دعوة لقراءة جديدة لإرث لويس المثير للجدل

ترجمة كل مؤلفاته إلى العربية قد تزيل سوء الفهم

برنارد لويس
برنارد لويس
TT

دعوة لقراءة جديدة لإرث لويس المثير للجدل

برنارد لويس
برنارد لويس

لويس: «لقد كان الإسلام أكثر تسامحا من سواه إبان العصور الوسطى. فلم يفرض المسلمون الإسلام بالقوة على الآخرين، بل عن طريق الحجة والإقناع أو عن طريق الحث والحض وليس عن طريق القوة والعنف».
ماذا يمكن أن نقول عن برنارد لويس؟
أولا صححوا معلوماتكم عن الرجل. فهو لم يكن معاديا للإسلام على عكس ما نتصور. وما لا يقل عن ذلك أهمية هو أنه كان من أعظم المتبحرين في تراثنا العربي الإسلامي الكبير. وكان يعرفه أكثر مما نعرفه نحن. لقد أمضى حياته المديدة في دراسة الإسلام والمجتمعات الإسلامية من مشرق الأرض إلى مغاربها. وأصبحت كتبه مراجع كبرى لجميع الباحثين في شتى أنحاء العالم. نذكر من بينها: العرب في التاريخ، الإسلام والعلمانية: ولادة تركيا الحديثة، كيف اكتشف الإسلام أوروبا، اليهود في أرض الإسلام، عودة الإسلام، الإسلام والغرب، ثم نشر، بعد ضربة 11 سبتمبر (أيلول) الإجرامية الكبرى، كتابين متلاحقين هما: لماذا حصل ما حصل؟ أين يكمن الخلل؟ الصدام بين الإسلام والحداثة في الشرق الأوسط (عام 2002). ثم الإسلام في أزمة (عام 2003). يقول لنا برنارد لويس ما معناه: لقد كان الإسلام أكثر تسامحا من سواه إبان العصور الوسطى. بل ويفاجئنا بفكرة أخرى وهي أن الإسلام لم ينتشر عن طريق السيف والعنف كما يتوهم البابا السابق وسواه. يقول المستشرق الشهير في كتابه: اليهود في أرض الإسلام ما معناه:
«إبان القرون الأولى للهيمنة الإسلامية لم يفرض المسلمون الإسلام بالقوة على الآخرين. ربما حصلت بعض حالات الاعتناق القسرية القليلة أو لم تحصل بالمرة. لقد نشروا الإسلام عن طريق الحجة والإقناع أو عن طريق الحث والحض وليس عن طريق القوة والعنف».
فمن أين جاءت إذن هذه الفكرة التي تقول بأن الإسلام دين عنف أو انتشر عن طريق السيف والعنف؟ وكيف ترسخت حتى أصبحت حقيقة مطلقة في الغرب والشرق؟
في الواقع أنه ينبغي التمييز هنا بين إسلامين: إسلام العصر الذهبي حيث انتشر الإسلام عن طريق الإشعاع والإقناع، وإسلام عصر الانحطاط حيث أصبح ميالا إلى القمع والعنف والتعصب. وبالتالي فالخلط بين هاتين الفترتين هو الذي خلق التشويش والبلبلة في العقول. وهو الذي شوه صورة الإسلام عن طريق إسقاط فترة الانحطاط على كل تاريخه. والمتطرفون المعاصرون كجماعة القاعدة و«داعش» وسواهما ليسوا إلا النتاج المباشر لعصور الانحطاط الظلامية ولا علاقة لهم بالعصر الذهبي للإسلام. ويرى برنارد لويس أن النصوص الأساسية للإسلام لا تأمر أبدا بالإرهاب والاغتيالات. بل ولا يخطر على بالها إطلاقا إحداث المجازر بالمدنيين الأبرياء.
وبالتالي فليس صحيحا أن الإسلام يخلع المشروعية الدينية أو الإلهية على التفجيرات الإجرامية العمياء. إن الدين الحق من ذلك براء. هل تفجير الإنسان لنفسه ضد المباني العامة للدولة أو ضد حشد من المدنيين العزل المتواجدين بالصدفة في الأسواق والشوارع والمقاهي يشكل جهادا ومرضاة عند الله؟ يرى برنارد لويس أن كل تعاليم الإسلام تقف ضد ذلك من القرآن الكريم إلى الحديث النبوي الشريف. كلها تدين الانتحار أو قتل النفس. جاء في الذكر الحكيم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا». ثم تليها مباشرة هذه الآية: «وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا» (سورة النساء: 29-30).
وبالتالي فالمنتحر الذي يقتل نفسه هو بمنزلة الكافر بحسب النص الصريح للقرآن الكريم. ولكنهم الآن يريدون أن يقدموه لنا وكأنه شهيد عظيم حتى ولو قتل آلاف المدنيين العزل وبشكل عشوائي كيفما اتفق! فهل يعقل ذلك؟ ويضيف برنارد لويس قائلا:
للأسف فإن جهل معظم المسلمين بتعاليم دينهم الحقيقية تدفعهم إلى قبول ذلك والتعاطف الضمني مع هذه الأعمال الإجرامية أو السكوت عنها على الأقل... هذه حقيقة ينبغي على المثقفين العلمانيين ورجال الدين العقلاء أن يواجهوها صراحة وجها لوجه. فلم تعد تكفي الإدانة من رؤوس الشفاه ثم إيجاد التخريجات أو التبريرات بعد ذلك للتكفيريين الظلاميين الذين عاثوا فسادا في الأرض وشوهوا صورة الإسلام والمسلمين في شتى أنحاء العالم. وأما الحديث النبوي الشريف فهو ينهى أيضا عن الانتحار نهيا قاطعا ويقول: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا».
وبالتالي فهناك كره شديد للانتحار في الإسلام. إنه يعادل الكفر المحض! هكذا تلاحظون أن الباحث الكبير الراحل دحض مشروعية هذه الأعمال الحمقاء والإجرامية من داخل التراث الإسلامي نفسه وليس من خارجه لكي تكون للإدانة مصداقية أكبر ووقع أعظم في نفس الإنسان المسلم. ولكن بالطبع فإن الفلسفة الإنسانية الحديثة، أي فلسفة حقوق الإنسان والمواطن، تدين هذه الأعمال بنفس القوة.
والواقع أن كلام برنارد لويس صحيح ولكنه لا ينطبق إلا على العصور الإسلامية الأولى عندما كان الإسلام واثقا من نفسه وحقيقته وبالتالي فهم الذين يأتون إليه أفواجا أفواجا وليس هو الذي يفرض نفسه عليهم أو يتوسل إليهم لكي يقبلوا باعتناقه. كان المسلمون الأوائل يخشون الله ويقدمون النموذج الأخلاقي والقدوة المثلى للآخرين، كل الآخرين. وأكبر مثال على ذلك خليفة رسول الله الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه. وهنا نحب أن نشير إلى البون الشاسع الذي يفصل بين مفهوم الجهاد في العصر الأول للإسلام، والمفهوم المشوه الذي ساد مؤخرا على يد هذه الحركات العشوائية المتطرفة. يكفي أن نلقي نظرة على الوصية التي وجهها أبو بكر الصديق إلى المجاهدين السائرين لفتح بلاد الشام سنة 12 للهجرة، وبين التصريحات النارية اللامسؤولة للمتطرفين الحاليين لكي ندرك الفرق واضحا جليا. يقول بالحرف الواحد:
«يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا، ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكله. وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له». إلخ...
لاحظ مدى الشفقة والرحمة وخشية الله في هذا الكلام الرائع! لاحظ المستوى الأخلاقي الرفيع! وقارن بينه وبين فظائع المتطرفين الحاليين وتصريحاتهم النارية... هل يفرقون بين رجل وامرأة أو شيخ وطفل عندما يرتكبون تفجيراتهم الإجرامية التي تحصد المدنيين العزل بشكل عشوائي كيفما اتفق؟
هل خطر على بالهم أن يفكروا ولو للحظة واحدة بعائلات الضحايا في نيويورك أو مدريد أو لندن أو شرم الشيخ أو الجزائر أو سوريا أو مصر أو الرياض أو الدار البيضاء أو العراق الجريح على وجه الخصوص؟
ثم من هم هؤلاء الذين فرغوا أنفسهم في الصوامع للتقشف والنسك وذكر الله؟ إنهم الرهبان المسيحيون الذين كانوا يعيشون في الأديرة والكنائس التي كانت تمتلئ بها سوريا وفلسطين آنذاك. لقد حرم أبو بكر الصديق على الفاتحين المسلمين أن يمسوهم بأذى. ولكن ماذا فعل المتطرفون الجزائريون بقيادة جمال زيتوني بالرهبان الفرنسيين السبعة عام 1996؟
هل اتبعوا وصية الصديق أم خانوها صراحة وخرجوا عليها عندما خطفوا الرهبان المسالمين وذبحوهم؟ هذه التساؤلات وكثير غيرها ما عاد بالإمكان السكوت عنها. نعم لقد حان وقت المراجعات الكبرى والمصارحات القاسية والمريرة. لقد آن أوان الجهاد الأكبر: أي محاسبة الذات وتقويم الاعوجاج والانحراف الذي أصاب عقول بعض المسلمين. وهذا شيء لا يخطر علي بال الجهلة المتطرفين أبدا. وأخيرا ماذا سأقول عن رحيل برنارد لويس؟ شيئا واحدا: ترجمة كل مؤلفاته إلى اللغة العربية ودراستها ومناقشتها ونقدها بكل حرية. فهو بحر العلوم وفيها كنوز من الاكتشافات والإضاءات والمعلومات.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».