فاسكيز: الطريقة الوحيدة لكشف أكاذيب السياسيين هي رواية قصصنا

الروائي الكولومبي قال لـ «الشرق الأوسط» إن هناك فجوة بين الثقافة العربية والثقافات الأخرى

الكولومبي خوان غابرييل فاسكيز
الكولومبي خوان غابرييل فاسكيز
TT

فاسكيز: الطريقة الوحيدة لكشف أكاذيب السياسيين هي رواية قصصنا

الكولومبي خوان غابرييل فاسكيز
الكولومبي خوان غابرييل فاسكيز

القصة وراء «شكل الأطلال»، أحدث روايات الكاتب الكولومبي خوان غابرييل فاسكيز (1973)، غير قابلة للتصديق إلى حد يجعل من الصعب اعتبارها حقيقية حتى لحظة قراءتها؛ وفي تلك الرواية يلعب المؤلف شخصية رئيسية في الحبكة الدرامية.
حقق الكولومبي خوان غابرييل فاسكيز (1973)، الذي يجمع أسلوبه النثري بين الفلسفة والتأملات والتاريخ والجماليات، حضوراً ملحوظاً في العالم الأدبي بفضل أعماله الإبداعية التي سيستعيد معظمها الأيام المعقدة والعنيفة التي عاشتها كولومبيا بسبب تهريب المخدرات، وما ارتبط بها من عنف سياسي في ثمانينات القرن العشرين. وانتشر فاسكيز عالمياً بعد صدور روايته «صوت الأشياء المتساقطة». وقد صدرت له أخيراً رواية «شكل الأطلال».
هنا حوار معه حول أعماله، وروايته الأخيرة، وتجربته الروائية عموماً:
> أولاً، هل أنت مطلع على السرد العربي العربي؟
- نعم، وإن كان اطلاعاً ضعيفاً. الـ«ثلاثية» لنجيب محفوظ من الأعمال الأدبية التي لطالما كانت مهمة بالنسبة لي دوماً. وعموما، أعتقد أن هناك فجوة تثير الأسى في التواصل بين الثقافة العربية وثقافات البلدان الأوروبية وغيرها، وبخاصة في مجال الرواية. أعتقد أنه على الروائيين البدء في قراءة المزيد عن بعضهم بعضاً.
> هل تعتقد أن للأدب العربي تأثيراً على الأدب اللاتيني؟
- أعتقد أن النسخة الشهيرة من كتاب «ألف ليلة وليلة» كان لها تأثير كبير على غارسيا ماركيز بوجه خاص، وأيضاً على فكرة محددة في الأدب الروائي لأميركا اللاتينية بوصفه نوعاً من الأعمال التي تتسع لكل شيء. ونظراً لأن الرواية التقاء لقصص مختلفة، أعتقد أنه يمكن قراءة «ألف ليلة وليلة» كرواية تصويرية عظيمة مكونة من أحداث مختلفة، وتتضمن بعض الشعر الصوفي، لكن ليس أكثر من ذلك. ربما يكون لها وجود خفي سري لا أعرفه في نفوس المؤلفين، لكن ذلك بسبب جهلي أكثر منه لأي سبب أخر.
> لقد جعلت من تهريب المخدرات والاغتيالات السياسية خلفية لعرض القصص. هل تعتقد أن هذا يثير اهتمام الجمهور؟
- أعتقد أن الموضوعات التي تتناولها رواياتي تستكشف ما وراء الحكايا السياسية والاجتماعية والتاريخية التي تذكرها. نعم، تسلط الروايات الضوء على شكل الحياة في بوغوتا في زمن الإرهاب المرتبط بتهريب المخدرات، وذلك في رواية «صوت الأشياء المتساقطة»، كذلك تعالج الروايات موضوعات مثل جرائم قتل شكّلت القرن العشرين في كولومبيا كما جاء في «شكل الأطلال». لكنها في الحقيقة، تيمات كونية؛ فهو الخوف في «صوت الأشياء المتساقطة»، حيث يتم تصوير الخوف من العنف غير المتوقع، وعدم القدرة على تحمل فقدان الأشخاص الذين نحبهم. إنها أمور تثير قلق الشخصيات كما في رواية «شكل الأطلال». أعتقد أن هذه الأفكار قد تثير اهتمام القراء، ومن العرب بالطبع؛ لأن كل الشعوب لديها هذه القواسم المشتركة.
> إذن، نستطيع أن نقول إنك تنطلق غالباً في روايتك من أحداث واقعية؟
- لطالما كانت رواياتي متجذرة في الواقع، ولها نقطة بداية توثيقية للغاية، فقد ولدت رواية «صوت الأشياء المتساقطة» من لقاءات بيني وبين طيارين هرّبوا مخدرات إلى الولايات المتحدة في السبعينات. وأنطلق أيضاً من ذكرياتي المباشرة لشكل الحياة في كولومبيا خلال السنوات الممتدة من مقتل لارا بونيلا حتى وفاة بابلو إسكوبار.
تدور أحداث روايتي «شكل الأطلال»، وهي الأحدث، حول مقتل الزعيمين السياسيين الكولومبيين خورخي إلييثير غايتان، ورافائيل أوريب، لكن الرواية بالنسبة لي ولدت حين دعاني طبيب، له شخصية فضولية جداً ومقيم في العاصمة الكولومبية بوغوتا، إلى بيته وأراني فقرة عظمية لغايتان كانت في وعاء مملوء بالفورمالدهيد، وجزءاً من جمجمة رافائيل أوريب محفوظتين في منزله. لماذا كان يحتفظ بتلك الأشياء في منزله، وكيف وصلت إليه؟ لماذا يمكن لشخص مدني عادي أن يمتلك تلك الأشياء؟ هذا هو أصل الرواية. لذا؛ دائماً ما تستند الروايات إلى حقائق مادية واضحة، عادة ما تكون مرتبطة بتجربتي الشخصية. إنها روايات تتحدث عن التاريخ والماضي، لكنها دائماً ما تولد من رحم التجربة المباشرة.
> حيث إنك تتحدث عن أحدث رواياتك، لقد اخترت أن يكون المؤلف شخصية من شخصيات الرواية. لماذا استخدمت هذه التقنية، وكيف يختلف الكاتب لديك في الرواية عن الكاتب الحقيقي؟
- كان هذا بسبب القصة التي أخبرتك بها، التي تمثل أصل الرواية، وهي أن رجلاً اقترب مني في عيادة ودعاني إلى منزله ليريني عظاماً لموتى كولومبيين. كان هذا قوياً ومؤثراً للغاية، وأعتقد أن غريزة الرواية وجهتني نحو تقديم شخصية راوٍ يكون على سبيل المثال صحافياً، ومنحه اسماً آخر وإخباره بأن لديه عظاماً لموتى كولومبيين. لقد أردت إخبار القارئ بما حدث بالفعل، لكن تزامنت تلك اللحظة في حياتي مع مولد ابنتَي التوأم، وكان هذا مهماً لأنها كانت ولادة مبكرة، وقضيتا وقتاً طويلاً في الحضّانة. لقد حضرت إلى العيادة لأحملهما وكنت أقول إني لمست بتلك اليدين أيضاً فقرة عظمية لغايتان. ما الذي يعنيه هذا؟ لقد بدا لي أن هناك سؤالاً، هو: هل سترث الفتاتان عنف ماضي كولومبيا؟ لقد ولدت بعد 25 عاماً من موت غايتان، لكني شعرت طوال حياتي بأن مقتل غايتان قد شكّل حياتي. كان هذا السؤال شخصي للغاية إلى حد دفعني إلى أن أجعل الراوي أنا شخصياً.
> بعد اتفاق السلام حدث استقطاب في كولومبيا، ما الدور الذي يمكن للمفكرين الاضطلاع به خلال فترة ما بعد الصراع؟
- يرتبط جزء مهم جداً من الصحة النفسية للبلاد باستعادة الحوار المجتمعي الذي تقوّض بالكامل لأنه فسد وتلوث بشكل غير قابل للإصلاح نتيجة العنف اللفظي، والخطاب، وتدهور النقاش المجتمعي بسبب إساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي. للأسف، لقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة لنشر الأكاذيب والمعلومات المضللة، ويقودني هذا إلى مسألة أخرى مهمة هي هوسي حالياً بالسياسة الكولومبية: السيطرة على ما نسميه القصة. إنها تلك القصة التي نرويها عن حياتنا وتجربتنا، والتي نحاول من خلالها فهم أنفسنا، وموقعنا في العالم.
خلال السنوات القليلة الماضية تمحورت القصة في كولومبيا حول السلام. السلام بعد نهاية نصف قرن من الحرب. لذا؛ أثار ذلك عدداً لا يحصى من النقاشات؛ لأن القصة التي تصف الحرب من منظور ضحية للجماعات شبه العسكرية، ليست هي نفسها التي يرويها ضحية حروب الشوارع، ولا تشبه القصة التي يرويها أحد سكان بوغوتا، تلك التي يرويها أحد سكان المناطق المنسية. نروي جميعاً الكثير من القصص المتباينة. ويحاول السياسيون أن يقنعونا بأن هناك طرفاً هو الكاذب، وأن قصتهم هي الحقيقية. في تلك النقطة نتدخل كصحافيين ومؤرخين وروائيين. أعتقد أن علينا مسؤولية محاولة إتاحة مساحة تتسع لجميع القصص وذلك باستخدام كلماتنا. علينا العثور على قصة مشتركة، أو إتاحة مساحة يمكننا فيها التعرف على الحقيقة الموجودة في قصص الآخر، والقصص التي يرويها لنا الآخرون. هذه هي الطريقة الوحيدة للتصدي إلى الأكاذيب التي حاول السياسيون من خلالها تشويه إدراكنا للعالم والواقع.
> كيف هو حال أدب أميركا اللاتينية اليوم مقارنة بفترة الازدهار؟ هل هناك فترة ازدهار أخرى؟
- لا، لا يمكن أن تحدث فترة ازدهار أخرى، مثلما لا يمكن أن تكون هناك ساعة «بيغ بين» أخرى. مع ذلك؛ هناك جيل من الكتّاب اليوم يستفيد بشكل كبير مما حدث في فترة ازدهار أميركا اللاتينية. إنهم يضعون أدب أميركا اللاتينية في المركز بشكل يتميز عن الأدب المكتوب باللغة الإسبانية الذي بات يمثل مركز عالم الأعمال الأدبية منذ نشر رواية «دون كيخوته» عام 1605.
فجأة نجد غارسيا ماركيز، وخوليو بورغيس، وخوان رولفو، وفارغاس يوسا، يؤلفون أعمالاً أدبية تحدث تأثيراً مباشراً، ليس فقط على القرّاء، بل على الأدب المكتوب في أفريقيا، وآسيا، وأوروبا، والشرق الأوسط. أعرف مؤلفين يقولون إنهم لم يكونوا ليستطيعوا كتابة رواياتهم لولا قراءتهم لرواية «مائة عام من العزلة». اللغة الإسبانية، والنوع الأدبي الذي ورثته مصدره هو «مائة عام من العزلة»، و«محادثة في الكاتدرائية» ليوسا، وهذا الأمر يقدم ثراءً كبيراً. أعتقد أن هناك مجموعة من المؤلفين، وأنا منهم، لا يحتاجون إلى فترة ازدهار للعثور على أميركا اللاتينية في الكلمات، بل يصنعون الازدهار بأنفسهم، ويستكشف بعضنا الماضي طريقةً لفهم الحاضر، مثلما استكشف من قبلنا تاريخ بلادنا. يمكن للورثة التركيز على القصص الخاصة جداً، لكننا جزء من تقاليد ثرية للغاية. لطالما أقول إن ما أتميز به عن غارسيا ماركيز هو أني عندما بدأت تأليف كتبي كان غارسيا ماركيز قد انتهى من تأليف أعماله، إنه لم يكن يعرف ماركيز، بل كان عليه أن يصبح ماركيز. لذا؛ اللغة التي وصلتني كانت أكثر ثراءً، وهذه ميزة، وحظ موفق.
> ما الذي تعكف على كتابته حالياً؟
- أنا أيضاً أتساءل عن هذا الأمر. تظل رواياتي داخلي لسنوات كثيرة قبل أن أبدأ في كتابتها. ظلت رواية «صوت الأشياء المتساقطة» تتكون لمدة عشر سنوات. في هذه اللحظة بداخلي رواية قابعة منذ خمس سنوات، وأخرى منذ ثلاث سنوات، وأحتاج إلى واحدة منهما لتكون الرواية التالية. هناك أمر غير عقلاني؛ هوس يملي عليّ الرواية التالية. كل ما يسعني قوله الآن هو أن هناك قصة عن الجنود الكولومبيين الذين شاركوا في الحرب الكورية. ربما تكون تلك هي الرواية القادمة.
> ما هي كلمتك المفضلة في اللغة الإسبانية؟
- «أزول» (أزرق)، التي لها جذور في اللغة العربية. هناك كلمة أخرى تشبهني حقاً هي كلمة «هيستوريا» (التاريخ)؛ لأنه في اللغة الإسبانية، على عكس اللغة الإنجليزية، تشير هذه الكلمة إلى قصة نرويها أو مجال دراسة الماضي وأنا أحب هذا الأمر. أحب الخلط بين الأمرين في اللغة الإسبانية.
> هل لك أن توصينا بقراءة أعمال لمؤلف من أميركا اللاتينية؟ أعلم بدراستك الرصينة لفارغاس يوسا.
- عندما كنت في العشرين من عمري أردت أن أصبح يوسا حين أكبر. هناك جيل جديد من كتّاب القصة القصيرة مثل سامنثا شويبلين من الأرجنتين، وفاليريا لويزيلي من المكسيك، له قصص قصيرة رائعة. إنهم ورثة مذهلون لما تركه كل من كارلوس فوينتس، وخوليو كورتاثر وبورخيس.
> هل يمكنك التوصية بكتاب نقرأه من كتبك؟
- «صوت الأشياء المتساقطة» من الكتب التي يتزايد عدد قرائها في العالم؛ لأنه يتناول قضايا ومسائل ذات طابع عالمي، وفي الوقت نفسه تمثل جزءاً من تاريخ كولومبيا، وهي في المجال العام أيضاً.


غلاف روايته «شكل الأطلال» بالإنجليزية



إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.