انسحاب ترمب يعيد السجال في إيران حول الاتفاق النووي

خامنئي يشكك بالأوروبيين... و«الحرس الثوري» يبارك خطوة الرئيس الأميركي... وروحاني يطالب باجتماعات مكثفة مع الأوروبيين لبحث سبل استمرار الاتفاق

نواب إيرانيون يحرقون العلم الأميركي فوق منصة البرلمان الإيراني في طهران أمس (أ.ب)
نواب إيرانيون يحرقون العلم الأميركي فوق منصة البرلمان الإيراني في طهران أمس (أ.ب)
TT

انسحاب ترمب يعيد السجال في إيران حول الاتفاق النووي

نواب إيرانيون يحرقون العلم الأميركي فوق منصة البرلمان الإيراني في طهران أمس (أ.ب)
نواب إيرانيون يحرقون العلم الأميركي فوق منصة البرلمان الإيراني في طهران أمس (أ.ب)

لم يحرق المرشد الإيراني علي خامنئي الاتفاق النووي غداة «تمزيقه» من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مطالباً الدول الأوروبية بتقديم ضمانات إلى الإيرانيين للبقاء في الاتفاق النووي، رغم تأكيده على عدم الوثوق بتلك الدول، وذلك في حين أبلغ الرئيس الإيراني حسن روحاني نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون شروط بلاده للبقاء في الاتفاق، محذراً الأوروبيين من خسارة الوقت. وأوضح خامنئي أن قرار ترمب «لم يكن مخالفاً لتوقّعاتنا»، لافتاً إلى أن الرئيس الأميركي يتابع مسار رؤساء سابقين في التعامل مع إيران.
ووجه خامنئي انتقادات لاذعة إلى إدارة روحاني من دون التطرق إلى اسمه، وقال: «لقد قلتُ منذ اليوم الأول بألا تثقوا بأميركا، قلتُ ذلك في الجلسات العامّة وفي الجلسات الخاصة أيضاً»، وصرّح: «قلتُ لهم: إذا أردتم عقد اتفاق فينبغي عليكم الحصول على الضمانات الضروريّة ولتعقدوا الاتفاق بعد ذلك. لقد كان أحد الشروط التي قلتها إنه يجب على الرئيس الأميركي أن يوقّع (على الاتفاق)»، مشيراً إلى أن المسؤولين الإيرانيين «لم يستطيعوا تحقيق ذلك».
وحول إعلان حكومة روحاني استمرار إيران في تنفيذ الاتفاق النووي بعد انسحاب واشنطن، قال خامنئي: «يُقال إننا سنواصل (الاتفاق النووي) مع ثلاثة بلدان أوروبية. لستُ واثقاً بهذه البلدان الثلاثة أيضاً، لا تثقوا بهم أنتم أيضاً. إذا أردتم عقد اتفاق، فلنحصل على ضمانات عمليّة، وإلا فإنَّ هؤلاء سيقومون جميعاً بما فعلته أميركا».
واشترط خامنئي استمرار بلاده في اتفاق ناقص واشنطن أخذ تلك الضمانات «الحتمية والحقيقية»، وقال: «إذا عجزتم عن أخذ ضمانات حتميّة وحقيقيّة فلن يكون مقدوراً مواصلة تنفيذ الاتفاق».
وحاول خامنئي التخلي عن مسؤولية تنفيذ الاتفاق النووي، مشيراً إلى أنه قال لبعض مسؤولي البلاد: «لماذا تصرون على الاحتفاظ (والاستمرار بالملف النووي)، دعوه جانباً... طبعاً كلامهم هذا كان كلاماً خاطئاً (بشكل كامل)، الملف النووي أمر تحتاج إليه البلاد، ووفقاً لما أعلنه الخبراء فسوف تحتاج البلاد بعد عدة سنوات 20 ألف ميغاواط من الطاقة الكهروذرية».
وخاطب خامنئي الرئيس الأميركي قائلاً: «إنك ترتكب الحماقات»، مشيراً إلى أن الملف النووي «ما هو إلا ذريعة تتذرع بها الولايات المتحدة لتمارس عداءها ضد إيران»، لافتاً إلى حتى لو قبلت بلاده بمناقشة وجودها في المنطقة وصواريخها فإنّ هذا العداء لن ينتهي، وسوف يختلقون ذرائع أخرى لمتابعة عدائهم.
وعن خطاب ترمب للانسحاب من الاتفاق النووي، وصف خامنئي تصريحاته بـ«السخيفة والواهية»، وقال: «لقد تضمنت تصريحاته أكثر من عشر أكاذيب. لقد هدّد النظام وهدّد الشعب الإيراني أيضاً بأنه سوف يفعل ويفعل. وأنا أردُّ عليه بالنيابة عن الشعب الإيراني: يا سيد ترمب، خسئت!».
على خلاف ذلك، أبلغ الرئيس الإيراني حسن روحاني نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن بلاده «تواصل تنفيذ الاتفاق النووي». وقال روحاني إن «أوروبا في ظل الظروف الراهنة أمام فرص محدودة لحفظ الاتفاق النووي»، مطالباً تلك الدول بـ«إيضاح موقفها الصريح والحازم من تعهداتها في الاتفاق النووي».
ونقلت وكالة «إيسنا» الحكومية عن روحاني قوله إن إيران «ملتزمة بتعهداتها في الاتفاق من أجل مصالحها القومية»، نافياً أن تكون بلاده سعت لإنتاج أسلحة نووية.
ودعا روحاني إلى اجتماعات مكثفة بين وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي وإيران لبحث سبل حفظ الاتفاق النووي.
ونقل روحاني مطالب إيران إلى ماكرون وقال إن «الضمانات الصريحة يجب أن تشمل مجال بيع النفط والعلاقات البنكية والاستثمار والتأمين». إضافة إلى ذلك، طالب بأن «يكون قرار الشركات الخارجية والمستثمرة في إيران لمواجهة انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي واضحاً وصريحاً».
ولعب روحاني على وتر إغراء نظيره الفرنسي بامتيازات اقتصادية وعلاقات أوسع إذا ما تدخلت بشكل مؤثر في هذا المجال.
وقال روحاني إن ترمب «ارتكب خطأ كبيراً»، كما وجه انتقادات إلى الدول الأوروبية وقال: «من المؤسف أن أوروبا ضيعت مهلة من أربعة أشهر لحفظ الاتفاق النووي»، مضيفاً أنها خلال تلك الفترة «حاولت استرضاء أميركا للبقاء في الاتفاق النووي».
ونقلت «رويترز» عن المتحدث باسم الحكومة الإيرانية أن «منظمة الإدارة والتخطيط في إيران أعدت خطة تتناسب مع شروط انسحاب أميركا من الاتفاق النووي»، من دون أن يذكر تفاصيل حول الخطة.
وقال إن الحكومة الإيرانية حددت ميزانيات للتعامل مع السيناريوهات المختلفة المتعلِّقة بالاتفاق النووي.
وذكر نوبخت أن قرار الانسحاب من الاتفاق النووي سيؤدي إلى فقد ثقة المجتمع الدولي في الولايات المتحدة. وقال: «لا يمكن لأي بلد الآن أن ينسق خططه بناء على الثقة في أنه سيتوصل إلى اتفاق مع أميركا».
على خلاف ذلك، رحب نواب في البرلمان وقائد الأركان المسلحة وقائد الحرس الثوري الإيراني بانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، مطالبين بخطوة مماثلة من الجانب الإيراني تقضي بالانسحاب من الاتفاق.
وبارك قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي معتبراً خطوة ترمب «فأل خير»، وقال في بيان تناقلته وكالات أنباء «الحرس الثوري»: «إنني أبارك انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق النووي الذي كان فاقداً للقيمة». وفي الوقت ذاته، أبدى شكوكاً حول قدرة الدول الأوروبية على الاستمرار في تنفيذ الاتفاق النووي في غياب الولايات المتحدة الأميركية.
وردَّ جعفري على تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني، بعدما طالب الأوروبيين بتقديم ضمانات إلى الإيرانيين لاستمرار الاتفاق النووي وقال: «من الواضح أن الأوروبيين لا يمكنهم اتخاذ القرار بشكل مستقل بين إيران والولايات المتحدة، وإنهم تابعون لها، ومصير الاتفاق النووي واضح».
واعتبر قائد «الحرس الثوري» أن انسحاب الولايات المتحدة دليل على أن تخصيب اليورانيوم ذريعة في الاتفاق النووي، لاستهداف القدرات العسكرية الإيرانية.
في السياق ذاته، قال قائد الجيش الإيراني عبد الرحيم موسوي إنه «يشكر الله» على انسحاب ترمب واعتبر «عدم التزامه بالاتفاق أكبر مكاسب إيران من الاتفاق».
بدوره قال قائد الأركان المسلحة، محمد باقري إن «الاتفاق النووي لم يكن ما تطمح إليه إيران لكنها أرادت إتمام الحجة مع العالم بالاتفاق»، متهماً واشنطن بشن حرب اقتصادية على إيران.
في غضون ذلك، أحرق عشرات من نواب البرلمان الإيراني علم الولايات المتحدة الأميركية، وورقة ترمز للاتفاق النووي، احتجاجاً على الانسحاب الأميركي فوق منصة البرلمان.
وتناقلت وكالات أنباء رسمية صوراً تُظهِر إيرانيين غاضبين وطلاباً يحرقون العلمين الأميركي والإسرائيلي في عدد من الجامعات، وأمام مقرِّ السفارة الأميركية (سابقاً) وسط العاصمة طهران.
وبعد فترة طويلة، عاد شعار «الموت لأميركا» إلى مقر البرلمان الإيراني، وتوجه رئيس اللجنة النووية النائب المحافظ مجتبى ذو النور، الذي أحرق بدوره نسخة من الاتفاق النووي ويصيح: «أحرقنا الاتفاق النووي»، وفق ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
وكان دفاع رئيس البرلمان علي لاريجاني عن سياسة حكومة حسن روحاني بحفظ الاتفاق النووي بدعم من الدول الأوروبية الثلاث تسبب في غضب النواب المعارضين للاتفاق النووي.
وقال لاريجاني إن «خطوة (روحاني) تظهر أن إيران لا تريد المقامرة والردّ الانفعالي» على خطوة ترمب.
ومع ذلك وجَّه لاريجاني انتقادات إلى ترمب كما أبدى شكوكاً حول بقاء الدول الأوروبية في اتفاق ينقص الولايات المتحدة الأميركية، وقال إن «أمامها عدة أسابيع لإثبات حسن النية لإيران».
من جانب آخر، شكك لاريجاني بالصحة العقلية لترمب وقال إن «لغة التهديد مجدية مع هذا الشخص». بناء على ذلك، اقترح استئناف المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية نشاطها النووي بشكل محدود بهدف دعم المشاورات التي ينوي وزير الخارجية القيام بها مع الدول الأوروبية.
وأشارت وكالات أنباء إيرانية إلى مزاح لاريجاني الذي طالب النواب بعدم التسبب في إحراق البرلمان (في إشارة إلى محاولات النواب لإحراق العلم المرسوم على ورقة) وقال إنه لا يحترق بسهولة.



رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
TT

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)

نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد الرحيم موسوي، قوله إن بلاده لن تبدأ الحرب أبداً، لكنها لن تتردَّد لحظة في الدفاع الحاسم عن أمنها القومي في حال تعرُّضها لأي تهديد.

وأضاف أن أي عمل عسكري يهدف إلى فرض الحرب على إيران سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع وتفاقم الأزمة في جميع أنحاء المنطقة، محذراً من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليميَّين.

وأكد رئيس الأركان، بحسب الإعلام الإيراني، أن إيران تحتفظ بحقها الكامل في الرد، وأن قواتها المسلحة في جاهزية تامة للتعامل مع أي تطورات أو تهديدات محتملة.

وجاءت تصريحات موسوي غداة مفاوضات عُقدت مع واشنطن في مسقط.


الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
TT

الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

عكست الصفحات الأولى للصحف الإيرانية الصادرة صباح السبت، مقاربات متشابهة لجولة المفاوضات التي جرت في مسقط يوم الجمعة بين إيران والولايات المتحدة، حيث هيمنت ثنائية القوة الميدانية والدبلوماسية المشروطة على العناوين الرئيسية، مع اختلاف في الزوايا والأسلوب بين الصحف.

وأجمعت الصحف الصادرة في طهران، عقب مفاوضات الجمعة، على تقديم الحوار من موقع قوة، وحصر جدول الأعمال بالملف النووي، وربط الدبلوماسية بالجاهزية العسكرية، مع تباين في النبرة بين الخطاب الآيديولوجي لمؤسسة الحكم، والمقاربة الحكومية التي تدعو إلى ضبط التوقعات، وعدم تحويل المفاوضات إلى ساحة صراع داخلي، أو رهان مطلق على النتائج.

الصفحة الأولى لصحيفة «إيران» الحكومية على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

وإلى جانب الصحف التي ركزت على التفاوض من موقع القوة والجاهزية العسكرية، حضرت صحيفة «إيران»، الناطقة باسم الحكومة، بعنوان رئيسي هو «بداية جيدة»، في إشارة إلى انطلاق محادثات مسقط.

وقدمت الصحيفة صورتين متقابلتين في صدر صفحتها الأولى، تظهران لقاء وزير الخارجية الإيراني مع نظيريه العماني والأميركي، معتبرة أن الجولة الأولى تشكل انطلاقة إيجابية حذرة.

غير أنها أرفقت العنوان المتفائل بمقاربة تحذيرية في افتتاحية حملت عنوان «المفاوضات ليست ساحة للصيد الجناحي - السياسي»، وكتبت أن قرار التفاوض مع واشنطن هو قرار صادر عن مؤسسة الحكم في الجمهورية الإسلامية ككل، وليس قراراً حكومياً أو جناحياً. وأكدت أن تأمين مصالح البلاد عبر التفاوض هو مهمة الحكومة ووزارة الخارجية ضمن هذا الإطار.

إيراني يقرأ عناوين الأخبار لصحف معروضة للبيع على كشك في شارع وسط طهران اليوم (إ.ب.أ)

وأضافت الصحيفة أن ربط جميع شؤون البلاد، أو ما يسمى «حياة وموت الدولة»، سواء في بعدها الإيجابي أو السلبي، بمسار المفاوضات، ليس طرحاً صحيحاً ولا فرضية قابلة للدفاع، محذرة من تحويل المفاوضات إلى أداة للمزايدات الداخلية أو التجاذبات السياسية. وشددت على أن التفاوض هو إحدى أدوات إدارة المصالح الوطنية، لا بديلاً عن بقية عناصر القوة أو المسارات السياسية والاقتصادية للدولة.

وفي تغطيتها الخبرية، ربطت «إيران» استمرار المفاوضات بمدى التزام الطرفين، معتبرة أن «استمرار الحوار واتخاذ قرارات متقابلة يعتمد على سلوك الأطراف»، من دون رفع سقوف سياسية أو الدخول في خطاب تصعيدي، مع إبراز دور سلطنة عُمان بوصفها وسيطاً، والتأكيد على أن الحكم على المسار لا يزال مبكراً.

صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران تبرز صورة المفاوضين الإيرانيين

في المقابل، تصدرت صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران، المشهد بعنوان «اقتدار في الميدان وقدرة في الدبلوماسية»، مبرزة صورة الوفد الإيراني في مسقط، ومقدمة الجولة على أنها جاءت بعد فشل الضغط العسكري الأميركي. وربطت الصحيفة بوضوح بين المسار التفاوضي ورفع الجاهزية العسكرية، حيث حضر الحديث عن الصاروخ الإيراني في العمود الأيسر للصفحة الأولى، باعتباره أحد عناصر الردع التي تشكّل خلفية مباشرة لأي حوار سياسي.

«عصر الردع الهجومي»

أما صحيفة «فرهيختغان» التي يرأس إدارة تحريرها علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، فاختارت عنوان «المفاوضة في الميدان»، وقدمت المفاوضات باعتبارها محطة تأتي بعد عام من التوتر وتجربة حرب الـ12 يوماً، مشددة على أن الدبلوماسية الإيرانية تتحرك بذاكرة مفتوحة تجاه تجارب الماضي.

وطرحت الصفحة الأولى تساؤلات حول محاولات إعادة إنتاج مسارات الضغط السابقة، مقابل تأكيد أن طهران تدخل الحوار من دون التخلي عن خيارات أخرى إذا فُرضت عليها شروط غير مقبولة.

وذهبت صحيفة «جام جم» التابعة للتلفزيون الرسمي، إلى خطاب أكثر تعبئة تحت عنوان «عصر الردع الهجومي»، حيث أبرزت الصواريخ والتأهب العسكري بوصفهما السند الأساسي للمفاوضات، وربطت بين تطور القدرات العسكرية وارتفاع القدرة التفاوضية، مقدمة الأمن القومي وتوازن الردع إطارين حاكمين لأي تفاوض مع الولايات المتحدة.

من جهتها، عنونت صحيفة «آكاه» المحافظة المشهد بعبارة «اقتدار في الميدان وقدرة في الدبلوماسية»، مع صورة جماعية للوفد الإيراني، معتبرة أن جولة مسقط جاءت بعد إخفاق سياسة التهديد والضغط، وقدّمت المفاوضات بوصفها نتيجة اضطرار واشنطن للعودة إلى طاولة الحوار بعد فشل الخيارات الأخرى.

صحيفة «طهران تايمز» التابعة لمؤسسة «الدعاية والتبليغ الإسلامي» تحت عنوان «بداية جيدة لمحادثات إيران - أميركا لكن الطريق لا يزال غير واضح» (إ.ب.أ)

ومن المؤسسة نفسها التي تصدر صحيفة «آكاه»، قدمت صحيفة «طهران تايمز» الصادرة بالإنجليزية، قراءة أكثر توازناً، معتبرة أن الجولة تمثل «بداية جيدة للمحادثات، لكن الطريق لا يزال غير واضح»، مع إبراز استمرار انعدام الثقة بين الطرفين. وفي الوقت نفسه، أفردت مساحة بارزة للحديث عن تعزيز الوضع الهجومي الإيراني عبر نشر صاروخ «خرمشهر - 4»، مقدمة ذلك رسالةً موازية للمفاوضات.

أما صحيفة «قدس» المحافظة، فركزت على البعد السياسي الخارجي، بعنوان بارز عن «استقلال أوروبا... فعلياً على الورق»، مشككة في جدوى الدور الأوروبي. ورافقت العنوان صورة الوفد الإيراني مع عبارة «دبلوماسية بإصبع على الزناد»، في إشارة إلى أن الحوار يجري مع بقاء أدوات الردع حاضرة، مع تأكيد حصر جدول الأعمال بالملف النووي، ورفض إدراج الصواريخ أو القضايا الإقليمية.

«المنطقة الرمادية»

وفي مقاربة تحليلية مغايرة، عنونت صحيفة «شرق» الإصلاحية صفحتها الأولى بـ«الدبلوماسية في المنطقة الرمادية»، ونأت بنفسها عن الحسم المسبق للنتائج. وكتبت أن استمرار المسار الحالي قد يفتح الباب أمام التوصل إلى إطار تفاهمي لجولات لاحقة، لكنها ربطت بعاملين حاسمين؛ هما طبيعة القرارات التي تتخذ في طهران ومدى توافر الإرادة السياسية لدى الطرف الأميركي، معتبرة أن المفاوضات لا تزال تتحرك في مساحة غير محسومة.

صحف معروضة للبيع على كشك في شارع وسط طهران اليوم (إ.ب.أ)

حسابات حذرة

من جهتها، ركزت صحيفة «اعتماد» في تغطيتها لمحادثات مسقط على توصيف الجولة الأولى بأنها «بداية جيدة» للحوار غير المباشر بين واشنطن وطهران، لكنها رأت أنه لا يعني تجاوز مرحلة الاختبار أو ضمان استمرار المسار.

واعتبرت الصحيفة أن المحادثات تمثل خطوة افتتاحية تهدف إلى جس النيات وتحديد إطار العمل، وليس تحقيق نتائج نهائية سريعة.

وأشارت «اعتماد» إلى أن استمرار الحوار مرهون بقدرة الطرفين على ضبط سقف التوقعات والالتزام بطابع تفاوضي تدريجي، مؤكدة أن الحكم على مسار المفاوضات يجب أن يبنى على ما ستسفر عنه الجولات اللاحقة.

وأظهرت القراءة الحذرة للصحيفة توازناً بين الإشارة إلى إيجابية الانطلاق، والتنبيه إلى أن مسار التفاوض لا يزال في بدايته، وأن نتائجه ستتحدد وفق السلوك العملي للأطراف خلال المرحلة المقبلة.

الميدان والدبلوماسية

أما صحيفة «جوان»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، فقد شددت على تلازم المسارين العسكري والدبلوماسي تحت عنوان «تكامل الميدان والدبلوماسية في مواجهة العدو»، معتبرة أن «يد التفاوض على الطاولة، فيما إصبع الردع على الزناد».

وأشارت إلى زيارة رئيس هيئة الأركان إلى إحدى المدن الصاروخية التابعة لـ«الحرس الثوري»، ووجود الصاروخ الباليستي «خرمشهر - 4» بقدرات عملياتية عالية وقوة تدميرية كبيرة، بوصفه أحد أعمدة منظومة الردع الإيرانية، معتبرة ذلك رسالة مباشرة بأن طهران تدخل الدبلوماسية من موقع اقتدار، لا من موقع ضعف.

وفي سياق أكثر حدة، أفردت صحيفة «كيهان» افتتاحيتها لمفاوضات مسقط بعنوان «أميركا غير قابلة للثقة، ويجب أن تبقى الأصابع على الزناد». وكتب رئيس تحريرها حسين شريعتمداري، أن واشنطن اضطرت للقبول بإطار التفاوض الذي حددته طهران، والقائم على حصر النقاش بالملف النووي، مشيراً إلى تقارير تؤكد خروج الملفات الصاروخية والإقليمية من جدول الأعمال.

ونقلت «كيهان» عن وزير الخارجية عباس عراقجي، قوله إن «انعدام الثقة يشكل تحدياً ثقيلاً أمام المفاوضات»، وربطت ذلك بتحذيرها من تكرار تجارب سابقة لم تلتزم فيها واشنطن بتعهداتها. كما نشرت افتتاحية بعنوان «الحرب الإقليمية... الكابوس الأكبر لواشنطن وتل أبيب»، ربطت فيه بين مسار التفاوض واحتمالات التصعيد.

وذهبت كيهان أبعد من ذلك في أحد تقاريرها، معتبرة أنه «ليس مستبعداً أن يقدم الكيان الإسرائيلي على تصفية ترمب نفسه»، مشيرة إلى دور جاريد كوشنر، صهر ترمب ومستشاره المقرب، وواصفة إياه بأنه يتمتع بنفوذ واسع داخل البيت الأبيض، ويؤدي دوراً محورياً في صياغة خطابات الرئيس الأميركي وتعيينات إدارته.

وختمت الصحيفة طرحها بالتساؤل عمن تتجه إليه ولاءات كوشنر، معتبرة أن استمرار ترمب، في حال انتهاء «دوره الوظيفي»، قد يشكل عبئاً أمنياً على إسرائيل، في طرح يعكس النبرة التصعيدية التي طبعت مقاربة كيهان لمفاوضات مسقط.


عراقجي: مستعدون لاتفاق «مطمْئِن» بشأن تخصيب اليورانيوم

رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
TT

عراقجي: مستعدون لاتفاق «مطمْئِن» بشأن تخصيب اليورانيوم

رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)

أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الاتفاق مع واشنطن لعقد الجولة المقبلة من المحادثات النووية في وقت قريب، لكنه أشار إلى أنه ‌لم ⁠يتم بعد ​تحديد ‌موعد للجولة التالية من المحادثات، وذلك ⁠بعد يوم ‌من إجراء الجانبين محادثات في سلطنة عُمان.

عراقجي صافح الوفد الأميركي في محادثات مسقط

وقال عراقجي، في مقابلة تلفزيونية، إن ⁠طهران وواشنطن تعتقدان أنه يجب عقد الجولة الجديدة قريباً. وأكد عراقجي الاستعداد للتوصل لاتفاق «مطمْئِن» مع واشنطن حول تخصيب اليورانيوم، غير أنه أكد أن برنامج إيران الصاروخي «غير قابل للتفاوض» في المحادثات. وأضاف «هذا موضوع دفاعي بحت بالنسبة لنا، لا يمكن التفاوض بشأنه ليس الآن ولا في المستقبل».

وتابع وزير الخارجية الإيراني أن المحادثات التي جرت مع الولايات المتحدة في مسقط كانت «غير مباشرة»، لكنه صافح خلالها الوفد الأميركي.

وقال: «على الرغم من أن المفاوضات كانت غير مباشرة، فقد سنحت الفرصة لمصافحة الوفد الأميركي».

وأكد عراقجي أن بلاده ستستهدف القواعد الأميركية في المنطقة إذا هاجمت واشنطن الأراضي الإيرانية. وقال: «لا مجال لمهاجمة الأراضي الأميركية إذا هاجمتنا واشنطن، لكننا سنهاجم قواعدهم في المنطقة».

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.

وفي المقابل، قال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، إن المحادثات ساعدت في تحديد مجالات محتملة للتقدم.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ب)

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» خلال توجهه إلى مارالاغو في فلوريدا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع إن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً»: وأضاف: «يبدو أن إيران ترغب بشدة في إبرام اتفاق»، موضحاً أن الطرفين سيلتقيان مجدداً «مطلع الأسبوع المقبل».

وأحضرت الولايات المتحدة قائدها العسكري الأعلى في الشرق الأوسط إلى طاولة المفاوضات، في خطوة فُسّرت على أنها رسالة ضغط موازية للمسار الدبلوماسي، وسط تحذيرات متبادلة وحشد عسكري متواصل في المنطقة.

وجاءت المحادثات التي عقدت أمس في مسقط بسلطنة عمان، في أعقاب تهديدات واشنطن بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، على خلفية قمع الاحتجاجات الواسعة النطاق التي شهدتها البلاد، وأسفرت عن سقوط آلاف القتلى.

وعزّزت واشنطن قدراتها العسكرية في الشرق الأوسط، مع نشرها حاملة الطائرات أبراهام لينكولن ومجموعتها البحرية الضاربة في المنطقة، بينما توعدت إيران باستهداف القواعد الأميركية في المنطقة إن تعرضت لهجوم.

وتشدد إيران على أن تقتصر المحادثات على الملف النووي من أجل التوصل إلى رفع العقوبات الدولية التي تخنق اقتصادها، بينما تشدد الولايات المتحدة على ضرورة أن تتناول أيضاً برنامج الصواريخ الباليستية ودعمها تنظيمات مسلحة في المنطقة.

التوسع الإسرائيلي وأمن المنطقة

وفي وقت سابق، صرّح عراقجي بأن التوسع الإسرائيلي يؤثر بشكل مباشر على أمن دول المنطقة، داعياً لفرض عقوبات دولية على إسرائيل.

وأكد على أن «الحصانة والإفلات من العقاب اللذين منحا لإسرائيل» أخلا بالنظام القضائي الدولي.

وأضاف عراقجي في مؤتمر منتدى الجزيرة في العاصمة القطرية الدوحة أنه «لو استمر الوضع في غزة وفق ما تخطط له إسرائيل، فالضفة الغربية ستكون التالية».

وشدد على أن القضية الفلسطينية ليست قضية كباقي القضايا، بل هي «بوصلة لمدى فاعلية القانون الدولي»، موضحاً أن «ما نراه بغزة ليس حرباً، ولا نزاعاً بين أطراف متكافئة، بل هو تدمير متعمد للحياة المدنية، وإبادة».

وتابع أن المشكلة ليست فلسطين وحسب، و إنما هناك كيان ينتهك القوانين، ولا يردعه شيء، وأن ما قامت به «إسرائيل كان له أثر في زعزعة الاستقرار في المنطقة بأسرها».

وفي إشارة إلى الدور الأميركي في المنطقة، قال وزير خارجية إيران إنه لا يمكن فرض السلام والاستقرار على المنطقة عبر «لاعب واحد».