حين يبيع المرء روحه للشيطان من أجل إشباع غروره

مسرحية «دكتور فاوستس» بترجمة جديدة لعبد الواحد لؤلؤة

غلاف «فاوست»
غلاف «فاوست»
TT

حين يبيع المرء روحه للشيطان من أجل إشباع غروره

غلاف «فاوست»
غلاف «فاوست»

صدرت عن «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت» مسرحية «دكتور فاوستس»، تأليف كريستوفر مارلو، وترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة، تضمّن فهرس الكتاب مقدمة بقلم المترجم، وأخرى بقلم المحرر، إضافة إلى النص المسرحي المترجم عن الصيغة «B»، أي طبعة 1616 التي حُذف منها 36 سطرا وأضيف إليها 676 سطرا، الأمر الذي جعلها أطول من الصيغة «A» بنحو الثلث تقريبا.
تجدر الإشارة إلى أن العنوان الأصلي لهذه المسرحية الإشكالية هو «التاريخ المأساوي لحياة وموت الدكتور فاوستس»، أما ثيمتها الجوهرية فتتمحور حول «رجل يدعى فاوستس يبيع نفسه للشيطان، مفيستوفيليس، مقابل الحصول على قدرة فائقة، ومعرفة عالية يستطيع من خلالها أن يفعل بها ما يعنّ له من الخوارق بواسطة الشياطين الذين يسخرهم له إبليس، شرط أن يعيش 24 عاما على الأرض يجترح فيها كبائر الأعمال، ثم يتخلى عن روحه لإبليس، ويقيم بعدها في الجحيم ملعونا إلى الأبد». وبغية تغليف الحدث بغلالة درامية فقد اشترط على فاوستس أن يكتب هذا التعهد بدمه ثم يذيله بتوقيعه الخاص.
ورب سائل يسأل: ما الذي يدفع شخصا مثل فاوستس لكي يبيع روحه للشيطان؟ وللإجابة على هذا السؤال المنطقي لا بد لنا من تسليط الضوء على شخصية فاوستس ومراحل تطورها الدرامية إلى ذروة الغطرسة والتكبر والغرور، آخذين بنظر الاعتبار أن الغرور هو أحد الخطايا السبع المميتة، بحسب تصنيف الكنيسة الكاثوليكية. من هنا يتوجب علينا أولا أن نشير إلى أن فاوستس قد تعامل مع الخطيئة البشرية الفاحشة في حق الكتاب المقدس، لكنه وضعنا في مواجهة الإنسان القلق، الشكاك الذي يتأرجح بين فكرتي الإلحاد والإيمان. إن المعطيات الدرامية لشخصية فاوستس كثيرة بمكان ولا يمكن الإحاطة بها جميعا، لكننا سنحاول التركيز على أبرز هذه المعطيات التي تحيلنا بالتأكيد إلى جوانب متعددة من شخصية كريستوفر مارلو المثيرة للجدل التي تركت تأثيرها الواضح على أقرانه ومجايليه وعلى رأسهم الشاعر والكاتب المسرحي وليم شكسبير.
كان فاوستس طالبا مبرّزا في دراسته في جامعة فيتنبرغ الشهيرة في ألمانيا وقد حصل على لقب دكتور بسبب تفوقه في علم اللاهوت والفلسفة، غير أن هذه الدرجة العلمية لم ترضِ غروره، ولم تشبع رغبته في معرفة المزيد، لأنه ببساطة شديدة شخصية متخطية لنفسها ومتجاوزة للآخرين، لكنه يشبه إيكاروس الذي حلق عاليا، وحينما تخطى حدوده سقط سقوطا دراميا مفجعا بعد أن أذابت حرارة الشمس جناحيه المثبتين بالشمع.
لم يقتنع فاوستس بالأشواط التي قطعتها علوم عصره من منطق ولاهوت وفلسفة وطب وقانون ومعارف علمية وإنسانية أخرى، إذ كان يجد نقصا مروعا، وتقصيرا لا حدود له في كل علم من العلوم آنفة الذكر، فلا غرابة أن يتجه إلى السحر الأسود، وعلم استحضار الأرواح، وكل ما يبزّ الطاقة البشرية المحدودة. وانطلاقا من هذه الانعطافة الخطيرة في حياته يمكن أن نسجل بداية تمرده على الإرادة الإلهية، وتخطيه لمجال الشيطان الذي سوف يقوده إلى الهلاك.
يؤكد النقاد المسرحيون البريطانيون أن موضوعات المسرح الإليزابيثي لم تكن تخرج عن إطار الحروب، وقصص الحب التي تدور في أروقة البلاطات الملكية، وأبطالها غالبا ملوك وأمراء وقديسون. أما في «دكتور فاوستس» فنحن أمام شخصية من عامة الناس ولدت لأبوين من طبقة اجتماعية متواضعة، الأمر الذي يحيلنا إلى الأصل المتواضع لمارلو نفسه، فقد كان والده إسكافيا غير أن تلك المهنة لم تقف عائقا أمام ذكاء الابن وقدراته الفكرية المتأججة التي أهلته للحصول على منحة دراسية إلى جامعة كمبردج التي فجرت في أعماقه نزوعا شديدا صوب المعارف والعلوم الإنسانية، من هنا يمكننا القول إن شخصية إشكالية مثقفة من هذا النوع هي أرقى بكثير لما تنطوي عليه من معطيات عويصة معقدة لا يجاريها خاصة الناس، حتى وإن كانوا من أصحاب الصولجانات، والبلاطات الباذخة، والأروقة المذهبة التي تتجول فيها سيدات المجتمع المترف.
يجب أن نضع في الحسبان أن فاوستس هو شخصية متخطية للحدود التي وضعها الله للبشر، لأن التعاقد مع الشيطان هو أخطر أنواع التحدي، ليس لإرادة الدولة أو الكنيسة التي كانت قوية ومهيمنة آنذاك، وإنما لإرادة الله الذي سيقوده إلى الهلاك حتما مثلما قاد تخطي مارلو وتعاليه على المألوف من علوم الجامعة والشؤون الدينية إلى الكفر والتجديف والموت بطعنة من خنجره هو، لا خنجر خصمه إنغرام فريزر، الأمر الذي عده البيوريتان في عصره «جبرية القدر الإلهي المحتوم على الكافر».
تبدو شخصية فاوستس مترددة، فحينما يحذره ملاك الخير من مغبة انغماسه في أعمال السحر الأسود، يشجعه ملاك الشر، فيقول فاوستس في حيرة واضحة: «كيف اتخمت بهذه الفكرة؟» وهذه المناجاة تذكرنا بالمناجاة الأولى التي يشرك بها الجمهور في تساؤله المؤلم الذي يتمحور حول فكرة جوهرية مفادها: «أين يقف الإنسان بين الخير والشر؟»، هل أن أعماله هي التي تقرر ذلك «الاختيار الحر»؟ أم أن مصيره مقدر بقوة خارجية «جبرية القدر»؟، بكلمات أخرى، هل الإنسان مخير أم مسير؟ هذا التساؤل المحير الذي لا يزال يشغل بال أتباع الديانات السماوية كلها ولا يقتصر على دين محدد بذاته. وهذه إشارة كونية أخرى تخرج المسرحية من مناخها المحلي لتنفتح على آفاق عالمية متعددة انطلاقا من الفكرة الكالفينية التي تجزم بأن «قدر الإنسان مرسوم قبل ولادته».
يؤكد لؤلؤة في مقدمته الثرية التي أوضح فيها غالبية المواقف الصعبة الملتبسة، أن الجو الفلسفي الذي كان شائعا في كمبردج هو الذي أثار النقاش اللاهوتي الملتهب الذي ساهم في «ضبابية الرؤية حول المسرحية ومؤلفها وهي رؤية لا تزال ضبابية.. قائمة في بلد الضباب».
تتوزع المسرحية على خمسة فصول آخرها هو الأقصر، وفيها جوقة أو كورس يتكون من شخص واحد يحذر مما سيقع في المسرحية أو يعلق على ما حدث. تحتل المناجاة التي أشرنا إليها توا أهمية خاصة في مسرحية «دكتور فاوستس»، وخصوصا في مناجاة الافتتاح والاختتام، فالمناجاة، كما يرى لؤلؤة، تحمل الجمهور على المشاركة الخيالية في الأحداث التي تقع على خشبة المسرح؛ أي بمعنى أن تجعل من الجمهور متلقيا إيجابيا فاعلا، لا مُستقبلا سلبيا مسترخيا في مقاعده، ففي المناجاة الأولى يعقد اتفاقا مع الشيطان، ويتنازل فيه عن روحه، بينما تأخذنا المناجاة الثانية إلى التأمل الذي يفضي إلى التفاهم مع القدر الذي اختطه لحياته منطلقا من تكبره وغروره وتجاوزه لكل الخطوط المرسومة للبشر سلفا.
تناقش المسرحية كما أسلفنا موضوعات في غاية الخطورة من بينها «أن الضلالة ليست من فعل الشيطان وحده، بل هي من فعل الإنسان أيضا». فكما يذهب لؤلؤة إلى أن كل إنسان يجدف أو ينكر معموديته، يهرع إليه الشيطان ليستحوذ على روحه، وهذه إشارة أخرى إلى أن أفعال المرء هي التي تقوده إلى الصلاح أو الهلاك. وحينما يسأل فاوستس مفيستوفيليس عن الجحيم يجيبه هذا الأخير بأن «الجحيم لا حدود واقعية له لأنه حالة ذهنية محض». ترى، لماذا لم يدرك فاوستس، وهو على هذا القدر الكبير من الذكاء تهرب مفيستوفيليس من الإجابة على هذا السؤال؟ ولماذا لم يفهم دواعي المواربة في إجابته المموهة؟ أنلمس في هذه الإجابة المحيرة أن بعض الضلالة مقدر على البشر من جهة عليا، أم أنها إيحاء ببعض القبول بالجبرية والقدر المحتوم؟
توقف لؤلؤة في مقدمته القيمة عند خمسة موضوعات تناقشها المسرحية وهي: خطيئة الطمع، والبحث الدؤوب عن المعرفة، والموت والشيطانية، والسحر، واستحضار الأرواح، والتأرجح بين الخير والشر. وعلى الرغم من أهمية الموضوعات جميعها، فإن الموضوع الأبرز فيها هو السحر، ذلك لأن فاوستس فضل السحر على بقية العلوم الموجودة في عصره.
ينبه لؤلؤة إلى أن المسرحية تقوم في بنيتها على الشعر المرسل من الوزن الأيامبي الخماسي التفعيلات في الغالب الذي يخلو من القافية، لكن ذلك لم يمنعه من استعمال النثر في المشاهد الكوميدية، وألفاظ العامة، ولغة السوقة واللصوص. وهناك نحو 13 مشهدا مكتوبا بلغة منثورة تستجيب للكلام العامي الذي لا يخلو من الابتذال والسب والشتم والتجديف.
يستنتج لؤلؤة من خلال ترجمته لهذه المسرحية أن مالرو لم يمانع من إدخال مشاهد كوميدية أخرى إلى مسرحيته ولا يستبعد أن يكون قد أشرف عليها بنفسه أو أضيفت بموافقته على الأقل.
ثمة أوجه شبه كثيرة بين مسرحيات مالرو وشكسبير من بينها التركيز على الضمير الإنساني، والمونولوغات الداخلية في المناجيات، والشخصيات التي تحلم بالقوة والسيطرة اللامحدودة وما إلى ذلك. فمسرحية «يهودي مالطا» تذكرنا بمسرحية «تاجر البندقية»، وبالمقابل هناك فروقات بين الاثنين، أولها: أن مالرو نزل إلى الشارع، واستوحى من عوالمه أشياء كثيرة، بينما اقتصرت مسرحيات شكسبير على البلاط الملكي، وقصص الحب التي تدور في الأروقة الملكية، والأساطير اليونانية القديمة.
خلاصة القول إن مارلو هو الأب الشرعي للمسرح التراجيدي، وهو مبتكر الشعر المرسل من دون منازع، ويعد الأب والمرشد الروحي لشكسبير.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.