حين يبيع المرء روحه للشيطان من أجل إشباع غروره

مسرحية «دكتور فاوستس» بترجمة جديدة لعبد الواحد لؤلؤة

غلاف «فاوست»
غلاف «فاوست»
TT

حين يبيع المرء روحه للشيطان من أجل إشباع غروره

غلاف «فاوست»
غلاف «فاوست»

صدرت عن «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت» مسرحية «دكتور فاوستس»، تأليف كريستوفر مارلو، وترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة، تضمّن فهرس الكتاب مقدمة بقلم المترجم، وأخرى بقلم المحرر، إضافة إلى النص المسرحي المترجم عن الصيغة «B»، أي طبعة 1616 التي حُذف منها 36 سطرا وأضيف إليها 676 سطرا، الأمر الذي جعلها أطول من الصيغة «A» بنحو الثلث تقريبا.
تجدر الإشارة إلى أن العنوان الأصلي لهذه المسرحية الإشكالية هو «التاريخ المأساوي لحياة وموت الدكتور فاوستس»، أما ثيمتها الجوهرية فتتمحور حول «رجل يدعى فاوستس يبيع نفسه للشيطان، مفيستوفيليس، مقابل الحصول على قدرة فائقة، ومعرفة عالية يستطيع من خلالها أن يفعل بها ما يعنّ له من الخوارق بواسطة الشياطين الذين يسخرهم له إبليس، شرط أن يعيش 24 عاما على الأرض يجترح فيها كبائر الأعمال، ثم يتخلى عن روحه لإبليس، ويقيم بعدها في الجحيم ملعونا إلى الأبد». وبغية تغليف الحدث بغلالة درامية فقد اشترط على فاوستس أن يكتب هذا التعهد بدمه ثم يذيله بتوقيعه الخاص.
ورب سائل يسأل: ما الذي يدفع شخصا مثل فاوستس لكي يبيع روحه للشيطان؟ وللإجابة على هذا السؤال المنطقي لا بد لنا من تسليط الضوء على شخصية فاوستس ومراحل تطورها الدرامية إلى ذروة الغطرسة والتكبر والغرور، آخذين بنظر الاعتبار أن الغرور هو أحد الخطايا السبع المميتة، بحسب تصنيف الكنيسة الكاثوليكية. من هنا يتوجب علينا أولا أن نشير إلى أن فاوستس قد تعامل مع الخطيئة البشرية الفاحشة في حق الكتاب المقدس، لكنه وضعنا في مواجهة الإنسان القلق، الشكاك الذي يتأرجح بين فكرتي الإلحاد والإيمان. إن المعطيات الدرامية لشخصية فاوستس كثيرة بمكان ولا يمكن الإحاطة بها جميعا، لكننا سنحاول التركيز على أبرز هذه المعطيات التي تحيلنا بالتأكيد إلى جوانب متعددة من شخصية كريستوفر مارلو المثيرة للجدل التي تركت تأثيرها الواضح على أقرانه ومجايليه وعلى رأسهم الشاعر والكاتب المسرحي وليم شكسبير.
كان فاوستس طالبا مبرّزا في دراسته في جامعة فيتنبرغ الشهيرة في ألمانيا وقد حصل على لقب دكتور بسبب تفوقه في علم اللاهوت والفلسفة، غير أن هذه الدرجة العلمية لم ترضِ غروره، ولم تشبع رغبته في معرفة المزيد، لأنه ببساطة شديدة شخصية متخطية لنفسها ومتجاوزة للآخرين، لكنه يشبه إيكاروس الذي حلق عاليا، وحينما تخطى حدوده سقط سقوطا دراميا مفجعا بعد أن أذابت حرارة الشمس جناحيه المثبتين بالشمع.
لم يقتنع فاوستس بالأشواط التي قطعتها علوم عصره من منطق ولاهوت وفلسفة وطب وقانون ومعارف علمية وإنسانية أخرى، إذ كان يجد نقصا مروعا، وتقصيرا لا حدود له في كل علم من العلوم آنفة الذكر، فلا غرابة أن يتجه إلى السحر الأسود، وعلم استحضار الأرواح، وكل ما يبزّ الطاقة البشرية المحدودة. وانطلاقا من هذه الانعطافة الخطيرة في حياته يمكن أن نسجل بداية تمرده على الإرادة الإلهية، وتخطيه لمجال الشيطان الذي سوف يقوده إلى الهلاك.
يؤكد النقاد المسرحيون البريطانيون أن موضوعات المسرح الإليزابيثي لم تكن تخرج عن إطار الحروب، وقصص الحب التي تدور في أروقة البلاطات الملكية، وأبطالها غالبا ملوك وأمراء وقديسون. أما في «دكتور فاوستس» فنحن أمام شخصية من عامة الناس ولدت لأبوين من طبقة اجتماعية متواضعة، الأمر الذي يحيلنا إلى الأصل المتواضع لمارلو نفسه، فقد كان والده إسكافيا غير أن تلك المهنة لم تقف عائقا أمام ذكاء الابن وقدراته الفكرية المتأججة التي أهلته للحصول على منحة دراسية إلى جامعة كمبردج التي فجرت في أعماقه نزوعا شديدا صوب المعارف والعلوم الإنسانية، من هنا يمكننا القول إن شخصية إشكالية مثقفة من هذا النوع هي أرقى بكثير لما تنطوي عليه من معطيات عويصة معقدة لا يجاريها خاصة الناس، حتى وإن كانوا من أصحاب الصولجانات، والبلاطات الباذخة، والأروقة المذهبة التي تتجول فيها سيدات المجتمع المترف.
يجب أن نضع في الحسبان أن فاوستس هو شخصية متخطية للحدود التي وضعها الله للبشر، لأن التعاقد مع الشيطان هو أخطر أنواع التحدي، ليس لإرادة الدولة أو الكنيسة التي كانت قوية ومهيمنة آنذاك، وإنما لإرادة الله الذي سيقوده إلى الهلاك حتما مثلما قاد تخطي مارلو وتعاليه على المألوف من علوم الجامعة والشؤون الدينية إلى الكفر والتجديف والموت بطعنة من خنجره هو، لا خنجر خصمه إنغرام فريزر، الأمر الذي عده البيوريتان في عصره «جبرية القدر الإلهي المحتوم على الكافر».
تبدو شخصية فاوستس مترددة، فحينما يحذره ملاك الخير من مغبة انغماسه في أعمال السحر الأسود، يشجعه ملاك الشر، فيقول فاوستس في حيرة واضحة: «كيف اتخمت بهذه الفكرة؟» وهذه المناجاة تذكرنا بالمناجاة الأولى التي يشرك بها الجمهور في تساؤله المؤلم الذي يتمحور حول فكرة جوهرية مفادها: «أين يقف الإنسان بين الخير والشر؟»، هل أن أعماله هي التي تقرر ذلك «الاختيار الحر»؟ أم أن مصيره مقدر بقوة خارجية «جبرية القدر»؟، بكلمات أخرى، هل الإنسان مخير أم مسير؟ هذا التساؤل المحير الذي لا يزال يشغل بال أتباع الديانات السماوية كلها ولا يقتصر على دين محدد بذاته. وهذه إشارة كونية أخرى تخرج المسرحية من مناخها المحلي لتنفتح على آفاق عالمية متعددة انطلاقا من الفكرة الكالفينية التي تجزم بأن «قدر الإنسان مرسوم قبل ولادته».
يؤكد لؤلؤة في مقدمته الثرية التي أوضح فيها غالبية المواقف الصعبة الملتبسة، أن الجو الفلسفي الذي كان شائعا في كمبردج هو الذي أثار النقاش اللاهوتي الملتهب الذي ساهم في «ضبابية الرؤية حول المسرحية ومؤلفها وهي رؤية لا تزال ضبابية.. قائمة في بلد الضباب».
تتوزع المسرحية على خمسة فصول آخرها هو الأقصر، وفيها جوقة أو كورس يتكون من شخص واحد يحذر مما سيقع في المسرحية أو يعلق على ما حدث. تحتل المناجاة التي أشرنا إليها توا أهمية خاصة في مسرحية «دكتور فاوستس»، وخصوصا في مناجاة الافتتاح والاختتام، فالمناجاة، كما يرى لؤلؤة، تحمل الجمهور على المشاركة الخيالية في الأحداث التي تقع على خشبة المسرح؛ أي بمعنى أن تجعل من الجمهور متلقيا إيجابيا فاعلا، لا مُستقبلا سلبيا مسترخيا في مقاعده، ففي المناجاة الأولى يعقد اتفاقا مع الشيطان، ويتنازل فيه عن روحه، بينما تأخذنا المناجاة الثانية إلى التأمل الذي يفضي إلى التفاهم مع القدر الذي اختطه لحياته منطلقا من تكبره وغروره وتجاوزه لكل الخطوط المرسومة للبشر سلفا.
تناقش المسرحية كما أسلفنا موضوعات في غاية الخطورة من بينها «أن الضلالة ليست من فعل الشيطان وحده، بل هي من فعل الإنسان أيضا». فكما يذهب لؤلؤة إلى أن كل إنسان يجدف أو ينكر معموديته، يهرع إليه الشيطان ليستحوذ على روحه، وهذه إشارة أخرى إلى أن أفعال المرء هي التي تقوده إلى الصلاح أو الهلاك. وحينما يسأل فاوستس مفيستوفيليس عن الجحيم يجيبه هذا الأخير بأن «الجحيم لا حدود واقعية له لأنه حالة ذهنية محض». ترى، لماذا لم يدرك فاوستس، وهو على هذا القدر الكبير من الذكاء تهرب مفيستوفيليس من الإجابة على هذا السؤال؟ ولماذا لم يفهم دواعي المواربة في إجابته المموهة؟ أنلمس في هذه الإجابة المحيرة أن بعض الضلالة مقدر على البشر من جهة عليا، أم أنها إيحاء ببعض القبول بالجبرية والقدر المحتوم؟
توقف لؤلؤة في مقدمته القيمة عند خمسة موضوعات تناقشها المسرحية وهي: خطيئة الطمع، والبحث الدؤوب عن المعرفة، والموت والشيطانية، والسحر، واستحضار الأرواح، والتأرجح بين الخير والشر. وعلى الرغم من أهمية الموضوعات جميعها، فإن الموضوع الأبرز فيها هو السحر، ذلك لأن فاوستس فضل السحر على بقية العلوم الموجودة في عصره.
ينبه لؤلؤة إلى أن المسرحية تقوم في بنيتها على الشعر المرسل من الوزن الأيامبي الخماسي التفعيلات في الغالب الذي يخلو من القافية، لكن ذلك لم يمنعه من استعمال النثر في المشاهد الكوميدية، وألفاظ العامة، ولغة السوقة واللصوص. وهناك نحو 13 مشهدا مكتوبا بلغة منثورة تستجيب للكلام العامي الذي لا يخلو من الابتذال والسب والشتم والتجديف.
يستنتج لؤلؤة من خلال ترجمته لهذه المسرحية أن مالرو لم يمانع من إدخال مشاهد كوميدية أخرى إلى مسرحيته ولا يستبعد أن يكون قد أشرف عليها بنفسه أو أضيفت بموافقته على الأقل.
ثمة أوجه شبه كثيرة بين مسرحيات مالرو وشكسبير من بينها التركيز على الضمير الإنساني، والمونولوغات الداخلية في المناجيات، والشخصيات التي تحلم بالقوة والسيطرة اللامحدودة وما إلى ذلك. فمسرحية «يهودي مالطا» تذكرنا بمسرحية «تاجر البندقية»، وبالمقابل هناك فروقات بين الاثنين، أولها: أن مالرو نزل إلى الشارع، واستوحى من عوالمه أشياء كثيرة، بينما اقتصرت مسرحيات شكسبير على البلاط الملكي، وقصص الحب التي تدور في الأروقة الملكية، والأساطير اليونانية القديمة.
خلاصة القول إن مارلو هو الأب الشرعي للمسرح التراجيدي، وهو مبتكر الشعر المرسل من دون منازع، ويعد الأب والمرشد الروحي لشكسبير.



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة