أول تدوين لنوتة موسيقية في السعودية كان قبل 204 سنوات

فك الموسيقي والفيزيائي جورج فيتالي رموزها ومن ثم عزفها

رقص وغناء في رسم للرحالة والمستكشفة الإنجليزية الليدي آن بلنت
رقص وغناء في رسم للرحالة والمستكشفة الإنجليزية الليدي آن بلنت
TT

أول تدوين لنوتة موسيقية في السعودية كان قبل 204 سنوات

رقص وغناء في رسم للرحالة والمستكشفة الإنجليزية الليدي آن بلنت
رقص وغناء في رسم للرحالة والمستكشفة الإنجليزية الليدي آن بلنت

منذ الأزل، لا شيء يمكن أن يوقف نهر الموسيقى المتدفق. ولا تتوقف الأبحاث في تاريخية الموسيقى عن التقدم، كان من أواخرها اكتشاف أول نوتة موسيقية في تل أوغاريت عام 1949م وهي عبارة عن 36 لوحاً (رقيماً) تعود لأكثر من 4400 عام، وقام الموسيقي والفيزيائي جورج فيتالي بفك رموزها ومن ثم عزفها، وهي لأقوام عربية ساميّة.
ولا يفوت المطلع على تاريخ المملكة العربية السعودية القديم والحديث وجود الغناء والموسيقى بين ثنايا نصوص كتب التراث أو كتب الرحالة والنقوش الحجرية، فقد كان الغناء جزءاً هاماً في التكوين الحضاري لإنسان الجزيرة العربية، منذ أن وُجد على أرضها وحتى الآن؛ جسدها في أشعاره ونثرياته ورسمها على صخور بلاده.
وقد وقعت عيناي على أولى النوتات الموسيقية في السعودية التي تم تدوينها بيد الرحالة الغربي جون لويس بوركهارت (John Lewis Burckhardt) عندما زار منطقة الحجاز عام 1814م، أي قبل 204 سنوات. فجاء في كتابه «ترحال في جزيرة العرب» (Travel in Arabia)، والمطبوع سنة 1829م، في صفحة 82 ما معناه: «تجلس النساء في المساء، وفي مكان يبعد مسافة قصيرة عن الخيام ويكون إلى الخلف منها، ويقسمن أنفسهن إلى جوقات، وعدد الجوقة الواحدة ست نساء، أو ثمان، أو عشر، وتبدأ جماعة من هذه الجماعات في ترديد الأغنية، وتروح الأخريات تردد بعدها. وهذا النوع من الغناء يطلق عليه (البنات يلعبن السمر)».
وسوف ننتظر 66 عاماً حين زارت الرحالة والرسامة والمستكشفة الإنجليزية الليدي آن بْلَنْت (Lady Ann Blunt) السعودية في عام 1875م، بهدف البحث عن الخيل العربي، ووضعت كتاباً سمته «الحج إلى نجد - موطن العرق العربي» A Pilgrimage to Nejd) the cradle Of the Arab race)، وقد وصفت فيه مشاهداتها القيمة عن أحوال الجزيرة العربية حيئذ، عن الإنسان وعاداته وطبيعة ثقافته وعن قيمة فنه.
ومن ضمن ما خطته نوتات موسيقية تُعد من أقدم النوتات عن الفن الغنائي والموسيقي في المملكة العربية السعودية: «في المساء سمرنا معهم على الرقص والغناء، الذي شارك فيه دواس والجنود (....) وراحوا يغنون لحناً مهيباً ويرقصون رقصاً مهيباً أيضاً... ثم يحدث هتاف ابتهاج مرة أو مرتين، بنغمة واحدة وبتركيز واحد. كانت الألحان في معظمها من النغمات الواضحة في موسيقى الجزيرة العربية».
ثم لا نلبث غير 9 أعوام، أي عام 1884م، حتى يطل على الجزيرة العربية الرسام المستكشف الرحالة الألماني يوليوس أوتنغ (Julius Euting)، وكان باحثاً عن الآثار والنقوش، والتقى مع زميله الآخر الرحالة شارل أوغست هوبر Charles Auguste) Huber). وضع أوتنغ كتابه في جزأين عبأه بتفاصيل مدهشة عن قصة حياة الإنسان في جزيرة العرب سماه «رحلة إلى داخل جزيرة العرب»Tagbuch einer Reise in Inner - Arabien.
وقد وصف بدقة متناهية كيف كان الرقص والغناء في السعودية قبل 134 سنة عند رؤيته رقصة في منطقة نجد، عبارة عن صف من الفتيات مقابل صف من الفتيان، وبينهما فتاتان مكشوفتا الرأس تتمايلان في وصف يندر أن نجده في أي سِفرٍ كان: «عندما كانت الشمس تميل إلى الغروب شاهدنا رقصة متميزة لم تتح لي الفرصة لمشاهدتها مرة ثانية في كامل الرحلة. في السهل في ساحة واسعة حيث تشكل أسوار الحدائق زاوية منفرجة، كانت تقدم رقصة غريبة عجيبة. على مسافة عشرين خطوة من بعضهما كان هناك صفَّان يقفان في مواجهة بعضهما البعض، على الجهة الأولى نحو اثنتي عشرة فتاة، وفي الأخرى عدد متماثل من الشباب. وفي الوسط بين الصفين كانت ترقص فتاتان مكشوفتان الرأس وشعرهما مسرح نحو الخلف، وهما تنظران بأدب إلى الأرض. وبخطوات قصيرة راقصة وبذراعين مفتوحتين كانتا تتقاربان وتتباعدان. وفجأة أدارت كل منهما ظهريها للأخرى، وألقت رأسها بإيقاع إلى الخلف، بحيث إن الشعر الطويل لكل منهما صار يتأرجح قبالة شعر الأخرى. بينما كان الشباب المقابلون لهن يقفون متراصين كتفاً بكتف يغرزون سيوفهم أمامهم ويحركون أجسامهم جيئة وذهاباً وهم يغنون لحناً متسارعاً».
ولعل هذا الوصف وهذه النوتات (المنشورة صورها هنا) تكون محرضاً لوزارة الثقافة الجديدة في المملكة العربية السعودية في محاولة فك هذه النوتات القديمة ودراستها، ومن ثم إعادة توزيعها موسيقياً، وفق الأنغام نفسها وكذلك وفق الرقصات نفسها بين شباب الوطن، الذي بعُد حيناً من الدهر عن إرثه الموسيقي واللحني، فهل سنرى قريباً إعادة إحياء ما دوَّنه الرحالة، خصوصاً آن بلنت وكذلك يوليوس أوتينغ، ونشاهده على خشبة مسارحنا في القريب العاجل؟
فنحن ندرك أن تاريخ الجزيرة العربية والسعودية بشكلٍ خاص لم ينقطع منها يوماً فن الغناء والرقص منذ بدء التاريخ، فنشاهد أن أجدادنا قد دونوا رقصاتهم وغناءهم في صخور الجبال، وكان آخر الاكتشافات ما دونه سليمان بن عبد الرحمن الذييب تحت عنوان «الحياة الاجتماعية قبل الميلاد في ضوء النقوش الثمودية في منطقة حائل»، والصادر عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بتاريخ أبريل (نيسان) 2018. فقد أوحت النقوش إلى أنه لا يخلو أي مجتمع من الترفيه وممارسة الفن الراقي المتمثّل في الغناء والرقص، كما أشار أحد أجدادنا وكان اسمه «أحد» إلى ممارسته الرقص الشعبي والغناء، كما في النقش رقم 112.
أو «بلَ» الذي مارس الغناء الجماعي المختلط، كما دلَّ عليه الرسم الصخري المرفق، وهو «لبل هنب»، فكان يُغني ويرقص بشكل جماعي ومختلط مع إحدى فتيات القبيلة نقش رقم 113.
ومن هنا يجب أن نقلع عن القول بأن جزيرة العرب بلد صحراوية جافة وناشفة المشاعر وقاسية العواطف. فقد أبرزت عكاظ الفن في جزيرة العرب عندما تم غناء المعلقات الشعرية لفحول شعراء العرب، واشتهر صداها في كل أرجاء الجزيرة. فهذا ابن عبد ربه في «العقد الفريد» يقول إن أصل الغناء ومعدنه في أمهات القرى من بلاد العرب ظاهر وفاشٍ، وهي المدينة والطائف وخيبر ووادي القرى ودومة الجندل واليمامة، وهذه القرى هي مجامع أسواق العرب، وقد استمر هذا النهج الغنائي حتى عصر الرحالة بوركهارت الذي أسهب في تأصيل الحالة الغنائية والموسيقية في الحجاز ونجد.
ولا غرو فقد قالت العرب إن الغناء أبو الشعر، وإن الحداء أول الغناء وكان قد أوجده جد العرب الأول مضر بن نزار بن معد كما أورده المسعودي والطبري. ونحن نعرف أنه كان للرسول صلى الله عليه وسلم حادٍ مثل الصحابي أسلم (أسد الغابة: 92-1). وفي إشارة أخرى، فعن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وغلام أسود يقال له أنجشة كان عبداً أسود حسن الحداء يحدو بالنساء، فحدا بأمهات المؤمنين في حجة الوداع فأسرعت الإبل، فقال عليه الصلاة والسلام: «رويدك يا أنجشة، رفقاً بالقوارير» رواه الشيخان (صحيح مسلم).
ولعل من الغريب أن البعض قد لا يعرف أن الشاعرة الخنساء كانت تُغني قصائد رثائها بمصاحبة آلات الموسيقى المتوفرة آنئذ، وكذلك كانت سيدة قريش هند بنت عتبة حينما غنت بمصاحبة فرقة موسيقية في بدر وغيرها، وقبلهما غنت السيدة الشديدة الكرم عنبة بنت عفيف أم حاتم الطائي وجدة عدي بن حاتم.
ومهما يكن، فلم تغب آلات الموسيقى العربية منذ ما قبل العصر الجاهلي (مثل المزهر والمعزفة والمزمار والدف والمُوتر والجلاجل والناقوس والعود... الخ حتى هذا الوقت وإن اختلف بعض المسميات).
إن ركن الأدب العربي كان ولا يزال الشعر، وهو لا يتم إلا بالغناء والرقص تتوارثه الأعراب في جزيرتهم جيلاً بعد جيل، ودليل ذلك أن فن الحداء الذي ابتدعه جد معد الأكبر مضر بن نزار بن معد استمر بإنشاده عبر العصور أمثال الشاعر امرؤ القيس وأمثال الشاعر الإسلامي قيس بن الملوح وصولاً إلى الشاعر ابن سبيل ومحمد الأحمد السدير لم تقطعه الأجيال غناءً وشعراً ورقصاً.

- كاتب وباحث سعودي



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.