«الغربان»... تحولات المجتمع التونسي بعد «ثورة الياسمين»

رحيل الروائي الساخر حسين الواد عن 85 عاماً

حسين الواد وغلاف روايته الأخيرة
حسين الواد وغلاف روايته الأخيرة
TT

«الغربان»... تحولات المجتمع التونسي بعد «ثورة الياسمين»

حسين الواد وغلاف روايته الأخيرة
حسين الواد وغلاف روايته الأخيرة

رحل أخيراً في السعودية الروائي والباحث حسين الواد عن 70 سنة بعد معاناته من وعكة صحية. والراحل من مواليد مدينة المكنين في تونس حائز على شهادة دكتوراه في الآداب من جامعة تونس. عميد لكلية الآداب والعلوم الإنسانية في القيروان وأمين عام للجنة الوطنية التونسية لدى اليونسكو والألكسو والإيسيسكو. له عدة مؤلفات في الأدب العربي، ونشر مجموعة روايات، آخرها ثلاثية «روائح المدينة». حائز على جائزة الكومار الذهبي للرواية العربية، ونال جائزة توفيق بكار عن مجمل أعماله في آخر معرض للكتاب في تونس هذا العام.
هذه قراءة في روايته الأخيرة:
يواصل الأكاديمي والروائي التونسي حسين الواد في أعماله كتابة تاريخ تونس عبر «روائح مدينته»، فبعد «روائح المدينة» في جزئها الأول الذي تناول فيه أجواء وحيثيات وأحداث تونس في الفترة الاستعمارية الفرنسية عبر الروائح المختلفة المنبعثة من المدينة، من روائح الياسمين إلى روائح المزابل مروراً بروائح لأطباق طعام شعبية وسواها.
في الجزء الثاني المكمل للأول انتقل الواد إلى مرحلة الاستقلال وركز اهتمامه على مرحلة ما بعد البورقيبية وما أصاب تونس من حالة متردية من الفساد والتسلط والمحسوبيات وانعدام القانون والمحاسبة، وخصوصاً لأعوان السلطة والمقربين والأقرباء من العائلتين الحاكمتين اللتين قام أفرادهما بالنهب المنظم للدولة ولبعض أملاك الشعب، دون ذكرهما بالاسم.
في «الغربان» التي ظهرت أخيراً عن «دار الجنوب»، وتم نشرها في معرض كتاب تونس الأخير، يرسم الكاتب صورة قاتمة لتونس التي فجرت شرارة الربيع العربي ثورة لم تكن بالحسبان أشعلها بائع الخضار محمد البوعزيزي بإحراق نفسه في سيدي بوزيد.
الراوي في هذه الرواية الطويلة (400 صفحة)، التي هي أقرب إلى سيرة ذاتية، هو «سي حميدة» المتقمص شخصية الكاتب، فهو عاش طفولة بائسة مع والدين متخاصمين انتهيا بالطلاق والزواج سريعاً كل من جانبه، فاضطر الطفل إلى العيش مع جده «في قرية على بعد بضعة كيلومترات من مدينته» يذرعها ذهاباً وإياباً يومياً للالتحاق بمدرسته. يقول: «جدي شحيح، فاسد الطوية، قبيح الوجه... ما تزوج امرأة إلا سارع عزرائيل إلى قبض روحها... عشت محروماً من معظم ما يسعد أترابي فكنت دائم الكدر». في مرحلة الإعدادي يحصل الطفل على إقامة في «مبيت التضامن الاجتماعي» وعمل في المعتمدية يدون فيها بيانات مختلفة في وقت كان فيه المتعلمون في البلد يعدون على الأصابع. كان يتردد على مكتبة عامة للتزود بالكتب فتعرف على «فيلسوف الشراسة» - كما كان يسميه الذي كان خير معين له في التعرف على الكتب القيمة، ثم جاء من يدعوه للانخراط في «التعاضدية» (تجربة اقتصادية اشتراكية قادها أحمد بن صالح خلال الستينات)، واضطر فيما بعد للهرب إلى الجزائر ومنها إلى باريس بعد فشل السياسة التعاضدية وانقلاب السلطة على بن صالح.
في باريس «هذه المدينة العجيبة»، يتقلب حميدة الشاب في الأعمال الوضيعة طلباً للعيش، ثم يتعرف على فتاة فرنسية يقطن معها في منزلها ويرزق منها مولودة - غير شرعية - ويفترقا بعد سنوات قضياها في تصادم مستمر بسبب الاختلاف الديني والثقافي والطبقي.
يعود سي حميدة وحيداً إلى تونس بعد أن احتفظت صديقته بابنتهما. وبدأ يعيش أجواء ما قبل الثورة؛ روائح الفساد، والتسلط، والتمرد تحت الرماد، وظاهرة التدين تتفشى كالحبر في الماء: «أعرف جيداً أهل هذه المدينة وأعرف جيداً أنهم كانوا، دائماً، يسرحون، في المنكر والمكروه والمحظور حتى إذا ما أدركوا الأربعين شرعوا في التردد على المساجد ليغسلوا، حسبهم، أنفسهم مما كانوا قد لوثوها به. أما هذه اللهفة على التظاهر بالتدين والتلويح بما يحملونه عنه من أفكار فشيء جديد، طال بي الاستغراب من (روائح الجنة) كيف هبت على مدينتنا عاصفة بالجميع بما في ذلك الشبان... أصبح المار بالطرقات... يشم ألواناً من الروائح لم تعهد أو تعرف بمدينتنا». تونس لم تعد كما كانت، الشباب الصاعد يطالب بالشغل والحرية والكرامة، حتى إذا اندلعت الشرارة الأولى هدرت الجموع في «دوار الجرة» بصوت واحد: «ارحل».
ينتقل سي حميدة يومياً من مكان إلى آخر يخالط الحلاق، وصاحب المكتبة، والعطار، وبائع الإطارات، والجزار، والمهندس المعماري، وعالم الاجتماع... عينة من المجتمع تعكس الجو العام في البلد عبر الحوارات ونشر الشائعات والأخبار. يعود «سي حميدة» إلى منزله منهكاً ليجد زوجته التونسية، التي يأسف أنها لا تجاريه ثقافة ولا علماً، قد طردت من عملها ليحل محلها أحد مقربي المتنفذين الجدد، الذين يصفهم الكاتب بـ«الملتحين» أو بصفة منحوتة من الإخوان «المتخونجين»، وكل من ركب موجة الإسلام السياسي.
كانت الأحزاب السياسية قد انتشرت كالفطريات بعد المطر: «انتشر فيروس تكوين الأحزاب في بلادنا رامياً بروائح غاية في العفن... الروائح هي هي زفرة... كثير من الأسماء، حتى باتت البلاد ترزح تحت أكثر من مائتي حزب تتهيأ جميعها للانتخابات: التعبئة للانتخابات بدأت ترسل روائح شبيهة بروائح البصل الخامج والكراث العفن»... «عمت النتونة كل شيء، تسربت إلى الأرواح، حتى العصافير التي كانت ببعض الأشجار سارعت بالفرار». التحولات التي طرأت على المجتمع التونسي تدعو للعجب، وتسبب صداعاً فكرياً في رأس سي حميدة؛ صعود العمليات الإرهابية والتطرف، وركوب موجة «التخونج»، وعمليات التهريب بكل أشكاله، وفتاوى غريبة كفتوى جهاد النكاح، وحرق مقامات بعض الأولياء، وفرض محرمات جديدة، وفصل الإناث عن الذكور، وتدمير البنوك الربوية، وإبطال العمل بقانون الأحوال الشخصية: «ما هذا الدين الجديد الذي خرج به علينا هؤلاء؟ كل شيء حرام أو مكروه».
ولم يصدق سي حميدة عينيه عندما حضر رجل ملتحٍ وشابة محجبة إلى منزله واكتشف أنها ابنته «غير الشرعية» كلارا التي أبلغته أن اسمها بات أم إسلام، وزوجها أبو أيوب، باتريك سابقاً: «شعرتُ كمن صب علي سطل ماء بارد».
ومع موجة الاغتيالات السياسية التي أقامت الدنيا في تونس، تم اغتيال السسولج صديق سي حميدة الحميم الذي لمواقفه المناهضة للملتحين، فيصاب في حالة من الهلوسات تعود به إلى ماضيه القديم عبر كوابيس لا تنتهي.
ونعرف من الزوجة فيما بعد أنه انتهى في مستشفى الرازي للأمراض العقلية.
هذه الرواية الطويلة (يشعر القارئ في بعض سردها الطويل كأنه يقرأ خبراً صحافياً بتفصيل ممل) قسمها حسين الواد إلى 3 أجزاء، وكل جزء مقسم إلى مقاطع وكل مقطع تتخلله عناوين فرعية تذكر بمقالات مطولة في صحافة الستينات والسبعينات.
رواية رغم متانة أسلوب الكاتب اللغوي وسرده للوقائع بتسلسل زمني ككتابة تحقيق، فإنها تفتقر لعنصر التشويق، فالقارئ المتابع لما جرى في تونس يعرف سلفاً عما سيتحدث الكاتب عنه في صفحات لاحقة حسب التسلسل الزمني للأحداث. ويتخلل النص بعض الكلمات المألوفة في تونس، لكن يصعب فهمها من قبل قارئ عربي عادي غير ملم خصوصاً باللغة الفرنسية.



فيلم «الأوديسة» تجسيد مذهل لسينما لا تعرف الحدود

حصان طروادة الأسطوري (يونيفرسال - أ.ب)
حصان طروادة الأسطوري (يونيفرسال - أ.ب)
TT

فيلم «الأوديسة» تجسيد مذهل لسينما لا تعرف الحدود

حصان طروادة الأسطوري (يونيفرسال - أ.ب)
حصان طروادة الأسطوري (يونيفرسال - أ.ب)

هناك أزمنة مختلفة في كل فيلم، الزمن الذي تدور فيه الأحداث والزمن الذي يستغرقه الفيلم لسرد تلك الأحداث. كذلك الزمن الذي يوظفه المخرج لكل لقطة ومن ثمّ الزمن المُتاح لكل مشهد.

المخرج كريستوفر نولان يتعامل مع زمن آخر في غالبية أفلامه (أحد عشر فيلماً طويلاً وقبضة يد من الأفلام القصيرة) وهو الزمن الذي في داخل شخصياته الرئيسية. منذ فيلمه الأول «ميمنتو» (2000) ووصولاً إلى فيلمه الحالي «الأوديسة» (باستثناء «دنكيرك» 2017) هناك ساعة داخل شخصياته الأولى تجعلهم يعيشون في زمنين (كما في «ممنتو» و«استهلال» و«بين النجوم») أو ينتقلون بين زمن وآخر كل بمعنى وجودي مختلف («تَنت» «الفارس المظلم» «أوبنهايمر»).

في «الأوديسة» هناك تلك الساعة داخل شخصية بطله أودسيوس (مات دايمون) أساساً لكنها أيضاً في داخل شخصيات أخرى. هذه الساعة التي في داخل أودسيوس تؤرقه. تتركه عالقاً بين زمانين؛ واحد بدأ فيه مسيرة العودة إلى الماضي وآخر يبدأ بمسيرة الرغبة في استقبال الغد والعودة إلى الحياة الطبيعية إذا ما كان لها وجود.

المخرج كريستوفر نولان في موقع تصوير فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)

حوارات فكرية

كل من «الأوديسة» حسب مؤلفها هومر و«أوديسة» حسب نولان يبدآن من حيث سقطت طروادة نتيجة الخدعة التي تمّت لتسلل محاربي أودسيوس داخل الحصان الخشبي. في الفيلم يوجه نولان فصولاً لكيف تم تنفيذ الخدعة وكيف تم خوض تلك الحرب. كيف عاشها ثم كيف نظر إليها بعد انتهائها. يقول أودسيوس لرجاله: «لقد انتهكنا كل ما هو مقدّس بين الناس وحوّلنا القتال إلى صيد».

مات دايمون في دور أوديسيوس (يونيفرسال-أ.ب)

ترتفع تلك الكلمات في فضاء الحاضر لأنها التعليق الأول لنولان حول عصر الحروب الحالي. كما كان حال «أوبنهايمر» الذي لم يكف عن موازاة حكاية حياة مخترع القنبلة النووية وأعماله ثم معارضته (بعد فوات الأوان) لها بما يجول في بال المشاهدين من مخاطر آنية، يسدد نولان تلك العبارة لكي تنفذ إلى عقول مشاهديه. وإذا كان هناك ما هو مميّز فعلاً في فيلم «الأوديسة» فهو قدرة الفيلم، ومن ورائه موهبة نولان، في تحويل أفلامه من مجرد حكاية تحمل عناصر الغموض والتشويق واللعب بالزمن إلى حوارات فكرية؛ إلى قيمة جوهرية حول الحياة في زمن آخر وانعكساته على الزمن الحاضر.

إخلاص ورغبة

لقد مضت ثماني عشرة سنة منذ محاولات بطل الفيلم الإغريقي الانتصار على طروادة وتطويعها. عشر سنوات من المعارك انتهت بدخول القلعة المتينة والتنكيل بمن فيها ثم ثماني سنوات من بقاء أودسيوس في حاضرة المكان قبل أن يبدأ رحلة العودة إلى زوجته بينيلوبي (آن هاثاواي) التي بقيت مخلصة له طوال تلك السنوات على الرغم من كثرة الذين حاولوا احتلال مكانة زوجها. معها في الدفاع عنها ابنها تيليماكوس (توم هولاند) الذي يمنحها الأمل في أن والده أودسيوس ما زال حيّاً. والفيلم يصوّر رحلة العودة الزاخرة بالأحداث والمواقف والمعارك أيضاً، خصوصاً ضد ذلك الوحش الأسطوري الذي يعيش على التهام البشر.

آن هاثاواي في الانتظار (يونيفرسال)

ما يهم نولان ليس تصوير العنف ولا اللجوء إلى مشاهد التخويف لكي يترك تأثيراً متداولاً اليوم أكثر مما ينبغي على مشاهديه. هناك معارك وهناك عنف، لكن المخرج يقطع حيث يريد وبعد أن يستثمر في المعنى مختصراً ومكتفياً بضرورة تصوير الحدث للحظة التي ينتهي فيها استثماره له. بذا يبتعد عن العنف للعنف ويستبدل به تجسيداً لمفهومه.

روبرت باتنسون وشخصية مركّبة (يونيفرسال - أ.ب)

أنطينيوس (روبرت باتنسون) من بين أخطر طالبي القرب من بينيلوبي (كما يرد في وصف هومر). النص الإغريقي يصف أنطينيوس بأنه «شجاع وجريء ووقح». يستلهم نولان هذه الصفات ويمنحها باتنسون كل تجسيد ممكن ببراعة، خصوصاً أنه أيضاً يعيش في زمانين متوازيين: الأول إخلاصه للمملكة ومحاولته الوصول إلى قلب بينيلوبي ما يناقض ذلك الإخلاص. هذا يقع بينما ينطلق أودسيوس في رحلة العودة إلى زوجته ومملكته فوق جزيرة إيثاكا محملاً بشعور الذنب بسبب طول المدّة التي أمضاها بعيداً.

جانبان

معالجة المخرج والسيناريو الذي شارك في كتابته توفّر لبطله القدرة على تجاوز المعضلات العاطفية والمصاعب الخطرة التي يتعرّض إليها بغية تأكيد سعيه للعودة إلى ماضيه وزوجته وابنه، وهي الرغبة التي تعارضها كاليبوسا (تشارليز ثيرون) التي تريد الاحتفاظ به لنفسها. يرغب نولان هنا في تجسيد معاناة إنسانية ضمن المغامرة المنشودة عبر طرح التحدّيات الإنسانية أمام بطله ومشاعره المتباينة.

جيمي غونزاليس في دور «سيفيوس» ومات دايمون في دور «أوديسيوس» وهيميش باتيل في دور «يوريلوخوس» في مشهد من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)

هناك الكثير مما تحتويه شخصية أودسيوس كما يؤديها مات دايمون بتوجيه خاص. لجانب شعور شخصيّته بالذنب يحتفظ أودسيوس بمزيج من القوّة الروحانية التي تتيح له اعتبار نفسه فوق باقي البشر والضعف الإنساني الذي يحوّله، في الوقت نفسه، إلى رجل بسيط يريد البقاء حيّاً كالآخرين من دون بطولة استثنائية بين أترابه. لكن الجانب الأول هو الذي يسود وهو الأكثر ظهوراً لأننا في نهاية الأمر، وكمشاهدين، لا نريد أن نتابع حكاية رجل يعاني من مشاعر داخلية تؤدي به إلى هزيمة نفسية تنفي عنه صفة البطولة. ليس في فيلم من هذه الفئة التاريخية القائمة على ميثولوجيا من الحروب والدروس.

مقارنة

لمن لم يقرأ «الأوديسة» كما وضعها هومر (متوفرة على النت لمن يرغب) فإن ما يراه على الشاشة قد لا ينتمي إلى هومر بالضرورة إلا من حيث الاستلهام المبدئي. الفيلم يمكن أن يقف منفرداً ومنعزلاً عن أي أساس سابق باستثناء أن جزءاً من خلفيّته (حرب طروادة) تتعامل والتاريخ الفعلي. في الفيلم لا خيوط تميّز ما بين الأصل الأدبي والناتج المصوّر. ليس أن نولان فشل في نقل النص الأصلي بل لأنه اكتفى (في نحو ثلاث ساعات) بما يكفل تقديم حكاية تاريخية ذات شجون وعلاقات مع الحاضر قدر المستطاع. حكاية تحتوي على المغامرة والمعارك والحروب والميثولوجيا في آن واحد وبشكل مستمر. وهي جميعاً تمر على الشاشة في تجسيد لحب المخرج لسينما لا تعرف الحدود ولا الخنوع للشروط المادية منها والفنية.

مات دايمون في دور أوديسيوس (يساراً) وزندايا في دور أثينا في مشهد من «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)

في حين يصب هذا الفيلم، كنوع درامي، في خانة أعمال ريدلي سكوت التاريخية («مملكة السماء»، «نابليون»، «غلادياتور» إلخ...) يتميّز نولان عنه برؤية تتجاوز سرد التاريخ صوب منحه حضوراً في الذات والحاضر. في بعض أداءات ممثليه تفاوت في المستويات وتفسير الممثلين لشخصياتهم. لكن الفيلم في مجموعه هو «نولاني» مائة في المائة وكما لم يسبق له أن أنجزه على هذا النحو مطلقاً من قبل.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


هشام ماجد يخوض أولى بطولاته المسرحية بـ«خيال مريض»

هشام ماجد وهنادي مهنا في لقطة من العرض (الشركة المنتجة)
هشام ماجد وهنادي مهنا في لقطة من العرض (الشركة المنتجة)
TT

هشام ماجد يخوض أولى بطولاته المسرحية بـ«خيال مريض»

هشام ماجد وهنادي مهنا في لقطة من العرض (الشركة المنتجة)
هشام ماجد وهنادي مهنا في لقطة من العرض (الشركة المنتجة)

يقف الفنان المصري هشام ماجد على خشبة المسرح للمرة الأولى من خلال مسرحية «خيال مريض»، التي انطلق عرضها أخيراً بمدينة الشيخ زايد (غرب القاهرة). ويشاركه البطولة محمد عبد الرحمن «توتا»، وهنادي مهنا، وأحمد الرافعي، ويوسف منصور، ووليد عبد الغني، ونغم صالح، ودينا دياب، وهي من تأليف وإخراج محمد محمدي.

ويمتدّ العرض الكوميدي أكثر من 3 ساعات، ويتضمَّن جزءاً تفاعلياً يجمع بطل العمل بالجمهور، إلى جانب استعراضات غنائية. وتدور أحداثه داخل أحد المستشفيات النفسية، حيث يعجز المرضى عن تجاوز مواقف صعبة غيَّرت مسار حياتهم.

ومن خلال شخصية الدكتور طه الحسيني، التي يجسّدها هشام ماجد، يُعيد سرد الصدمات التي تعرَّض لها المرضى وأدَّت إلى دخولهم المستشفى، في إطار يمزج بين الكوميديا والمواقف المستندة إلى اختلاف خلفيات الشخصيات وأعمارها وتجاربها، بدءاً من الإخفاق في الثانوية العامة، وصولاً إلى صدمة الخيانة الزوجية، مروراً بمواقف أخرى يحاول الطبيب مساعدتهم على تجاوز آثارها.

هشام ماجد ومحمد عبد الرحمن في لقطة من العرض (الشركة المنتجة)

وقالت منتجة العرض يارا حسن لـ«الشرق الأوسط» إنّ العمل على المسرحية بدأ بعد تواصل هشام ماجد معها في مطلع العام الحالي، وسؤالها عمّا إذا كانت متحمِّسة لإنتاج أول عروضه المسرحية، في ظلّ الصداقة التي تجمعهما منذ سنوات، إلى جانب خبرتها في إنتاج برنامج «سولد أوت» مع الإعلامي محمود سعد وتقديمه على خشبة المسرح.

وأضافت أنها تحمَّست للمشروع منذ اللحظة الأولى، بعدما رأت أنه يحمل فكرة مختلفة تستحق أن تتحول إلى تجربة مسرحية متكاملة، ثم تعرّفت إلى مؤلّف العرض ومخرجه محمد محمدي، لتبدأ بعدها مرحلة تطوير المشروع بصورة عملية.

وأوضحت أنها آمنت منذ البداية بضرورة إطلاق العرض خلال موسم الصيف، «لأن الهدف لم يكن تقديم مسرحية جديدة فحسب، وإنما تأسيس مشروع مسرحي قوي ينطلق في توقيت مناسب يتيح خلق موسم مسرحي يمتد مدّة طويلة، لذا وضع فريق العمل جدولاً زمنياً استمر نحو 6 أشهر لإنجاز جميع مراحل التحضير»، وفق تعبيرها.

منحت المسرحية عدداً من الفنانين مساحات مختلفة (الشركة المنتجة)

وأكدت يارا حسن أنّ «التحدّي الأكبر لم يكن اختيار الأبطال، بل إقناع النجوم بالالتزام بمشروع يمتدّ مواسم، وليس مجرّد عرض يُقدَّم مدّةً محدودة، لأنّ رؤية انطلاقه تقوم على إحياء فكرة المسرح التجاري التقليدي المرتبط بنجم ويستمر مدّةً طويلة. وقد أسهم وضوح هذه الرؤية في حماسة بعض الفنانين للمشاركة، فيما حالت ارتباطات آخرين من دون انضمامهم».

وأضافت أنّ «التمويل كان من أصعب التحدّيات، ممّا دفعني إلى البحث عن شراكات مع الرعاة وشركات بيع التذاكر لتوفير الدعم اللازم، حرصاً على ألا تنعكس تكلفة الإنتاج على أسعار التذاكر، لأنّ الهدف الأساسي هو تقديم عرض مسرحي بسعر مناسب يتيح للجمهور فرصة حضوره، مع وجود خطّة مستقبلية لتصوير المسرحية وعرضها تلفزيونياً».

وأوضحت أنّ «خيال مريض» تطلَّب جهداً كبيراً على المستوى التقني، مع الاعتماد على أعمال الغرافيك، إلى جانب تنفيذ أكثر من 30 بروفة، وهو عدد يفوق المعتاد في العروض المسرحية. وأضافت أنّ مدّة البروفات منحت كلّ ممثل فرصة لتطوير شخصيته وتقديم رؤيته، وهو ما انعكس بوضوح على جودة العمل والتفاعل بين أبطاله.

وأكدت منتجة المسرحية أنّ عروض «خيال مريض» ستتواصل حتى نهاية العام الحالي، مع مناقشات جارية لتقديمها خارج مصر، إلى جانب درس تنظيم جولات في عدد من المحافظات.

يعتمد العرض في بعض أجزائه على التفاعل مع الجمهور (الشركة المُنتجة)

من جهتها، قالت الناقدة المصرية مها متبولي لـ«الشرق الأوسط» إن مسرحية «خيال مريض» تنتمي في المقام الأول إلى الكوميديا، ونجحت في تقديم جرعة كبيرة من الضحك عبر مواقف متلاحقة وإيقاع سريع حافظ على تفاعل الجمهور، مؤكدة أنّ «صنّاع العمل قدّموا تجربة ترفيهية خفيفة من دون أن يفقد العرض تماسكه أو حيويته على المسرح».

وأضافت: «هشام ماجد قدَّم أداءً اتسم بالبساطة والسلاسة، انعكس على حضوره فوق المسرح، فيما فرض محمد عبد الرحمن حضوره الكوميدي بقوة، معتمداً على التوقيت السليم وخفّة الظلّ، ليصبح أحد أبرز عناصر صناعة الضحك في العرض».

وأشارت إلى أنّ دينا دياب تمتلك موهبة تمثيلية كبيرة تستحق أن تحظى بمساحات أوسع في أعمالها المقبلة، لافتة إلى أنها فنانة متعدّدة الموهبة تجمع بين الأداء التمثيلي والقدرة على تقديم الاستعراضات بكفاءة. كما وصفت نغم صالح بأنها من أبرز مفاجآت المسرحية، لما تتمتّع به من صوت جميل وحضور كوميدي لافت، وأشادت أيضاً بالأداء الذي قدَّمه وليد عبد الغني.

وقالت الناقدة الفنية إنّ المخرج محمد المحمدي نجح في تقديم رؤية إخراجية متماسكة، وأحسن توظيف العناصر البصرية داخل العرض، ولا سيما الغرافيك، الذي جاء متقناً ومنسجماً مع طبيعة الأحداث، وأسهم في إثراء التجربة المسرحية.

ورأت أن من أبرز الجوانب الإيجابية في تجربة هشام ماجد حرصه على منح الممثلين المشاركين معه مساحات حقيقية لإبراز مواهبهم، مؤكدة أنّ هذه الروح التشاركية أصبحت نادرة لدى بعض نجوم الكوميديا الذين يميلون إلى الاستحواذ على مساحة أكبر داخل العمل.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


رصدُ غلاف جوّي حول كوكب صخري يُشبه الأرض للمرة الأولى

بعض الإجابات... لا تسكن الأرض (هارفارد - سميثونيان للفيزياء الفلكية)
بعض الإجابات... لا تسكن الأرض (هارفارد - سميثونيان للفيزياء الفلكية)
TT

رصدُ غلاف جوّي حول كوكب صخري يُشبه الأرض للمرة الأولى

بعض الإجابات... لا تسكن الأرض (هارفارد - سميثونيان للفيزياء الفلكية)
بعض الإجابات... لا تسكن الأرض (هارفارد - سميثونيان للفيزياء الفلكية)

نجح فريق دولي من علماء الفلك، بقيادة مركز هارفارد - سميثونيان للفيزياء الفلكية في الولايات المتحدة، في رصد غلاف جوّي يحيط بكوكب صخري يُشبه الأرض ويدور داخل المنطقة الصالحة للحياة حول نجم آخر، في أول اكتشاف من نوعه.

وأوضح الباحثون أنّ هذا الاكتشاف يُمثّل إنجازاً بارزاً في مسيرة البحث عن عوالم قد تكون قادرة على احتضان الحياة خارج المجموعة الشمسية. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «ساينس».

وتُعرف المنطقة الصالحة للحياة بأنها النطاق المحيط بالنجم الذي تتوافر فيه درجات حرارة تسمح، نظرياً، بوجود الماء في حالته السائلة على سطح الكوكب، إذا كان يمتلك غلافاً وضغطاً جوّيَيْن ملائمَيْن.

والماء السائل أحد أهم مقومات الحياة كما نعرفها؛ لذلك تُعدّ هذه الكواكب من أكثر الأهداف الواعدة في البحث عن حياة خارج الأرض. ومع ذلك، فإن وجود الكوكب داخل هذه المنطقة لا يعني بالضرورة أنه صالح للحياة أو مأهول، وإنما يشير فقط إلى توافر أحد شروطها الأساسية.

ويقدّم الاكتشاف، وفق الدراسة، أقوى دليل حتى الآن على أن الكواكب الصخرية الواقعة في المنطقة الصالحة للحياة قادرة على الاحتفاظ بغلاف جوّي مستقر لمليارات السنوات.

وركزت الدراسة على الكوكب الخارجي المسمى «LHS 1140 b»، الذي يبعد نحو 48 سنة ضوئية عن الأرض ويدور حول نجم قزم أحمر داخل هذه المنطقة، حيث رصد الباحثون غاز الهيليوم يتسرَّب من الطبقات العليا لغلافه الجوّي إلى الفضاء، في أول دليل رصدي مباشر من نوعه.

ورغم اكتشاف آلاف الكواكب الخارجية خلال العقود الماضية، ظلَّ إثبات وجود أغلفة جوّية حول الكواكب الصخرية، ولا سيما الواقعة في المنطقة الصالحة للحياة، من أكبر تحدّيات هذا المجال.

واعتمد الاكتشاف على نموذج نظري توقَّع أن يمتلك الكوكب غلافاً علوياً غنياً بالهيليوم يتسرَّب تدريجياً، فاستخدم الفريق مطيافاً على أحد تلسكوبات مرصد ماجلان في تشيلي، مستفيداً من عبور كوكبين أمام النجم المضيف في الليلة نفسها.

وأظهرت البيانات أنّ أحد الكوكبين لم يُظهر أي دليل على وجود غلاف جوي، بينما كشف «LHS 1140 b» عن إشارات واضحة إلى الهيليوم، ما يؤكد احتفاظه بغلافه الجوّي أكثر من 3 مليارات سنة، خلافاً لبعض التوقّعات السابقة.

كما أثبتت النتائج أنّ التلسكوبات الأرضية قادرة على اكتشاف الأغلفة الجوية للكواكب الصخرية عبر رصد الغازات المتسرِّبة منها، ممّا يفتح وسيلة جديدة لدراسة أعداد كبيرة من الكواكب الخارجية، من دون الاعتماد الكامل على التلسكوبات الفضائية.

ووفق الباحثين، يمثّل هذا الاكتشاف نقطة تحول تنقل العلماء من مرحلة اكتشاف الكواكب الصالحة للحياة إلى مرحلة دراسة أغلفتها الجوية وتقييم قابليتها لاحتضان الحياة.

ويخطّط الفريق لتحليل التركيب الكيميائي الكامل لغلاف الكوكب، والبحث عن مؤشّرات أخرى، مثل بخار الماء أو المحيطات، إلى جانب استخدام النموذج نفسه لإيجاد كواكب صخرية مشابهة قد تمتلك أغلفة جوّية مستقرّة.