أدب الأطفال يحقق قفزات نوعية في لبنان

نشاط حول كتاب للطفل

أدب الأطفال يحقق  قفزات نوعية في لبنان
TT

أدب الأطفال يحقق قفزات نوعية في لبنان

أدب الأطفال يحقق  قفزات نوعية في لبنان

شهد أدب الأطفال باللغة العربية تطوراً ملموساً في السنوات العشر الأخيرة في لبنان. تغيرت الشكاوى، واختلفت التطلعات أيضاً. لم يعد الناشر أو المسؤولون عن الاختيارات مجرد تجار أو همزة وصل بين الكاتب والطفل. صار بينهم متخصصون في أدب الطفل، وحَمَلة شهادات عليا في المجال. الصغار يعيشون تجربة لم تُكتب لسابقيهم، والدور، لحسن الحظ، في عدد منها، تواكب التحولات، وتحاول أن تسد الثغرات، مع كتاب وفنانين ورسامين هم أيضاً يحاولون مجاراة مرحلة مفصلية لم تعد سهلة في متطلباتها. لكن ما يشكو منه الجميع هو غياب الأرقام الرسمية أو الدراسات الجادة التي تساعد الدور على تعديل عملها أو تقويمه تبعاً للحاجات الحالية أو المتوقعة خلال سنوات. وبدل أن تقدم الوزارات المعنية في لبنان المعلومات للدور، فإن الناشر هو الذي يجتهد ليستطلع الاحتياجات من خلال عمله مع المدارس والأهل والمؤسسات.
وتقول جوانا المير مديرة النشر لقسم كتب الأطفال في «دار سمير» التي احتفلت بعامها السبعين قبل سنتين: «ليت هناك إحصاءات تقوم بها نقابات، أو وزارات، تعطينا مؤشرات حول الجو العام. فقد يكون الأطفال على مستوى باللغة العربية أفضل من الذي نتوقعه. في الوضع الحالي نحن نعمل وفق انطباعات أحيانا وتصورات تقريبية». كل دار لها رأيها لكنّ هناك اتفاقاً على أن الأطفال يقرأون أكثر وهم في سن صغيرة، أي من سنّ الثالثة إلى السابعة، وقد يمتد اهتمام الأهل إلى نهاية المرحلة الابتدائية، لكن القبضة العائلية تتراخى بعد ذلك. ويعتمد الأمر على الطفل نفسه، إن كان قد اختار الاستمرار في مصاحبة الكتاب أو تفضيل أمور أخرى.
هؤلاء الأطفال يحتاجون لإحاطة وتشجيع مستمرين كي يحافظوا على علاقتهم مع الكتاب. وتعزو د. شيرين كريدية صاحبة «دار أصالة» سبب إقبال صغار الأطفال في سن مبكرة على القراءة إلى الاهتمام الكبير الذي توليه العائلة اللبنانية لتعليم أولادها وتفوقهم في دراستهم، وكذلك إلى طبيعة المناهج الحديثة وطرائق التعليم التي باتت ترى في المطالعة جزءاً رئيسياً من العملية التعليمية، في الصف كما في البيت وفي العطلة الصيفية. وتضيف كريدية: «بات هناك وعي لدى المعلمات بأهمية القراءة، وأن الطفل لا يدرك المفاهيم إلا من خلال الكتب والمطالعة وقراءة القصص، وهذا لم يكن موجوداً سابقاً».
وإذا كان الأهل قد تعودوا الذهاب إلى معرض الكتاب وشراء الكتب، فإن التردد على المكتبات بشكل دوري، لم يدخل بعد في تقاليد الأسر، وفي أسلوب تنشئة أطفالها. لذلك فإن أغلب الكتب التي تباع إن لم يكن لوزارات أو مؤسسات ومدارس، فهي التي تُطلَب للمطالعة من قبل المعلمات أو تلك التي يتم شراؤها في معرض الكتاب.
واحدة من المشكلات التي تواجه التربويين في لبنان هي تشجيع الأهل لأولادهم على قراءة الكتب الأجنبية على اعتبار أن العربية هي لغتهم الأم التي سيتكلمونها يوماً، أما وقد ثبت أن إهمال العربية لن يؤدي إلى النتائج المرجوة، فقد استيقظ بعض الاهتمام ولو متأخراً. وتقول الدكتورة نبيهة محيدلي صاحبة «دار الحدائق»: «هذه عقدة تجد طريقها ليحل مكانها عقدة التكنولوجيا. من الملاحَظ أن نظرة الأهل اختلفت عن السابق، ويعتقدون أن عزوف أطفالهم عن الإقبال على الكتب العربية هو مشكلة، وتراهم يشكون من هذا الأمر ويضعون اللوم على التكنولوجيا. لا يخلو الأمر من بعض الأهالي الذين يعتبرون أن عزوف أولادهم عن العربية يمكن أن يُعوّض بلغات ثانية، ويضعون اللوم على عدم وجود كتب جذابة وروايات شبيهة بالروايات الأجنبية». وتعي دور النشر بشكل عام أن الفجوة بين العامية والفصحى تشكل عائقاً أحيانا أمام الأطفال: «الكتاب بدورهم يدركون أن دورهم هو تقريب لغتهم من العامية، واختيار الألفاظ البسيطة، والعبارات المناسبة لكل فئة عمرية، سواء كان الكتاب مترجماً أو مؤلفاً بالعربية، وهذه مهمة ليست دائماً بالسهلة»، حسب جوانا المير. وتضيف: «الفجوة بين المحكي والمكتوب موجودة في كل اللغات، ونحن تعلمنا الفصحى ولغات أجنبية ولم تكن لدينا كل التسهيلات والكتب المسلية المتوفرة اليوم»، محمِّلة الأهل بعضاً من المسؤولية عن التراخي.
«في نهاية التسعينات كان الأكثر شيوعاً هي الكتب المترجمة التي تقدم معلومات مفيدة للأطفال مع صور جذابة، ثم بدأت سلاسل المطالعة التي تواكب المناهج الحديثة، وتلك التي تعنى بالطفولة المبكرة». تقول كريدية التي تحمل ماجستير في أدب الأطفال وشهادة دكتوراه في النشر، وتدربت في دار نشر أجنبية، وهي تعمل حالياً مع فريق شكَّلته من خلال نشر إعلانات، واختبار مهارات وغربلة للوصول إلى أفضل الكُتّاب والرسامين: «نحن نتناقش ونتحاور حول المواضيع والنصوص والرسوم والإخراج، لنخرج بالرؤية النهائية، وهذا ما يجعل العمل مميزاً. ما نقوم به، طالع من دراسة ورؤية وليس اعتباطياً»، تكمل كريدية. وجوانا المير من «دار سمير» توافق على أن الوصول إلى المهارات بات أسهل: «منذ 12 عاماً كان الوصول إلى الرسامين والكتاب المناسبين أمراً دونه صعوبات كثيرة. الإنترنت سهّل المهمة، بات بإمكاني أن أبحث عن الكتّاب وأتعرف إلى نصوصهم، أو الرسامين وأطلع على رسومهم قبل الاتصال بهم أو بدء التعاون معهم. بل إن هناك إقبالاً غير مسبوق على الكتابة للطفل، وعلى التوجه للرسم له»، وفق د. محيدلي.
وتختم صاحبة «دار الحدائق»: «وهناك وعي أكبر بحاجاته ونحن سعداء بهذا الحراك المتصاعد. ولكن من ملاحظاتنا أن كثيراً من هذه التجارب ينقصها العمق والتجريب والتأصيل. ويسيطر عليها الاستعجال، والاستخفاف، نتيجة غزارة المعلومات والالتقاط السريع ووجود برامج (الفوتوشوب)».
وتقول جوانا المير: «الإمكانيات الفنية والمواهب متوفرة، ليست هنا هي المشكلة، بالعكس هناك جهود كبيرة تُبذَل، لكن الناشر والكاتب والرسام، ليسوا وحدهم من يستطيعون حل كل المشكلات، هناك بنية متكاملة يشارك فيها الأهل والموزع والمجتمع، وعناصر كثيرة أخرى. الإنترنت مثلاً صار حجة. كنا ننافس كتاباً فرنسياً أو إنجليزياً صرنا ننافس شبكة إلكترونية مفتوحة على عالم هائل»، بحسب ما تقول جووانا المير.
وتذهب د. كريدية أبعد من ذلك وتقول: «ينقصنا المرح، الطرافة في المواضيع وطريقة الكتابة. أحيانا نغامر، ونتجرأ، لكننا نصطدم بشروط المدرسة، علينا أن نعترف بأننا لا يزال لدينا الكثير من التابوهات، والمواضيع التي لا يحب الأهل أن نتطرق إليها. نحن بحاجة إلى البساطة والنكتة والظرف، والصدر الرحب من الأهالي والهيئات التعليمة. نعرف كناشرين ما يحب الأطفال ونجيب على احتياجاتهم».
ولصاحبة «دار الحدائق» رأي مشابه، إذ ترى أن «الطفل يحتاج إلى أدب ومغامرات وتشويق وتحليق في الخيال أكثر مما يحتاج من التوجيه والتأديب المباشر والرسائل القيمية التي لا نغفل أهميتها عند الأهل ودورها في التربية، ولكن ليس على حساب ما يجذب الطفل ويخاطبه ويحترم عقله. لذا تقع على عاتق الناشر مسؤولية التمييز فيما يختار للنشر، ويقع على عاتق النقاد إبداء الرأي والملاحظات».
هناك دور كانت تصد مجلات للأطفال باتت تعيد تقييم دورها. منذ مدة توقفت «دار الحدائق» عن إصدار المجلتين الورقيتين اللتين كانت تصدرهما وهما «أحمد» و«توتة توتة»، وتعمل حالياً على دراسة إمكانية صدورهما بحلة جديدة مع صعوبة ذلك يوماً عن يوم. فالمتغيرات في التكنولوجيا و«الميديا» سريعة جدّاً، ولا يواكبها دراسات وأبحاث. وتشرح د. محيدلي: «نرى أن المفاهيم تبدلت، وتوصيف الطفل والطفولة واحتياجاتهم وعلاقتهم مع الأهل ومع مجلاتهم تحتاج إلى إعادة نظر، في دورها وأهدافها ومحتواها. فليس من المقبول أن تبقى أبواب المجلات كما كانت عليه، خصوصاً في أبواب المعلومات، والمقالات وطفل اليوم قادر على أن يتواصل ويصدر مجلته بنفسه».



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».