«السحوة»... ظاهرة تتحكم في المتزوجين بموريتانيا

موريتانيات يحضرن إحدى المناسبات الاجتماعية («الشرق الأوسط»)
موريتانيات يحضرن إحدى المناسبات الاجتماعية («الشرق الأوسط»)
TT

«السحوة»... ظاهرة تتحكم في المتزوجين بموريتانيا

موريتانيات يحضرن إحدى المناسبات الاجتماعية («الشرق الأوسط»)
موريتانيات يحضرن إحدى المناسبات الاجتماعية («الشرق الأوسط»)

يولي المجتمع الموريتاني احتراماً كبيراً للعادات والتقاليد يصل في بعض الأحيان لدرجة القداسة، وأما ازدراؤها فيعني مواجهة المجتمع الذي حتماً ينبذ الساخر منها، فهناك عادات ما زالت لها أصداء ويتمسك بها رغم ما تثيره من جدل، ومن بين هذه الأعراف ما يعرف بـ«السحوة» أو الحياء.
درجت الموريتانيات منذ القدم على عدم ذكر الزوجة اسم زوجها، وتناديه بضمير الغائب «هو»، وذكر اسمه يعد معرة في المجتمع.
سحوة ستار بين الأصهار
هذا التقليد ليس إلا واحدا من ضمن جملة من الأعراف والتقاليد التي تدخل في إطار ما يعرف بـ«السحوة»، كأن يفرض المجتمع أن يأكل الزوج مع أهل زوجته، ويحظر عليهما أن يتبادلا الحديث أمام الناس.
ويتجنب الزوج مقابلة أصهاره ومخالطتهم، وإذا اضطر لمقابلتهم عليه أن يضع لثاما، ولا يكثر من الكلام، ويظل مطأطئ الرأس، ينصت للأحاديث دون أن ينبس بأي كلمة.
أما الأكل والشرب مع الأصهار يعد من المحظورات وأمرا معيبا، وتعتبره بعض القبائل خطا أحمر وذنبا لا يغتفر يصل لحد أن يطلق الرجل زوجته، ومطالب الزوج باحترام أعمام وأخوال زوجته ويعاملهم بنفس الطريقة التي يعامل بها والديها.
وتعد السحوة التي تعرف بـ«الحياء» عادة تتحكم في الزواج الموريتاني لدرجة أن الزوج لا يمكن أن يرافق زوجته في المناسبات الاجتماعية، إلا لضرورة قصوى، كما أن المرأة يتوجب عليها الانسحاب من تجمع إذا حضره زوجها.
موروث قبل الإسلام
وعن السحوة يقول الباحث الاجتماعي محمد أحمد إنها كلمة عامية تدل على الحياء، والمجتمع الإسلامي تضبطه قواعد أخلاقية منها الحياء بحيث إنه كان ضابطا بين العلاقات فيما بين الأجيال، بدليل ما جاء في الكتاب والسنة.
ويرى أحمد أن انعدام الحياء يدل على غياب المسؤولية بدليل إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت، ويؤكد أن السحوة تعزز المصاهرة، لدرجة أن الموريتانيين يبالغون فيها.
وعن أصل هذه العادة المترسمة في موريتانيا يقول إن المجتمع ورثها ما قبل الإسلام، ولم يتمكن من التخلص منها، وهذا يدل على أن الحياء يضبط الموريتانيين ضبطا جيدا، مشيرا إلى أنه يضمن الوقار والتقدير، بالإضافة إلى الاحترام المتبادل بين الناس.
ولكن هذا الحياء، بحسب الباحث الاجتماعي، يمنع ويجنب كل ما يثير تشنجات البغض أو الكره، أو العنف، وذلك راجع لطبيعة الحياة التي كان يتمتع بها المجتمع الموريتاني منذ القدم، خاصة أنه مجتمع بدوي.
السحوة عادة في المجتمع تختلف حسب المناطق في تقبلها والتعامل معها، وتعتبر «ميمونة» أن بعض المناطق التي تحرم لقاء الزوج بأصهاره مدى الحياة، يعد ذلك مؤشراً خطيرا على الأسرة ومستقبلها. وترى أن هذه العادة ليست من الدين، حيث لم يأمر بها القرآن أو الأحاديث التي رويت عن الرسول الكريم، وتطالب بعدم المبالغة في هذه العادة التي ضررها أكثر من نفعها على المجتمع.
الثورة على العادات
مع تطور المجتمع والانفتاح الذي يشهده مؤخراً، وتأثير التكنولوجيا والعولمة، وثورة مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها على الشباب والشابات، ارتفعت أصوات تطالب بطمر هذه العادات التي بحسبهم لا تضر ولا تنفع.
تعارض النعمة شابة في العشرينات من عمرها ظاهرة السحوة، وتؤكد أنه لطالما لم يأت بها الدين الإسلامي يجب إلقاؤها وعدم الإيمان بها، وترى أنها يمكن أن تنادي اسم زوجها باسمه، وستضع تلك العادات وراء ظهرها غير عابئة بما يقوله الناس.
أما السيدة العمارية تقول إنها كانت ضحية تلك العادات والتقاليد التي جعلتها سجينة للسحوة. وتتذكر كيف أن أصهارها جاؤوا ذات مرة لزيارتهم، وطفلها يلعب حذو قنينة غاز لم تستطع نهره، لأن الأعراف ترفض أن ترفع المرأة صوتها أمام أهل زوجها.
وتطالب العمارية شأنها شأن أخريات ولدوا في عصر التطور تجاوز هذه الأعراف والتقاليد وتصف بأنها مجحفة، قائلة: «من غير المعقول أن لا يمكن للمرأة أن تمسك ابنها أمام أب زوجها أو أمها، وهذا غير منطقي».

*من مبادرة «المراسل العربي»، لإرسال القصص الصحافية راسلونا على [email protected]



هشام عاشور: «الهدف» يناقش سقوط صدام حسين من زوايا متعددة

هشام عاشور (حسابه على «إنستغرام»)
هشام عاشور (حسابه على «إنستغرام»)
TT

هشام عاشور: «الهدف» يناقش سقوط صدام حسين من زوايا متعددة

هشام عاشور (حسابه على «إنستغرام»)
هشام عاشور (حسابه على «إنستغرام»)

قال الممثل المصري هشام عاشور إن شخصية «غالب» التي يجسدها في مسلسل «الهدف» (High Value Target) تمثل نقطة تحول مهمة في مسيرته الفنية؛ لأنها دفعته إلى اكتشاف جانب جديد في تجربته كممثل، موضحاً أنه اكتشف خلال التحضير للدور أنه لا يكتفي بحب الشخصيات المركبة، وإنما يجد نفسه شغوفاً بتفاصيلها وطريقة بنائها، خصوصاً عندما تحتاج الشخصية إلى دراسة تقنيات مختلفة للوصول إلى دوافعها الداخلية.

وأضاف هشام عاشور في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن صعوبة شخصية «غالب» جاءت من كونها لا تتحرك في اتجاه واحد، فهو ضابط عراقي يحتاج إلى حضور صارم وقوي، لكنه في الوقت نفسه يحمل خلفية دينية وموقفاً خاصاً من الأحداث التي عاشها العراق خلال تلك المرحلة، لافتاً إلى أن بناء الشخصية تطلب منه البحث عن المساحة الإنسانية الموجودة خلف صورة الضابط، حتى لا يتحول إلى مجرد أداة داخل الأحداث أو نموذج نمطي لشخصية عسكرية.

وأكد أن بناء دور «غالب» لم يعتمد على مشاهدة نماذج لضباط عراقيين في أفلام هوليوودية أو أعمال سابقة، لكونه تعمد ألا يربط الشخصية بصورة جاهزة سبق أن شاهدها، وإنما استند إلى خبراته التي اكتسبها من الحياة والسفر والاحتكاك بثقافات مختلفة، إلى جانب قراءته الدقيقة للمشاهد، مشيراً إلى أنه حاول أن يفسر «غالب» من داخله، وأن يصل إلى نواياه ودوافعه من خلال النص نفسه.

مسلسل «الهدف» دراما تشويقية من 8 حلقات، تتناول التحقيقات التي أعقبت القبض على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في ديسمبر 2003، وتستند إلى مذكرات جون نيكسون، محلل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الذي قاد جلسات استجوابه، لتعيد بناء واحدة من أكثر مراحل الغزو الأميركي للعراق تعقيداً من خلال المواجهات والتحقيقات التي جرت بعد القبض عليه.

ورأى أن التحدي الحقيقي لم يكن في تقديم «غالب» كضابط عراقي فحسب، وإنما في إظهار إنسانيته، وتعقيد علاقته ببلده وبالأطراف الموجودة حوله، موضحاً أن الشخصية لديها موقف من نظام صدام حسين، لكنها في الوقت نفسه شخصية عراقية، وتحمل مشاعر تجاه وطنها، وهذا التناقض كان مهماً بالنسبة له؛ لأنه يثبت أن الموقف السياسي أو الطائفي لا يمكن أن يختصر الإنسان بالكامل.

اختبارات أداء

وأوضح أن اختياره لشخصية «غالب» جاء بعد رحلة طويلة من اختبارات الأداء، بعدما علم لاحقاً أن أكثر من 30 ممثلاً من جنسيات مختلفة كانوا يتنافسون على الدور، بينهم أميركيون وعراقيون ولبنانيون وغيرهم، لافتاً إلى أن مراحل الاختبار بدأت بتسجيل ذاتي، ثم اختبار أمام المخرج، قبل أن يصل إلى الاختبار الثالث أمام المخرج ليزلي جريف.

وأرجع صعوبة الاختبار الأخير إلى مطالبته بأداء مشاهد طويلة أمام مجموعة كبيرة من العاملين، ثم إعادة المشهد مرة أخرى بطريقة مختلفة موضحاً أن الممثل قد يشعر بعد المرة الأولى بأنه قدم كل ما لديه، لكن إعادة المشهد تضعه أمام اختبار جديد، لكنه خرج من التجربة بشعور قوي بأنه قدم ما يستطيع، قبل أن ينتظر شهرين أو ثلاثة دون أن يعرف النتيجة.

هشام عاشور في تحضيرات التصوير (الشرق الأوسط)

وقال هشام عاشور إن وصول خبر اختياره للدور كان لحظة شديدة السعادة بالنسبة له، خصوصاً أن الطريق إلى هذه التجربة العالمية بدأ بالنسبة إليه منذ سنوات، وأن الوقوف داخل لوكيشن أميركي جعله يستعيد حلماً قديماً ظل يعمل من أجله منذ عام 2012 مع التأكيد على أن اختلاف اللغة والمكان وطبيعة العمل نفسها جعل التجربة تحمل له إحساساً خاصاً، يتجاوز مجرد المشاركة في مسلسل جديد.

وقال إن العمل إلى جانب الممثل السويدي الأميركي جويل كينمان أضاف إليه كثيراً على مستوى الأداء، موضحاً أن كينمان لم يكن حاضراً كممثل فقط، وإنما كان أيضاً منتجاً للعمل، ويمتلك معرفة دقيقة بحركة الكاميرا وطريقة إدارة المشهد.

وأشار إلى أن بعض ملاحظاته البسيطة في أثناء التصوير كانت تفتح أمامه مساحات جديدة في الأداء، مؤكداً أن التعامل مع ممثل محترف بهذا المستوى يجعلك تتعلم حتى في اللحظات التي لا يكون فيها التعلم مباشراً.

ورأى أن التعامل مع قصة العراق داخل إنتاج درامي عالمي يفرض بطبيعته تعدداً في وجهات النظر، موضحاً أن العمل لا يستطيع، من وجهة نظره، أن يقدم العراق أو الولايات المتحدة باعتبار أي منهما على صواب كامل طوال الوقت، وأن المشاهد يعرف جزءاً من السياق التاريخي، لكن هناك جوانب كثيرة من قصة الغزو والتحقيقات وما جرى في تلك الفترة لا تزال غير معروفة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجمهور، وهو ما يجعل تقديم أكثر من زاوية أمراً أساسياً.

وشدد على أن الممثل في النهاية يظل ملتزماً بالنص الذي يقدمه العمل، حتى عندما تكون لديه رؤيته الخاصة تجاه بعض التفاصيل، موضحاً أن وجوده داخل منظومة إنتاج عالمية يعني احترام رؤية المخرج والسيناريو.

وقال إن أحد أصعب تحديات التجربة لم يكن مرتبطاً بالأداء وحده، وإنما بما تعرض له جسدياً في أثناء تصوير المشهد الطويل، موضحاً أنه سقط بعد تصوير الجزء الأول من المشهد، وأصيب إصابات بالغة، وأول ما فكر فيه لحظة سقوطه هو أن الحلم الذي ظل يعمل من أجله منذ عام 2012 قد انتهى، قبل أن يكتشف أن عليه استكمال بقية المشهد رغم الإصابة.


«خيط أحمر» يسأل: ما الذي فعله «سيتي كومبلكس» بأهل طرابلس؟

«مقهى العشاق»... من آخر المقاهي التي صمدت في مركز خفتت حركته (خيط أحمر)
«مقهى العشاق»... من آخر المقاهي التي صمدت في مركز خفتت حركته (خيط أحمر)
TT

«خيط أحمر» يسأل: ما الذي فعله «سيتي كومبلكس» بأهل طرابلس؟

«مقهى العشاق»... من آخر المقاهي التي صمدت في مركز خفتت حركته (خيط أحمر)
«مقهى العشاق»... من آخر المقاهي التي صمدت في مركز خفتت حركته (خيط أحمر)

فيلم قصير مدّته 25 دقيقة، عُرض خلال تظاهرة «شاشات الواقع»، التي نظّمتها سينما «ميتروبوليس» في بيروت مؤخراً، يعيد إلى الأذهان تاريخ مركز تجاري افتُتح في طرابلس نهاية القرن الماضي، وكان بمثابة ثورة معمارية واجتماعية. لكن قبل أن يمرّ ربع قرن على «سيتي كومبلكس»، ببنيانه البديع، فقد حيويته ودوره الموعود، وبات شاهداً على مرحلة مفصلية في تاريخ المدينة، حدث خلالها ما لم يلحظه كثيرون.

فالطرابلسيون يمرّون اليوم أمام هذا «المول» الوحيد في مدينتهم، بمصاعده الزجاجية وسقفه الشفاف وطوابقه الأنيقة، ولا ينتبهون إلى أنه فقد وهجه في مدّة قياسية، وأنّ الآمال التي ارتبطت بتشييده، بعد توقف الحرب الأهلية عام 1990 والولادة الجديدة للبنان، أُجهضت. وربما كان خمود حركة هذا المركز ولا مبالاة السكان جزءاً من تعثُّر المسار العام.

علاقة قصيرة انتهت بحادث غيَّر المستقبل (خيط أحمر)

مخرج فيلم «خيط أحمر» وكاتب نصه أحمد نابلسي، يرى فيما حدث في هذا «المول» رمزية لما عاشته المدينة، وربما مدن عدّة أخرى، ويحاول قراءة التحوّلات من خلال قصص شابين وفتاة ارتادوا جميعهم هذا المكان الحديث بعد افتتاحه عام 1996. يعود المخرج بهم ثلاثتهم إلى «سيتي كومبلكس» بعد ربع قرن، وقد هجرته غالبية مطاعمه الشهيرة التي كانت تعجّ بالرواد، ومحلاته التجارية الكبيرة، وبات هادئاً وشبه مهجور. نراهم يدخلون بوابة المركز التجاري الحديدية الحمراء. ينزل أحدهم الدرج الذي يؤدي إلى طابق تحت الأرض، حيث كانت «فن لاند» أو أرض اللهو لأطفال المدينة، بينما يكمل اثنان منهما طريقهما إلى الطابق الأرضي. الثلاثة بملابس بيضاء ووجوه بلا تعابير.

ثلاث حكايات خرجت من «سيتي كومبلكس» ولم تخرج منها الصدمة (خيط أحمر)

تجول بنا الكاميرا قليلاً في «المول». نرى المصعد الزجاجي، وقهوة العشاق الصغيرة، وهي من بين الأماكن القليلة التي صمدت، ولم يعد فيها غير صاحبها. أناس يغادرون سينما «بلانيت» التي صارت شبه مهجورة، ثم «مانيكان» محطماً، كأن أحد المحلات التجارية رمى به وتخلّى عنه. إلى جانب أجزاء هذه الدمية المكسّرة، يستلقي أحد الأشخاص الثلاثة، الذي سيواجه الكاميرا ويحكي قصته، بعد زفرة عميقة، بوجه جامد، كأنّ الزمن أفقده الإحساس بالصدمة.

«كان عمري 14 سنة، تلميذاً بمدرسة للصبيان، حين كنا نرى جارة تنشر الغسيل نتأثر، فكيف إذا حكينا مع فتاة عبر (إم إس إن)».

حبّ لم يصمد أمام نظرة المجتمع (خيط أحمر)

هكذا تعيدنا القصة أيضاً إلى بدايات الإنترنت وزمن الدردشة على «إم إس إن». يروي أن رفيقه أمدّه برقم فتاة، وسرعان ما يكشف حواره معها عن فجوة اجتماعية. اسم المدرسة، والحيّ الذي تسكن فيه، والموسيقى التي تسمعها، والطعام الذي تتناوله، كلّها إشارات طبقية صارخة يفهم منها أن المسافة مع «صبا» كبيرة. بعد علاقة قصيرة ومقارنات مرهقة، يرمي بنفسه من طابق علوي في «المول»، ويطلب أن تتصل «صبا» بالإسعاف، وحوله أجزاء «المانيكان» المحطم. بعد هذه الحادثة، فقد الشاب كلّ أمل في الفوز بمنافسة في «الكيك بوكسينغ» كان يحلم بأن تغيّر مستقبله. كل شيء انتهى بالفعل، وقد أصيب إثر سقطته بإعاقة دائمة في ساقه.

يأتي دور الفتاة. تجلس أمام الكاميرا بوجه حيادي غائم. تتحدّث عن حجابها. تشكو من أنه يمكن أن يغيّر كل شيء؛ يمنع لاعبة من المشاركة في الأولمبياد، ويحرم تلميذة من الالتحاق بجامعة أو صفّ معين، ويمنع النساء من السباحة على شواطئ لبنان. أما هي فقد منعها الحجاب من الحبّ.

شاب غيّرت حادثة في «سيتي كومبلكس» مسار حياته (خيط أحمر)

تروي: «كان عمري 14 سنة، تحجّبت أو حجّبوني، وخسرت بسبب الحجاب مَن أحب». الظالمون هم الناس الذين يحاكمون المختلف. «كنا نلتقي في السينما، نسرق نظرات بالعتمة». والإشارة لا بدّ أن تكون إلى سينما في «سيتي كومبلكس». صار اللقاء يتكرّر والحبّ يتوثق، إلى أن جاء يوم وتحجّبت. حين رآها حبيبها، أدار رأسه عنها كأنه لا يعرفها. «لأن بنات (السيتي) كول وأنا لم أعد كذلك». نراها في السينما والمقاعد فارغة. هي وحدها بالحجاب الأبيض وسط الكراسي الحمراء، وفيلم أجنبي تدور أحداثه على الشاشة أمامها.

قصة حبّ انتهت قبل أن تبدأ، في مركز تجاري أصبح نقطة التقاء لمَن كان يصعب التقاؤهم. الصدمة كانت قاسية، دفع ثمنها أفراد كثر، في صمت استمر أكثر من 20 سنة. صارت العاشقة بعد هجران حبيبها تعيش «وحيدة، كأنما صارت تعيش جهنم على الأرض».

الشاب الأخير قصته هي الأكثر عنفاً. جاء إلى هذا المركز التجاري بمحض الصدفة وبسبب الغواية. بوجه جامد أيضاً، يروي الثالث حكايته. ذات يوم من عام 1999، وبعد صلاة الجمعة، رافق الطفل والده إلى سوق الذهب، حيث يذهب الأب باستمرار للقاء أصدقائه واحتساء كأس من الشاي. لمح الصبي قطة وجرى وراءها، وقطع مسافة وهو يلاعبها. اختفى سوق الذهب من أمامه، وسمع امرأة بقربه تقول لأولادها إنها ستأخذهم إلى مكان فيه أحصنة بلاستيكية، وسيارات مضيئة، وفليبر، وسنايبر. تحمّس الصبي الصغير، فلحق بهم ومشى طويلاً. وصل إلى باب أحمر كبير، ودلف معهم إلى الطابق السفلي من «سيتي كومبلكس». رأى شيئاً مثل الخيال. سألوه هناك عن نقوده، ولم يكن معه سوى فتات، فطردته الموظفة. اكتشفت أنه تبوّل في ملابسه. طلبت منه أن يذهب إلى الحمام، وهي تقول: «شو هالقرف!». في الحمام، نسي أن يغلق الباب، فدهمه أحدهم واعتدى عليه.

الباب الأحمر نفسه... وثلاثة عائدين بعد ربع قرن (خيط أحمر)

صراخ الطفل يمزّق القلب. الفيلم قاسٍ، مكثّف، مكتوب بشغاف القلب، ومصوّر بقسوة توازي تلك التي عاشها الأهالي في مواجهة جديد أتاهم بغتة، بعد انغلاق الحرب.

بالطبع، لم يكن «سيتي كومبلكس» سبب كلّ الصدمات والموبقات، لكن اختياره رمزاً يحمل دلالات عالية ومؤثرة، يفهمها جيداً أهالي طرابلس، وأهالي كلّ مدينة شهدت ولادة مبنى مركزي جديد يُغيّر نمط الحياة فيها.


حين تصبح صناعة المحتوى تخصصاً جامعياً

(إنستغرام)
(إنستغرام)
TT

حين تصبح صناعة المحتوى تخصصاً جامعياً

(إنستغرام)
(إنستغرام)

لم تعد صناعة المحتوى مهارة يتعلمها الشاب من هاتفه وحساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، أو من خلال التجربة والخطأ. ففي جامعات بريطانية وأميركية، أصبحت بإمكان الطلاب اليوم دراسة صناعة المحتوى تخصصاً جامعياً، والتخرج بشهادة تؤهلهم للعمل في مجال بات يحتل مساحة متزايدة في عالم الإعلام والتسويق والأعمال.

ومن بين هؤلاء ديستني ماكغوان، البالغة 21 عاماً، التي تخرجت في يوليو (تموز) الماضي من جامعة نوتنغهام ترنت البريطانية، بعد دراسة استمرت ثلاث سنوات في تخصص «صناعة المحتوى».

ووفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) تبدو الفكرة جديدة بالنسبة إلى كثيرين، خصوصاً أن صناعة المحتوى ارتبطت لفترة طويلة بهواة يصورون مقاطعهم من غرف نومهم وينشرونها عبر «تيك توك» و«إنستغرام» و«يوتيوب». لكن البرامج الجامعية الجديدة تتعامل مع هذا المجال بصفته مهنة تحتاج إلى مهارات تتجاوز القدرة على تصوير فيديو جذاب.

فخلال دراستها، تعلمت ماكغوان كيفية إنتاج المحتوى، وبناء قاعدة جماهيرية، والتعامل مع العلامات التجارية، وفهم الجمهور وتحليل تفاعل المتابعين، إلى جانب الطرق المختلفة لتحويل المحتوى مصدراً للدخل.

وتقول إن اختيارها التخصص جاء مرتبطاً برغبتها في أن تصبح رائدة أعمال، موضحة أن ما جذبها هو اكتساب «مهارات قابلة للتطبيق في مجالات مختلفة»، تجمع بين وسائل التواصل الاجتماعي والجوانب التجارية.

وبدأت ماكغوان بالفعل الاستفادة من تلك المهارات؛ فهي تنتج محتوى خاصاً بها في مجال الموضة، وتصنع مقاطع فيديو لآخرين، كما عملت مقدمة للبث المباشر عبر «تيك توك»، حيث تعرض المنتجات أمام الجمهور.

ولا تقتصر الفكرة على جامعة واحدة. فقد أطلقت نوتنغهام ترنت برنامجها في صناعة المحتوى عام 2022، في حين تقدم جامعة برايتون برنامجاً مشابهاً، وتوجد تخصصات قريبة من ذلك في جامعات أميركية، بينها جامعة ولاية أريزونا.

وتقول الجامعات إن الهدف ليس تخريج جيل جديد من المؤثرين فحسب، بل إعداد أشخاص يمتلكون مهارات أصبحت مطلوبة في الشركات ووكالات التسويق والعمل المستقل. وتشمل الدراسة إنتاج الفيديو، وتطوير الحملات، وفهم الجمهور، وتحليل بيانات الأداء، ثم تعديل الاستراتيجيات بناءً على النتائج.

لكن دراسة صناعة المحتوى لها ثمنها أيضاً. فالرسوم الحالية للطلاب البريطانيين في نوتنغهام ترنت وبرايتون تبلغ 9790 جنيهاً إسترلينياً سنوياً، أي نحو 30 ألف جنيه خلال ثلاث سنوات.

ويبدو أن السوق نفسها تدفع الجامعات إلى هذا الاتجاه. فصناع المحتوى على «يوتيوب» يسهمون، وفق بيانات العام الماضي، بنحو 2.2 مليار جنيه إسترليني في الاقتصاد البريطاني، في حين أظهر استطلاع أميركي عام 2024 أن واحداً من كل ثلاثة أشخاص بين 18 و30 عاماً يرغبون في أن يصبحوا مؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي.

ومع ذلك، لا تعني دراسة صناعة المحتوى أن النجاح مضمون بمجرد الحصول على الشهادة. وتقول جاكي غور، المسؤولة عن برنامج صناعة المحتوى في نوتنغهام ترنت، إن النجاح كمؤثر يعتمد جزئياً على عوامل لا يمكن تدريسها في قاعة المحاضرات.

وتلخص ذلك بعبارة بسيطة: «جزء كبير جداً من النجاح كمؤثر يعتمد على الحظ، ونحن لا نستطيع أن نعلّم الحظ أو الشخصية».