وولف: صائغ الكلم الذي فتح بوابات جحيم الواقع

ترك خلفه 13 كتاباً و4 روايات ومئات المقالات

توم وولف
توم وولف
TT

وولف: صائغ الكلم الذي فتح بوابات جحيم الواقع

توم وولف
توم وولف

عندما أغمض توم وولف (1930 – 2018) عينيه للمرة الأخيرة الشهر الماضي كان يُسدل بغيابه ستاراً تأخَّر نزوله بعض الوقت على مرحلة استثنائيّة في الصحافة الأميركيّة المعاصرة غيّرت جذرياً أساليب الكتابة والتحقيقات الصحافية -حتى إنها سُميّت «الصحافة الجديدة»- ليفتح الباب على مصراعيه للجيل الجديد من تنانين صحافة الأخبار الكاذبة ودجالي «تويتر» وعصابات الظلام السيبري على «فيسبوك» وأخواته ليسرحوا ويمرحوا في حياكة سرديّاتهم البغيضة من مقاهي الطريق أو أقبية الأجهزة الغامضة أو حتى من غرف نومهم. وولف الذي كان بصحافته الجديدة تلك قد قلب عالم الكتابة الصحافية الأميركيّة رأساً على عقب، مُسقطاً في طريقه أصنام الكتابة التقليديّة مزاوجاً بين صياغة الحدث ولغة الأدب ليصبح نموذجاً للصحافي العابر للخطوط الآيديولوجيّة والباحث عن الحقيقة وراء الصورة، انتهى بإيقاظ زملاء المهنة في طابق الإعلام المرئي الذين اكتشفوا كم كانوا بُلَهَاء في بحثهم عن الخيال لإثارة الجماهير في الوقت الذي كان فيه الواقع بتفاصيله أوقع أثراً بما لا يقاس.
لم تكن صحافة وولف الجديدة أول «صحافة جديدة» تعرفها أميركا. لقد كانت صحافة تابلويد «البنس الواحد» في النصف الأول من القرن التاسع عشر صحافة جديدة وقتها، تلتها بعد نصف قرن صحافة التابلويد الصفراء التي سميّت بدورها «الصحافة الجديدة»، وكلتاهما كانت تعبيراً عن روح جيل القرّاء وتحولات الأزمنة الأميركيّة وقتها. صحافة وولف أيضاً كانت صوتاً ثوريّاً احتاج إليه جيل الشباب الأميركي الغاضب في ستينات وسبعينات القرن العشرين، الذي لم تعد ترقى إلى ذائقته تقارير صحافة الجيل القديم الجافة التي تُخفي أكثر مما تُظهر وتقول للناس ما يريدون سماعه فحسب، ملتزمة أفعال الماضي والمبني للمجهول كأنها مقدسات وعجولاً ذهبيّة.
وولف انتقل بالنص الصحافي إلى الفعل المضارع، ووقائع اللحظة القائمة، مستعيراً لغة صور النصوص الروائيّة ليغوص وراء الحدث، ولينقل بكلماته المشهد من إطار أعرض، مازجاً المشاعر بالحقائق، والألوان بالخلفيات المعتمة حتى كأنك وأنت تنوي أن تقرأ تقريراً صحافيّاً من حبر على ورق عن حدث ما، تنتهي كأنك شاهدت شريطاً ملوناً عالي الجودة عن ذات الحدث. لا الحدث بعد هذا الشريط الوولفي هو الحدث ولا الحقيقة هي الحقيقة، ولا يمكن بعده لرماديات الخبر التقليدي الثنائيّة الأبعاد أن تُرضي عيناً غرفت من أطايب الألوان وإيقاعات الصورة المجسمّة التي أودعها في كلماته. لقد منح وولف الخبر شرعيّة أن يُقرأ من أجل المتعة لا الواجب.
عداوته مع الرّمادي لم تبدأ بالصحافة، بل كانت قد وُلدت في أروقة أكاديميات الدراسات العليا. فهو بعد أن تشكلّ فضوله الصحافي إبان دراسته الجامعيّة الأولى في الأنثروبولوجيا والدراسات الأميركيّة على يد الدكتور مارشال فيشويك -الذي اشتهر بأنه كان يدفع بتلامذته لدراسة المجتمع الأميركي من خلال العمل مع عمال البناء، ونادلات المشارب، وجامعي القمامة ولاعبي كرة السلّة الشعبيّة لا في صفحات الكتب-، اصطدم في جامعة ييل العريقة بالتجريد والشكلانيّة وانعدام الخيال عند أساتذته في الدكتوراه الذين قسوا عليه حتى كاد يفشل في إحراز الشهادة. ويبدو أنه تنازل مكرهاً في ما بعد وأعاد النظر في بعض جوانب أطروحته لتناسب مزاج أساتذته، الذي كانت تغلب عليه في ما يبدو ميول يساريّة، لكن تجربته تلك أفقدته نهائياً الرغبة في امتهان العمل الأكاديمي وضخّمت في قرارة قلبه كراهيّة لا تفتر للمؤسسات الأدبيّة والفكريّة والصحافيّة جميعاً.
وُلد وولف في فرجينيا، واشتغل بعد تخرجه لدى صحف صغيرة وكبيرة في مدن مختلفة، لكنه قبٍل دونما تردد عرضاً من جريدة «نيويورك هيرالد» عام 1962 ليقضي في نيويورك كل ما بقي في جعبته من أيّام العمر، وليصبح كأنه مَعْلم من معالمها لا يحدث فيها شيء يستحق الكتابة عنه دون أن تجد وولف ببزته البيضاء الناصعة يسأل أحد أبطال الحدث عما شهده قبل أن ينتحي إلى ركن مع دفتر ملاحظاته يراقب ويدون ويسجّل الأشياء والأصوات والألوان والروائح ولا يتعب.
عندما كتب وولف بطريقته الجديدة أثار غضب المحررين والزملاء وحتى بعض القراء الذين لم يعتادوا على استعمال حواسهم جميعها عند قراءة التحقيقات الصحافية حتى وصفه الروائي الأميركي المعروف جيه. دي. سالينجر بـ«الأسلوب المسموم»، لكن محرر مجلّة «إيزكوير» التقط موهبة وولف من أول مقالة بعثها بها إليه الأخير بالبريد ودفع بها إلى النشر دون تردد. لكن موعده مع الشهرة تأخر إلى عام 1979 عندما نشر كتاب «الأشياء الصحيحة» وهو شبيه بتحقيق صحافي مطوّل عن حياة رواد الفضاء الأميركيين الذين مضى لأبعد من مجرد تسجيل مغامراتهم في السماء، باحثاً داخل أروقة حياتهم اليوميّة مع زوجاتهم وأولادهم وزمانهم. كان نصاً مذهلاً في قدرته على وصف المشاهد كما لو أنه شريط سينمائي لا تحقيق صحافي مكتوب، مما حفّز المخرج الشهير فيليب كوفمان على تحويله بالفعل إلى فيلم تجاري في السينما لقي نجاحاً رغم أن كوفمان نفسه قال إن النص فوق السينما وأقدر من الفيلم على رسم الصورة.
النجاح الكبير الذي لقيه «الأشياء الصحيحة» كان كدعوة شخصيّة لوولف للانتقال من بحر الصحافة إلى محيط الرواية الأرحب فدخله صحافيّاً له عيون تشارلز ديكنز وقلم إميل زولا ليكتب رائعته «شعلة غروريّات – 1987» التي كانت كبورتريه سجّل نفاق وتناقض وعنصريّة وجشع المدينة الأميركيّة، مستلهماً من أجواء تحقيقاته الصحافيّة السابقة في السبعينات وكتاباته عن جيل الهيبيز وراديكاليي 1968. وكما في «الأشياء الصحيحة» فقد تحوّلت شعلة غروريّاته إلى شريط سينمائي أصبح بالفعل حديث الساعة حينها.
صار وولف ظاهرة لافتة لا سيما أنه التزم بعد نيويورك ارتداء البزّات البيضاء كأرستقراطيٍّ من الجنوب –قيل إنه كان يحتفظ بأربعين منها في خزانة ملابسه- فاعتاد عليه مجتمع المدينة رجلاً آتياً من مكان بعيد يهبط إلى أرضنا في بذلته الخاصة، قد لا يعرف شيئاً لكنه يكاد يقتله الفضول ليعرف كل شيء. وما لبث أن تبعه آخرون ممن ثاروا على الكتابة الصحافية التقليديّة فأمسوا كتيار صحافة مختلفة انتشر في وقت كانت الصحف والمجلات ما زالت ذات تأثير. وقد جمع نماذج من هذه الكتابات في أنثولوجيا عنونها بـ«الصحافة الجديدة – 1973».
في مدرسة وولف، الصحافة هي «أن تراقب موضوعك عن كثب لوقت طويل حتى تتشربه قبل أن تبدأ الكتابة عنه» و«عندها فقط اكتب لتريهم لا لتقول لهم». وكان يرى أن ثلثي الكتابة الصحافية يجب أن تُستقى من مادة الواقع بينما يتبقى للموهبة والقدرة على التعبير المتفرّد الثلث الباقي. وهو في كتابته كما في حضوره الشخصي كان شديد الاعتناء بالتفاصيل، فكان يرتدي ثيابه الأنيقة ويجلس إلى المكتب ويمسك بالقلم ليفرض نفسه على الأوراق دون أن ينتظر أبداً وحياً أو إلهاماً أو مزاجاً ليأخذه إلى هناك. ويقول عنه من عرفوه عن قرب إنّه كان موهوباً كمحقق بوليسي في كيفيّة توجيهه الأسئلة واستخلاصه الحقائق من أفواه الناس.
أعمال وولف بمجموعها -13 كتاباً و4 روايات ومئات المقالات- كأنّها سجل متكامل وضعه أنثروبولوجي حاذق في صنعته للسياسة والثقافة الشعبيّة وإيقاعات الحياة في أميركا في النصف الثاني من القرن العشرين. وهناك أكثر من 150 اقتباساً من أعماله استعان بها قاموس أكسفورد للغة الإنجليزيّة كنماذج على استعمال الكلمات في معانٍ معينة. لقد كان صائغ كلمات يذيب الحروف ويصنع منها قلائد تخلب الألباب.
سياسياً، كان وولف في قلب اليمين الأميركي، ولذا فقد خاض مساجلات عدّة ضد أيقونات اليسار أمثال ليونارد برنستاين ونعوم تشومسكي، واصطدم بنقيضه في السياسة سيمور هيرش لكنّه قال علناً إنه «ربما قد لا يوافق على مضمون أعمال الصحافي اليساري المعروف لكنّه بالضرورة لا يختلف مطلقاً مع أسلوبه في الكتابة الصحافيّة العظيمة المعتمدة على التحقيق الميداني». لقد كان وولف صحافياً حقيقياً –لا يقبل النفاق والكذب والتلفيق- من طراز يبدو أنه انقرض اليوم لمصلحة صحافيين مرتزقة يكتبون هراء «ويكيبيديا» في خدمة المصالح المؤدلجة.
لكن وولف ليس بريئاً بالكليّة عن إطلاق هذه المخلوقات في فضاء الصحافة، إذ يعدّه بعض مؤرخي الثقافة الأميركيّة بمثابة أب روحي لتلفزيون الواقع استلهم منه القائمون على الشاشة الصغيرة شغف التفاصيل الماثلة واستبعاد الخيال لمصلحة الواقع الأكثر إثارة للفضول قبل أن ينتقلوا رويداً رويداً على يد الرأسماليّة المتأخرة ليستهدفوا صنع «الواقع» كما يجب أن يكون وفق أجندات مسمومة، وينتهوا اليوم إلى مجرّد تجار حقائق بديلة في خدمة سرديّات المهيمنين. إذا صحّ كلام هؤلاء المؤرخين، فإن الرجل ذا البزة البيضاء قد مضى بعد أن فتح علينا بوابات جحيم الواقع –حقيقياً كان أم ملتبساً-، وهي بوابات قد مسّتها النار، تحرقُ أيدي كل من يحاول إغلاقها، وهو حتى لن يكتب لنا ليعتذر عما فعل.



مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended