إيران والخيارات الثلاثة لمواجهة ترمب

طلاب غاضبون يحرقون أوراقاً ترمز إلى الاتفاق النووي أمام المقر السابق للسفارة الأميركي في وسط طهران أمس (تسنيم)
طلاب غاضبون يحرقون أوراقاً ترمز إلى الاتفاق النووي أمام المقر السابق للسفارة الأميركي في وسط طهران أمس (تسنيم)
TT

إيران والخيارات الثلاثة لمواجهة ترمب

طلاب غاضبون يحرقون أوراقاً ترمز إلى الاتفاق النووي أمام المقر السابق للسفارة الأميركي في وسط طهران أمس (تسنيم)
طلاب غاضبون يحرقون أوراقاً ترمز إلى الاتفاق النووي أمام المقر السابق للسفارة الأميركي في وسط طهران أمس (تسنيم)

إلى أين نذهب من هنا؟ هذا هو السؤال السائد الآن داخل أروقة المؤسسة الرسمية في طهران حال النظر في رد الفعل الإيراني الرسمي على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي الذي ورثته إدارته عن إدارة الرئيس السابق باراك أوباما.
ومن الأمور المؤكدة في هذا السياق، أن الاتفاق النووي كان منسقاً ليتناسب مع استراتيجية إدارة أوباما بشأن إيران، والتي كانت تهدف إلى مساعدة «الفصيل المعتدل» داخل الحكومة الإيرانية على الفوز في صراع السلطة ضد الفصيل المتشدد الذي يتولى مقاليد الأمور ويمسك بالمكونات الأساسية في الدولة الإيرانية، فضلاً عن الشروع في عملية تغيير السلوكيات الإيرانية في بعض المجالات ذات الأهمية. ولم يتسنَّ لإدارة الرئيس أوباما بلوغ هذه الغاية، ويبدو أن الإدارة الأميركية الجديدة أكثر اهتماماً بتغيير النظام الحاكم في طهران بدلاً من التغيير داخل النظام الحالي.
وانطلاقاً من الجدل الدائر في وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية والتعليقات التي خرجت عن بعض الشخصيات البارزة في البرلمان الإيراني، وحكومة الرئيس حسن روحاني، فإن «الجمهورية الإسلامية» تنظر في الآونة الراهنة في 3 خيارات.
أولاً: هناك ما يمكن وصفها بـ«الاستجابة الصارمة» التي تعني استئناف جهود تخصيب اليورانيوم الإيراني فوق مستوى 20 في المائة، ووقف المحادثات مع روسيا بشأن نقل المخزون المخصب بالفعل من اليورانيوم الإيراني خارج البلاد. كما يمكن لطهران أيضاً تعليق المحادثات مع الصين بشأن إعادة تصميم محطة «آراك» النووية لصناعة البلوتونيوم لضمان عدم استخدامها في إنتاج الماء الثقيل اللازم لصناعة القنبلة النووية.
ويتمثل خيار إيراني آخر في إبطاء عملية التفتيش الدولية المصرح بها في 22 موقعاً من أصل 32 موقعاً نووياً إيرانياً كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد حددتها بوصفها «مواقع ذات أهمية».
وبصرف النظر عن القضية النووية الجامدة في حد ذاتها، فإن الخيار الإيراني الصارم قد يتضمن أيضاً تعزيز الدعم الإيراني للمتمردين في اليمن، وللميليشيات الموالية لها في العراق، ولنظام بشار الأسد في سوريا، وللفرع اللبناني من تنظيم «حزب الله»، وللجماعتين الفلسطينيتين المقربتين من طهران: «حركة المقاومة الإسلامية (حماس)»، و«حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين».
ويمكن للخيار الإيراني الصارم أن يشتمل كذلك على احتجاز مزيد من الرهائن الأجانب، لا سيما الرعايا الأميركيين منهم، بمساعدة من خلايا «حزب الله» النائمة كلما أمكن ذلك، بمن في هؤلاء تلك الخلايا العاملة في قارة أميركا اللاتينية.
ومن شأن الخيار الإيراني الوسط (من حيث الشدة) أن يتضمن الجهود الرامية إلى الاحتفاظ بما تبقى من خطة العمل الشاملة المشتركة (أي الاتفاق النووي) واستخدام الآلية التي توفرها الخطة لتسوية الخلافات التي قد تنشأ بين أطراف الاتفاق. ومن ثم، يمكن لإيران رفع الشكوى خلال مدة زمنية تبلغ 24 يوماً لدى ما تعرف باسم «لجنة الإشراف»، التي تتألف من نواب وزراء الخارجية في مجموعة دول «5+1» بالإضافة إلى إيران، لتناول الشكوى الإيرانية المرفوعة ضد القرار الصادر عن الولايات المتحدة الأميركية أخيراً. فإن أخفقت اللجنة المشار إليها في التوصل إلى حل للمشكلة، فسوف تحال المسألة برمتها إلى اللجنة الوزارية التي تجتمع مرة واحدة كل عامين، ولكن يمكنها أيضاً مباشرة الاجتماعات الطارئة بناء على طلب مقدم من أحد الأعضاء. هذا؛ وإن أخفقت اللجنة الوزارية أيضاً في اقتراح حل مناسب، فيمكن نقل المسألة إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
ومن شأن كل ذلك أن يجعل العجلة الدبلوماسية في حالة دوران مستمر، على سطح الأحداث بأقل تقدير، في حين أن إيران والدول الخمس الأخرى لا تزال في انتظار الرئيس دونالد ترمب ورد فعله. ويمكن توهين موقف الرئيس الأميركي خلال انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل في حال فقد الحزب الجمهوري السيطرة على مجلس النواب أو الشيوخ أو كليهما. وعلى أي حال، يمكن للآلية المنتظرة ضمن خطة العمل الشاملة المشتركة أن تستمر نحو عام ونصف العام، وبحلول ذلك الوقت يمكن للرئيس الأميركي أن يدخل في الفترة الحرجة قبيل إعادة انتخابه لرئاسة البلاد.
ويمكن لـ«الخيار الوسط» أن يساعد الحكومة الإيرانية الحالية، والمؤيدة بالفصيل الموالي للرئيس الأسبق محمد خاتمي، في الزعم بأن إيران قد نجحت في عزل الولايات المتحدة، وأن الصعوبات الاقتصادية المترتبة على العقوبات الأميركية الجديدة سوف تكون مؤقتة وليست مستدامة.
وفي هذا السياق، يمكن للسيد روحاني الاستفادة من الدعم القوي الذي تحظى به خطة العمل الشاملة المشتركة من جانب بعض الساسة الأميركيين البارزين، ومن بينهم الرئيس السابق باراك أوباما ووزير خارجيته الأسبق جون كيري، ناهيكم بذكر السيدة فيديريكا موغيريني الممثلة العليا للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي. ومن المتوقع أن يشرع السيد كيري والسيدة موغيريني في جولة خارجية بالعواصم الدولية الرئيسية لإسناد الموقف الإيراني الحالي وإدانة الخطوة الأخيرة المتخذة من جانب الرئيس ترمب.
وأمس؛ كانت التصريحات الصادرة عن الرئيس حسن روحاني وأقرب مساعديه، بمن في هؤلاء مساعده الأول إسحاق جهانغيري، والمستشار الاستراتيجي محمد باقر نوبخت، تشير إلى أفضلية «الخيار الوسط». وهناك عدد من الأعضاء المتنفذين في البرلمان الإيراني، بمن فيهم نائب رئيس المجلس علي مطهري، ومحمد رضا باهنر، قد أعربوا عن تأييد اعتماد «الخيار الوسط» من قبل الحكومة الإيرانية. وقد انطلق السيد مطهري إلى أبعد من ذلك حين صرح قائلا إنه في دليل على حسن النيات الإيرانية، فسوف تقبل طهران التعامل مع «الشواغل» التي تتعلق بسياساتها في منطقة الشرق الأوسط.
أما الخيار الثالث في السياق ذاته، فيمكن وصفه بـ«الخيار الناعم»، وهو الذي يهدف إلى حرمان السيد ترمب من مظالمه الحقيقية أو المتصورة. وينص المطلب الأول للسيد ترمب على إيقاف تطوير البرنامج الإيراني للصواريخ الباليستية طويلة المدى. وبمعنى من المعاني، فإن إيران قد حققت هذا المطلب بالفعل عبر حزمة من التصريحات العلنية، ومن بينها ذلك البيان الصادر عن رئيس هيئة الأركان الإيرانية الجنرال محمد حسين باقري الذي قال فيه إنه لن يتم تطوير أي صواريخ جديدة يتجاوز مداها ألفي كيلومتر. وحيث إنه لا يوجد موعد نهائي لتجميد برنامج الصواريخ، فيمكن لإيران الزعم بأن الاتهامات الأميركية بأنها تعمل على إعادة إنتاج الصواريخ القادرة على حمل الرؤوس النووية لمسافات بعيدة، تعد أمراً محل شك وتساؤل كبير.
ويمكن لطهران كذلك، كما أشار النائب مطهري، تقديم تنازلات بشأن وجودها العسكري في كثير من الدول العربية. وفي واقع الأمر، أكدت بعض المصادر المطلعة في بروكسل أن طهران قد بدأت في التواصل مع الاتحاد الأوروبي بشأن القضية اليمنية مع عرض مقدم من جانبها بالابتعاد التدريجي عن دعم المتمردين الحوثيين في صنعاء.
وتواجه طهران بعض الضغوط من موسكو بشأن نقل منطقة خفض التصعيد التابعة لها في سوريا من المناطق المتاخمة للحدود اللبنانية ومرتفعات الجولان، الأمر الذي يثير مزيداً من القلق لدى إسرائيل والولايات المتحدة، إلى دير الزور على الحدود السورية - العراقية.
وفي العراق، من شأن الانتخابات العامة الجارية في البلاد أن تقلص من النفوذ الإيراني من خلال تشكيل البرلمان المعني بإعادة إحياء العراق بصفته قوة إقليمية بدلاً من الإذعان المستمر لطهران.
وفي لبنان، يمكن لطهران توجيه الأوامر إلى «حزب الله» بالتواري عن الأنظار، في الوقت الحالي على الأقل، مما يساعد الجانب الأوروبي على الادعاء بأن «الجمهورية الإسلامية» تعمل على تعديل سلوكياتها.
وقد يتضمن «الخيار الناعم» أيضاً الإفراج عن بعض من الرهائن الـ39 قيد الاحتجاز لدى طهران في الآونة الراهنة، بدءاً بالإفراج عن الرعايا البريطانيين وغيرهم من مواطني الاتحاد الأوروبي. ووفق المصادر الإيرانية المطلعة، فإن السيد جون كيري وبعضاً من أصدقاء إيران الأميركيين الآخرين يحضّون طهران على إظهار «إيماءة» جيدة حيال الرأي العام الأميركي من خلال إطلاق سراح بعض الرهائن الأميركيين.
وعلى صعيد الملف النووي ذاته، من شأن «الخيار الناعم» أن يتضمن إقناع روسيا بإعداد جدول زمني لنقل المخزون المتبقي من اليورانيوم الإيراني المخصب بغية تحويله إلى قضبان للوقود النووي.
ومع ذلك، كانت ثمة إشارات صادرة بالأمس على أن الاستجابة الناعمة سوف تلقى معارضة شديدة من قبل الزمرة الخمينية في إيران، والتي لا ترى لها من زعيم سوى المرشد الأعلى علي خامنئي. وقد حذر السيد خامنئي في غير مناسبة من أنه إذا أسقطت الولايات المتحدة خطة العمل الشاملة المشتركة، فسوف «تحرق» إيران الاتفاق النووي برمته. وخرجت صحيفة «كيهان» الإيرانية اليومية، المقربة للغاية من المرشد خامنئي، تحمل عنواناً رئيسياً يقول: «حان وقت حرق الاتفاق النووي»!!
وحاولت الصحيفة الإيرانية اليومية تقويض الأساس الجوهري لمسار الاستجابة الناعمة، وهو الثقة الكبيرة في الجانب الأوروبي. وزعمت صحيفة «كيهان» في المقالة الافتتاحية أن الجانب الأوروبي يلعب دور «الشرطي اللين» في مقابل دور «الشرطي العنيد» الذي يضطلع به الرئيس دونالد ترمب، وأنه يجب على «الجمهورية الإسلامية» تعزيز موقفها الثوري الراسخ حتى استسلام «الكفار» وإذعانهم للإرادة الإيرانية التي تستند إلى العدالة الممثلة في الإمام الغائب!
وبصرف النظر عن القرار الإيراني، فقد يكون السيد ترمب، ودون أن يقصد، قد قدم للإيرانيين خدمة كبيرة؛ من حيث إجبارهم على تقرير ما إذا كانوا يرغبون في مواصلة امتطاء جواد الثورة الجامح أو الرجوع إلى الحظيرة العالمية كدولة قومية تتصرف كمثل ما تتصرف به الدول القومية في كل مكان. لقد تلاعب الاتفاق المنسوب للسيد أوباما بالقضية برمتها حتى توفر له الإرث التاريخي الذي انزوى وربما انهار. ومن حق السيد ترمب أن يبحث لنفسه عن إرث تاريخي يتركه متمثلاً في كتابة الفصل النهائي والأخير في «حكاية» الثورة الإيرانية.



غالانت يشن هجوماً شرساً على نتنياهو ويتهمه بالكذب

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي في قاعدة كيريا العسكرية بتل أبيب (أرشيفية - رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي في قاعدة كيريا العسكرية بتل أبيب (أرشيفية - رويترز)
TT

غالانت يشن هجوماً شرساً على نتنياهو ويتهمه بالكذب

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي في قاعدة كيريا العسكرية بتل أبيب (أرشيفية - رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي في قاعدة كيريا العسكرية بتل أبيب (أرشيفية - رويترز)

انطلقت عاصفة حادة من ردود الفعل الغاضبة عقب تصريحات أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتوالت الاتهامات عليه بالكذب في روايته عن أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول)، وتفاصيل اغتيال حسن نصر الله، زعيم «حزب الله» بلبنان.

وانشغلت وسائل الإعلام العبرية، بما فيها بعض صحف اليمين، بتلك التصريحات، وأكد كثيرون أن الغرض الحقيقي منها هو تكريس «رواية كاذبة» حول مجريات الأحداث تقود لإعفائه من المسؤولية عن «إخفاقات» 7 أكتوبر 2023، وإخفاء «فشله» في إدارة الحرب.

وكان نتنياهو قد ظَهَر، الخميس الماضي، أمام لجنة سرية في الكنيست، وطرح ملفاً ضخماً من الوثائق حاول فيه أن يثبت براءته من تهمة «الإخفاقات».

وقال نتنياهو إنه حذر أجهزة الأمن من خطورة الفكرة السائدة لديهم بأن «حماس» ليست معنية بالحرب، وإنه كان يريد اغتيال قادة الحركة، ولكن الأجهزة الأمنية رفضت، ولم ترضخ إلا أمام إصراره.

كما قال إن الأجهزة الأمنية عارضت اغتيال نصر الله، وإنه هو الذي حسم المسألة وأمر باغتياله، كما أمر بتفعيل أجهزة «البيجرز» لاستهداف نشطاء «حزب الله» رغم معارضة أجهزة الأمن.

«يقلب الحقائق»

وكان لافتاً بشكل خاص تصرف وزير الدفاع الأسبق، يوآف غالانت، الذي طلب الوصول إلى استوديوهات «القناة 12» في القدس، وظهر في بث حي شن فيه هجوماً حاداً على نتنياهو، قائلاً: «من المؤسف والمخجل أن يضطر أحد، مثلي، لأن يترك كل شيء ليأتي إلى الاستديو ليقول إن رئيس حكومته كذاب».

وأضاف: «نتنياهو يكذب ويقلب الحقائق رأساً على عقب ويزيف الواقع، وكل ذلك على حساب الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك)».

وفنَّد غالانت ادعاءات نتنياهو حول اغتيال نصر الله؛ فرسم صورة عكسية تماماً، وقال إن نتنياهو هو من تردد ورفض الاغتيال في الواقع.

وقال: «لقد رفض نتنياهو في اجتماع (الكابينت) المنعقد يوم 25 سبتمبر (أيلول) 2024، طرح مسألة الاغتيال للتصويت، وذلك على الرغم من ضمان الأغلبية في الحكومة والتحذير الصريح من رئيس جهاز (الشاباك) بأن نصر الله قد يغادر الملجأ ويهرب في المستقبل القريب».

ووصف غالانت كيف أعلن نتنياهو أن القضية لن تناقَش إلّا بعد عودته من الولايات المتحدة، ثم استقل الطائرة وسافر إلى واشنطن.

ووفقاً لغالانت، جاءت نقطة التحوّل بعد يوم واحد فقط، وقال إنه بعد نشر أخبار عن محادثات وقف إطلاق النار في لبنان وتهديدات من وزراء الائتلاف بحل الحكومة، عقد نتنياهو اجتماعاً هاتفياً، ووافق على توصية غالانت مع الرئيس السابق لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي هرتسي هاليفي، باغتيال نصر الله، مؤكداً أن «خوفه من سقوط الحكومة هو الذي جعله يوافق على طلب أجهزة الأمن».

وأكد غالانت أن «عملية الاغتيال نفسها نفّذت بتوجيهٍ منه من مركز القيادة في تل أبيب بالاشتراك مع كبار قادة الجيش، بينما كان نتنياهو في الولايات المتحدة، ولم يتلقَّ أي تحديث هاتفي إلا بعد نجاح العملية».

يلوم الجميع... إلا نفسه

وفي صحيفة «معاريف»، كتب الصحافي بن كسبيت: «كل من يعرف نتنياهو يدرك هذه الحيل والمراوغات؛ فهو لا يكتفي بمنع تشكيل لجنة رسمية للتحقيق في الكارثة المنسوبة إليه بكل قوتها، بل يسعى أيضاً إلى تشكيل لجنة تحقيق بديلة، من صنعه، يُملى استنتاجاتها بنفسه. لجنة تحقيق عقيمة، لا تُعرض فيها إلا روايته».

وأضاف: «هذا هو الانطباع الذي تركه ظهور رئيس الوزراء أمام اللجنة الفرعية السرية التابعة للجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست يوم الخميس الماضي. ظهور كان من المقرر أن يستمر ساعتين، أو 3 ساعات حداً أقصى، لكنه امتد لـ5 ساعات كاملة تقريباً. وقد خصص الشخص الذي يرأس الحكومة الإسرائيلية منذ ما يقرب من 20 عاماً، ساعتين على الأقل من ذلك الوقت، لاتهام الآخرين في جميع الكوارث التي تسبب بها».

وأضاف: «أعضاء الكنيست الذين استمعوا إليه خرجوا بمشاعر متباينة؛ فقد ادعى البعض أنه كان في أوج تألقه: حاد الذكاء، ومُركزاً، ومقنعاً. وأعتقد أن هذا الوصف يعكس الواقع. نتنياهو يبرع عندما يكذب، ويزدهر في مثل هذه المواقف، حيث ينشر الأكاذيب، ويختلق المؤامرات، ويخلق الأوهام».

لكن بن كسبيت أشار إلى أن كثيراً من أعضاء الكنيست الذين استمعوا إليه شعروا بالصدمة، وأن أحد الحاضرين في القاعة قال مندهشاً: «من غير المعقول! كيف يُلقي باللوم على الجميع، إلا على نفسه؟ وكيف يجرؤ على إلقاء اللوم على الجيش فقط، وعلى قوات الأمن فقط، وعلى الجميع باستثنائه؟».


ماذا وراء الزيارة الدرامية لنتنياهو إلى واشنطن فعلاً؟

ترمب ونتنياهو أثناء حضور مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 29 سبتمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو أثناء حضور مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 29 سبتمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ماذا وراء الزيارة الدرامية لنتنياهو إلى واشنطن فعلاً؟

ترمب ونتنياهو أثناء حضور مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 29 سبتمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو أثناء حضور مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 29 سبتمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

الإعلان الدرامي الذي أصدره مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ليلة السبت، عن توقّع لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن الأربعاء المقبل، لبحث «المفاوضات مع إيران» وطرح المطالب الإسرائيلية، لا ينطوي فعلياً على تطور حقيقي في هذا الملف. وعلى الأرجح جاء في الأساس لتغطية أهداف نتنياهو الفعلية، وفي مقدمتها اعتبارات داخلية، يرتبط معظمها بمعركة الانتخابات التي دخلت مراحلها العملية في إسرائيل.

ويعزّز هذا التقدير ما ساقه نتنياهو من ذرائع لتبرير تغيير موعد زيارته إلى واشنطن، مستنداً إلى ما وصفه بإلحاح الملف الإيراني.

كما هو معلوم، كان نتنياهو قد طلب قبل أسبوع زيارة واشنطن، وهو ما وافقت عليه الإدارة الأميركية، على أن تتم الزيارة في 18 من الشهر الحالي، لبحث عدد من الملفات، في مقدمتها الملف الإيراني، وخطة الرئيس دونالد ترمب في الشأن الفلسطيني، إضافة إلى مسألة العفو المحتمل عن نتنياهو في قضايا الفساد التي يواجهها. وبما أن ترمب دعا «مجلس السلام» إلى الانعقاد في واشنطن في اليوم التالي، أي في 19 من الشهر ذاته، ساد اعتقاد بأن نتنياهو سيشارك في اجتماع المجلس، علماً بأنه عضو فيه.

غير أن نتنياهو أوضح لاحقاً تشكيكه في احتمال المشاركة في الاجتماع، خشية أن يُطلب منه وقف العراقيل التي يضعها أمام التقدم في الخطة المطروحة. وذكرت القناة 12 الإسرائيلية أن تقديم موعد الزيارة قد يؤدي إلى عدم سفر نتنياهو في 18 من الشهر كما كان مقرراً، وبالتالي عدم مشاركته في اجتماع قادة «مجلس السلام» في واشنطن. وعملياً بدا أن نتنياهو تهرّب من حضور الاجتماع، متجنباً الالتزامات التي كان أعضاء المجلس سيطالبونه بتنفيذها في قطاع غزة.

ويستند هذا التقدير إلى قناعة دولية متزايدة بأن نتنياهو يضع عراقيل ثقيلة أمام تطبيق المرحلة الثانية من الاتفاق، بل وحتى المرحلة الأولى، إذ تشير التقديرات إلى أن إسرائيل تخرق الاتفاق ثلاث إلى أربع مرات يومياً. ويُعد معبر رفح مثالاً واحداً على طبيعة ما يجري على الأرض في هذا السياق.

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

لماذا هذا التحوّل في موقف نتنياهو؟

الادعاء المركزي يتمحور حول الملف الإيراني. فحسب القناة «11»، هيئة البث الرسمية الإسرائيلية، اتخذ نتنياهو صباح السبت، قرار التعجيل بزيارته إلى واشنطن من 18 من الشهر الحالي إلى يوم الثلاثاء المقبل، عقب متابعته تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي تحدث فيها عن «تقدم إيجابي في مفاوضات عُمان»، وعن «شعور بأن إيران معنية فعلياً بالتوصل إلى اتفاق».

وحسب بيان صادر عن مكتب نتنياهو، جاء قرار تقديم موعد الزيارة على خلفية اعتبار أن إيران «مخادعة» ولا ينبغي تقديم أي تنازلات لها. ولتعزيز هذا الموقف، شدد البيان على أن «أي تفاوض مع طهران يجب أن يتضمن تقييد برنامجها للصواريخ الباليستية ووقف دعمها لما يُعرف بالمحور الإيراني». كما نقل مقرّبون من نتنياهو أنه يعتزم مطالبة ترمب بفرض اعتراف إيراني بإسرائيل باعتباره «دليلاً على نوايا سلام حقيقية».

وأفادت هيئة البث العامة الإسرائيلية (كان 11) بأن تل أبيب تخشى من أن يتراجع الرئيس ترمب عن «نقاط تم الاتفاق عليها مسبقاً مع إسرائيل» قبل انطلاق المفاوضات مع إيران. وفي هذا السياق، فسّرت تقارير إسرائيلية بيان مكتب نتنياهو على أنه بمثابة استعراض للقوة، يهدف إلى إظهار أن إسرائيل لم تقف مكتوفة الأيدي، وأن الهدف من هذه الخطوة هو التأثير في عملية صنع القرار الأميركي قبل فوات الأوان.

منظومة «القبة الحديدية» الإسرائيلية تعترض صواريخ باليستية أُطلقت من إيران فوق تل أبيب (إ.ب.أ)

ستة مطالب إسرائيلية

ولكي تكتمل عناصر الدراما السياسية، أعلن نتنياهو أن قائد سلاح الجو الإسرائيلي سيرافقه إلى واشنطن، بهدف عرض ما يصفه بضرورة توجيه ضربة لإيران، معتبراً أن ضربة من هذا النوع من شأنها شلّ القدرات الإيرانية وزعزعة ثقتها بنفسها. ودعا نتنياهو إلى عقد اجتماع مع قادة أحزاب الائتلاف الحكومي، إضافة إلى جلسة أخرى للمجلس الوزاري المصغّر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت)، الأحد.

وسيعقد سلسلة اجتماعات يومي الأربعاء والخميس، على أن يعود الجمعة. وتشمل لقاءاته الرئيس الأميركي وعدداً من كبار المسؤولين في إدارته، بينهم نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، والجنرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، إلى جانب المبعوثين المكلّفين بالملف التفاوضي، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.

وتفسّر صحيفة «يسرائيل هيوم» اليمينية هذه الزيارة الدرامية بأنها محاولة من نتنياهو لإقناع ترمب بتبنّي ستة مطالب إسرائيلية فيما يتصل بالملف الإيراني. ويتمثل المطلبان الأولان في إدراج ملف الصواريخ الباليستية ضمن المفاوضات، مع تقليص مداها إلى 300 كيلومتر، إضافة إلى وقف الدعم الإيراني لما تصفه إسرائيل بالوكلاء في المنطقة.

أما في الشق النووي، فتطرح إسرائيل أربعة مطالب إضافية، تشمل ضمان الإلغاء الكامل للمشروع النووي الإيراني، وإخراج جميع كميات اليورانيوم المخصّب من إيران، والامتناع عن أي نشاط تخصيب مهما كانت نسبته، فضلاً عن إعادة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إيران ومنحهم صلاحيات إجراء زيارات مفاجئة للمنشآت النووية.

لوبي داخل البيت الأبيض

وتقول الصحيفة إن نتنياهو حاول إقناع ويتكوف وكوشنر بهذا الموقف، لكنه يشكك في مدى التزامهما بطرحه خلال مسار المفاوضات، ما يجعله يرى أن الحديث المباشر مع ترمب يبقى الخيار الحاسم. ويعتقد نتنياهو أن لا أحد سواه قادر على إقناع الرئيس.

ويراهن نتنياهو على أن يحظى موقفه بدعم فانس وروبيو، باعتبارهما أكثر تشدداً من بقية أعضاء الفريق الأميركي، في محاولة لبلورة لوبي داخل البيت الأبيض يمكّنه من مواجهة التيار المؤيد للتوصل إلى اتفاق مع إيران.

في المقابل، يؤكد خبراء إسرائيليون أن ملف الصواريخ مطروح بطبيعته ضمن أي مفاوضات تتعلق بالبرنامج النووي، إذ إن إنتاج سلاح نووي سيكون بلا قيمة في غياب صواريخ باليستية متطورة قادرة على حمل رؤوس نووية، وهو أمر يدركه المفاوضون الأميركيون جيداً. وبناءً على ذلك، يرى هؤلاء الخبراء أن حالة الهلع التي تبديها إسرائيل في هذا السياق تبدو مفتعلة إلى حدّ كبير.

والحقيقة، كما عبّر عنها يوفال شتاينيتس، رئيس شركة «رفائيل» للصناعات العسكرية، الذي شغل سابقاً منصب وزير الشؤون الاستراتيجية في حكومة نتنياهو، هي أن إسرائيل لا تريد في الأساس التوصل إلى اتفاق نووي. وترى أن أي اتفاق، مهما كانت شروطه، سيكون سيئاً وسيؤدي إلى تعزيز قوة النظام في طهران، لأنه سيتضمن رفع العقوبات واستئناف تدفق الأموال، التي ستُستخدم، وفق هذا التصور، في دعم وكلاء إيران، من «حزب الله» في لبنان، إلى الفصائل العراقية، و«حماس» و«الجهاد الإسلامي» الفلسطينيين، وصولاً إلى الحوثيين في اليمن.

جدارية دعائية تندد بأميركا وإسرائيل في العاصمة الإيرانية طهران (أ.ف.ب)

وحسب شتاينيتس، المقرّب من نتنياهو، فإن البديل المطروح يتمثل إما في توجيه ضربة عسكرية، وإما في تجميد الوضع القائم. ويعتبر أن الضربة العسكرية تشكل الحل الأمثل، لأنها من شأنها إضعاف الحكم في إيران والدفع نحو سقوطه، فيما يُعد تجميد الوضع الحالي الخيار الثاني من حيث الأهمية، لأنه يمنع التوصل إلى اتفاق، ويُبقي العقوبات قائمة، بما يؤدي إلى إضعاف النظام اقتصادياً وشعبياً.

وأكد شتاينيتس أن لدى نتنياهو ورقة مهمة في هذا السياق تتعلق بحرب يونيو (حزيران)، مشيراً إلى أنه في تلك المرحلة جرى توجيه ضربات قاصمة من دون أن يُصاب أي جندي أميركي.

وقال شتاينيتس إن نتنياهو، في جميع الأحوال، يسعى إلى الحصول على تأييد ترمب للموقف الإسرائيلي التقليدي القائم على أن إسرائيل ليست طرفاً في أي اتفاق محتمل مع إيران، ولا يُلزمها بشيء. ويستند هذا الموقف، حسب شتاينيتس، إلى قناعة بوجود حاجة ملحّة إلى الإبقاء على سيف التهديد بالحرب مسلطاً على إيران بصورة دائمة.

ويطرح ذلك تساؤلات حول الكيفية التي سيعرض بها نتنياهو هذا الموقف من دون المساس بهيبة ترمب، وما إذا كان سينجح في تشكيل لوبي داخل البيت الأبيض لمواجهة ويتكوف وكوشنر، بما يتيح تقييد هامش حركتهما خلال المفاوضات. كما يثار سؤال آخر حول ما إذا كان نتنياهو يسعى إلى الدفع باتجاه خطوات من شأنها استفزاز القيادة الإيرانية ودفعها إلى الانسحاب من المفاوضات، مقابل ما إذا كان القادة الإيرانيون سيبدون قدراً كافياً من الحكمة لسحب البساط من تحت أقدام نتنياهو والمضي قدماً نحو اتفاق مع ترمب.

وفي ظل إدراك أن ما يشغل نتنياهو في هذه المرحلة هو وضعه الداخلي المتأزم، مع بدء المعركة الانتخابية عملياً وتراجع حظوظه في استطلاعات الرأي، فإن ما يهمه راهناً هو صدور موقف أميركي يعزز مكانته الداخلية، ويقدمه في صورة من يقف في مواجهة إيران، بل في صورة «المقاتل» أو «البطل»، كما يصفه ترمب.


الحكم على نرجس محمدي الحائزة جائزة نوبل للسلام بالسجن 6 أعوام في إيران

نرجس محمدي (أ.ف.ب)
نرجس محمدي (أ.ف.ب)
TT

الحكم على نرجس محمدي الحائزة جائزة نوبل للسلام بالسجن 6 أعوام في إيران

نرجس محمدي (أ.ف.ب)
نرجس محمدي (أ.ف.ب)

أصدرت محكمة إيرانية حكماً بسجن الناشطة الحقوقية نرجس محمدي، الحائزة جائزة نوبل للسلام، 6 أعوام، حسب ما أفاد محاميها وكالة الصحافة الفرنسية، اليوم الأحد.

وقال المحامي مصطفى نيلي إن محمدي «حُكم عليها بالسجن ستة أعوام لإدانتها بالتجمع والتآمر لارتكاب جرائم»، مشيراً إلى أن المحكمة قضت كذلك بمنعها من السفر لمدة عامين.