قمة ترمب ـ كيم التاريخية تفتح فصلاً جديداً في العلاقات

بومبيو يعرض ضمانات أمنية «فريدة» مقابل نزع السلاح النووي... ورئيس كوريا الجنوبية يتوقع سنوات لحل القضايا العالقة

ترمب وكيم خلال قمتهما في سنغافورة صباح اليوم (رويترز)
ترمب وكيم خلال قمتهما في سنغافورة صباح اليوم (رويترز)
TT

قمة ترمب ـ كيم التاريخية تفتح فصلاً جديداً في العلاقات

ترمب وكيم خلال قمتهما في سنغافورة صباح اليوم (رويترز)
ترمب وكيم خلال قمتهما في سنغافورة صباح اليوم (رويترز)

حلت المصافحات والابتسامات محل التجارب النووية وتهديدات «النار والغضب» اليوم، في سنغافورة التي شهدت أول لقاء بين رئيس أميركي وزعيم كوري شمالي.
وصافح دونالد ترمب الزعيم الكوري كيم جونغ أون على خلفية أعلام كورية وأميركية، في حدث تاريخي قد يغير وجه شبه الجزيرة الكورية. وتوقع ترمب «نجاحا هائلا» للعلاقة مع كيم، فيما اعتبر الأخير أن الجانبين تجاوزا «عراقيل عدة».
وبدت ملامح تقارب بين البلدين واضحة قبل انعقاد القمة، مع تأكيد البيت الأبيض أن التقدم المحرز أسرع مما كان متوقعاً، وعرض وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ضمانات أمنية «فريدة» على بيونغ يانغ. ومن جهته، اعتبرت وسائل الإعلام الكوري الشمالي أن القمة تدشن «عصراً جديداً».
وعقدت القمة صباح اليوم في فندق «كابيلا» الفخم في سنغافورة. واجتمع ترمب بكيم لمدة 45 دقيقة بوجود المترجمين فقط، ثم ينضم المسؤولون من الجانبين، في اجتماع موسع لمدة ساعة أخرى. ويشارك في اللقاء الثاني من الجانب الأميركي مايك بومبيو وزير الخارجية، وجون كيلي كبير موظفي البيت الأبيض، ومستشار الأمن القومي جون بولتون، وسارة ساندرز المتحدثة باسم البيت الأبيض، والسفيرة سونغ كين، ومسؤول آسيا في مجلس الأمن القومي مات بوتنغر. وقد أثار بولتون سابقاً غضب كوريا الشمالية بتصريحات قارن فيها بينها وبين نزع السلاح النووي الليبي. ولم يكن بالإمكان تخيل عقد هذه القمة قبل بضعة أشهر فقط، عندما كان ترمب وكيم يتبادلان الاتهامات والإهانات.
وقال ترمب، في أثناء اجتماع عمل على مأدبة غداء مع رئيس وزراء سنغافورة لي هسين لونغ: «أعتقد أن الأمور ستتم بشكل جيد جداً». وتحدث الرئيس الأميركي مع الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي إن، ورئيس الوزراء الياباني شينزو آبي عبر الهاتف. وعبر أمس عن ثقته بنجاح القمة وحماسته، في تغريدة قال فيها: «سعيد لأنني في سنغافورة، هناك حماس في الأجواء». وفي هذه الأجواء الإيجابية، احتفل ترمب بعيد ميلاده مبكراً، بكعكة قدمها له وزير الخارجية السنغافوري.
وعمد فريق ترمب إلى إعطاء صورة مشجعة عن المفاوضات، التي التزم الجانب الكوري الشمالي الصمت حيالها. ومساء أمس، أعلن البيت الأبيض، في بيان، أن «المحادثات بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية تجري بشكل أسرع من المتوقع». وأضافت الرئاسة الأميركية أن ترمب سيعقد مؤتمراً صحافياً، يغادر بعده سنغافورة مساء اليوم، قبل يوم مما كان متوقعاً، مستبعداً كما يبدو يوماً ثانياً من المحادثات التاريخية مع الزعيم الكوري الشمالي.
وأعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الذي التقى كيم مرتين في بيونغ يانغ: «أنا متفائل جداً إزاء فرص نجاح» أول لقاء بين الرئيس الأميركي والزعيم الكوري الشمالي. وفي مؤتمر صحافي عقده أمس، أعلن بومبيو، الذي لا يعطي كثيراً من التفاصيل، أن الولايات المتحدة مستعدة لتقديم «ضمانات أمنية فريدة ومختلفة» عن تلك التي عرضتها حتى الآن على بيونغ يانغ مقابل نزع أسلحتها النووية «بشكل كامل، ويمكن التحقق منه، ولا عودة عنه».
وتعتبر القمة التي تُبرز على الساحة الدولية زعيم نظام منغلق للغاية، تُعدّ تنقلاته خارج بلاده على أصابع اليد الواحدة، تنازلاً كبيراً من جانب الولايات المتحدة. وأوضح الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، بوريس توكاس، لوكالة الصحافة الفرنسية: «منذ 25 عاماً، تحاول كوريا الشمالية الحصول على لقاء مع رئيس أميركي في أثناء أدائه مهامه».
وتمحورت النقاشات حول طموحات بيونغ يانغ النووية، التي تخضع لعقوبات دولية صارمة فرضها مجلس الأمن الدولي على مر السنوات والأزمات. وعبر مون جاي إن، من جهته، عن ثقته بنجاح لقاء اليوم، داعياً إلى تجنب الانتظارات المبالغ بها، وأضاف: «حتى لو بدأ الحوار بينهما بسرعة، يجب على الأرجح (إجراء) حوار على المدى الطويل، قد يستغرق سنة أو سنتين، أو حتى أكثر، لحلّ المسائل المطروحة على الطاولة بشكل كامل».
وتحدثت وكالة أنباء كوريا الشمالية الرسمية، في تقرير حول تنقلات زعيم بيونغ يانغ، عن بزوغ «عصر جديد»، مؤكدة أن جدول أعمال القمة سيشمل إضافة إلى نزع الأسلحة النووية «آلية للمحافظة على السلام الدائم والمستدام في شبه الجزيرة الكورية». ورأى مسؤول أميركي كبير في هذه الجملة «رسالة تفاؤل».
لكن المطلب الأميركي يتركز منذ سنوات على الموقف الكوري الشمالي المتعنت. ففي عام 1994، وبعدها في 2005، أبرمت اتفاقات لكن أياً منها لم يتم تطبيقه فعلياً، وكثفت كوريا الشمالية منذ 2006 تجاربها النووية والباليستية، حتى التصعيد الخطير العام الماضي.
ويعول ترمب، خلال لقائه مع كيم، على حدسه ومهارات التفاوض التي يفخر بها. وفي حين تحدثت الإدارة الأميركية عن اتفاق تاريخي سيبرم في 12 يونيو (حزيران)، عملت أخيراً على التخفيف من مستوى التوقعات، مشيرة إلى بدء «عملية» غير مسبوقة.
ولا تزال بنود الاتفاق الذي يعمل على التوصل إليه هي نفسها كما كان الأمر في السابق: نزع تدريجي للأسلحة النووية مقابل دعم اقتصادي وضمانات أمنية للنظام المعزول، ومعاهدة سلام تنهي رسمياً الحرب الكورية (1950 - 1953).
ويشير المراقبون إلى صعوبة التفاوض مع كوريا الشمالية بخصوص برنامجها النووي. ففي الوقت الذي تستهدف فيه الولايات المتحدة القضاء التام على قدرات كوريا الشمالية النووية، ووقف تجاربها النووية، يرى النظام الكوري الشمالي أن «نزع السلاح النووي» يعني فقط وقف تطوير بيونغ يانغ لهذا السلاح، والحفاظ على كل التقدم الذي أحرزته على مدى العقود الماضية. وقلل المراقبون من توقعاتهم لنتائج القمة، مشيرين إلى أن الهدف الواقعي هو أن يوافق الطرفان على إجراءات لبناء الثقة الأولية. ولا يعتقد الخبراء أن بيونغ يانغ ستتخلى ببساطة عما حققته من تكنولوجيا نووية أصبحت محورية في الهوية الكورية الشمالية، وتطالب بعدة شروط، منها إنهاء الوجود العسكري الأميركي في كوريا الجنوبية.
ويقول مايكل كوفرينغ، كبير المستشارين بالمجموعة الدولية لمعالجة الأزمات، إن «الخطر الأعظم هو الحصول على اتفاق سياسي خلال هذه القمة، ولقاء وصور يبدو فيه القادة مبتسمين ومتفائلين، ثم بعد ذلك ينهار كل شيء حينما تتم مناقشة التفاصيل»، ويضيف أنه «لهذا السبب، نحتاج إلى عملية واضحة، خطوة بخطوة، تسير باتجاه خلق بيئة أمنية يرغب خلالها الكوريون الشماليون بالفعل في اتخاذ خطوات حقيقية، وتكون الولايات المتحدة في وضع يمكنها من مراقبة والتحقق من هذه الخطوات».
ويتابع كوفرينغ أنه حتى إذا خرج الكوريون الشماليون من القمة قائلين إنهم ملتزمون بنزع السلاح النووي، فإن ذلك لا يضمن أي شيء لأن النظام الكوري الشمالي وعد بذلك في السابق، ولم ينفذ تعهداته. لذا، سيشكل أسلوب رصد امتثال بيونغ يانغ لتعهداته التحدي الحقيقي للقمة والاتفاقات التي تخرج منها.
وبدوره، يرى فيكتور تشا، البروفسور في جامعة جورج تاون مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية CSIS، أن القمة قد تكون مجرد حيلة كورية شمالية أخرى للحصول على تنازلات من الجانب الأميركي، وقد يكون يتبع فقط النهج الذي اتبعه أسلافه في محاولات اجتماعات السلام السابقة.
والتحدي الأكبر سيكون في الاجتماعات اللاحقة بين بومبيو ونظيره الكوري الشمالي، حول التفاصيل والخطوات والتوقيت لتنفيذ نزع السلاح النووي الكامل، الذي تقول واشنطن إنه يمكن التحقق منه، ولا رجعة فيه.



بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».


ترمب يدعو إلى «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدعو إلى «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخميس إلى إبرام «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا، وذلك بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت» آخر معاهدة للحد من الأسلحة النووية بين البلدين.

وكتب الرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال»: «بدلاً من تمديد معاهدة نيو ستارت، ينبغي أن نطلب من خبرائنا النوويين العمل على معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة يمكنها أن تدوم في المستقبل».

وانتهت مفاعيل معاهدة «نيو ستارت» الخميس، ما يشكّل نقطة تحوّل رئيسية في تاريخ الحدّ من التسلح منذ الحرب الباردة، ويثير مخاوف من انتشار الأسلحة النووية.