انطلاق عملية «النصر الذهبي» لاستعادة الحديدة... وهادي يدعو للحسم

تحرير النخيلة... والميليشيات الحوثية نشرت قناصين على أسطح المنازل وأقامت حواجز ملغمة في الشوارع وحفرت الخنادق وتهدد باستهداف السفن

جرافة عسكرية تفتح الطريق أمام قوات الشرعية قرب حي الدريهيمي المحاذي لمطار الحديدة الدولي أمس (أ.ف.ب)
جرافة عسكرية تفتح الطريق أمام قوات الشرعية قرب حي الدريهيمي المحاذي لمطار الحديدة الدولي أمس (أ.ف.ب)
TT

انطلاق عملية «النصر الذهبي» لاستعادة الحديدة... وهادي يدعو للحسم

جرافة عسكرية تفتح الطريق أمام قوات الشرعية قرب حي الدريهيمي المحاذي لمطار الحديدة الدولي أمس (أ.ف.ب)
جرافة عسكرية تفتح الطريق أمام قوات الشرعية قرب حي الدريهيمي المحاذي لمطار الحديدة الدولي أمس (أ.ف.ب)

أطلقت القوات اليمنية المشتركة المسنودة، بقوات تحالف دعم الشرعية، بقيادة السعودية، فجر أمس، الأربعاء، عملية «النصر الذهبي» لتحرير الحديدة، واستعادة مينائها من قبضة الميليشيات الحوثية، تزامنا مع دعوة رئاسية وأخرى حكومية، للقوات اليمنية من أجل اللجوء للحسم العسكري بعد أن تعثرت السبل السلمية في إقناع الميليشيات بالانسحاب من المدينة ومينائها الحيوي.
وبدأت عملية «النصر الذهبي» بعد انتهاء المهلة الممنوحة للأمم المتحدة من أجل إقناع الميليشيات الحوثية بتسليم ميناء الحديدة، غير أنها فشلت في إقناعهم بتجنب المواجهة العسكرية، لجهة ما يمثله الميناء للجماعة الحوثية من موارد مالية ضخمة، وكمنفذ لتهريب السلاح الإيراني.
وشهدت الساعات الأولى قصفاً جوياً وبحرياً لقوات التحالف، وإنزالاً جوياً للجنود جنوب غربي المدينة. وأكد الجيش اليمني سيطرته على منطقة النخيلة جنوب الحديدة، وكثير من قرى مديرية الدريهمي، فيما شنَّ طيران التحالف العربي غارات، على التحصينات العسكرية الحوثية، وقصف مناطق مفخخة كانت جهزتها الميليشيات لاستهداف المقاومة في النخيلة وقضبة.
وأكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن القوات اليمنية المشتركة، تقدمت شمال مديرية الدريهمي، واقتربت من مطار الحديدة، في ظل تراجع وانهيار في صفوف عناصر الميليشيات الحوثية. وقالت إن القوات المشتركة باتت تطوق مداخل مدينة الحديدة، من ثلاث جهات، في حين أوعزت الميليشيات الحوثية إلى عناصرها بالانتشار فوق منازل المواطنين متخذين منهم دروعاً بشرية، كما نشروا مدرعاتهم في شوارع المدينة، وأقاموا المتاريس على أطرافها، وبدأوا في إطلاق قذائف الهاون ضد القوات المتقدمة.
وقال شهود عيان إن الميليشيا زرعت قناصين في المرتفعات والمباني العالية مثل الفنادق وبعض المساجد داخل المدينة، ونشرت مدرعات وسيارات بمكبرات صوت تدعو الشباب للقتال معهم، ولكن دون جدوى. وأقامت الميليشيا الحوثية حواجز ملغمة في غالبية الشوارع والطرقات في مداخل المدينة، وحفرت خنادق في أماكن عدة، منها شارع الخمسين، والقاعدة العسكرية البحرية ومدينة الأمل باتجاه قرية قضبة التي أصبحت المقاومة على مشارفها.
وهدد قادة الميليشيات الحوثية في تصريحات نقلتها وسائل إعلامهم، بأنهم سيخوضون حرب شوارع في الحديدة، كما هددوا بإعاقة الملاحة الدولية في البحر الأحمر عبر استهداف السفن، ردا على أي تصعيد من قبل القوات الحكومية والتحالف الداعم لها.
وقال العميد ركن صادق دويد المتحدث الرسمي للقوات المشتركة لـ«الشرق الأوسط» إن العملية العسكرية البرية ستكون «خاطفة ومباغتة ومفاجئة للعدو». وأوضح أن الخطة قائمة على تقسيم قوات المقاومة لأربع أقسام، الأول مهمته تأمين الجهة الشرقية للخط الساحلي المحرر بالكامل بما فيه الجاح والفازة، والثاني قوات مهاجمة والثالثة تعزز الهجوم، والأخيرة قوات احتياط.
وقالت المصادر إن البوارج البحرية التابعة للتحالف، استهدفت مواقع وثكنات الحوثيين في منصة العروض وما خلفها شرق مدينة الحديدة، في حين شوهدت سيارات فخمة تقل عائلات حوثية باتجاه صنعاء هرباً من المعارك.
وتقدمت القوات اليمنية المشتركة المؤلفة من ألوية العمالقة وحراس الجمهورية والمقاومة التهامية، إلى أطراف المدينة، وسيطرت على عدد من المناطق في الضواحي الجنوبية، في الوقت الذي تخوض مواجهات متزامنة باتجاه منطقة بيت الفقيه سعياً لقطع الإمدادات الحوثية القادمة من صنعاء وذمار. ودعت قيادة القوات المشتركة، المواطنين إلى لزوم منازلهم، في ظل تأكيدات أن القوات قد أعدت عدتها لتجنيب المدنيين آثار المعارك، في حين طاولت الضربات الجوية وضربات البوارج التابعة للتحالف تحصينات الحوثيين في الدريهمي والمطار وفي بيت الفقيه.
ودعا مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث في تغريدات على «تويتر» إلى خفض التصعيد. وقال إنه يجري اتصالات مكثفة مع مختلف الأطراف من أجل تجنيب الحديدة معركة عسكرية سيكون لها تداعياتها الإنسانية.
ودعا الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، في بيان بثته وكالة «سبأ» الجيش الوطني والمقاومة الشعبية وقوات التحالف الداعمة للشرعية إلى اللجوء للحسم العسكري لتحرير مدينة وميناء الحديدة، بعد أن وصلت الأمور في المحافظة إلى درجة الكارثة الإنسانية.
وقال: «لا يمكن السكوت جراء الممارسات الحوثية وتعنتها في التوصل إلى حل سياسي». وتابع هادي: «كنّا وما زلنا نسعى للحل السلمي المستند على المرجعيات الأساسية الثلاث المتمثلة في المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل وقرارات مجلس الأمن الدولي 2216، وقدمنا الكثير من التنازلات لتجنب الحل العسكري، إلا أننا لا يمكن أن نسمح باستغلال معاناة أبناء شعبنا وجعله رهينة لإطالة أمد هذه الحرب التي أشعلتها الميليشيا الانقلابية».
من جهته قال الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات أن التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن أعد خطة شاملة وواسعة النطاق لزيادة سرعة تسليم المساعدات الإنسانية إلى الحديدة والمناطق المحيطة بها.
وقال قرقاش في سلسلة تغريدات بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: «تم تخزين الغذاء والإمدادات الأساسية وإعدادها للتدخل الفوري». وأضاف: «لدينا سفن وطائرات وشاحنات مزودة بالمواد الغذائية والأدوية لتلبية الاحتياجات الفورية للشعب اليمني».
إلى ذلك، أوضح وليد القديمي وكيل أول محافظ الحديدة لـ«الشرق الأوسط» أن تقدم المقاومة لتحرير ميناء الحديدة وكل مديريات تهامة وساحلها وموانئها في الصليف واللحية وابن عباس، جعل الميليشيات في تخبط كبير حيث حاولت تسليح بعض الشباب من أبناء تهامة وبعض قاطنيها من المحافظات الأخرى.
وشدد على أن السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة في اليمن هو انسحاب الحوثيين من المدن اليمنية كافة، تطبيقاً لقرار مجلس الأمن الدولي 2216، وقبولهم بالتفاوض كحزب سياسي يمني، وليس لميليشيات تابعة لإيران. وقال إن «السبيل الأمثل لتفادي تفاقم الأزمة الإنسانية هو تسليم ميناء الحديدة لإدارة الأمم المتحدة... وهو ما رفضه الحوثيون خلال فترة المبعوث الأممي السابق إسماعيل ولد الشيخ أحمد عام 2017، ورفضوا اقتراح المبعوث الحالي مارتن غريفيث بتسليم الميناء للأمم المتحدة أو لإدارة طرف محايد (شركة إدارة موانئ عالمية)».
وقال القديمي: «بتحرير ميناء الحديدة ستكون الحكومة الشرعية والتحالف العربي قد أمنت الخط الملاحي الدولي، وحمت السفن من استهداف الميليشيات»، مشيرا إلى أن الحوثيين المدعومين من إيران استغلوا سيطرتهم على ميناء الحديدة لفرض ضرائب غير شرعية والإتاوات على السفن والشحنات التجارية، لتمويل عدوانهم على السعودية والشعب اليمني، وتهريب الأسلحة بما في ذلك الصواريخ الباليستية التي أطلقت أكثر من 149 منها باتجاه المملكة.
وأكد أن تحرير الميناء سيتيح استقبال المواد الإغاثية وتوزيعها إلى مستحقيها لكل أرجاء اليمن دون استثناء، عكس ما كانت تقوم به الميليشيات الحوثية من ممارسات تسببت في تعطيل ومنع وصول المساعدات الإنسانية، والبضائع التجارية، لمناطق كثيرة، ما أدى إلى أزمة وقود، وأزمة في المواد الغذائية، وأثر على سير أعمال محطات كهرباء المستشفيات وعلى حياة الشعب اليمني بشكل عام.
وأشار إلى أن استعادة ميناء الحديدة وتسليمه للحكومة الشرعية وإشراف التحالف على دخول السفن وخروجها سيؤدي إلى تدفق المزيد من الشحنات الإغاثية والغذائية والتجارية، وستجري عمليات التفتيش الضرورية في الحديدة الأمر الذي سينعكس إيجاباً على رغبة رجال الأعمال والشركات اليمنية للتوريد من خلال هذا الميناء.
في هذه الأثناء، أكد الدكتور أحمد عبيد بن دغر رئيس الوزراء أن النصر على الميليشيا الحوثية الإيرانية قادم لا محالة وأن الدولة الاتحادية الذي اتفق حولها اليمنيون في مخرجات الحوار الوطني هي الطريق الوحيد والضامن لخروج اليمن من هذه الأزمة، داعياً الجميع إلى الالتفاف حول الشرعية وقائدها الرئيس عبد ربه منصور هادي والمضي قدماً في استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب. وقال رئيس الوزراء لوكالة «سبأ» بمناسبة الذكرى الثالثة لتحرير العاصمة المؤقتة عدن من الميليشيا الحوثية الإرهابية: «كنّا قبل ثلاث سنوات نقاتل من أجل تحرير عدن واليوم أصبحنا نقاتل على أعتاب صنعاء والحديدة وتعز ونحقق انتصارات كبيرة متتالية ستتوج باستعادة الدولة والمحافظات كافة من قبضة هذه الميليشيا».
وأضاف أن «تحرير عدن حافظ على الجمهورية والدولة الاتحادية وأسقط مشروع الإمامة الكهنوتية، وكان هناك خطر داهم على بلادنا والمنطقة العربية والعالم من إيران وأذرعها الإرهابية، ولكن التحالف العربي أوقف ذلك التهديد وحقق انتصارات عظيمة أدت إلى تحرير 85 في المائة من الأرض». وأكد بن دغر أن «العالم وقف مع اليمن لمواجهة خطر الميليشيا والتهديد الإيراني للملاحة الدولية، ولهذا لن يكون هناك أي تفاوض خارج المرجعيات الثلاث المتمثلة في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني وقرار مجلس الأمن الدولي 2216 ونحن نمد يدينا لسلام على هذا الأساس».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.