطور التكنولوجي

حرصت مجلة «ماجد» على مواكبة التطور التقني بتحويل قصصها إلى فيديو على موقعها و«يوتيوب» منها قصص «أمونة المزيونة»
حرصت مجلة «ماجد» على مواكبة التطور التقني بتحويل قصصها إلى فيديو على موقعها و«يوتيوب» منها قصص «أمونة المزيونة»
TT

«ماجد» و«باسم» و«بلبل» سافروا بالقراء الصغار إلى عالم الحكايات والخيال

حرصت مجلة «ماجد» على مواكبة التطور التقني بتحويل قصصها إلى فيديو على موقعها و«يوتيوب» منها قصص «أمونة المزيونة»
حرصت مجلة «ماجد» على مواكبة التطور التقني بتحويل قصصها إلى فيديو على موقعها و«يوتيوب» منها قصص «أمونة المزيونة»

تنوعت مجلات الأطفال في الوطن العربي، واستطاعت أن ترسم البسمة على وجوه القراء الصغار، وأن تفتح لهم باب الخيال. مغامرات وقصص «باسم»، و«سعدان»، و«نوارة»، وعالم البط، و«عم دهب»، و«ميكي»، و«بطوط»، وغيرها من الشخصيات المتخيلة الشيقة تناولتها مجلات الأطفال بين صفحاتها الفاخرة الملونة. ومع التسلية كانت تحوي مضموناً تربوياً هادفاً، في ظل ثقافة عربية خصبة، ترعرعت خلال تسعينات القرن الماضي. تلك الحقبة شهدت سطوع نجم صحافة الأطفال في الدول العربية؛ لكنها سرعان ما فقدت بريقها مع غزو تطبيقات الهواتف الذكية، والألعاب الإلكترونية، التي وجدت إقبالاً من جيل الأطفال والشباب على السواء فهجروا أبطال المجلات ووضعوا أعدادها جانباً.

مجلة «الروضة» هي أول مجلة للأطفال في المملكة العربية السعودية، صدر عددها الأول في عام 1959. ورأس تحريرها طاهر الزمخشري؛ لكنها لم تستمر لأكثر من عامين. ومجلة «حسن» التي صدر العدد الأول منها في 32 صفحة عام 1977 عن مؤسسة «عكاظ للصحافة والنشر»، توقفت عن الصدور، ومجلة «باسم» التي صدرت عام 1987 عن «الشركة السعودية للأبحاث والنشر» وكانت موجهة إلى الطفل السعودي والخليجي في المقام الأول لتزويده بالمعلومات الدينية، والاجتماعية، والثقافية، توقفت هي الأخرى.
لكن منها من اختار الاستمرارية ومواكبة موجة التطور التكنولوجي؛ إذ تعتبر مجلة «ماجد» من أبرز مجلات الأطفال الصادرة في الإمارات، وهي مجلة أسبوعية للأطفال ما بين سن السابعة والرابعة عشرة، وتصدرها شركة «أبوظبي للإعلام»، وصدر العدد الأول منها عام 1979، وتم تدشين موقع إلكتروني للمجلة عام 2009. وقناة «ماجد» على «يوتيوب» عام 2015. وتعد مجلة «العربي الصغير» من أهم مجلات الأطفال في الكويت، وتصدرها وزارة الإعلام بدولة الكويت، وصدر العدد الأول منها في عام 1986، بعد أن كانت تصدر كتيباً يوزع مع مجلة «العربي»، في كثير من دول العالم.
وفي دراسة للباحث المصري أسامة عبد الرحيم حول «تأثير الواقع الثقافي على بناء القيم التربوية في صحافة الأطفال... دراسة تحليلية مقارنة لعينة من مجلات الأطفال في مصر والسعودية»، أعدها عام 1997 بجامعة الأزهر، خلص إلى أن «مجلات الأطفال في العالم العربي ما زالت تعتمد على نسبة كبيرة من الكتابات المترجمة، وتصدرت القيم الدينية المرتبة الأولى في مجلة «باسم» بنسبة 75.1 في المائة... ومن أهم القيم الاجتماعية التي ركزت عليها مجلة «باسم» العلم، والتعاون، والكرم، والعمل، والصداقة واحترام الكبير، والنجاح والطموح، والإصرار والمثابرة، والاعتماد على النفس».
ويقول الكاتب والناقد محمود قاسم، الذي أعد موسوعة «كُتاب الأطفال في العالم العربي» التي أصدرتها إدارة الطفولة بجامعة الدول العربية عام 2004 لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت صحافة الأطفال في السنوات الأولى من القرن العشرين، لكنها تدهورت الآن وتوقف الكثير منها عن الصدور في دول عربية عدة، مثل: سوريا، وليبيا، والعراق، ومصر؛ لأن رؤساء تحرير بعض المجلات ليس لهم صلة بصحافة الأطفال، ولارتفاع تكاليف الطباعة، والاعتماد على القصص المترجمة، ففقدت الكثير من مجلات الأطفال مكانتها وأصبحت بيوتاً مهجورة لا يدخلها أحد».
مضيفاً: تعد مجلة «ماجد» الإماراتية من أفضل المجلات العربية، وذلك بفضل أحمد عمر، رئيس تحريرها لمدة تقترب من الثلاثين عاماً، الذي أعطى المجلة نكهة خليجية في المضمون والأحداث والشخصيات، واستقطب أبرز كتاب الأطفال ورسامي الكاريكاتير فلاقت المجلة رواجاً كبيراً من الأطفال في الوطن العربي؛ لأنها حافظت على خصوصية الطفل الخليجي. مشيراً إلى أنه «من أمثلة الشخصيات المحبوبة في المجلة (كسلان جداً)، و(موزة الحبوبة)، و(فضولي)، و(أبو الظرفاء)، و(زكية الذكية)، و(شمسه ودانة)، و(النقيب فهمان والمساعد خلفان)». وقال: «تستهدف المجلة الطفل الذي يعيش في بيئة محافظة، وتغرس فيه القيم الدينية والوعي الثقافي، والمحافظة على هويته، والاعتزاز بتاريخه العربي، كما واكبت التقدم الاجتماعي الذي شهدته الإمارات في تلك المرحلة، فضلاً عن إنشاء قناة على (يوتيوب)، التي تخطت آلاف المشاهدات، وموقع إلكتروني، فاحتفظت برونقها منذ صدورها حتى الآن».
من جهتها، تقول آمنة الحمادي، رسامة الكاريكاتير الإماراتية، «ابتكرت شخصية (أمونة) التي تعرض على قناة «ماجد» على «يوتيوب»، ويحكي كارتون (أمونة المزيونة) قصة طفلة إماراتية في السابعة من عمرها، تحب اللعب واللهو وتجربة الأشياء الجديدة، وتحرص على أن تكون نجمة المدرسة والمنزل لخفة دمها وشخصيتها القيادية، ويلائم المسلسل الأطفال من عمر 4 إلى 10 سنوات. وهناك برامج أخرى متنوعة تعرض على قناة (ماجد) مثل: (أبطال الغد)، و(أرقام وألوان)، وكرتون (كسلان)، و(النقيب خلفان)».
يُشار إلى أن مجلات الأطفال العربية حملت أسماء أطفال ذكور أو أسماء حيوانات، مثل: «السمير الصغير»، و«سمير»، و«سندباد»، و«ماجد»، و«باسم»، و«أسامة»، وهناك مجلات قليلة تحمل أسماء البنات، ومنها: مجلة «سناء» الليبية، و«قطر الندى» المصرية، وهناك مجلات لأبطال مؤسسة «والت ديزني» مثل: مجلة «توم وجيري»، و«ميكي».
وتعد مصر هي صاحبة النصيب الأكبر في إصدار مجلات الأطفال، وقد اهتمت المؤسسات الصحافية بإصدار مجلات الأطفال للعثور على قارئ إضافي يتمثل في الطفل أو أولياء الأمور. وتعتبر «ميكي»، و«سمير»، و«علاء الدين»، و«بلبل»، و«قطر الندى» ضمن مجلات الأطفال الشهيرة في حقبة التسعينات التي رسمت السعادة على وجوه الأطفال، وأثرت عقولهم بالحكايات المسلية والمغامرات، وقصص الخيال العلمي.
صدرت مجلة «ميكي» أسبوعياً بلغات عدة بترخيص من شركة «والت ديزني»، وكانت تصدر في مصر منذ عام 1959 عن مؤسسة «دار الهلال» الصحافية، ثم توقفت عن إصدارها في عام 2003، وأعادت إصدارها دار «نهضة مصر» في 2004 مع اكتساب الحقوق في مصر فقط، وفي 2011 منحت شركة «والت ديزني العالمية» الأميركية، دار «نهضة مصر» حق توزيع إصدارات «ميكي» و«ميكي جيب» في السعودية، والكويت، وقطر، وسلطنة عمان، والبحرين. ومجلة «سمير» التي تصدر أسبوعياً عن «دار الهلال» منذ عام 1956، تفردت بتلخيص روايات العالم الشهيرة، إلى جانب نشر قصص المغامرات والاهتمام بالشخصيات العربية في الحكايات، مثل: «باسل وزملاء الكشافة»، و«عصام»، وهو اسم الابن الأكبر لماما «لبنى» التي تولت رئاسة تحرير المجلة لأكثر من أربعين عاماً. ومجلة «قطر الندى» التي أعادت إصدارها الهيئة العامة لقصور الثقافة وتحتوي المجلة على قصص متنوعة بعنوان «القطة العجوز»، و«فنجان شاي»، و«الزنبقة الذكية».
وصدرت مجلة «بلبل» عن دار أخبار اليوم منذ عام 1998... أما مجلة «علاء الدين» فكانت تصدر أسبوعياً منذ يوليو (تموز) 1993 تحت إشراف عزت السعدني، لكنها تصدر الآن شهرياً. ويرى الكاتب قاسم، أن «الأطفال في مصر صاروا يتامى ثقافياً بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، فلم يجدوا الاهتمام الكافي بهم، وبخاصة في مجال معارض كتب الأطفال التي توقفت تماماً في مصر وانتقلت إلى دول أخرى، فمثلاً نجد أن مجلة (سمير) لم يطرأ عليها أي تغيير لأكثر من أربعين عاماً حتى عام 2002؛ الأمر الذي يتطلب ضرورة الاهتمام بثقافة الأطفال»، على حد قوله.
من جانبها، تقول أمل فرح، مدير تحرير إصدارات «ديزني» باللغة العربية لـ«الشرق الأوسط»: «مجلات الأطفال أهم بكثير من أجهزة التابلت التي تحد من تنمية ملكات الطفل الذهنية والفكرية، ومجلة (ميكي) لها تاريخ طويل مع القارئ المصري، وتخاطب المجلة الطفل من عمر 7 سنوات إلى 18 عاماً، وتتسم المجلة بمراعاة مفردات الطفل العربي وتفاصيل حياته، وتطبع في شكل فخم على مستوى القطع والورق والمحتوى، لتكون زاداً معرفياً للأطفال، وتدور حكايات المجلة في العلاقة بين عالم البط، لتكريس أهمية العلاقات الأسرية وقيمة التعاون». وتذكر فرح أن المشكلة الحقيقية عدم اقتناع الآباء بأهمية شراء قصص أطفال لأبنائهم اعتقاداً منهم أنها قد تمثل عبئاً على ميزانية الأسرة، فينصحون أطفالهم بمشاهدة قنوات الرسوم المتحركة، وبالتالي ينصرف الأطفال عن القراءة ويكتفون بالألعاب الإلكترونية والمسلسلات الكارتونية. أما الدكتورة نهى عباس، رئيس تحرير مجلة «نور»، فتقول «صدرت مجلة (نور) للأطفال عن المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، وتحتوي المجلة على أبواب تنويرية وتثقيفية وترفيهية، ولها تطبيق تفاعلي على الأجهزة الذكية، وتخاطب المجلة الشريحة العمرية من 8 سنوات إلى 18 عاماً؛ وذلك من أجل بناء شخصية الطفل، وتنمية مهاراته الفكرية والفنية، وحمايته من التطرف، ووقايته من الأخطار التي تسببها الأفلام الأجنبية المليئة بمضامين سلبية كالعنف والقتل والدمار».
مضيفة لـ«الشرق الأوسط»، إن المجلة تحتوي على أبواب متنوعة مثل: «سلة الأفكار»، و«عربة إسعاف نور»، و«كلام للنشر»، وباب «طاقة نور» الذي يهدف إلى محاربة الأفكار المتشددة والفكر المتطرف.
لافتة إلى أنه لتشجيع الأطفال على القراءة، «يجب عدم الاكتفاء بالمجلات المطبوعة فقط، بل يجب علينا توظيف التقنيات التكنولوجية في سرد حواديت الأطفال، وذلك من خلال ابتكار ألعاب الإلكترونية للشخصيات الكارتونية المحببة للأطفال، وإنتاج مسلسلات وأفلام كارتون تحكي قصص ومغامرات الشخصيات الكارتونية، وطرح ألعاب في الأسواق على هيئة هذه الشخوص، وبالتالي نضمن ارتباط الطفل بها فيحرص على تتبع حكاياتها في المجلات المطبوعة والإلكترونية على السواء، وهو ما طبقناه في مسلسل (نور وبوابة التاريخ)، وهو مسلسل تاريخي يتحدث عن علماء العرب والمسلمين، من إنتاج أكاديمية البحث العلمي والأزهر ويذاع في رمضان، إلى جانب تدشين قناة (نور الصغير) التي تخاطب الأطفال من عمر 3 إلى 6 سنوات والتي تعلُم الأطفال الألوان، والحروف، وأغاني أعياد الميلاد»، وذلك وفقاً لما ذكرته د.نهى عباس.
تعليقاً، يقول الدكتور إسماعيل إبراهيم، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام وفنون الاتصال بجامعة 6 أكتوبر (تشرين الأول)، مدير تحرير صحيفة «الأهرام» الأسبق، إنه «رغم التاريخ الطويل لمجلات الأطفال الصادرة في الدول العربية؛ فإنها متأثرة بشكل كبير بالمجلات الأجنبية، فقد توصلت من خلال بحوثي إلى أن مجلات الأطفال تحمل أسماء عربية لكنها أجنبية، ويتضح ذلك جلياً في مجلات (ميكي)، و(سمير) والتي تعد نسخة من المجلات الأجنبية، عدا مجلة (ماجد)».
وأضاف إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»: «يمكن أن تسترد مجلات الأطفال مكانتها في قلوب وعقول الأطفال من جديد، من خلال انتظامها في الصدور، واختيار أبطال قريبين من عقول الأطفال، كما يجب التنوع في فنون الكتابة المستخدمة في مجلات الأطفال، وأن تتناسب مع مراحل نموهم، وقدراتهم العقلية وميولهم، فضلاً عن الاهتمام بالكوادر التحريرية والفنية المؤهلة لتقديم مجلات الأطفال».


مقالات ذات صلة

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق بحث الطرفان خلال اللقاء أوجه التعاون الإعلامي والابتكار الرقمي (SRMG)

وفد قطري يطّلع على تطورات العمل بـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»

استقبلت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، بمقرها في الرياض، الشيخ حمد آل ثاني، المستشار بالمؤسسة القطرية للإعلام، يرافقه عدد من القيادات الإعلامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».