كرة القدم... في مرمى الثقافة

كتّاب مصريون يرونها نصاً مفتوحاً للفرح بالفن

كرة القدم... في مرمى الثقافة
TT

كرة القدم... في مرمى الثقافة

كرة القدم... في مرمى الثقافة

بعيداً عن أجواء الحروب والصراعات في أرجاء كثيرة من المعمورة، سيعرف العالم في الرابع عشر من الشهر المقبل، حرباً أخرى، لكنها هذه المرة سلمية وشفافة و«عادلة» أيضاً، تدور رحاها داخل مستطيل أخضر. في ذلك اليوم، ستتنافس الدول المشاركة، وبينها 4 دول عربية، للفوز بكأس العالم «المونديال» 2018 الذي تستضيفه روسيا، وتنطلق منافساته في طقوس كرنفالية مبهجة، تختلف من بلد إلى آخر، في 14 يونيه المقبل.
ما الذي يجمع بين الإبداع، الذي يعتبره كثيرون نوعاً من اللعب وكرة القدم؟ بين المثقف اللاعب؟ هنا آراء عدد من الكتاب المصريين:
يقول الروائي ناصر عراق: «كرة القدم عشقي الأول: مارستها وأنا طفل وصبي وفتى، كنت أقلد أشقائي الكبار المغرمين بها، ولأني نشأت في حي شعبي (شبرا الخيمة) على أطراف القاهرة، فقد أتيح لي ممارسة اللعبة في الحواري والشوارع الخالية يومياً لمد ساعات طويلة قبل أن يتكدس البشر والحجر والمركبات في هذا الحي العتيق، فلا نجد مكاناً نزاول فيه هوايتنا المفضلة».
يتابع عراق: «كرة القدم لم تعد مجرد لعبة يمارسها هواة مفتونون بالركض خلف الساحرة المستديرة، وإنما غدت تلبي مطالب حيوية عدة للإنسان في العصر الحديث، يمكن إيجازها - بحسب عراق - في هذه النقاط:
أولاً: الحفاوة بالعمل الجماعي، فكرة القدم تعد نموذجا مثاليا للعمل الجماعي تذكّر الإنسان الحالي بماضيه البعيد جداً، وذلك عندما نجا الإنسان الأول من الانقراض بسبب العمل الجماعي من أجل الصيد لتناول الطعام، أو مواجهة عدوان الوحوش الضارية وتقلبات الطبيعة القاسية.
ثانياً: قيمة العدل في التو واللحظة، وهي قيمة مفتقدة في زمن التوحش الرأسمالي الحالي، فهذه اللعبة الجميلة يتنافس فيها فريقان متساويان في عدد اللاعبين، ومن يخطئ منهم يحاسب في الحال، ومن ينجح في إحراز الهدف يكافئ فوراً بالتصفيق والهتاف ورفع صوره.
أما السبب الثالث، فيوجزه عراق في فكرة لافتة، هي أن كرة القدم تبجل فضيلة المهارة، حيث يتلقى اللاعب الماهر مكافآت لا حصر لها من أموال طائلة وشهرة عالمية وإعجاب مثير، وأيضاً تحفيز قيمة الابتكار في أمور كثيرة تخص كرة القدم من أول ملابس اللاعبين والحكام، حتى أساليب التصوير ونقل المباريات على الهواء مباشرة، مروراً بالمعلقين والمحللين، فالكل يعمل جاهداً لتطوير ملكاته ليظل قادراً على الوجود والمنافسة، وهكذا يفاجأ المشاهدون في كل مسابقة عالمية بقفزات نوعية في هذه المجالات كافة.
وتبقى السعادة أهم الأشياء التي تحققها كرة القدم، فالمنافسة الشريفة والإثارة الدائمة والمهارة اللافتة والتمريرة الذكية... كل ذلك يمنح المتابع قدراً من السعادة يتحرر به من أسر الرتابة اليومية والهموم الدائمة، ولا ريب في أن إنسان العصر الحديث صار أسيراً للرتابة والهموم.
أما الروائي والناقد سيد الوكيل فيقول: «أذكر في هذا السياق القصة الشهيرة للكاتب السكندري (محمد حافظ رجب) وأعني قصة (الكرة ورأس الرجل) وبطلها رجل وجد أن اللاعبين فشلوا في إحراز هدف، فأعطاهم رأسه يلعبون بها، فأحرزوا أهدافاً كثيرة. للقصة طابع (ابسيردي) عبثي وساخر، حيث أصبحت الرأس التي كانت رمزاً للحكمة والفلسفة، في خدمة الأرجل والأجساد، وكأنما الكاتب ينعي عصر العقل الذي عرف بالحداثة. القصة تندد بعملية الاستبدال التي نعيشها في عصرنا هذا، حيث أصبح للجسد وجمالياته ومهاراته في عصر الصورة حضور أكبر كثيراً من الفكر والمعرفة والثقافة. بالنسبة لي فالأمر ليست هكذا، بل هو عملية استبدال ثقافة بثقافة أخرى تناسب عصر الصورة، بعد أن قدم عصر الكتابة كل ما عنده، ثم أسلم قيادة العالم للصورة. وهكذا يجب أن نقرأ الأمر في سياق حضاري، كجزء من نقلة نوعية في التاريخ البشري».
ويخلص الوكيل بقوله: «أصبحت كرة القدم ثقافة تنتج أغانيها وشعاراتها، ورموزها من اللاعبين، وفي عالم القرية الواحدة، تجاوزت كرة القدم حدود الجماهيريات المحلية والانحيازات الوطنية والقومية، لتصبح تمثيلاً بازغاً لثقافة العولمة، يمكنك مثلاً ملاحظة أن الأجيال الشابة من جماهير كرة القدم، في بلد كبير مثل مصر، أكثر اهتماماً بالأندية العالمية من اهتمامها بأندية بلدها، ولا تندهش أن تجد روابط لمشجعي برشلونة وريال مدريد في مصر، على القدر نفسه من الحماس والتنافس كالذي كان بين الأهلي والزمالك في الماضي.. الأهم من ذلك أن كرة القدم نموذج لاقتصاد العولمة أيضاً، الإعلانات وصفقات النجوم، والأدوات والأحذية والملابس المرتبطة بهم، إنه اقتصاد عابر للقارات تتهافت عليه الدول الكبرى، وتعتقد بعض الأنظمة أن امتلاكها، أو حتى تنظيم أحد المونديالات سيضعها على رأس العالم. لكن المشكلة، أن ثقافة الصورة هي ثقافة هنا والآن، فكل هذه الشهرة والجماهيرية تنتهي مع صافرة الحكم، وتعاود من جديد بشروط ولاعبين جدد وربما جماهير جديدة، فهي ثقافة لا تمنح الخلود الذي منحته الكتابة لنجومها عبر التاريخ. ربما من أجل هذا يتأسى محمد حافظ رجب لرأس الرجل».
من جانبه، قال الروائي محمد بركة: «إن ما يخطر ببالي حين أفكر لماذا أشجع فريقاً محلياً مثل نادي الزمالك، ومنتخب الفراعنة، أو فريقاً مثل ريال مدريد ومنتخب السامبا على المستوى العالمي، أتأكد أن ما يجعلني أهتم بهذه الأجواء هي فكرة العدالة الفورية... المطلقة. فداخل المستطيل الأخضر تتم ترجمة الجهد والإصرار واللعب الجماعي، وأيضاً المهارات الفردية إلى أهداف رائعة تسكن الشباك وسط هتافات مدوية آتية من حناجر المشجعين».
ويضيف: «في هذا الحيز لا توجد فرصة للرشوة أو التلاعب بالأدلة أو الضغط على شهود العيان، وغيرها من الممارسات التي تهدد بقاء فكرة العدالة في واقعنا. أيضاً يهيئ لي أن حماس وحرارة كرة القدم تقدم بديلاً حضارياً مقبولاً لبقايا العدوانية والرغبة في سحق الآخر. حيث ما زال ظل كل ذلك الماضي كامناً في أعماقنا وورثناه عن إنسان ما قبل التاريخ وعصر الغابات والكهوف.
ويتابع بركة: «إن الرغبة في الفوز وانفعالنا بالفرص الضائعة تذيب كل الحواجز وتصنع رابطاً إنسانياً مدهشاً بيننا وبين أشخاص لم نرهم قبل الآن، وربما لن نراهم مرة أخرى مدى الحياة. في هذه الأجواء تسقط النظريات الفكرية وتتوارى الآيديولوجيات فلا صوت يعلو فوق صياح الجماهير وصخب فرحتها».
أما الكاتبة والروائية سهى زكي، وهي من عشاق الساحرة المستديرة فتقول: «لا ينفصل واقع الكاتب المصري عما يدور حوله من أحداث وفعاليات مهمة كرة القدم أحد الأنشطة الرياضية التي فرضها الواقع، فالمثقف المصري غالباً ليس من ذلك النوع المنفصل عما يدور حوله وكثير من المثقفين والكتاب لديهم ميول كروية، بل إن بعضهم ينسي موضوعيته ويتحيز لفريق كرة معين ويتابع بشغف ما يجري ويفرح ويحزن. كرة القدم تحديداً هي نوع استثنائي من الرياضة، حيث استحقت عن جدارة ذلك اللقب القديم الذي منح لها (الساحرة المستديرة)، فهي على الرغم من أنها تقسم المشجعين حسب فرقهم فهي أيضاً تجمع الكل وقتما يلعب المنتخب، وكأنها طقس مقدس يجتمع علي احترامه الجميع بلا استثناء، فعندما يكون المنتخب أمام فريق آخر فتجد كل الفرق المتناحرة قد أصبحوا على قلب رجل واحد.
تتابع زكي، واصلة الخيوط بين الفن واللعب: الأحداث المصاحبة لمباريات كرة القدم وشخصيات اللاعبين الاستثنائية، هم في الواقع أشخاص ملهمون وربما آخر الملهمين في واقعنا المصري ذلك الشاب الشهير «مو»، محمد صلاح... ما فعله صلاح ابن البيئة الريفية البسيطة لم يستطع فعله ساسة أو إعلاميون... لذلك يعتبر محمد صلاح سفيراً حقيقياً لمصر.



وفاة كلايف ديفيس صانع نجوم الموسيقى عن عمر يناهز 94 عاماً

كلايف ديفيس (رويترز)
كلايف ديفيس (رويترز)
TT

وفاة كلايف ديفيس صانع نجوم الموسيقى عن عمر يناهز 94 عاماً

كلايف ديفيس (رويترز)
كلايف ديفيس (رويترز)

توفي كلايف ديفيس، المحامي وقطب صناعة التسجيلات الأميركي، الذي يعتبر من أقوى الشخصيات في صناعة الموسيقى، حيث أطلق الحياة المهنية لنجوم بارزين أمثال جانيس جوبلين وويتني هيوستن وكارلوس سانتانا وأليشيا كيز، عن عمر يناهز 94 عاماً، حسبما أكدت عائلته.

وفي وقت سابق من العام الجاري، تم نقل ديفيس إلى المستشفى بعد إصابته بمشكلة في الجهاز التنفسي وخرج بعد بضعة أيام. وأكدت وكيلته الإعلامية أليزا رابينوف، التي شاركت أيضاً في بيان العائلة، أن ديفيس وافته المنية في شقته في مانهاتن.

وجاء في البيان: «بالنسبة للعالم، كان والدنا أسطورة الموسيقى الشهير الذي شكّلت رؤيته وإحساسه وسعيه الدؤوب لتحقيق التميز الموسيقى التصويرية لعدد من الأشخاص لا حصر لهم. لقد اكتشف وأرشد ودافع عن أعظم الفنانين في تاريخ الموسيقى الحديث، وترك بصمة لا تمحى على الثقافة ستستمر لأجيال».

وعلى عكس أقطاب التسجيلات الأخرى الذين تضاءل تأثيرهم مع تقدمهم في السن، يبدو أن ديفيس كان ينمو خلال مسيرته المهنية، التي امتدت إلى أنواع متعددة. وفي الثمانينات من عمره، كان يدير أعمال عدد كبير من النجوم بدءاً من باري مانيلو وحتى الفائزين ببرنامج «أميركان أيدول» كاري أندروود وكيلي كلاركسون.


هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد

هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد
TT

هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد

هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد

3 مقاصد أساسية انطوى عليها كتاب يوميات كاتب عرايض: «كوديا للنشر والتوزيع – بغداد: 2026» للكاتب والشاعر العراقي كاظم غيلان. يتَّصل الأول بالأصل «الشعبي» المقصود لوظيفة «العرضحالجي»، وهي مهنة كتابة «العرايض» أو «العرائض» التي يتولاها «شخص» متعلِّم يعرف أصول كتابة «الشكاوى» بصياغات قانونية معروفة. وكاتب «العرايض» يأخذ على عاتقه «صياغة» «عريضة» تشرح لجهة حكومية، غالباً، حال المشتكي. وكتاب «غيلان» يلتزم في أغلب مفاصله بهذا المعنى والوظيفة لكاتب الـ«عرايض»، ويضيف إليها دلالات أخرى توسِّع كثيراً في الدلالة السردية لمعنى «العرضحال» ليلامس معنى ووظيفة «السيرة» الذاتية للكاتب والمجتمع العراقي الذي عاش فيه، لا سيَّما في عراق التسعينات بناسه المحاصرين. وهو، كذلك، سيرة ثقافية للبلاد ومثقفيها. وفي الدلالة الأخيرة ثمة فائدة أساسية لهذا الكتاب، يمثِّلها «التدوين» اليومي، العشوائي، ربما، ليوميات الحياة تحت حكم الديكتاتور.

كاتب مذكرات أم عرضحالجي؟

في البدء، ثمة خشية أولى، لا يخفيها الكاتب، أن تكون عريضته صيغة مماثلة لمنطق شاع في عراق ما بعد صدام، وفي زمن محايث له أيضاً، عن كتابة «المذكرات» و«السير» الشخصية لشخصيات سياسية، وحتى ثقافية، غلب عليها الكذب والافتعال، بل الرغبة الشديدة بالانتقام وتمرير «بطولات» و«أدوار» زائفة لا أساس لها. يُظهر مدخل الكتاب تفهُّم الكاتب لكتابة المذكرات في مجتمعات ما بعد الديكتاتور؛ فنجده يسأل نفسه: «ماذا سأكتب؟ سيغضب البعض... وربما يفرح البعض». فهل هذا مسوِّغ كافٍ لكتابة تخوض عميقاً في «الشر» و«الخير» على السواء؟ لا يبدو «غيلان» مهتماً كثيراً بالإجابة قدر اهتمامه بإظهار أقصى قدر من الصدق في مراجعة حياته، أقصد مهنته بصفته كاتب عرايض، فيعدنا بأن: «سأقول ما يمليه عليَّ ضميري وللوقائع التي عشتها».

لكن الكتابة عن حافة الموت قهراً وتعسفاً لا تساوي مسألة الصدق أو التماثل معه، أو حتى الادعاء به، لا سيَّما في حالة الكتابة السيرية في ظل سلطة قاهرة، وعنها لاحقاً؛ ثمة ما هو أهم بكثير منها، إنه ما يسمَّى ميثاق السيرة الذاتية كما يفترض فيليب لوجون. والميثاق هنا يتحدَّد بالأصول الثلاثة الرئيسة التي بدأنا بها هذه المراجعة لكتاب أساسي كما نرى. وهو كذلك لأنه يتخطى عقبة الثأر أو الانتقام من كتَّاب ومثقفي العهد البعثي، لينشغل بما هو أساسي، بالضبط بما، وتمثَّله «العريضة» من «تدوينات» يومية تتَّصل بحياة الناس في ظل حكم الديكتاتور. هذا أمر ذو فائدة أساسية. ولكن لماذا أعطى الكاتب هذه الأهمية للعريضة؟ هي ذات قيمة كبرى لسببين. يختصُّ الأول بصفة خاصة؛ كونه خزَّاناً يجمع شكاوى الناس اليومية، الشخصية والرسمية، الموجَّهة للمؤسسات الحكومية.

وفي تلك «العرايض» نجد الحياة اليومية الحقيقية للناس بلا زيادة أو نقصان. وقد تكون تلك «العرايض» الوثيقة الحقيقية الوحيدة المسموح بها من قبل السلطات بما تمثِّله من «احتجاج» و«رفض» رسمي لحياة تضيق بها السبل حتى كأنها تصبح نثاراً يومياً. بجانبها، ثمة «أرشيف» النكات المتداولة، سراً، على شفاه الناس همساً في المقاهي والبيوت. ولا فرق بينهما سوى أنّ العريضة تُكتب بموجب موافقات حكومية أصولية، وبصياغات كتابية تفرضها أنظمة أمنية عقابية، بينما النكتة يخترعها «الشعب» كما يخترع صبره وأوهامه، لكن النكتة لا تصبر كثيراً في حياة الناس وذاكرتهم؛ فهي بعض سبل المقاومة المغلَّفة بكنايات لا تُعدُّ ولا تُحصى. ويؤلف «الشكل» اللساني للعريضة سبباً ثانياً لما يزعم به الكتاب من قيمة متعاظمة للعريضة؛ فهي بعض خطاب السلطة، وبعض خطاب معارضيها. وإذا كانت الصياغات اللسانية المفروضة من قبل أجهزة السلطة، وهي متغيرة حسب تغير السلطة نفسها، فإن الصياغات اللسانية الخاصة بالناس تعبِّر، بوضوح كافٍ، عن «منطق» الحكاية الشعبية. نحن، هنا، إزاء «يوميات» منتظمة يؤلفها كاتب «العرايض»، كل صباح يعيد صياغة حكايات الناس «شكاواهم» في «قوالب» لسانية جاهزة. ولا حدود لمخيلة الواقع التعيس: أمٌّ تشكو أباً «يزني»، يومياً بابنته. عائلة مطرب شهير تلتمس العطف والعفو من صاحب العفو الأول وهو، ذاته، الوحيد القادر على إنهاء حياة أي «مواطن» في بلادنا العظيمة حد اللعنة؛ فهو حاكمها الأوحد.

حياة كاملة نتعرَّف عليها في يوميات كاظم غيلان؛ نحن الذين بقينا، رغم ذلك، في بلاد الواق واق، نعرف منها «الوجه الآخر» لحياة عراقي في أقسى الأزمنة، زمن الجوع والحاجة الماسة للفرار من البلاد، وهو نفسه زمن الهزيمة الشاملة للبلاد وحاكمها. كاتب العرايض يعود بنا إلى لحظة عراقية سابقة سبق لي، شخصياً، أن استمعت لملخصات عنها، كان ذلك بُعيد احتلال البلاد، وكان صاحبها فؤاد التكرلي يشرح لي، في مكان بعيد عن البلاد التي طحنتنا، كيف أنّ باب المحكمة التي دخلها قاضياً، هو نفسه باب الحكاية المختلفة في عراق الخمسينات؛ فكانت قصته المطوَّلة «بصقة في وجه الحياة»، ومثلها بالضبط قصته الشهيرة «الوجه الآخر»، كناية كلية عن المنظور المختلف للحكاية، عامة، وللقصة المفارِقة، جذرياً، عن قصص اليسار العراقي ذات الصياغات السردية الجاهزة. كان باب المحكمة عتبة أولى لعالم مختلف، عالم لا تعبِّر عنه الوقائع المعلنة للعراق الرسمي في تلك الحقبة، والمحكمة وعوالمها الرهيبة كانت هي روح وجوهر «الوجه الآخر» في قصة التكرلي الشهيرة. وهو نفسه ما حققته تلك الجلسة القلقة لكاتب العرايض؛ فقد أعفته من ذلك الـ «مديح» الكاذب للحاكم، كما فعل كثيرون، وفتحت أمامه عالم السحر كله، عالم آخر لا يعرفه سوى من دخله وعاشه، وهو عالم الناس وحكاياتهم «عرائضهم»، وهو نفسه، ربما، عالم السلطة القبيح.

عن حياة الليل الشحيحة

في مقابل حياة النهار المشبعة باليأس والمراقبة والتحايل، أيضاً ثمة عالم الليل وحياة المدينة الجائعة والخائفة حد اللعنة؛ إنه عالم بغداد الليلي في حاناتها المتقشفة، لكن الصاخبة حتى ساعات الليل المتأخرة. ينفتح الليل على حكايات السكارى والمشردين وصعاليك الحياة والشعر على السواء. لا فرق؛ فالليل أرشيف الحكايات المؤجلة، وهو كذلك ميدان زوار الليل وبوابة كبرى للسطوة على المدينة وعوالمها. إنه مفتاح السيرة الأخرى للمدينة، مما لا يمكن ذكره أو معاقرته نهاراً. أفكِّر بأن حياة المدينة ليلاً هو يومياتها الملغاة، وهي المكمِّلة ليوميات الحياة الشحيحة تحت سلطة تستبدُّ بالبلاد وناسها. هذا بعض ما تقدِّمه يوميات المدينة النائمة على ضفاف نهرها الجائع للحياة كما المدينة نفسها؛ ثمة صورة بانورامية موسعة لحياة بغداد في ليلها الطويل، نقرأ فيها ما لم يقله كثيرون، ونرى في تفاصيلها وجوه المدينة المتعبة الطامحة للفرار من لعنة القهر والجوع.

أريد هنا أن أستعيد، لأجل استكمال مشهد الليل ذي العتمة الحالكة، معنى أن يكون كاتب اليوميات شاعراً شعبياً قادماً من هوامش الجنوب العراقي الفقير والمقصي إلى مدينة مسيَّجة بالحرس والليل والشكوك السياسية بالقادمين الغرباء إليها؛ فهي عاصمة البلاد، وهي مكان السلطة بأجهزتها المختلفة. هذه حقيقة أساسية حاكمة ومتحكمة بإشكالية أية «يوميات» أو «سيرة» شخصية أو موضوعية للكاتب والمدينة معاً.

أتحدَّث هنا عن «المكان» أو «الموقع» الذي سيرى من خلاله الكاتب للمدينة التي تقصيه، بينما يرتاب به حاكمها وعسسه. الملمح الأول والأساسي شكل السكن وموقعه. أقول «شكل» السكن وأقصد ما يتضمنه من إقصاء وتهميش مضاعف فالكاتب، مثل غيره من شعراء وكتَّاب الهوامش العراقية، لا يجد بيتاً يستأجره ونجده يتخذ من الفنادق الرخيصة مكاناً للسكن والحياة. وسكان أو شاغلو الفنادق، لا سيَّما الرخيصة منها، هم الغرباء غير المرغوب فيهم، فهم الطارئون عليها المعرَّضون للطرد منها في أي لحظة.

وسيكون الفندق الرخيص في «الميدان»، وسط بغداد، موقعاً مثالياً للكتابة ورؤية هوامش بغداد. هكذا سيكتب المهمشون أنفسهم عن فنادقهم وحياتهم الرثة، وسيكتب الراحل «ناظم السعود» عن ظاهرة «أدباء الفنادق»، كما سيكتب المسرحي والشاعر العراقي «عبد الخالق كيطان» عن الظاهرة في مقالاته وكتبه السيرية الخاصة بحياته في بغداد وفنادقها الشعبية الرخيصة. من تلك الغرفة الفقيرة سنرى بغداد في لياليها الملتهبة. ورغم ذلك لا نجد في يوميات كاتب العرايض بغضاً للمدينة ولا كرهاً لناسها؛ ولِم الكره والبغض؟!، ثمة كلمات الشاعر الهائم على روحه في بغداد الشاسعة. ولا شيء سوى الشعر وشكاوى الناس والخمر الرخيص في الليالي المتخمة باليأس.

«يوميات كاتب عرايض» كتاب متفرِّد حقاً؛ أسهمت عوامل كثيرة في صناعة هذا التفرُّد، ليس آخرها ما انطوى عليه من شجاعة استثنائية يندر أن نجدها لدى كتَّاب عراقيين عاشوا محن البلاد، وخرجوا منها بيد وقلب وضمير حي ونظيف، وأحدهم كاظم غيلان، الساخر المتفرِّد من آلامه الشخصية، غالباً، ومن مكائد أصدقائه الألدَّة؛ فنراه يقول كلمته الأخيرة بأريحية بالغة، وقد ختم بها تصدير يومياته: «أتمنَّى نومة عميقة... بلا كوابيس؛ ولذا أحتاج عذركم ومسامحتكم لي... كي أسامحكم». هذه اليوميات سيعود إليها مؤرخون كُثر؛ فقد كُتبت بالجمر والألم حد الموت قهراً ويأساً، وهي عن محنة الناس والبلاد، كما أنها عن محنة حاكم المدينة كذلك؛ لِم لا؟!


«حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن

«حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن
TT

«حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن

«حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن

صدرت مؤخراً عن «دار عرب» في العاصمة البريطانية لندن، رواية «حواليس» للكاتب والإعلامي العُماني الدكتور محمد اليحيائي، وهي الرواية الثالثة في سجله الأدبي.

تأتي هذه الرواية لتؤكد مجدداً الحضور السردي لليحيائي، الحائز على جائزة «كتارا» للرواية العربية عام 2023 عن روايته «الحرب»، مستفيداً من خلفيته المهنية كصانع أفلام ومصور ومحقق صحافي، وهي العوامل التي انعكست بوضوح على انشغاله بالتاريخ العماني وإعادة تأمله.

تقع الرواية في 260 صفحة، وتميل إلى التكثيف والاقتصاد، مع اعتماد الحوار الداخلي وتعدد مستويات السرد، وهو ما يجعل القارئ شريكاً في إعادة تركيب الأحداث، لا مجرد متلقٍ لها.

استلهم اليحيائي عنوان روايته من الموروث الشعبي العُماني والخليجي؛ إذ إن «حواليس» هي لعبة تقليدية يشبهها البعض بالطاولة، يمارسها الصيادون عبر حفرٍ في الرمال وتحريك القواقع والحجارة. ويحمل هذا الاختيار دلالة رمزية لافتة، حيث تبدو الرواية أشبه برقعة تاريخية تتداخل فيها الإرادات والأقدار، وتتحرك عليها الشخصيات بين التقدم والتراجع، والربح والخسارة، والصراع بين السلطة والقبيلة.

تفتتح الرواية صفحاتها بعبارة شهيرة للروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا: «الرواية تدريب على الحرية»، لتكشف سريعاً عن ملامح لعبة روائية مبتكرة تتنقل بالقارئ عبر فضاء زمني ممتد لأكثر من قرن؛ يبدأ من أواخر القرن التاسع عشر وصولاً إلى تسعينات القرن العشرين.

تنطلق «حواليس» من فكرة سردية وتقنية روائية مغايرة في بناء النص الأدبي (تعدد الأصوات وكسر الجدار الرابع بين المؤلف ونصّه)؛ وشخصيات الرواية لا تعيش داخل الحدث فحسب، بل تُبدي وعياً مقلقاً بكونها شخصيات مكتوبة، تعلّق على فعل السرد نفسه، ومشدودة إلى كاتبٍ يمنحها الحياة أو يحجب عنها مصائرها.

وبلغة دقيقة ومشحونة بالتوتر، تفكك «حواليس» بنى العنف السياسي، والولاء، والخيانة، وتعيد مساءلة مفاهيم البطولة والشرعية والتاريخ الرسمي، من خلال شخصيات تقف على تخوم السلطة أو في ظلالها.

تؤدي شخصيات الرواية أدواراً سياسية واجتماعية وإنسانية، أبرزها شخصية «القومندان»، وهو جنرال سابق يرمز إلى فئة أسهمت في بناء الدولة الحديثة، وتقاطعت أدوارها مع السلطة والنفوذ الاقتصادي. وكذلك الشيخ عبد الله بن راشد، الذي اغتيل بطعنات خنجر غامضة بعد عقود من نضاله؛ ويجسد تياراً من تيارات المقاومة القبلية والشعبية للتدخلات الأجنبية، وبين هاتين الشخصيتين يأتي أبناء الشيخ عبد الله ومساعد القومندان، الذين يوسعون مساحة الحوار داخل الرواية، بما يعزز التوازن بين الذاكرة الجماعية والواقع الاجتماعي وتحولاته على مدى نصف قرن.

الرواية والتاريخ

نجح الروائي اليحيائي في روايته «حواليس» في إنتاج عمل أدبي جريء يزاوج بين السياسي والإنساني، ويؤكد قدرة الرواية على مساءلة الذاكرة الجماعية دون الوقوع في خطاب آيديولوجي مباشر، وتضع الرواية القارئ مباشرة أمام الثمن الإنساني الباهظ للتحولات الكبرى، لتطرح سؤالين جوهريين: كيف يُكتب التاريخ؟ ومن يملك حق روايته؟

سبق لليحيائي أن قال في حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» عن اهتمامه بتقديم الحدث التاريخي كمادة أدبية للرواية، إن «كل كتابة هي نصّ تاريخي. لكن الرواية ليست وثيقة تاريخية. والرواية تنهض على الحدث التاريخي. ولا توجد رواية لم تنهض على حدث تاريخي».

وقال: «أنا مهتم بالتاريخ إجمالاً، وبتاريخ عُمان على نحو أخص، ودارس للتاريخ، وأظن أن تاريخنا مادة خام لم نحسن، حتى الآن، توظيفها في أعمال أدبية وفنية، بما في ذلك المسرح والسينما، لكن من المهم التنبه إلى أن الحدث التاريخي أو الشخصية التاريخية وحدهما لا يكفيان لكتابة رواية أو إنتاج عمل فني، بل ربما يكون التاريخ معيقاً لذلك، إذا لم نمتلك القدرة على نقد التاريخ ومساءلته، وإذا لم نمتلك حرية الخيال في تهشيم المقدس في تاريخنا وفي ماضينا وجعله عادياً، بل ومادة للعب».

من أجواء الرواية

«هل شعرنا بالإحباط لأنها أخذته منا؟ نعم، ولكن بدرجات متفاوتة، تفاوت المكانة التي يحتلها كل واحد منا في الرواية، كما ستكتشفون بأنفسكم، إذا ما عاد إلى الكتابة، وإذا ما قُدّر لمصائرنا أن تمضي إلى نهايتها، وللرواية أن تنشر».