شبل... بيان مبكّر من أجل إسلام تنويري

الباحث الجزائري يقدم سبعة وعشرين مقترحاً لإصلاح الأوضاع

مالك شبل
مالك شبل
TT

شبل... بيان مبكّر من أجل إسلام تنويري

مالك شبل
مالك شبل

بداية سوف أطرح هذا السؤال: ماذا سيبقى من مالك شبل الذي رحل مبكراً قبل الأوان (63 سنة فقط)؟ والجواب: تبقى مؤلفاته، وهي عديدة وغنية. ثم يبقى بالأخص هذا المصطلح الذي شهره أو اشتهر به: إسلام الأنوار أو إسلام التنوير. وقد كرس له كتاباً كاملاً هو: «بيان من أجل إسلام الأنوار».
وللقيام بذلك ينخرط مالك شبل في دراسة طويلة عريضة عن الموضوع تتجاوز المائتي صفحة. وهو يبتدئ كتابه بمقدمة عامة تحمل العنوان التالي: هل إسلام التنوير شيءٌ ممكنٌ يا تُرى؟ بمعنى آخر إذا كنا قد فهمناه جيداً: هل يمكن أن ينتصر الفهم التنويري للإسلام على الفهم الإخوانجي الداعشي الظلامي السائد حالياً؟ والجواب هو بالطبع بالإيجاب. فمن دون انتصار إسلام الأنوار على إسلام الإخوان لن تقوم للعرب قائمة ولن يحظوا بأي احترام على مسرح التاريخ بين الأمم.
ثم يقدم الباحث الجزائري بعدئذ سبعة وعشرين مقترحاً لإصلاح الأوضاع داخل العالم الإسلامي. وأول مقترح يقدمه هو ضرورة بلورة تفسير جديد للنصوص الإسلامية المقدسة من قرآن كريم وحديث نبوي شريف وكذلك كتب الفقه والتشريع والعقائد. ففي رأيه أن التفسير السائد حالياً حرفي جداً وسطحي وخاطئ في معظم الأحيان لأنه لا يهتم إلا بالقشور ولا يفهم جوهر الرسالة القرآنية أو الإسلامية. كما أنه أصبح قديماً بالياً لم يعد يقنع أحداً ولم يعد يخاطب العصر. ولذلك وجب على المثقفين وعلماء الأمة أن يقدموا تفسيراً علمياً جديداً يليق بالحداثة والعصر والقرن الحادي والعشرين. فنحن لا نستطيع أن نعيش إلى الأبد على تفسيرات قديمة، متحنطة، متكلسة، متحجرة، عفا عليها الزمن... نحن لا نستطيع أن نعيش إلى الأبد على فتاوى القتل والذبح والتكفير التي روّعت العالم.
أما المقترح الثاني الذي يقدمه شبل فيتلخص في العبارة التالية: تأكيد تفوق العقل على كل أشكال التصورات والاعتقادات الأخرى. فالعقل هو القاسم المشترك الأعظم بين البشر. أما المذاهب والعقائد فتبقى خصوصية ومحصورة في أتباعها فقط مهما اتسع نطاقها. أما على أرضية العقل فيلتقي الإنسان الإنجليزي والعربي والصيني والروسي، إلخ... وهذا ما اكتشفه أبو العلاء المعري قبل مالك شبل وكل فلاسفة الأنوار المعاصرين:
كذب الظن لا إمام سوى العقل
مشيراً في صبحه والمساء
والمقترح الثالث يقول بأن مفهوم الجهاد كما ينادي به المتطرفون الحاليون خاطئ تماماً وخارج على الفهم الصحيح للشرع الإسلامي. فالإسلام لم يقل في أي يوم من الأيام بمشروعية تفجير المباني والحافلات والمخازن والمقاهي وحصد المدنيين بشكل عشوائي كيفما اتفق بالمئات أو بالآلاف... لاحِظ ما فعلته ولا تزال تفعله الحركات الإخوانجية المختلفة في مشارق الأرض ومغاربها من سوريا إلى العراق إلى درنة في ليبيا... وهؤلاء يعتبرونهم ثواراً من أجل الحرية! تحية إلى درنة الجميلة الرائعة وهي تُحرر من براثنهم وإرهابهم وظلامياتهم في هذه اللحظة بالذات. وبالتالي فهذا الفهم الخاطئ للجهاد أو للحرب المقدسة في الإسلام ينبغي أن يتوقف فوراً لكي يحل محله فهم آخر جديد يتناسب مع الشرع والعقل والعصر. فالجهاد يكون أولاً من أجل تصحيح انحرافات النفس ونوازعها والتغلب على نواقصها. ثم بعدئذ يعني أو ينبغي أن يعني التنمية الشاملة والنهوض الحضاري وتخليص شعوبنا من مستنقع الأمية والجهل والفقر. هذا هو الجهاد العظيم الذي تحتاج إليه مجتمعاتنا العربية والإسلامية اليوم. هذا هو الجهاد الأكبر لا الأصغر. ولكن الجميع نسوه.
أما المقترح الرابع لصاحب «إسلام الأنوار» فيتمثل في ما يلي: منع صدور أي فتوى تشرّع الاغتيال والقتل والتفجيرات العمياء. فهذا شيء مضاد لروح الإسلام وللفهم الصحيح لرسالته وجوهره. وبالتالي فلا يحق لأي شيخ كائناً من كان أن يصدر فتوى دينية تحلل اغتيال هذا المثقف أو ذاك لمجرد أن كتاباته لم تعجبه... هذا شيء خطير يؤدي إلى انتشار الفوضى والفتنة والرعب في المجتمع. كما وينقلب بالعاقبة السيئة على الجميع. انظر الفتاوى التي كفّرت بعض روائع نجيب محفوظ أو حيدر حيدر أو سواهما. وانظر الفتوى التي أدت مباشرة إلى اغتيال المفكر المصري فرج فودة، إلخ... وهناك فتاوى أدهى وأخطر تدعو إلى تكفير طوائف بأسرها وإبادتها. وهي التي أشعلت الحروب الدموية في المشرق العربي مؤخراً ودمّرت النسيج الاجتماعي وجعلت التعايش مستحيلاً بين أبناء الوطن الواحد!
وهناك مقترحات أخرى عديدة لا نستطيع أن نتوقف عندها كلها من مثل: ضمان حرية الاعتقاد والضمير والتفكير في العالم الإسلامي. وكذلك احترام الآخر وعقائده سواء أكان هندوسياً أو صينياً كونفشيوسياً أو يهودياً أو بوذياً، إلخ. وكذلك ينبغي تحديث القانون المدني وقانون الأحوال الشخصية الخاص بالزواج، والطلاق، والإرث، إلخ... ينبغي احترام المرأة وإعطاؤها حقها كاملاً، فهي ليست ناقصة عقل أو دين كما توهمت العصور القديمة.
وفي ما يخص حرية المعتقد والضمير فيرى مالك شبل أنها ستكون أصعب مقترح يمكن فرضه على العالم الإسلامي. لماذا؟ لأن المحافظين والمتشددين يعتبرون أن حرية الاعتقاد تؤدي إلى الفوضى أو حتى الإلحاد. وبالتالي فينبغي تحريمها بشكل قاطع. ولكن الفكر الحديث يقول لنا: هذا غير صحيح، فالحرية الفكرية تعني التعددية العقائدية والمناظرات الخصبة بين أتباع المذاهب المختلفة. وهذا الشيء كان مقبولاًً سابقاً إبان العصر الذهبي للإسلام. انظر المناظرات الرائعة التي كانت تحصل في جلسات الخليفة العظيم المأمون والتي خلّدها مؤخراً أندريه ميكيل في كتاب ممتع بعنوان «محاورات بغداد»... وكنا قد استعرضناه سابقاً هنا على صفحات «الشرق الأوسط».
وأخيراً، هذه هي الثورة الكوبرنيكية -أو التنويرية- التي يدعونا إليها تيار إسلام الأنوار الذي يتجاوز مالك شبل بكثير. ينبغي العلم بأن عبد الوهاب المؤدب كان أكثر جرأة وقد ذهب في نقد الأصولية إلى أبعد منه بكثير. وقيل الأمر ذاته عن الفيلسوف عبد النور بيدار الذي جدد الفكر الإسلامي بشكل غير مسبوق مؤخراً من خلال عدة كتب مهمة فعلاً وتنويرية حقاً وينبغي أن تُترجم فوراً إلى العربية. وهناك آخرون حتماً لا تستطيع هذه العجالة أن تذكرهم كلهم للأسف الشديد... ولكن يبدو واضحاً أن باريس التي نوّرت أوروبا في القرن الثامن عشر هي التي ستنور العرب في القرن الحادي والعشرين. فـ«إسلام الأنوار» ظهر فيها ومنها سيشع على العالم العربي. ولكن لكي تنتصر الأنوار ينبغي على المجتمعات العربية أن تنفض غبار القرون الوسطى عن برامج التعليم الديني في كل المدارس والجامعات بل وحتى الفضائيات. كما ينبغي منع التيارات الإخوانجية الظلامية من بث أفكارها وسمومها في المدارس وكليات الشريعة والتعليم العام. لماذا؟ لأنها لم تعد ملائمة للعصر، ولأنها تزرع بذور الشقاق والفتنة الطائفية المذهبية بين تلامذة الوطن الواحد وهم على مقاعد الدرس. إنها طائفية تكفيرية على المكشوف. وهي التي دمرت المشرق العربي أو توشك أن تدمره من خلال فتاوى ابن تيمية التي أحياها مؤخراً يوسف القرضاوي على شاشات «الجزيرة» داعياً بشكل علني إلى ارتكاب الجريمة. هذا هو إسلام الظلام الذي يريد إسلام الأنوار استئصاله عن بكرة أبيه!
هل حقاً أن مالك شبل هو مخترع مصطلح: إسلام الأنوار؟
هذا ما كان يعتقده هو شخصياً. وهذا ما صرح به لجريدة «المساء» البلجيكية. ولكن يبدو أن المصطلح أقدم من ذلك. وربما كان قد ظهر في العربية أولاً قبل الفرنسية. وربما كان قد ظهر في مصر أو لبنان أو تونس أولاً للتعبير عن تيار تجديدي طويل عريض يريد أن يضع حداً للموجة الأصولية الطاغية. أقول ذلك وأنا أفكر بالمرحوم الدكتور محمد الشرفي الذي نشر كتاباً بعنوان «الإسلام والحرية»، وآخر بعنوان «معركتي من أجل الأنوار». وأعتقد أنه تمت ترجمة كل ذلك إلى اللغة العربية من قبل رابطة العقلانيين العرب التي أسسها الدكتور محمد عبد المطلب الهوني ووضع على رأسها أحد كبار التنويريين العرب في هذا العصر: الأستاذ جورج طرابيشي. ومن أبرز ممثلي هذا التيار المفكر التونسي الشهير العفيف الأخضر، ونصر حامد أبو زيد، وعبد المجيد الشرفي، ومحمد الحداد، ورجاء بن سلامة، وريتا فرج، وأحلام أكرم، وعشرات الآخرين من المثقفات والمثقفين العرب. والواقع أنه يصعب تحديد من هو أول مخترع لهذا المصطلح. وربما لم يكن ذلك مهماً جداً. المهم أنه أصبح شائعاً ويعبّر عن حاجة تاريخية ماسّة، وإلا لما نجح وانتشر على أوسع نطاق.
وما يدعم ذلك أن الدكتور مالك شبل نفسه يقول لنا ما معناه: ربط الإسلام بالأنوار ليس جديداً. إنه يندرج داخل ديناميكية فكرية بدأت في القرن التاسع عشر إبان عصر النهضة واستمرت حتى اليوم. وقد جسدها مفكرون إصلاحيون كثيرون. ولكنهم اتُّهموا بالهرطقة أو الزندقة من قبل الإخوان المسلمين ومن شاكلهم. انظروا هجوم الجماعة المتزمتة على طه حسين أو علي عبد الرازق أو عباس محمود العقاد أو سواهم. والآن تعود المناقشة إلى الساحة كأقوى ما يكون. وأصبح السؤال المطروح هو التالي: هل ينبغي تعديل الإسلام لكي يتماشى مع الحداثة أم تعديل الحداثة لكي تتماشى مع الإسلام؟ بمعنى آخر: هل ينبغي تحديث الإسلام أم أسلمة الحداثة؟ وأنا شخصياً أعتقد أنه ينبغي أن نأخذ من التراث أفضل ما فيه ومن الحداثة أفضل ما فيها ونصهرهما في بوتقة واحدة. ولكن القول سهل والفعل هو الصعب.
وأخيراً، فإن إسلام الأنوار وأضواء العقل كان موجوداً في العصر الذهبي. فهو الذي قدم للعالم علم الجبر والحساب وبيت الحكمة للمأمون والفلسفة والعلوم. وهو الذي قدم للبشرية بعضاً من أعظم الفلاسفة والمفكرين والأدباء والشعراء: كالكندي، والجاحظ، والفارابي، وابن سينا، والتوحيدي، والمتنبي، وأبي العلاء المعري، وبقية العباقرة الكبار. بهذا المعنى، فالتنوير العربي سبق التنوير الأوروبي بعدة قرون. وهو الذي علّم المسلمين احترام الآخر وهضم كل منجزات الحضارات السابقة وصهرها في بوتقة العروبة والإسلام بغية تشكيل حضارة عظيمة. وبالتالي فالإسلام هو دين النزعة الإنسانية ومكارم الأخلاق. إنه دين الأنوار الحضارية لا الظلمات التكفيرية الداعشية التي تبث الرعب والذعر في شتى أنحاء العالم.



وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
TT

وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".

بينما كانت أجراس فعاليات لندن الربيعية تعلن عن انطلاق أسبوع الفن في قلب مايفير، وفي ظل صخب شارع «نيو بوند ستريت» الذي لا يهدأ، هيأت دار «سوذبيز» العريقة ردهاتها لاستقبال نوع مختلف من الضوء؛ ضوء الشرق الذي أسَرَ مخيلة الرحالة الغربيين قبل قرنين من الزمان، ويعود اليوم ليأسر قلوب كبار المقتنين في مزاد «فن الاستشراق» لموسم ربيع 2026. لم يكن المعرض الذي افتتح أبوابه للجمهور قبل موعد المزاد مجرد عرض لمقتنيات فنية عابرة، بل كان أشبه باستعادة بصرية لذاكرة جغرافية وتاريخية تشكل وجدان المنطقة الممتدة من ضفاف النيل إلى أسوار القسطنطينية.

في هذه النسخة من المزاد، تبدو الأعمال المختارة، وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق، بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة. نحن أمام مشهد يتسم بنضج استثماري لافت؛ حيث لم يعد المقتني العربي أو العالمي يبحث عن الغرائبية فحسب، بل ينشد الأصالة والدقة التاريخية التي برع فيها فنانون من طراز جان ليون جيروم ولودفيك دويتشه. كما أن الأعمال المعروضة تؤكد أن فن الاستشراق لم يعد مجرد صنف منسيّ في تاريخ الفن، بل هو عملة ثقافية صعبة تزداد قيمتها كلما زاد الحنين إلى الجذور.

لوحة" المستعمون" لنصرالدين دينيه

عبقرية الظل والضوء

تتصدر مشهد المزاد لوحة الفنان الأميركي فريدريك آرثر بريدغمان (1847 - 1928) المعنونة بـ«في قرية الأبيار الجزائر» (In a Village at El Biar, Algiers)، والأبيار إحدى ضواحي الجزائر كانت ملاذاً للفنانين بسبب إطلالتها وهوائها العليل، وكان بريدغمان مفتوناً ببيوتها المترابطة. وهي عمل يجسد ذروة النضج في أسلوب بريدغمان الاستشراقي. في هذه اللوحة، لا يكتفي الفنان بنقل مشهد مكاني، بل يحبس أنفاس الزمن في لحظة جزائرية خالصة.

تتجلى عبقرية بريدغمان في تعامله مع «الضوء المتوسطي الساطع»؛ حيث تضرب أشعة الشمس الجدران البيضاء لقرية الأبيار، لتعكس وهجاً يكاد يشعر المشاهد بحرارته. لكن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في التباين الدرامي بين هذا البياض الناصع وظلال الزقاق الضيق التي تمنح اللوحة عمقاً هندسياً مذهلاً.

بالنظر إلى التفاصيل الدقيقة، يبدو أن بريدغمان رسم الشخوص بلمسة إثنوغرافية غاية في الأمانة؛ من طيات الملابس التقليدية إلى حركة أيدي النساء وتموجات المياه في بركة الحوش، مما يمنح العمل قيمة توثيقية تتجاوز البعد الجمالي. إن اختيار «سوذبيز» لهذه القطعة تحديداً يعكس ذكاءً في تقدير ذائقة المقتني المعاصر، الذي يبحث عن أعمال بريدغمان ليس فقط لجماليتها، بل لقدرتها على نقل روح المكان وهدوء الحياة اليومية بعيداً عن التكلف أو المبالغة الدرامية. ومن المتوقع أن تشهد هذه اللوحة منافسة شرسة (القيمة التقديرية للوحة بين 150 - 200 ألف جنيه إسترليني)، نظراً لندرة أعمال بريدغمان التي تتميز بهذا المستوى من الحيوية في الألوان والتماسك في التكوين. هذا التقدير المرتفع لا يعكس فقط براعة بريدغمان التقنية، بل يشير إلى ندرة وجود أعمال بهذا الحجم والجودة في السوق حالياً. إن تجاوز حاجز الـ150 ألف باوند كقيمة افتتاحية يبعث برسالة واضحة للمقتنين: «نحن أمام قطعة ليست للعرض الجمالي فحسب، بل هي استثمار تاريخي رصين في أحد أكثر فصول الفن الاستشراقي صدقاً وعمقاً».

تبدو الأعمال المختارة وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة

عمالقة الاستشراق والقيمة التجارية

لا يقتصر زخم مزاد «سوذبيز» لهذا الموسم على لوحة بعينها، بل يمتد ليشمل كوكبة من «أساطير الاستشراق» الذين جابوا الشرق بحثاً عن الضوء والحقيقة. يتصدر المشهد رواد المدرسة الفرنسية والنمساوية والأميركية، حيث تُعرض أعمال لأسماء لا تخطئها عين المقتني المحترف، مثل جان ليون جيروم ولودفيج دويتشه ورودولف إرنست ونصر الدين دينيه (اسمه الأصلي ألفونس). وتتراوح القيم التقديرية لهذه الأعمال في المزاد الحالي ما بين خمسين ألف جنيه إسترليني للتخطيطات والدراسات الزيتية الصغيرة، وصولاً إلى أرقام تتجاوز 300 ألف جنيه إسترليني للوحات الزيتية الكبيرة التي تتميز بتفاصيل معمارية معقدة. هذا التنوع في الأسعار والمستويات الفنية يعكس استراتيجية «سوذبيز» في استقطاب شريحتين من المقتنين: «المستثمر الجديد» الذي يبحث عن موطئ قدم في عالم الفن، و«المقتني النخبوي» الذي يطارد القطع المتحفية النادرة التي قلما تظهر في الأسواق، مما يجعل القيمة الإجمالية للمزاد تُقدر بملايين الجنيهات الإسترلينية.

استعادة الشرق بريشة الحداثة

يظل السؤال القائم في أروقة «سوذبيز» يتجاوز حدود الأرقام القياسية والمنافسات المالية؛ هل ما زال فن الاستشراق قادراً على محاورة إنسان القرن الحادي والعشرين؟ الإجابة تكمن في تلك التفاصيل التي خلدها فنانون مثل بريدغمان وإرنست؛ فهي ليست مجرد توثيق لزمن مضى، بل هي استعادة لجماليات كادت تمحوها الحداثة المتسارعة. إن الاهتمام المتزايد من قبل المقتنين والمؤسسات الثقافية في منطقة الخليج والعالم العربي بهذه الأعمال، يحولها من «نظرة غربية للشرق» إلى «إرث شرقي مستعاد» تُعاد قراءته اليوم بعيون أصحاب الأرض أنفسهم.

في نهاية المطاف، سيهدأ ضجيج المزايدات وتستقر لوحة «في قرية الأبيار» وغيرها في مجموعات خاصة أو متاحف عالمية، لكن القيمة الحقيقية لهذا المزاد تظل في قدرته على مد الجسور بين ضفتي المتوسط، وفي تذكيرنا بأن الفن هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة لتنقل سحر الضوء الجزائري أو روحانية جوامع القاهرة إلى قلب لندن. وبغض النظر عن أسعار المزاد، يبقى اليقين الوحيد هو أن الشرق بروعته وتفاصيله سيظل دائماً بوصلة الجمال التي لا تخطئ في سوق الفن العالمي.

 


نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

 نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
TT

نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

 نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي

يشكل النقش التصويري ركناً أساسياً من مكوّنات الفن الأموي المدني، وتشهد لذلك مجموعات من اللقى الأثرية، عُثر عليها بين أطلال منشآت عمرانية تتوزّع على صحاري بلاد الشام، وتُعرف بـ«قصور البادية». تبرز في هذا الميدان مجموعة كبيرة تتميّز بثرائها وتنوّعها، خرجت من قصر يقع جنوب غرب تدمر، أطلق عليه علماء الآثار اسم «قصر الحير الغربي». تحوي هذه المجموعة قطعاً متعدّدة الأحجام، أكبرها قطعة على شكل نصب آدمي يحاكي ارتفاعه طول قامة الإنسان، تمثل صورة لصاحب القصر، الخليفة هشام بن عبد الملك.

وصلت هذه القامة المنحوتة مهشّمة ومجزّأة، وباتت ثلاث قطع منفصلة، منها قطعة تمثّل الرأس، وقطعة تمثّل الجزء الأعلى من الصدر، وقطعة تمثّل الساقين. تمّ وصل الرأس بأعلى الصدر من خلال عنق مضافة صُنعت من مادة مغايرة، وفقاً للطرق العلميّة المتبعة، وشكّل هذا الوصل تمثالاً نصفياً يمثّل الجزء الأعلى من هذه القامة. في المقابل، بقيت كتلة الساقين على حالها، نظراً لغياب القطعة التي تمثّل الجزء الأسفل من الصدر. هكذا يحضر هذا النصب في قطعتين متجاورتين عمودياً، ويُعرض ضمن جناح من المتحف الوطني في دمشق، خُصّص بأكمله لأهم القطع الأثرية التي خرجت من قصر الحير الغربي.

تبدو هذه القطعة المنحوتة للوهلة الأولى أشبه بتمثال ثلاثي الأبعاد، غير أن ظهرها أملس ومسطّح، ويخلو من أي نقش، ممّا يعني أنّها صُنعت لتُثبّت على جدار، وتعتمد طرازاً من طرز النقش الناتئ، يُقارب النحت بنتوئه الشديد. يعود موقع هذا المجسّم الضخم في الأصل إلى واجهة قصر الحير الغربي، حيث ثُبّت على سطح القوصرة المقوّسة التي تعلو باب مدخل القصر الكائن في وسط القسم الأسفل من هذه الواجهة، على ما افترض دانيال شلومبرجير، الخبير الذي قاد البعثة الفرنسية التي استكشفت هذا الموقع الأموي بين عام 1936 وعام 1938. حسب هذه القراءة، حظي هذا النصب بموقع رئيسي في الحلة الزخرفية التي كست هذه الواجهة، ويشير طرازه الملكي التقليدي إلى أنّه يمثّل صاحب البناء، وهو حسب نقش عُثر عليه في الموقع «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي الخليفة هشام بن عبد الملك.

اعتُمدت هذه القراءة بشكل واسع في الأوساط العلميّة، غير أنّ تحديد هوّية صورتها فنياً بشكل جازم وقاطع ظلّ موضع بحث، وذلك بسبب انتهاجها أسلوباً يبتعد عن محاكاة المثال الشخصي الفردي، وتبنّيها مثالاً نموذجياً جامعاً. في الخلاصة، يشكّل هذا النصب صورة نموذجية مثالية للخليفة هشام بن عبد الملك، كما يشكّل صورة رمزية تختزل مقام هذه الخلافة فحسب. يحلّ رأس هذا المجسّم في كتلة بيضاوية سقط منها الجزء الأسفل للأسف، وما بقي منه يشير إلى لحية مستديرة تتّصل بشاربين طويلين. انمحت العين اليمنى، وسلمت العين اليسرى، وهي لوزية، ويعلوها حاجب مقوّس، وفي وسطها بؤبؤ طُلي باللون الأسود. الأنف عريض وناتئ. الأذن اليسرى ظاهرة، وتتميّز بحلق دائري يتدلّى من طرفها الأسفل. الشعر كثيف، وما بقي منه يشير إلى خصل تلتف حول الوجه، يعلوها تاج يحدّه إكليل مكوّن من شريطَين رفيعَين متلاصقَين. يكشف رداء الصدر عن ثوب فضفاض ذي ثنايا مقوّسة متجانسة، يفصل بينها في الوسط شريط عمودي عريض، زُيّن بسلسلة من الأقراص الدائرية الصغيرة.

تتّضح هوية هذا اللباس في الجزء الأسفل من المجسّم، وهو الجزء الخاص بالساقين. يظهر الملك في وضعيّة الجلوس، ويرتدي بزّة طويلة تلتف حول الركبتين المتباعدتين، تزيّنها كذلك ثنايا مقوّسة متجانسة، يفصل بينها في الوسط خيط عمودي، مستقيم وغائر. تحت هذه البزّة سروال فضفاض، يحدّ كلّ طرف من طرفيه شريط عمودي مزخرف، يماثل في زخرفته الشريط الذي يتوسط البزّة. تأخذ الساقان المتباعدتان والمتواجهتان شكل مثلث تدلّى منه طرف القدم اليسرى. يتبنّى هذا المجسّم الأموي في الواقع نموذجاً ملكياً تقليدياً خاصاً، عُرف به أكاسرة الفرس الساسانيون. دخل هذا النموذج العالم المتوسّطي بشكل واسع، وانتقل إلى العالم الأموي حيث تبنّته الخلافة التي ورثت مجد الأكاسرة، وفقاً لرؤية حضارية، اختزلها قول مأثور اشتهر به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان».

يظهر الخليفة الأموي في هذا المجسمّ الضخم مرتدياً حلّة كسرى الفرس، ويظهر كما يبدو مرتدياً حلّة قيصر الروم في قطعة أخرى من قطع قصر الحير الغربي، ضاع منها النصف الأعلى للأسف. دخلت هذه القطعة متحف دمشق الوطني، وتشكّل في الأصل جزءاً من زينة البهو الداخلي للقصر. تتبع هذه القطعة تقنية النقش الناتئ التقليدية، ويبلغ طول ما تبقّى منها نحو متر، ممّا يوحي بأنها كانت تحاكي في الأصل حجم الإنسان. يمثّل هذا النقش شخصاً يجلس على عرش ملكي، مرتدياً معطفاً يعلو رداءً طويلاً ينسدل حتى أسفل القدمين، كاشفاً عن قدمين تستقران فوق قاعدة فخمة تحدّها سلسلة من العواميد المرصوصة.

شاع هذا النموذج في العالم الروماني، وعُرف باسم «العرش الإمبراطوري»، وهو العرش الذي جعل منه الفن البيزنطي عرشاً للمسيح. ودخل هذا العرش قاموس الفن الأموي، كما يشهد هذا النقش بشكل جليّ. تقابل هذه الصورة المنحوتة لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، تحضر في الركن المعروف بـ«ركن العرش»، وفيها يظهر «ولي عهد المسلمين والمسلمات» متربّعاً على مقعده الوثير، كما تقول الكتابة المرافقة. وهذا الولي هو الوليد بن يزيد، كما تؤكد كتابة ترافق جدارية أخرى من جداريات هذا القصير.


العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.