إيران... تراجع الساسة وظهور العسكر

علاقات الرئيس الإيراني حسن روحاني وقادة الحرس الثوري تشهد خلافات حول السياسة الخارجية والاقتصاد (موقع الرئاسة الإيرانية)
علاقات الرئيس الإيراني حسن روحاني وقادة الحرس الثوري تشهد خلافات حول السياسة الخارجية والاقتصاد (موقع الرئاسة الإيرانية)
TT

إيران... تراجع الساسة وظهور العسكر

علاقات الرئيس الإيراني حسن روحاني وقادة الحرس الثوري تشهد خلافات حول السياسة الخارجية والاقتصاد (موقع الرئاسة الإيرانية)
علاقات الرئيس الإيراني حسن روحاني وقادة الحرس الثوري تشهد خلافات حول السياسة الخارجية والاقتصاد (موقع الرئاسة الإيرانية)

تنقسم إيران، التي لا تزال تشتد بنيران الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على مواقعها في سوريا، بشدة على نفسها إزاء كيفية الرد على تلك الهجمات. وفي حين أن البعض من أعضاء المؤسسة الحاكمة في طهران يهدد باتخاذ الرد المناسب على العدوان الصهيوني، ينكر البعض الآخر وقوع أي هجوم إسرائيلي على القواعد الإيرانية في سوريا من الأساس. إلى جانب فئة ثالثة تطالب على نحو ضمني بالصمت وحفظ النفس وتجنب أي تصعيد عسكري عبر الرد على الهجمات الإسرائيلية.
وكانت الشخصية الأكثر بروزا من الفئة الأولى هي الأدميرال علي شمخاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الذي قال إن الرد الإيراني سوف يأتي في موعده المناسب وعندما يأتي سوف يكون مهلكا. وخرجت نسخة أكثر لطفا من هذا التهديد عن قائد الجيش الإيراني المعين حديثا الجنرال عبد الرحيم موسوي الذي صرح قائلا بأن قواته على أهبة الاستعداد لمواجهة كافة الاحتمالات. والأمر الأكثر إثارة للاهتمام في هذا السياق كان الجنرال محمد حسين باقري، رئيس الأركان الإيراني، الذي تقدم بنسخة أكثر وداعة ولينا من التهديد المسبق.
صرح الجنرال باقري يقول، وفقا لما نقلته وكالة «برس - تي في» الإخبارية المقربة من النظام الحاكم ويديرها الحرس الثوري الإيراني: «إن ألقى العدو بناظريه على مصالحنا أو تصرفاتنا حتى ولو عبر أدنى درجات العدوان، فإن الجمهورية الإسلامية سوف تقابله بالرد الملائم في الوقت المناسب».
ومن بين القادة العسكريين الذين يصولون ويجولون في تلك الأنحاء نجد الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس المتفرع عن الحرس الثوري الإيراني والشخصية الأولى المسؤولة عن تصدير الثورة الخمينية إلى الخارج. ففي بيان مقتضب صدر عنه بالأمس قال الجنرال سليماني إنه: «على استعداد لإعلان الجهاد»، وذلك من دون أن يذكر صراحة الهجمات الإسرائيلية على القوات الإيرانية العاملة في سوريا برفقة (متطوعي الشهادة) وهم المرتزقة الشيعة من أفغانستان ولبنان وباكستان الذين ينتشرون فيما لا يقل عن 12 موقعا داخل الأراضي السورية.
وحقيقة هيمنة العسكر الإيرانيين على الجدال الدائر الآن يؤكد على تراجع نفوذ الشق المدني من النظام الإسلامي الحاكم في إيران. فلقد طُلب من الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف إجراء سلسلة من «التحقيقات الدبلوماسية» عبر محادثات مع حكومات كل من بريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين. وبرغم ذلك، يبدو أنهما – أي روحاني وظريف – لم يحصلا على أي تعليمات واضحة بشأن الهدف الحقيقي من مثل هذه التحركات.
ويبدو أن ذلك الجزء من المؤسسة الرسمية الإيرانية والمعني بإنكار الهجمات الإسرائيلية يستمد وحيه الملهم من الحاشية المقربة من المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي والذي التزم الصمت المطبق إزاء الهجمات الإسرائيلية الأخيرة. وكما كان الحال في حوادث أخرى سابقة، لا يبدو أن خامنئي يفضل التدخل المباشر في مواجهة قد تخسرها طهران عن جدارة. وإن كانت هناك خسارة لماء الوجه، فإن خامنئي يرغب في ادخار ذلك إلى الرئيس روحاني وزمرته.
وعوضا عن التركيز على الأوضاع المتدهورة والمتردية في سوريا، فإن الشخصيات المقربة من علي خامنئي قد حاولت الزعم بتحقيق النصر في لبنان الذي تمكن فرع حزب الله الشيعي فيه، الممول والمدعوم رأسا من طهران، من حيازة الزعامة في الائتلاف الذي يضم الرئيس ميشال عون خلال الانتخابات اللبنانية الأخيرة.
وفي خطبة الجمعة الأخيرة في طهران، زعم آية الله أحمد خاتمي، وهو من أحد الملالي المرشحين لخلافة خامنئي على منصب المرشد الأعلى للبلاد، أن حزب الله اللبناني قد حقق انتصارا مدويا في الانتخابات اللبنانية الأخيرة، الأمر الذي سبب رجفة عارمة في الولايات المتحدة ناهيكم عن ذكر ما حل بإسرائيل جراء ذلك.
وفي الأثناء ذاتها، زعم سعد الله الزرعي، المستشار الاستراتيجي لخامنئي، قائلا إن «قوى المقاومة» التي تتزعمها إيران قد هاجمت المواقع الإسرائيلية في مرتفعات الجولان المحتلة، الأمر الذي أثار حفيظة إسرائيل فردت بالهجمات الجوية الأخيرة. وواصل الزرعي مزاعمه قائلا: «لقد نجحنا عبر هجومنا في هضبة الجولان من تدمير مركز الاستخبارات الرئيسي للعدو الإسرائيلي تدميرا تاما مما أسفر عن مقتل العشرات من العاملين هناك».
وإعلان الانتصار في أعقاب النكسات الكبيرة هو من التكتيكات القديمة المعروفة عن الجمهورية الإسلامية. وهو يستخدم دائما في حفظ ماء الوجه وتفسير انعدام اتخاذ أي رد فعل عندما يكون ذلك مستحيلا أو باهظ التكلفة للغاية.
وفي الشهر الماضي، ووفق توجيهات من القيادة العسكرية الإيرانية، عقد وزير الخارجية محمد جواد ظريف محادثات مع الثلاثي الأوروبي (بريطانيا، وألمانيا، وفرنسا) حول إمكانية الانسحاب الإيراني التدريجي من المستنقع اليمني. وزعمت طهران أنها على أهبة الاستعداد لتخفيض دعمها المالي والعسكري إلى المتمردين الحوثيين هناك في مقابل الاعتراف بتواجدها الظاهر في سوريا كلاعب رئيسي وكبير.
في بادئ الأمر، بدا الأمر كما لو أن بريطانيا، وألمانيا، وفرنسا قد استمالهم العرض الإيراني. ومع ذلك، وبعد التشاور مع واشنطن، قرر الثلاثي الأوروبي عدم ابتلاع الطعم الإيراني. إذ تريد الولايات المتحدة الانسحاب الإيراني الكامل من كل من اليمن وسوريا. والمثير للاهتمام في هذا السياق، أن روسيا هي الأخرى غير مسرورة من التواجد الإيراني في سوريا بالقرب من الحدود اللبنانية وخط وقف إطلاق النار الإسرائيلي في مرتفعات الجولان.
ويأمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تحقيق الاستقرار داخل سوريا تحت قيادته المنفردة، وهو الخيار الذي يعارض التطلعات الإيرانية في استخدام الأراضي السورية كنقطة انطلاق لمواجهة الولايات المتحدة، وإسرائيل، والدول العربية. ولقد أوضح الرئيس الروسي، عبر اجتماعين رسميين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أنه لن يعارض أي إجراءات تتخذها إسرائيل داخل سوريا طالما أنها سوف تستهدف القواعد الإيرانية منفردة وليس قوات الرئيس السوري بشار الأسد. وكان وفقا للتحليل ذاته أن رفض الرئيس الروسي الطلب الإيراني بمد المظلة الجوية إما من قبل سلاح الجو الروسي أو ما تبقى من القوات الجوية الحكومية السورية.
وهكذا، من دون الغطاء والحماية الجوية، لن تكون القوات الإيرانية والمرتزقة اللبنانيون الموالون لهم بأكثر من لقمة سائغة للهجمات الجوية الإسرائيلية وعمليات إطلاق الصواريخ المرافقة.
وخلال الهجمتين الإسرائيليتين الأخيرتين، سقط نحو 50 جنديا إيرانيا صرعى. وحاولت السلطة الرسمية في طهران صرف الانتباه عن الخسائر عن طريق حظر المراسم الشعبية العامة لتكريم الشهداء أو التغطية الإعلامية لمراسم الدفن. وحتى الآن، كانت مثل هذه المراسم تلقى أقصى قدر من الدعاية الإعلامية الحكومية في إيران لخلق الانطباع لدى العامة بأن إيران راسخة الوجود في الداخل السوري بل وتعد العدة لمهاجمة وتدمير إسرائيل بمساعدة مباشرة من قوات حزب الله اللبناني، وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وحركة المقاومة الإسلامية حماس.
يقول المحلل الإيراني منوشهر فاديي: «يأمل بوتين الاستمرار في رسم أجندة الأعمال في سوريا من خلال حشد الدعم من الولايات المتحدة، ومن الدول العربية، ومن تركيا. وهذا الدعم يستلزم الدفع بالجانب الإيراني خارج الدائرة الضيقة لصناعة القرار في سوريا. ولا يرغب بوتين في إقصاء إيران بالكامل، وإنما هو غير مستعد لمنح طهران المجال الذي تصبو إليه داخل سوريا».
ويدور العرض الروسي حول السماح لإيران بإقامة قاعدة لها في دير الزور على مقربة من الحدود السورية العراقية، بعيدا جدا عن الحدود السورية اللبنانية وعن خط وقف إطلاق النار مع إسرائيل في هضبة الجولان. ومن شأن ذلك أن يطمئن الولايات المتحدة، وإسرائيل، والدول العربية المعنية، مع إقناعهم بقبول إعادة صياغة المشهد السوري بالتعاون مع موسكو.
وفي إيران اليوم، ومع تعالي دقات طبول الحرب في الأجواء، تتراجع الشخصيات السياسية إلى الخلفية مع تأكيد القيادة العسكرية سيطرتها على مجريات الأمور. ومن عجيب المفارقات، أن القيادة العسكرية المتصاعدة في طهران ليست لديها رغبة أكيدة في القتال لأجل سوريا في الوقت الذي تتصور فيه الفرص الجديدة السانحة لبسط وتأكيد نفوذها وسلطاتها داخل إيران ذاتها.



فضيحة أمنية إسرائيلية... ضباط دخلوا مراهنات عالمية بناء على معلوماتهم العسكرية

جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيّرة (الجيش الإسرائيلي)
جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيّرة (الجيش الإسرائيلي)
TT

فضيحة أمنية إسرائيلية... ضباط دخلوا مراهنات عالمية بناء على معلوماتهم العسكرية

جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيّرة (الجيش الإسرائيلي)
جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيّرة (الجيش الإسرائيلي)

بعد عدة أسابيع من التعتيم الإعلامي على قضية قيل إنها ستسبب «هزة أمنية» في إسرائيل، سمحت المحكمة المركزية في تل أبيب، الخميس، بنشر معلومات عن قيام ضباط في الجيش باستغلال وجودهم في مواقع حساسة واطّلاعهم على معلومات أمنية دقيقة، وذلك بالدخول في مراهنات عالمية مكنتهم من جني أرباح طائلة.

والمعلومات «الجزئية» التي سُمح بنشرها تتناول تحديداً ما أقدم عليه ضابط في جيش الاحتياط الإسرائيلي يشغل منصباً حساساً، وشخص آخر مدني؛ لكن مصادر في الشرطة أكدت أن القضية أوسع نطاقاً، وأن التحقيق سيجُر عدداً أكبر من المتورطين.

ووجهت النيابة العامة إلى العسكري والمدني تهماً تتعلق «بارتكاب جرائم أمنية خطيرة، وجرائم رشوة، وعرقلة سير العدالة». وحسب لوائح الاتهام، شارك الاثنان في رهانات عبر منصة المراهنات العالمية الرقمية المعروفة «بولي ماركت» التي يجري الرهان فيها على كل شيء في العالم تقريباً.

وعلى سبيل المثال، بادر أحد المشتركين في طرح رهان في شهر يونيو (حزيران) الماضي حول ما إن كانت إسرائيل ستهاجم إيران أم لا، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشارك في الحرب أم لا.

دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي على مبنى الإذاعة والتلفزيون الإيراني يوم 16 يونيو 2025 (رويترز)

ولأن الضابط في الجيش الإسرائيلي تكون لديه معلومات عسكرية دقيقة، فإنه يطرح للرهان مبلغاً كبيراً، ويربح.

ويقول مصدر أمني في تل أبيب إن المراهنات تجري في العادة في مجالات سياسية ورياضية وثقافية وبيئية، وغيرها. لكن الحرب على غزة أحدثت ازدهاراً في هذا النوع من المراهنات، مما لفت نظر هيئة الأمن السيبراني الحكومية في تل أبيب إليها، فراحت تتعقب كل من يشارك فيها.

ولاحظت الهيئة أن هناك من يراهن بمبالغ طائلة على مسائل حساسة تتعلق بالسياسة الإسرائيلية، مثل «هل تجتاح إسرائيل رفح؟»، أو «هل يتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار؟»، أو «هل توافق (حماس) على تحرير الرهائن؟»، وما إلى ذلك.

فلسطينيون يسيرون وسط الدمار في حي التفاح بشرق مدينة غزة 11 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

وبدأت الهيئة تشك في وجود جهة ما تعرف معلومات حساسة ليست متاحة للجميع. ولم يكن سهلاً الوصول إلى هوية المراهنين لأن أحداً لا يلزمهم بكشف أي شيء يدلل على انتماءاتهم أو جنسياتهم. كما أن الرهانات تجري بالعملات الرقمية.

ومع ذلك، أوصلت التحقيقات جهاز الأمن الإسرائيلي العام (الشاباك) وهيئة الأمن السيبراني إلى طرف الخيط، وتبين أن بين المراهنين جنوداً وضباطاً في الجيش ممن يعملون في مجالات وقواعد عسكرية مطلعة على كثير من الأسرار الدقيقة، ويستخدمون ما لديهم من معلومات في المراهنات.

وذكر بيان مشترك صدر عن جهاز «الشاباك» ووزارة الدفاع وجهاز الشرطة أنه «أُلقي القبض مؤخراً على عدد من المشتبه بهم، بينهم مدني وعسكري من قوات الاحتياط، للاشتباه في ممارستهم للمراهنة عبر موقع (بولي ماركت) الإلكتروني، والمتعلقة بوقوع عمليات عسكرية، وذلك استناداً إلى معلومات سرية اطَّلع عليها العسكريون الاحتياطيون بحكم خدمتهم في الجيش. وبعد تكوين أدلة كافية تدين المدني والعسكري الاحتياطي، قرّرت النيابة العامة مقاضاتهما بتهم تتعلق بارتكاب جرائم أمنية خطيرة، وجرائم رشوة، وعرقلة سير العدالة».

وأصدر الجيش الإسرائيلي بياناً قال فيه إنه «ينظر بجدية بالغة إلى أي عمل يهدد أمن الدولة، ولا سيما استخدام المعلومات السرية للغاية، لتحقيق مكاسب شخصية».

وأضاف: «هذا خرق أخلاقي جسيم، وتجاوُز واضح للخطوط الحمراء، وهو ما يتعارض مع قيم الجيش الإسرائيلي وما هو متوقع من منتسبيه، وستُتَّخذ الإجراءات الجنائية والقيادية ضد أي طرف يثبت تورطه في مثل هذه الأفعال». وأوضح: «وفقاً لنتائج التحقيق، لم يحدث أي ضرر عملياتي من جراء الواقعة الحالية».

وتثير هذه القضية نقاشات حامية في إسرائيل تنصبُّ على تفشي ظاهرة الجشع للمال، حتى لو كان في ذلك مساس بالأمن بلغ حد التجسس لصالح إيران. إلا أن أجهزة الأمن قلقة أيضاً من سهولة استخدام الوثائق والمعلومات الأمنية لهذا الغرض.

ويشير البعض إلى أن أول من استخدم معلومات ووثائق أمنية تحوي أسراراً هم مساعدو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذين سربوا وثائق لصحيفة «بيلد» الألمانية خلال الحرب لخدمة مصالح نتنياهو الشخصية والحزبية. وزعموا حينها أنهم عثروا على وثيقة تدل على أن يحيى السنوار كان يخطط للهرب للخارج.

وتبين لاحقاً أن الوثيقة ليست للسنوار، ولا تحوي معلومات كهذه، وإنما ابتغى نتنياهو من وراء تسريبها حجة يتذرع بها لاحتلال محور رفح في أواسط عام 2024.


بين الدبلوماسية والردع العسكري: خيارات واشنطن وطهران قبل الجولة المقبلة

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 7 فبراير الحالي (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 7 فبراير الحالي (أ.ف.ب)
TT

بين الدبلوماسية والردع العسكري: خيارات واشنطن وطهران قبل الجولة المقبلة

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 7 فبراير الحالي (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 7 فبراير الحالي (أ.ف.ب)

في لحظةٍ تتداخل فيها لغة التفاوض مع إشارات الردع، يصرّ الرئيس دونالد ترمب على أن المسار الدبلوماسي مع إيران «هو المفضل الآن»، وفق ما أبلغه لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال لقائهما في واشنطن. غير أن هذا التفضيل لا يأتي منفصلاً عن عصا عسكرية مرفوعة: تهديد بإرسال حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة إذا لم تتبلور «صفقة» بسرعة، وسط تقارير كثيرة عن استعدادات في وزارة الدفاع الأميركية لتحريك مجموعة حاملة طائرات إضافية نحو الشرق الأوسط.

وفي مؤشرٍ إضافي على استخدام «الإشارة العسكرية» كورقة ضغط، أعاد الرئيس ترمب نشر خبر «وول ستريت جورنال» عن استعداد البنتاغون لتجهيز مجموعة حاملة طائرات ثانية لاحتمال التوجه إلى الشرق الأوسط على منصته «تروث سوشيال»، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها تثبيت علني لرسالة الضغط على طهران بالتوازي مع إبقاء باب الدبلوماسية موارباً.

وفي أحدث موقف رسمي، شددت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي، على أن الرئيس يفضّل المسار الدبلوماسي، لكنه «يمتلك كل الخيارات» إذا فشلت المحادثات، في تذكيرٍ متعمد بأن مسار المحادثات يتحرك تحت سقف التهديد باستخدام القوة.

وعلى خط موازٍ في الكونغرس، برزت دعوات لتقييد أي عمل عسكري من دون تفويض، حيث عبّر السيناتور الديمقراطي تيم كاين عن مخاوف ناخبيه من «جرّ» البلاد إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط، بينما دفع مع السيناتور الجمهوري راند بول، باتجاه تحركٍ يستند إلى صلاحيات الكونغرس في إعلان الحرب، في إشارة إلى أن هامش ترمب الداخلي ليس مفتوحاً بالكامل إذا انزلقت الأزمة إلى الخيار العسكري.

«هندسة التفاوض»

وبينما يحاول البيت الأبيض إبقاء الباب مفتوحاً أمام جولة ثانية من المحادثات، تتكثف التساؤلات الأساسية: هل الحشد العسكري جزء من «هندسة التفاوض»، أم تمهيدٌ جديٌّ لخيار ضربة محدودة إذا فشل المسار السياسي؟ أم أن واشنطن تريد جمع الخيارين في آن: بتفاوض سريع تحت ضغط، يحقق إنجازاً قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني)، ويجنب الأسواق صدمة جديدة في الملاحة والطاقة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض الأربعاء (إ.ب.أ)

الصورة، حتى الآن، توحي بأن الإدارة الأميركية تعمل على إدارة التوتر لا على خفضه بالكامل. فالحديث عن الحاملة الثانية يرفع مستوى «المصداقية» في التهديد، ويمنح المفاوض الأميركي رافعة إضافية، لكنه في الوقت نفسه يضيّق هامش المناورة أمام طهران، التي تُراكم بدورها «خطوطاً حمراء» علنية لتفادي الظهور بمظهر الطرف الذي تراجع تحت الضغط.

رسالة تفاوض أم مؤشر قرار؟

اللافت أن التلويح الأميركي لم يبقَ في حدود التصريحات. فالتقارير عن جاهزية حاملة ثانية، وإن بقيت ضمن نطاق «الاستعداد» لا «الأمر النهائي»، تعكس انتقال واشنطن إلى مرحلة رفع التكلفة النفسية على طهران: أي جعل احتمال الضربة أكثر واقعية في حسابات القيادة الإيرانية، من دون أن يعني ذلك اتخاذ قرار الحرب سلفاً.

في منطق ترمب، هذا التدرّج يخدم هدفين متوازيين: أولاً، دفع إيران إلى تقديم تنازلات سريعة بدل تكرار نمط المفاوضات الطويلة التي تستنزف الوقت وتخلق وقائع جديدة. وثانياً، طمأنة إسرائيل بأن واشنطن لا تمنح طهران «وقتاً مجانياً» لإعادة ترميم قدراتها أو ترحيل الأزمة إلى ما بعد الاستحقاقات الأميركية.

غير أن إدارة هذا التوازن ليست سهلة. فإظهار الجهوزية قد يدفع طهران إلى الاعتقاد بأن التفاوض مجرد غطاء، ما يغريها إما بالتشدد لاعتبارات داخلية، أو بالمناورة عبر أدوات ضغط غير مباشرة، في البحر أو عبر الوكلاء، لإقناع واشنطن بأن تكلفة الضربة ستكون أعلى مما يتصور البيت الأبيض. وهذا تحديداً ما يخشاه صناع القرار الأميركيون: أن يتحول «الضغط المحسوب» إلى شرارة سوء تقدير.

أين تبدأ مرونة طهران؟

في المقابل، تواصل طهران التمسك بإطار تفاوضي ضيق ورسالتها العلنية واضحة: لن تقبل «شروطاً مفرطة»، ولن توسّع المحادثات إلى ما يتجاوز البرنامج النووي، فيما تعد صواريخها الباليستية جزءاً من أمنها الدفاعي غير القابل للتفاوض. بهذا المعنى، تحاول إيران تثبيت معادلة مفادها أن أي تنازل في الملف النووي لا ينبغي أن يتحول إلى مسار يفتح الباب أمام إعادة هندسة عقيدتها الردعية.

لكن خلف الخطاب التصعيدي، يقرأ مراقبون مؤشرات تدل على أن طهران تدرك ضيق النافذة. فالنظام يعيش لحظة حساسة داخلياً بعد اضطرابات وضغط اقتصادي، ويواجه بيئة إقليمية أقل تسامحاً مع سياسة «العتبة» النووية. كما أن تجربة المواجهة السابقة وما رافقها من ضربات وتداعيات، جعلت فكرة «المقامرة الكبيرة» أكثر تكلفة. لذلك تبدو إيران أمام خيار صعب: كيف تقدّم تنازلاً يكفي لتفادي ضربة محتملة، دون أن يبدو ذلك استسلاماً يفتح شهية خصومها لطلب المزيد؟

هنا تبرز نقطة التماس مع الموقف الإسرائيلي. إسرائيل تريد اتفاقاً «أوسع»، ليس فقط قيوداً نووية، بل أيضاً مقاربة للصواريخ وشبكات النفوذ الإقليمي. أما واشنطن فتبدو منشغلة بتحقيق نتيجة قابلة للتسويق سريعاً، ولو عبر صفقة مرحلية تُجمّد الخطر الأكثر إلحاحاً: مسار التخصيب والقدرات النووية. وبين السقفين، يتحدد شكل الجولة الثانية.

سيناريوهات قبل الجولة الثانية

أمام هذه المعادلة، تتبلور عملياً خيارات محدودة للطرفين: صفقة نووية مصغّرة وسريعة، تقوم على قيود فنية صارمة على التخصيب والمخزون وآليات رقابة، مقابل تخفيف مرحلي للعقوبات أو ترتيبات مالية محددة. ميزتها أنها تمنح ترمب «إنجازاً» سريعاً وتقلّص احتمال الضربة، لكنها قد لا ترضي إسرائيل إذا بقي ملف الصواريخ خارج النص.

اتفاق على مرحلتين، نووي الآن، ثم مسار لاحق للصواريخ والنفوذ. قد توافق إيران على صيغة عامة تؤجل الملفات الأكثر حساسية، شرط ألا تتحول المرحلة الثانية إلى شرط مُسبق لالتقاط أنفاس اقتصادية. لكن نجاح هذا الخيار يحتاج إلى ضمانات سياسية قوية كي لا يُقرأ مجرد ترحيل للمشكلة.

ضغط عسكري مضبوط لكسر الجمود، أي إبقاء المفاوضات قائمة مع رفع الجهوزية العسكرية (الحاملة الثانية وما يرافقها) لإفهام طهران أن الوقت ليس لصالحها. هذا السيناريو هو الأقرب إلى سلوك ترمب حتى الآن، لكنه يحمل مخاطرة أن ترد إيران بعمل محسوب يوسّع الاشتباك بدل تقليصه.

ضربة محدودة إذا فشلت الجولة، هدفها إعادة إيران إلى الطاولة بشروط أشد، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. غير أن «الضربة المحدودة» ليست وصفة مضمونة، فنجاحها رهين ضبط رد الفعل الإيراني، وهو أمر قد تصعّبه اعتبارات الهيبة الداخلية.

متظاهرون إيرانيون أمام صاروخ إيراني خلال إحياء الذكرى 47 للثورة الإسلامية (إ.ب.أ)

خيار إيران الأقل تكلفة، عبر تنازل نووي محسوب مع تثبيت الخطوط الحمراء الأخرى، أي تقديم مرونة في التخصيب والرقابة مقابل الحفاظ على الصواريخ خارج التفاوض، وربما تهدئة غير مباشرة في الساحات الإقليمية لتقليص دوافع التصعيد الأميركي.

في المحصلة، تتقدم الجولة الثانية على حافة زمنية ضيقة: ترمب يريد نتيجة سريعة تحمي الاقتصاد وأسواق الطاقة وتخدم أجندته الداخلية قبل الانتخابات، وإيران تريد تجنب ضربة جديدة من دون أن تهدم ركائز ردعها. وبينهما إسرائيل تحاول رفع سقف الصفقة، وروسيا وتركيا تُطلقان إشارات تحذير من أن توسيع المطالب قد يدفع المنطقة إلى حافة حرب أخرى إذا انقطع خيط الدبلوماسية.


إردوغان يُلمّح لإطلاق حملة انتخابات مبكرة من أحياء تركيا الفقيرة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمح إلى إطلاق حملة انتخابية من أحياء تركيا الفقيرة خلال اجتماع لرؤساء فروع حزبه في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمح إلى إطلاق حملة انتخابية من أحياء تركيا الفقيرة خلال اجتماع لرؤساء فروع حزبه في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)
TT

إردوغان يُلمّح لإطلاق حملة انتخابات مبكرة من أحياء تركيا الفقيرة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمح إلى إطلاق حملة انتخابية من أحياء تركيا الفقيرة خلال اجتماع لرؤساء فروع حزبه في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمح إلى إطلاق حملة انتخابية من أحياء تركيا الفقيرة خلال اجتماع لرؤساء فروع حزبه في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)

أعطى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إشارة ضمنية للبدء في حملة انتخابية مبكرة، في ظل حديث عن تعديل آخر في الحكومة خلال الأيام المقبلة، يشمل وزارات تتعامل مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية.

ودفع التعديل الوزاري المحدود الذي أجراه إردوغان على حكومته، بتغيير وزيري العدل والداخلية، إلى الاعتقاد بأن حملة التغيير قد بدأت استعداداً للانتخابات المبكرة التي كانت مطلباً متكرراً للمعارضة على مدى نحو عام. ويتردد في كواليس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، أن تعديلاً قادماً سيشمل وزراء العمل والضمان الاجتماعي، والأسرة والخدمات الاجتماعية، والثقافة والسياحة، والتجارة، بما يسهم في توضيح خريطة طريق الحكومة وخدمة أهدافها في الفترة المقبلة.

تحضير للانتخابات

وجّه إردوغان تعليمات إلى مختلف تنظيمات حزب «العدالة والتنمية» بالانتشار في الأحياء الفقيرة والمهمشة والاقتراب من الناس، فيما اعتبر إشارة على تحرك باتجاه إطلاق حملة للانتخابات المبكرة.

إردوغان متحدثاً خلال اجتماع لرؤساء فروع حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)

وقال إردوغان، في كلمة خلال اجتماع لرؤساء فروع الحزب في المدن التركية، الخميس: «انقلوا تحياتي إلى الأحياء الفقيرة، واهتموا بكل فرد من إخواني وأخواتي».

ولطالما نفى إردوغان، وحليفه رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي، أن تكون هناك انتخابات مبكرة، وأكّدا أن الانتخابات ستجرى في موعدها المحدد في عام 2028، وذلك رداً على المطالبات المتصاعدة للمعارضة بإجراء انتخابات مُبكّرة بسبب تدهور الوضع الاقتصادي وتردّي مستوى المعيشة.

أوزيل متحدثاً أمام حشد من أنصار حزب «الشعب الجمهوري» في إسطنبول ليل الأربعاء (حساب الحزب في إكس)

وأكد زعيم المعارضة رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل، خلال تجمع حاشد لأنصار حزبه في إحدى جزر إسطنبول ليل الأربعاء إلى الخميس، أن «الانتخابات قادمة لا محالة، وأن هذه الحكومة لن تستطيع الصمود لعجزها عن حل المشاكل الاقتصادية ومحاربة التضخم».

ووصف أوزيل، خلال التجمع الذي يأتي ضمن سلسلة تجمعات احتجاجية بدأت منذ اعتقال رئيس بلدية إسطنبول المرشح الرئاسي لحزب «الشعب الجمهوري» أكرم إمام أوغلو في 19 مارس (آذار) 2025؛ تعيين إردوغان المدعي العام في إسطنبول، أكين غورليك - الذي بدأ تحقيقات الفساد في بلدية إسطنبول وأصدر الأمر باعتقال إمام أوغلو - وزيراً للعدل بـ«العار»، قائلاً إنه أكد «بما لا يدع مجالاً للشك» أن هذه التحقيقات هي «عملية سياسية لا قانونية».

هجوم على المعارضة

وجّه إردوغان انتقادات حادة إلى أوزيل وحزبه، واصفاً الاشتباك بالأيدي بين نواب «الشعب الجمهوري» و«العدالة والتنمية» خلال مراسم أداء غورليك ووزير الداخلية الجديد مصطفى تشفتيشي، اليمين الدستورية في البرلمان، بأنه «عمل تخريبي»، مُتّهماً المعارضة بـ«البلطجة والاستبداد».

اشتباك بالأيدي بالبرلمان التركي خلال أداء وزيري العدل والداخلية الجديدين اليمين الدستورية الأربعاء (أ.ب)

وقال إردوغان: «شهدنا مرة أخرى عقلية حزب الشعب الجمهوري الفاشية المتغطرسة، لقد مارسوا شتى أنواع البلطجة، بما في ذلك احتلال منصة البرلمان، لمنع وزيرينا من أداء اليمين. ليس لديك القدرة على إيقاف هذا المسار يا أوزغور، ماذا جرى الآن، لقد أديا اليمين الدستورية، رغم سلوككم غير الديمقراطي».

وعَدّ الرئيس التركي أن أعظم ما تملكه تركيا هو «حزب العدالة والتنمية» و«تحالف الشعب» (مؤلف من العدالة والتنمية والحركة القومية)، قائلاً إنه رغم «الدعاية العنيفة والاستفزازية» المتزايدة للمعارضة، لا يزال «تحالف الشعب» مركز جذب، وهو مركز السياسة، ما يجعل تركيا «دولة محورية تحتل مكانة في الدبلوماسية الإقليمية والعالمية، وتُطرق أبوابها بشكل متزايد بحثاً عن حلول للأزمات».

جانب من المؤتمر الصحافي لرئيس البرلمان التركي ورئيسة الجمعية البرلمانية في سلوفينيا بأنقرة الخميس (البرلمان التركي - إكس)

في السياق ذاته، استهجن رئيس البرلمان نعمان كورتولموش، في تصريحات للصحافيين أعقبت مؤتمر صحافي مع رئيسة الجمعية الوطنية السلوفينية أورشكا كلاكوتشار، المشاجرة التي شهدها البرلمان، قائلاً إن مراسم أداء الوزراء لليمين الدستورية جرت وفقاً لأحكام الدستور والنظام الداخلي للبرلمان واكتملت العملية بمجرد أداء الوزيرين لليمين.

وأضاف أن محاولة منع إتمام هذه العملية، المنصوص عليها في الدستور، ولا سيما محاولة منعها بأساليب قسرية كاحتلال المنصة أو منع الوزير من أداء اليمين، أمرٌ غير مقبول، ولا يتوافق بتاتاً مع مبادئ الديمقراطية.