قانون جديد للأملاك في سوريا يبدد آمال عودة اللاجئين في ألمانيا

TT

قانون جديد للأملاك في سوريا يبدد آمال عودة اللاجئين في ألمانيا

تحقيق من برلين أن السوري حسام إدريس يحلم بالعودة إلى مخبزه في مدينة حلب، لكن بعد مرور ثلاث سنوات على هروبه من الحرب يخشى إدريس من أن قانوناً جديداً يسمح للحكومة السورية بمصادرة المنازل ضمن خطط إعادة البناء قد يقضي على أحلامه تلك.
ويقول إدريس (37 عاماً) وهو أب لثلاثة ويعيش في ألمانيا الآن: «نشأت في المخبز. لا أستطيع تخيّل خسارته».
وأشارت «رويترز» إلى أنه على الرغم من أن القانون رقم عشرة (أو المرسوم رقم عشرة) لم يطبق بعد، فإن مجموعات حقوقية وحكومات تستضيف لاجئين سوريين تقول إن اللاجئين عرضة لأن يصبحوا منفيين بشكل دائم إذا خسروا أملاكهم لأن القانون يقوّض الدافع للعودة في يوم من الأيام.
وكان إدريس في السفارة السورية ببرلين من أجل منح توكيل إلى والدته في سوريا حتى تستطيع المطالبة بملكية المخبز وشقته في حي الكلاسة بحلب الذي استعادته الحكومة من مقاتلي المعارضة قبل عامين.
لكنه ليس بمفرده. فقد أدى القانون الجديد إلى تدفق اللاجئين مثله على السفارة.
وقال موظف في السفارة طلب عدم نشر اسمه إنه منذ دخل القانون حيّز التنفيذ في العاشر من أبريل (نيسان)، يزور ما بين عشرة و15 سورياً السفارة كل يوم لمنح توكيلات إلى أقاربهم في سوريا بعد أن كان العدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، بحسب ما أوردت «رويترز».
وتقول مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين إن ستة ملايين سوري نزحوا داخل البلاد بينما يعيش قرابة 5.5 مليون لاجئ خارج سوريا.
وتستضيف ألمانيا نحو 650 ألف سوري، وهو أكبر عدد في أي بلد غربي وتشعر تحديداً بالقلق من القانون الرقم عشرة. وتخشى برلين من أن الرئيس السوري بشار الأسد قد يستغل القانون لتجريف معاقل مقاتلي المعارضة السابقة التي استعادتها الحكومة لتحل محلها ممتلكات عقارية جديدة يسكنها مؤيدو الحكومة.
وقال مسؤول كبير في الحكومة الألمانية: «المرسوم الرقم عشرة مصمم لمصادرة (أملاك) اللاجئين». وأضاف المسؤول الذي جرى اطلاعه على فحوى محادثات يبن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن المسألة: «من الواضح أن هدف الأسد هو إحلال سكان جدد محل القدامى».
وذكرت «رويترز» أن الحكومة السورية قللت من شأن المخاوف من القانون ووصفتها بأنها «حملة تضليل» وتقول إنه ضروري لإعادة بناء المناطق التي دمرتها الحرب وتقنين المواقع السكنية غير المشروعة.
وقالت بعثة سوريا لدى الأمم المتحدة في جنيف الشهر الماضي: «هذا القانون يأتي في إطار برنامج إعادة الإعمار وله صفة تنظيمية تهدف إلى تقنين الأحياء العشوائية في سوريا، ولا سيما في ظل الدمار الذي شهدته الكثير من المناطق التي كانت تحت سيطرة إرهابيين»، بحسب الوصف الذي تستخدمه حكومة دمشق.
وفي المنطقة تستضيف تركيا 3.5 مليون لاجئ سوري، كما يعيش قرابة مليون في لبنان الذي عبّر أيضاً عن قلقه من أن المرسوم رقم عشرة قد يثني اللاجئين السنة بشكل أساسي عن العودة. ولفتت «رويترز» إلى أن القانون كان يمهل في بادئ الأمر أصحاب الأملاك 30 يوماً لإثبات ملكيتهم أو فقدان حقوقهم. ومددت الحكومة السورية هذه الفترة إلى عام في وقت سابق هذا الشهر لتهدئة مخاوف اللاجئين من أن النازحين قد يخسرون منازلهم.
وإلى جانب روسيا، عبّرت ألمانيا عن قلقها من القانون السوري مع شركائها في الاتحاد الأوروبي، وتمكنت من طرح المسألة على جدول أعمال مجلس الأمن. ونقلت «رويترز» عن مسؤول ألماني ثان: «حقيقة أن مجلس الأمن الدولي أولى اهتماماً بهذا المرسوم فهي نقطة انطلاق جيدة.. لكن الضغط على الأسد لعدم تنفيذ القانون ينبغي أن يأتي من روسيا».
وعلى الرغم من أن القانون ينص على أن من حق الأقارب في سوريا أن يطالبوا بالملكية، يقول محامون سوريون إنه لا بد من إقامة توكيل لفرد حتى يتسنى للسلطات معرفة أي قريب هو الوكيل القانوني المختار.
ويقول محامون وجماعات حقوقية أيضاً إن أي شخص يطالب بالملكية يتعين أن يحمل تصريحاً أمنياً. ويقولون إن هذا قد يؤدي إلى حرمان السوريين الذين فروا من معاقل سابقة للمعارضة من حقوقهم.
وقال المحامي الحقوقي السوري أنور البني: «النظام له باع في عمليات المصادرة التعسفية لخدمة مصالحه الاقتصادية والأمنية بل إن المصادرة الجائرة للأراضي كانت من أسباب الانتفاضة». وأضاف: «من الذي سيجرؤ على المطالبة بممتلكات في منطقة كانت تحت سيطرة المعارضة حوّلها النظام إلى ركام لأنه يعتبر سكانها إرهابيين؟ وحتى لو تجرأوا على ذلك فلن يحصلوا على تصريح إذا كان النظام يريد الأرض».
وقالت جماعات حقوقية ومحامون سوريون ولاجئون إن قانوناً سابقاً روّجت له الحكومة على أنه ضروري لإعادة التطوير جرى تطبيقه في مناطق المعارضة لطرد السكان الذين اعتبروا منشقين. وذكروا أن القانون 66، الذي وافق عليه الأسد في 2012 لإعادة بناء الأحياء الفقيرة في دمشق، طُبق في أحياء تقع جنوب غربي العاصمة حيث اندلعت مظاهرات ضد الأسد في بداية الانتفاضة عام 2011، بما في ذلك منطقة بساتين الرازي.
واستخدمت السلطات المحلية الأراضي التي صودرت بموجب القانون 66 في مشروع سكني فاخر يضم 12000 وحدة سكنية افتتحها الأسد في 2016.
والآن يخشى بعض اللاجئين السوريين أن يستخدم القانون الرقم عشرة بطريقة مماثلة في جميع أنحاء البلاد.
وقال سنان حتاحت، وهو خبير في شؤون سوريا بمنتدى الشرق البحثي: «المشكلة ليست في القانون نفسه. المشكلة هي كيف وأين سينفذ». وأضاف بحسب ما أوردت «رويترز»: «إذا كنت تعيش في منطقة معارضة تعرضت للقصف فإنك على الأرجح لن تحصل على تصريح أمني، لذا فإن حقك في الملكية انتهى تلقائياً».
وذكرت فرنسا أن القانون يشكل عقبة خطيرة أمام التوصل إلى حل سياسي دائم للصراع السوري لأنه يسمح بنهب ممتلكات اللاجئين. وقالت أنييس فون دير مول المتحدثة باسم وزارة الخارجية رداً على أسئلة «رويترز»: «هذه مرحلة جديدة في الاستراتيجية الوحشية المتمثلة في تهجير قطاعات بأكملها من الشعب السوري والتي يطبقها نظام دمشق منذ سنوات».
وأشارت «رويترز» في تحقيقها من برلين إلى أن اللاجئين كانوا يقفون في السفارة السورية في غرفة تضم ثلاثة منافذ للخدمات القنصلية تم تعليق صورة للأسد فوق المنفذ الأوسط منها الذي كان يقف أمامه نحو 50 شخصاً بانتظار دورهم. ومن بين حفنة من السوريين الذين وافقوا على الحديث مع «رويترز» عن القانون الرقم عشرة، طلب معظمهم تعريفهم باستخدام أسماء مستعارة قائلين إنهم يخشون على سلامتهم وسلامة أحبائهم في سوريا.
وكان أحد الرجال، الذي فضّل استخدام لقب «أبو أحمد»، في السفارة لإجراء توكيل رسمي لشقيقه حتى يتمكن من المطالبة بمخزن «أبو أحمد» في اليرموك، وهي منطقة في دمشق أنشئت كمخيم للاجئين الفلسطينيين عام 1957، ومثل العديد من المباني في اليرموك، شيّد مخزن «أبو أحمد» - الذي يستخدم لتخزين وبيع مصابيح الإضاءة - بطريقة غير قانونية. والدليل الوحيد الذي بحوزته على ملكيته للمخزن هي شهادات من مسجل عقود.
وقال التاجر البالغ من العمر 47 عاماً: «تعتقد زوجتي أنني مجنون لأنني مهووس بالمخزن. اليرموك دمر بالكامل ونحن محظوظون لأننا خرجنا سالمين».
ولا يحدوه الأمل في أن تمنح الحكومة شقيقه التصريح الأمني إذا أعيد تطوير اليرموك. وقال «أبو أحمد» الذي يعيش الآن في برلين: «أسماؤنا محاطة بعلامة استفهام لأننا من اليرموك. المخابرات لن تعطينا تصريحاً أمنياً لكنني أريد أن أجرب».
ويقدّر المجلس النرويجي للاجئين أن نحو نصف عدد سكان سوريا قبل الحرب والبالغ عددهم 22 مليون نسمة كانوا يعيشون في مناطق حضرية وأن نحو ثلثهم كان يعيش في أحياء فقيرة.
وقالت «أم أحمد» التي كانت تقف بجانب زوجها: «لا يحتاجون إلى قوانين لسرقة ممتلكاتنا. يفعلون ما يشاءون ولا أحد يستطيع أن يوقفهم... دائماً أقول لأبو أحمد انس الماضي لكنه غير قادر على ذلك. يظل يفكر في العودة».
وخارج السفارة في برلين، يتساءل إدريس إن كان طلبه من والدته أن تكون وكيلته في ملكية مخبزه في حلب هو القرار الصحيح. وقال: «إنها مسنة ومريضة وربما لن تعيش أطول من ذلك...إخواني وأخواتي في تركيا، لذا فإن أبناء عمي هم الخيار الوحيد الآخر. لكنهم فقدوا كل شيء وليس لديهم دخل. يبيعون الأراضي التي يمتلكونها بالقرب من حلب بلا مقابل تقريباً كي يظلوا على قيد الحياة. على الأرجح سيبيعون أملاكي أنا أيضاً».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.