مصير قاتم ينتظر الأفغان المرحّلين من أوروبا

تهديدات {طالبان} و«داعش» وانهيار الاقتصاد عوامل تحث الشباب على الهجرة

شابان أفغانيان يتجولان في حديقة حيوانات مهجورة في جلال آباد بعد ترحيلهما من أوروبا (واشنطن بوست)
شابان أفغانيان يتجولان في حديقة حيوانات مهجورة في جلال آباد بعد ترحيلهما من أوروبا (واشنطن بوست)
TT

مصير قاتم ينتظر الأفغان المرحّلين من أوروبا

شابان أفغانيان يتجولان في حديقة حيوانات مهجورة في جلال آباد بعد ترحيلهما من أوروبا (واشنطن بوست)
شابان أفغانيان يتجولان في حديقة حيوانات مهجورة في جلال آباد بعد ترحيلهما من أوروبا (واشنطن بوست)

تذوَّق حياد سبحاني خلال السنوات الثلاث التي قضاها في بروكسل الحياة الغربية: شقة وحياة اجتماعية، ووظيفة في أحد المقاهي. كما منحته هذه الفترة أيضاً الأمل بعد أن غادر بلاده التي مزقتها الصراعات إلى الأبد، تماماً كما فعل كثير من المواطنين الأفغان قبله.
واليوم، عاد سبحاني من حيث بدأ، فهو واحد من آلاف الرعايا الأفغان الذين رحَّلَتهم أوروبا إلى بلادهم خلال الثلاثين شهراً الماضية بعد رفض طلبات اللجوء السياسي الخاصة بهم. فقد سبحاني وظيفته، ويعيش الآن في غرفة مستأجرة في هذه المدينة الواقعة على حدود البلاد الشرقية، وهو يعيش في حالة من التخبط والغموض. يقول سبحاني البالغ من العمر 25 عاماً: «لقد عملتُ بجدّ في بلجيكا. وكنت أدفع الضرائب عن عملي. وتعلمت اللغة الفرنسية. وكان لي أصدقاء وكثير من الخصوصية». ولكن بعد وقت قصير من رفض طلبه للجوء السياسي، تم ترحليه بواسطة طائرة مدنية متجهة إلى كابل، وقال: «عندما غادرت مبنى المطار، رأيت التراب والأوساخ. كما رأيت مستقبلي القاتم يتكشف أمام عيني».
عبر ثلاثة عقود من الحرب والاضطرابات الشديدة التي انتهت بحكم حركة طالبان المتطرفة للبلاد عام 2001، قبلت كثير من البلدان الأخرى الملايين من المواطنين الأفغان على أراضيها. وأغلبهم كان يعبر الحدود إلى باكستان أو إيران بكل بساطة كلاجئين. وتمكن مئات الآلاف منهم من الوصول إلى الغرب، وأقاموا لأنفسهم حياة جديدة في مجتمعات اللاجئين والمهاجرين.
ولكن خلال العامين الماضيين، شددت بلدان أوروبا الغربية من الأمن على حدودها، ورفضت المزيد من طلبات اللجوء، وسرّعت من عمليات الترحيل. وحتى مع استمرار العمليات المشتركة بين القوات الأفغانية وقوات حلف شمال الأطلسي في مكافحة التمرد المسلح داخل أفغانستان، تقول الحكومات الغربية إن أفغانستان ليست خطيرة للدرجة التي تدفع المواطنين الأفغان إلى طلب الملاذ الآمن في خارج البلاد.
بيد أن هذا لا يعني بالضرورة أن أفغانستان على استعداد لتلقي المهاجرين الشباب وأكثرهم طموحاً في الحياة، مع تصدُّرها قائمة أكثر بلدان العالم فقراً. وعلى غرار سبحاني، كان العائدون من الخارج قد بلغوا سن الرشد في حقبة ما بعد طالبان، تلك التي أوهمتهم بآفاق التغيير والحرية، ولكن في ظل القليل من الإمكانات الملموسة لتحقيق مستقبل أفضل للبلاد. ولقد دفعهم هذا الإحباط إلى خارج البلاد، بقدر ما دفعتهم الحرب.
أما الآن، فقد عادوا إلى بلادهم في مواجهة آفاق العمل القاتمة، مع بطالة بلغت 40 في المائة، وعودة لاجئي الحرب من باكستان وإيران، ودخول ما يقارب 400 ألف مواطن جديد إلى سوق العمل المحلية في كل عام. وقد ترى فيهم العائلات أعباء غير متوقعة، خصوصاً أن الكثير منهم يدينون للأقارب بآلاف الدولارات اقترضوها لأجل السفر إلى الغرب.
ورغم أن القليل منهم قد يكونون على قائمة استهداف طالبان، فإن مجتمعاتهم المحلية أبعد ما تكون عن مجتمعات آمنة، إذ يسيطر المتمردون أو يتمتعون بنفوذ كبير على ما يقرب من 40 في المائة من الأراضي الأفغانية، ويشنون الهجمات المتكررة على المدن والقرى.
وفي حين أن القانون الدولي يحظر على الحكومات إرسال المهاجرين واللاجئين إلى المناطق التي قد تتعرض حياتهم فيها للخطر، إلا أن ذلك لا يحول دون ترحيلهم.
والتساؤل الذي يثيره المهاجرون، والذي تحاول الحكومات الأوروبية الإجابة عنه، هو كيفية اتخاذ القرار بشأن الأشخاص الفارين من الدول الفقيرة والمتناحرة، الذين يستحقون فرصة منصفة في حياة آمنة وذات جدوى. وبعبارة أخرى: كيف يرسم خط واضح يفصل بين الخطر واليأس؟
لم يكن الغزو أو هجمات المتمردين أو الاضطهاد الديني هو الذي دفع بعشرات الآلاف من الأفغان للفرار من البلاد والتوجه غرباً خلال السنوات القليلة الماضية. إنما هم غادروا البلاد خلال فترة الحكم الديمقراطي، بدعم من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، في حين كانت الحكومة الأفغانية تحض اللاجئين منذ فترة طويلة على العودة إلى ديارهم.
أغلبهم كانوا من الشباب غير المتزوجين، مثل سبحاني وثلاثة من أصدقائه. بعضهم جاء من المناطق الريفية التي شكلت حركة طالبان فيها التهديد الأمني المستمر، والمزيد منهم يرجع بأصوله إلى المدن التي لم تشهد ذلك التهديد. ولكن عندما انسحبت القوات الغربية من البلاد في عام 2014، أسفر ذلك عن انهيار اقتصاد الحرب القائم على وجود الأجانب.
ومع انتشار أخبار بأن اللاجئين من سوريا كانوا يصلون إلى أوروبا ويُسمح لهم بالبقاء هناك، قرر كثير من المواطنين الأفغان تجشم المشاقّ ذاتها، والانضمام إلى أكبر نزوح عالمي من الأراضي المضطربة منذ الحرب العالمية الثانية. وكثيراً ما كانت العائلات تحض ذويها على المغادرة والرحيل، وسافروا آلاف الأميال عبر تركيا وأوروبا الشرقية، وكثير منهم لا يحمل أوراق سفر ثبوتية تحدد هويتهم أو خططاً واضحة لتأمين اللجوء السياسي في الغرب المتعاطف.
وفي عام 2015، وصل أكثر من 200 ألف مواطن أفغاني إلى أوروبا الغربية، وتقدم 80 في المائة منهم بطلبات الحصول على اللجوء السياسي وحصلوا بسببها على حق الإقامة المؤقتة في الدول الغربية الثرية، لا سيما ألمانيا. وكان الناس متعاونين، وكان السكن ودروس اللغة مجانية. ومع مرور الوقت، سمح المهاجرون لأنفسهم بالاعتقاد بأنهم سوف يحصلون في نهاية المطاف على الوضعية القانونية الكاملة.
غير أن التوجهات في أوروبا تغيرت مع زيادة تدفق المهاجرين، الأمر الذي حوّل التعاطف إلى القلق واشتعال الحركات المناوئة لوجود المهاجرين في البلاد. وسببت الفظائع السورية صدمات قوية للعالم أجمع، ولكن محنة الأفغان لم تكن واضحة تماماً. وقال أحد رفاق سبحاني الذين عادوا إلى وطنهم إنه تعرض للتهديد من جانب حركة طالبان لعمله مع الجيش الأميركي، ولكن لم يكن لديه أي وسيلة لإثبات ذلك.
وفي ألمانيا، اعتمد المسؤولون سياسة أكثر تشدداً، إذ أعلن وزير الداخلية توماس دي ميزير في أواخر عام 2015 عن رفض أغلب طلبات اللجوء السياسي التي تقدم بها الرعايا الأفغان، وقال إن أغلبهم من سكان العاصمة كابل من أبناء الطبقة المتوسطة من الذين ينبغي عليهم البقاء في بلادهم والمساعدة في بناء وطنهم.
وتلقى كثير من طالبي اللجوء الأفغان في أوروبا إخطارات الرفض. وكان من حيثيات الرفض أنهم ليسوا لاجئين فارين من تهديد أمني، ولكنهم من المهاجرين غير الشرعيين الذين يحاولون البحث عن حياة أكثر راحة وأماناً.
ونددت جماعات حقوق الإنسان بالسياسات الصارمة الجديدة، وطالبت بأن تتوقف الدول الأوروبية عن إعادة كافة طالبي اللجوء الأفغان إلى بلادهم.
وفي مايو (أيار) الماضي، وبعد انفجار شاحنة مفخخة في العاصمة كابل ومقتل 150 شخصاً، وافقت الحكومة الألمانية على ترحيل أصحاب السجلات الجنائية فقط أو غيرهم من مثيري المشكلات الأمنية.
واليوم، أصبحت الظروف أكثر سوءاً. وشنَّت حركة طالبان وتنظيم «داعش» الإرهابي المزيد من الهجمات الإرهابية في كابل وغيرها من المدن الأفغانية، وظلت الإصابات بين المدنيين تقترب من المستويات القياسية. وتسيطر حركة طالبان الآن على مساحات من الأراضي أكثر من أي وقت مضى. ولكن بموجب اتفاقية أبرمت الخريف الماضي مع الجهات الأوروبية المانحة، لا بد أن تقبل أفغانستان كل مواطن يُرفض طلب لجوئه لأوروبا.
ويقول حافظ أحمد ميكائيل، المتحدث الرسمي باسم وزارة شؤون اللاجئين والعائدين الأفغان التي تعارض الاتفاقية بشدة: «لدينا مشكلات أمنية في البلاد. ولدينا مشكلات اقتصادية. ولدينا 1.6 لاجئ عائدين من باكستان وإيران. ولقد وقّعنا على الاتفاقية ونتعاون مع مختلف الأطراف، ولكننا طلبنا مراراً وتكراراً أن تراجع أوروبا سياساتها حيال أفغانستان».
* خدمة صحيفة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»



ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
TT

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء، أنه أجرى «مكالمة طويلة» مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز، في أوّل اتّصال بينهما منذ الإطاحة بنيكولاس مادورو.

وقال ترمب لصحافيين في المكتب البيضوي «أجرينا مكالمة ممتازة اليوم، وهي شخص رائع»، مستطردا «ناقشنا أموراً كثيرة وأظنّ أننا نتفاهم جيّداً مع فنزويلا». ومن جانبها قالت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ‌إنها أجرت ‌مكالمة ‌هاتفية ⁠طويلة ​ومثمرة ‌ولائقة مع الرئيس الأميركي ناقشا فيها ⁠خططا ثنائية ‌لصالح ‍البلدين.

تزامناً، خاطب الرئيس الفنزولي المحتجز في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو، مواطنيه من سجن في الولايات المتحدة وحثهم على دعم رودريغيز.

وقال نجل مادورو، نيكولاس مادورو غويرا، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الرسمية الفنزويلية (أيه في إن) إن: «الرسالة التي تلقيناها تقول: ثقوا في ديلسي وفريقها، وثقوا بنا». ووصف غويرا، مادورو وزوجته سيليا فلوريس بأنهما متماسكان جدا وقويان، ويتمتعان بضمير حي وثقة بالله والشعب الفنزويلي.

وكانت قوات خاصة أمريكية قد اعتقلت مادورو وفلوريس في كاراكاس في 3 يناير (كانون الثاني) ونقلتهما إلى نيويورك، وهناك، من المقرر أن يمثلا للمحاكمة بتهم مزعومة تتعلق بالاتجار بالمخدرات.

وعقب ذلك أدت رودريغيز، التي كانت سابقا نائبة الرئيس في ظل حكم مادورو، اليمين كرئيسة مؤقتة للدولة.

وأدانت رودريغيز بشدة العملية الأميركية واستمرت في الإشارة إلى أن مادورو باعتباره الرئيس الشرعي لفنزويلا، وعرضت أيضا على الولايات المتحدة إجراء محادثات حول تعاون محتمل.

وأفرجت رودريغيز عن عدد من السجناء السياسيين في الأيام الأخيرة، وترغب في الاستمرار بذلك.


هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

تكتسي غرينلاند أهمية حقيقية بالنسبة للدفاع الصاروخي الأميركي، ولكن لدى واشنطن خيارات أخرى لبناء الدرع الصاروخي أو «القبة الذهبية» كما سماها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من دون الحاجة إلى الاستحواذ على الجزيرة القطبية التي أكد أنّها «حيوية» للأمن الأميركي.

ما هي قدرات الدفاع الصاروخي الأميركي؟

يتألّف نظام الدفاع الصاروخي الباليستي الأميركي من أقمار صناعية وشبكة رادارات إنذار مبكر لرصد الصواريخ وتتبعها. وتتموضع هذه الأنظمة، في مواقع تشمل جزر الوشيان (المحيط الهادئ) وألاسكا وبريطانيا العظمى وغرينلاند.

ويمكن للولايات المتحدة أيضاً الاعتماد على رادارات سفن إيجيس المجهّزة بقدرات مضادة للصواريخ. كما يمكنها الاعتماد على الرادارات الموجودة في ديفيسيلو في رومانيا، وريدزيكوفو في بولندا.

وتملك واشنطن أنواعاً عديدة من الصواريخ الاعتراضية، بما في ذلك 44 صاروخاً من طراز «جي بي آي» (GBI) المنتشرة في كاليفورنيا وألاسكا.

ووفقاً لإتيان ماركوز، الباحث في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية (FRS)، فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال نشر هذه الصواريخ إلى «مواجهة أي تهديد قادم من القارة الآسيوية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّ «صوامع صواريخ (جي بي آي) ليست في وضع جيد لاعتراض أي تهديد قادم من روسيا».

وأوضح ماركوز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنّ نشر صواريخ «جي بي آي» لن يكون مرجّحاً في مواجهة تهديد من الشرق، إذ يمكن نشرها بدلاً من ذلك في شمال شرقي الولايات المتحدة.

ورأى أنّه إذا كان هدف ترمب وضع رادارات وصواريخ اعتراضية «في المكان المناسب»، فإنّ السبب المعلن وراء ضم غرينلاند ليس إلا «ذريعة»، موضحاً أنّ «هناك بعضاً من هذه الصواريخ في بولندا ورومانيا، لذا فإنّ هذه الحجة غير مقنعة».

فضلاً عن ذلك، تملك الولايات المتحدة على متن مدمّرتها من طراز «إيجيس»، وأيضاً في بولندا ورومانيا، صواريخ «إس إم-3» (SM-3) المصمّمة لاعتراض الرؤوس الحربية النووية في الفضاء بمجرّد انفصالها عن الصاروخ، بينما يمكن لنظام «ثاد» الأميركي اعتراض الرؤوس الحربية خلال المرحلة النهائية في طبقات الغلاف الجوي المرتفعة.

ما هو مشروع القبة الذهبية؟

فور توليّه منصبه، أعلن الرئيس ترمب عن مشروع القبة الذهبية، الذي يهدف إلى حماية الأراضي الأميركية من جميع أنواع الصواريخ. ويعتزم الرئيس الأميركي تخصيص 175 مليار دولار لإنشاء نظام تشغيلي بحلول نهاية ولايته، وهو طموح يعدّه العديد من الخبراء غير واقعي في غضون هذه الفترة الزمنية.

ووفقاً لتقديرات تود هاريسون من معهد «أميركان إنتربرايز» (American Enterprise Institute)، سيكلّف المشروع نحو تريليون دولار على مدى 20 عاماً وما يصل إلى 3.6 تريليون دولار لدرع أكثر فاعلية.

ويتمثّل الابتكار الرئيسي المخطط له، في نشر أسطول من الأقمار الصناعية الاعتراضية في مدار أرضي منخفض، معدّة لتخرج من مدارها لتصطدم بالصاروخ المستهدف.

وقال إتيان ماركوز إنّه «في حال الفشل، يجب أن تكون هناك خيارات إطلاق أخرى»، مشيراً إلى أنّ «الولايات المتحدة ستقوم أيضاً بتحسين» قدراتها الصاروخية والاعتراضية براً وبحراً.

لماذا غرينلاند؟

وفيما أوضح أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تُطلق على الولايات المتحدة ستمر فوق القطب الشمالي، فقد أشار إلى ضرورة امتلاك رادارات للكشف عنها وقدرات اعتراضية. ويملك الجيش الأميركي حالياً أنظمة رادار في قاعدته في بيتوفيك في شمال غربي غرينلاند.

وفي ما يتعلق بعمليات الرصد، فقد قال ماركوز إنّه «من المفيد دائماً وجود رادارات في غرينلاند» لتتبع الصواريخ في الفضاء، لكنّه أشار إلى أنّ «أهميتها ستتضاءل تدريجياً»، موضحاً أنّ «الولايات المتحدة تنشر حالياً أقماراً صناعية في مدار أرضي منخفض (HBTSS)، خصوصاً لتتبّع الصواريخ خلال تحليقها خارج الغلاف الجوي».

علاوة على ذلك، فإن اتفاقيات الدفاع الحالية بين الولايات المتحدة وغرينلاند والدنمارك تسمح لواشنطن بالقيام بالكثير.

وقالت ميكا بلوجيون ميريد، الباحثة في الجغرافيا السياسية القطبية، لوكالة «فرانس برس»، إنّ «بإمكان الولايات المتحدة وضع موارد تقنية ومادية وبشرية في غرينلاند من دون قيود. بل يمكنها أيضاً أن تعيد تموضع مواردها النووية إذا أرادت. ومع ذلك، فإن النقطة الأساسية هي ضرورة إبلاغ السلطات في الدنمارك وغرينلاند واستشارتها».

وأضافت: «إذا رفض الدنماركيون مشروعاً بعد استشارتهم، وقامت الولايات المتحدة بتنفيذه من جانب واحد، فقد يُفسر ذلك على أنه انتهاك للسيادة الدنماركية، وسيؤدي إلى تصعيد دبلوماسي وسياسي. لذا، لا تملك الدنمارك حقّ النقض بالمعنى القانوني للكلمة، ولكن في الواقع، فإنّ ما تفعله الولايات المتحدة في غرينلاند يتطلب اتفاقاً سياسياً».


وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

انتهى الاجتماع الذي عقده نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مع لارس لوك راسموسن وزير خارجية الدنمارك وفيفيان موتزفيلدت وزيرة خارجية غرينلاند، صباح الأربعاء بالبيت الأبيض، دون التوصل إلى اتفاق وسط إصرار من جانب الرئيس دونالد ترمب على الاستيلاء على الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي تحت التاج الدنماركي، وإصرار أكثر دبلوماسية من الجانبين الدنماركي والغرينلاندي على حماية السيادة ورفض التهديدات الأميركية والتأكيد أن الجزيرة ليست للبيع وأن سكانها يفضلون البقاء جزءاً من المملكة الدنماركية بدلاً من الانضمام إلى الولايات المتحدة.

وعقب الاجتماع، لمّح الرئيس الأميركي إلى إمكانية التوصّل إلى حلّ بشأن غرينلاند. وقال ترمب في تصريحات للإعلام من المكتب البيضاوي إن «العلاقة جيّدة جدّا مع الدنمارك» التي تتبع لها غرينلاند، وأضاف «أظنّ أننا سنتوصل إلى شيء ما».

وحاول كل من فانس وروبيو عرض خيارات متنوعة بما في ذلك استثمارات اقتصادية، فيما كرر مسؤولا الدنمارك وغرينلاند رفضهما لهذه الإغراءات الأميركية. وتجنباً للتصعيد قدم الجانب الدنماركي مقترحات بتعزيز التعاون وإنشاء مجموعة عمل بين كافة الأطراف بما يمنع انفجار أزمة داخل حلف الناتو.

وصرحت فيفيان موتزفيلدت، وزيرة خارجية غرينلاند، للصحافيين بعد الاجتماع بأن الوفد أظهر «الحدود الواضحة للسيادة»، مضيفة أن «من مصلحة الجميع العثور على الطريق الصحيح». وشددت موتزفيلدت على رفض نوك (عاصمة غرينلاند) أي تنازل عن سيادتها كإقليم ذاتي الحكم تابع للدنمارك، مؤكدة أن الاجتماع كان خطوة لتجنب التصعيد.

تهدئة التصعيد

من جانبه قال لوك راسموسن وزير الخارجية الدنماركي للصحافيين، إنه يأمل أن يساعد الاجتماع بشأن غرينلاند في البيت الأبيض حكومات الدول الثلاث على تهدئة حدة الحوار الدبلوماسي بعد تبادل الانتقادات اللاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال: «هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من الجلوس على مستوى سياسي رفيع لمناقشة الأمر، ونأمل في خفض درجة الحرارة الدبلوماسية بعد تبادل الاتهامات على وسائل التواصل».

وأضاف أن سبب طلب الدنمارك وغرينلاند عقد الاجتماع هو إضفاء مزيد من الدقة على المناقشة، وقال: «من المفيد بدء المناقشات على مستوى عالٍ»، واصفاً الاجتماع بأنه «صريح وبناء»، وأقر بوجود «خلاف أساسي وقال: «اتفقنا ألا نتفق».

وأشار لوك راسموسن إلى أن الولايات المتحدة قلصت وجودها العسكري في غرينلاند بعد الحرب الباردة، عندما كانت تمتلك عدة قواعد وآلاف الجنود في الجزيرة. الآن، لا تملك الولايات المتحدة سوى قاعدة واحدة هناك. كما أشار إلى اتفاقية تعود إلى حقبة الحرب الباردة تمنح الجيش الأميركي حق الوصول الواسع إلى غرينلاند، والتي قال إنها ستسمح للولايات المتحدة بتحقيق جميع أهدافها العسكرية.

متظاهرون خلال مظاهرة تحت شعار «غرينلاند ملك لشعب غرينلاند» في نوك... غرينلاند في 15 مارس 2025. وقال رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن في 14 يناير 2026 إن الوقت الحالي «ليس مناسباً» للحديث عن استقلال الجزيرة القطبية الشمالية في المستقبل وتعريض حقها في تقرير المصير للخطر... في ظل تصاعد تهديدات الرئيس الأميركي ترمب بالسيطرة عليها (أ.ف.ب)

وفي إجابته عن أسئلة الصحافيين حول الأوضاع الأمنية ومطامع روسيا والصين التي يحذر منها الرئيس ترمب قال راسموسن: «نتشارك معه، إلى حد ما، في مخاوفه. هناك بالتأكيد وضع أمني جديد في القطب الشمالي والشمال الأقصى». لكنه رفض أي فكرة لبيع الجزيرة.

وأوضح وزير الخارجية الدنماركي أن الاتفاقية المبرمة بين بلاده والولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية تمنح الجيش الأميركي «وصولاً واسعاً» لجزيرة غرينلاند، قائلاً إنها كافية لتحقيق جميع الأهداف العسكرية. وأوضح أنه اقترح تشكيل «مجموعة عمل عالية المستوى» لمناقشة أمن غرينلاند – قد تجتمع في أسابيع – يمكن أن يكون بوابة لتفادي الأزمة.

وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت تتحدث في مؤتمر صحافي عُقد في سفارة الدنمارك يوم الأربعاء الموافق 14 يناير 2026 في واشنطن (أ.ب)

كاريكاتير البيت الأبيض

ونشر البيت الأبيض كاريكاتيراً على منصة «إكس» أثناء الاجتماع، يظهر زلاجتي كلاب تحملان علم غرينلاند أمام طريقين في تل ثلجي. طريق يؤدي إلى علم أميركي يغطي الشمس فوق البيت الأبيض، والآخر إلى برق خلف أعلام روسية وصينية. لا وجود لطريق يؤدي إلى الدنمارك! في إشارة إلى موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب واستراتيجيته في تصوير مستقبل غرينلاند كخيار بين «الأمان الأميركي» و«التهديد الشرقي»، في حملة نفسية من واشنطن لتصوير الدنمارك كـ«غائبة» عن المعادلة، مما يضغط على غرينلاند للانفصال عن كوبنهاغن.

غير مقبول

واستبق الرئيس ترمب هذا الاجتماع ونشر في وقت مبكر صباح الأربعاء تغريدة على منصة «تروث سوشيال» قال فيها إن أي شيء أقل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند سيكون «غير مقبول».

وأضاف ترمب: «تحتاج الولايات المتحدة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي. إنها حيوية لمشروع القبة الذهبية الذي نبنيه. يجب أن يقود حلف الناتو الطريق لنا للحصول عليها. إذا لم نفعل ذلك، فستفعل روسيا أو الصين، وهذا لن يحدث!». وتابع: «عسكرياً، من دون القوة الهائلة للولايات المتحدة، التي بنيتُ جزءاً كبيراً منها خلال فترة ولايتي الأولى، وأعمل الآن على رفعها إلى مستوى جديد وأعلى، لن يكون حلف الناتو قوة فعالة أو رادعة - على الإطلاق! إنهم يعرفون ذلك، وأنا أيضاً أعرف ذلك». وشدد موجهاً حديثه لدول حلف الناتو: «حلف الناتو يصبح أكثر قوة وفعالية بكثير مع وجود غرينلاند في أيدي الولايات المتحدة، وأي شيء أقل من ذلك غير مقبول».

تحركات عسكرية أوروبية

وقد حشد حلفاء الدنمارك في حلف الناتو - الدول الأوروبية الكبرى بالإضافة إلى كندا - دعمهم لها هذا الأسبوع ببيانات تؤكد مجدداً أن «الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران بشأن المسائل المتعلقة بعلاقاتهما»، وشددوا على أنهم حريصون مثل الولايات المتحدة على أمن القطب الشمالي، وقالوا إنه يجب تحقيق ذلك بشكل جماعي من قبل الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، كما دعوا إلى «التمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود».

غادر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مبنى أيزنهاور للمكاتب التنفيذية في مجمع البيت الأبيض بعد اجتماع مع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت في واشنطن العاصمة في 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وحذر مفوض الدفاع الأوروبي أندريا كوبيليوس من أن «الاستيلاء العسكري الأميركي على غرينلاند سيكون نهاية الناتو»، واقترح تعزيز الدعم الأوروبي لغرينلاند، بما في ذلك نشر قوات وبنية تحتية عسكرية مثل سفن حربية وأنظمة مضادة للطائرات من دون طيار، إذا طلبت الدنمارك ذلك. فيما أعلنت السويد إرسال ضباط عسكريين إلى غرينلاند، كجزء من تعزيز الوجود العسكري في الجزيرة التابعة للدنمارك، واكد رئيس الوزراء السويدي اولوف كريسترسون أن الضباط السويديين وصلوا إلى غرينلاند كجزء من مجموعة من عدة دول حليفة للمشاركة في تمارين عملية القطب الشمالي بناءً على طلب رسمي من كوبنهاغن.

ويقول المحللون إن السويد، كعضو جديد في الناتو، وبهذه التحركات ترسل رسالة واضحة للإدارة الأميركية بأن أوروبا لن تترك الدنمارك وحدها، وأن منطقة القطب الشمالي ليست ملعباً أميركياً حصرياً، على أمل أن يدفع ذلك الرئيس ترمب إلى إعادة حساباته.