صالح بلعيد لـ «الشرق الأوسط»: العربية الفصحى تستطيع مواجهة العولمة اللغوية

عضو مجلس أمناء «المؤتمر الدولي للغة العربية» يرى أنها تعيش طفرة كبيرة

د. صالح بلعيد رئيس المجلس الأعلى للغة العربية في الجزائر
د. صالح بلعيد رئيس المجلس الأعلى للغة العربية في الجزائر
TT

صالح بلعيد لـ «الشرق الأوسط»: العربية الفصحى تستطيع مواجهة العولمة اللغوية

د. صالح بلعيد رئيس المجلس الأعلى للغة العربية في الجزائر
د. صالح بلعيد رئيس المجلس الأعلى للغة العربية في الجزائر

الدكتور صالح بلعيد هو رئيس المجلس الأعلى للغة العربية في الجزائر، وعضو مجلس أمناء المؤتمر الدولي للغة العربية، وقد شارك أخيراً في المؤتمر السابع الدولي للغة العربية، حيث أدار جلسة المجامع العربية.
وفي هذا الحوار معه، الذي جرى على هامش المؤتمر، تحدث بلعيد عن حرص المجامع العربية على أن تواكب اللغة العربية لتواكب العصر التقني، مشيراً إلى أن العربية قد شهدت تطوراً كبيراً خلال السنوات العشر الأخيرة، بدخولها شبكة الإنترنت، وارتفاع عدد مستخدميها بالشبكة. كما تناول الحوار أيضاً تأثير العامية على اللغة الفصحى، وتيسير النحو العربي، ومشكلة المصطلح، وتعليم العربية لغير الناطقين بها، وقضايا أخرى.
وهنا نص الحوار:

> أنتم عضو في مجلس الأمناء للمؤتمر الدولي للغة العربية، وترأستم جلسة المجامع العربية.. بداية: ما جديد المؤتمر الدولي للغة العربية هذا العام؟
- هذه السنة مُنحت سبع جوائز، قدمها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي، للمؤسسات. والعام المقبل، نعتزم تقديمها للأفراد. وتُمنح الجائزة لمن يقدم أفضل مشروع في تطوير اللغة العربية، وستفتح الجائزة بعد نهاية هذا المؤتمر.
وقد ترأست في المؤتمر السابع للغة العربية لجنة عملها «دور مجامع اللغة العربية في تطوير اللغة العربية»، واستضافت الهيئة المعدة لهذا البرنامج مجموعة من الأمناء العامين: الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالشارقة، الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالسودان، الأمين العام لمجمع اللغة العربية بسوريا، الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، وهناك رئيس جمعية حماية اللغة العربية بالشارقة؛ وقد تحدث هؤلاء عن الجهود التي تقدمها مؤسسات المجامع لتطوير اللغة العربية، باعتبار أن عمل هذه اللجنة يتعلق بجهود المجامع اللغوية كونها تملك السلطة التشريعية، أي هي تُشَرّع للغة العربية.
> ما المشاريع التي شرّعت لها أو درستها لجنة أمناء مجامع اللغة العربية؟
- المشاريع اللغوية التي تناولتها اللجنة: مسألة المصطلح، ومسألة تيسير نحو العربي، ومسألة تعليم العربية لغير الناطقين بها، ومسائل التقانات الحديثة. لماذا حددنا هذه المسائل للنقاش؟ لأن العالم الآن كله يسير نحو العولمة، ومسألة عولمة اللغة تعني القدرة على استقبال هذه التقانات الحديثة، إضافة إلى الاستجابة لتوصيات اليونيسكو التي تقول إن «على الجامعات والمؤسسات هذه السنة 2018 أن تُسَيّر كل المحاضرات وكل الملتقيات والمنتديات والمؤتمرات تحت محور اللغة العربية والتقانات الحديثة»، ولذلك جسدناها نحن في هذا المؤتمر الدولي السابع للغة العربية. فنحن نبارك أمثال هذه الأفعال، وهي أفعال جيدة جداً، لأن اللغة العربية تحتاج إلى هذه الجهود الكبيرة، ونحن نحتاج أولاً إلى الترْكّيم (تراكم)، فعندما نُرَكِم التجربة نحصل على النوعية. وهذه الجهود نلاحظها الآن بالمؤتمر في المشاركة من أكثر من 80 دولة تحضر في هذا المنتدى العالمي الكبير.
> كيف كانت المشاركة الجزائرية وأنتم رئيس المجلس الأعلى للغة العربية الجزائري؟
- شكلت الجزائر قوة كبيرة في هذا المحفل، وهي حاضرة بقوة، فعدد المشاركين الجزائريين بلغ 157 محاضراً، ما عدا الذين حضروا للمشاركة في نقاش جلسات المؤتمر. وهذا يعني أن أكبر وفد مشارك بالمؤتمر كان من الجزائر. ويأتي في المرتبة الثانية العراق، الذي شارك بنحو 50 محاضراً؛ فرق شاسع جداً بين الأول والثاني. ونحن نبارك هذا الحضور، وهو حضور نوعي أيضاً. فقد جاء الوفد الجزائري من مختلف الجامعات الجزائرية، وشخصياً حضرت كثيراً من الجلسات التي ألقى فيها محاضرون جزائريون مداخلاتهم، وقد كانت بالفعل محاضرات نوعية، بل أستطيع القول إن كثيراً من الحضور انبهر بالمستوى الراقي الذي قدمه أساتذتنا في الجزائر في هذا المحفل الثقافي العلمي العالمي.
> هل اقتصر هذا الحضور الكبير بالمؤتمر على اللغويين؟
- لا، كان الحضور متنوعاً، وقد أسعدنا أن يلتقي في هذا المؤتمر للغة العربية رجال التقانة ورجال المعلوماتية ورجال السياسة والبرلمانيين وقادة المجتمع المدني، كلٌ يدلي بدلوه في موضوع محدد، وهو تطوير اللغة العربية.. لماذا؟ لأن هذه اللغة هي اللغة الجامعة، اللغة التي تجمعنا وهي لغة الهوية، وهي اللغة التي نقف بها الند للند أمام العولمة.
> لنتوقف عند مسألة «اللغة هوية».. كما ترون، أصبحت بالوقت الراهن اللغة الإنجليزية لغة التعليم الأولى في أغلب جامعات المشرق العربي، واللغة الفرنسية في صدارة جامعات المغرب العربي، بينما اقتصرت اللغة العربية على العلوم الإنسانية، وكأنها لغة ثانية في الجامعات، أضف لهذا شعور بالدونية عند من يتكلم العربية.
- هذه المرحلة يمكن تسميتها «مرحلة انجذابية» فقط في إطار العولمة والتقانات الحديثة، وفي إطار الآلات التي تأتينا من الغرب، ولا ننتجها نحن. هذه الظاهرة موجودة، ولكن لا يجب أن نهّول الأمر، ونثير المسائل ونقلق، وإنما هي مسائل لا بد أن تُؤخذ بعين الاعتبار لإعداد استراتيجيات للاهتمام بلغتنا، خصوصاً اللغة الفصحى، لأن اللغة التي تستطيع أن تواجه «العولمة اللغوية»، الإنجليزية والفرنسية، هي اللغة العربية الفصحى؛ إذن هي عبارة عن واقي الصدمات، هذه الصدمات التي تجعل من اللغة العربية تقف الند للند أمام اللغات الأخرى. أما أن نحارب الإنجليزية أو الفرنسية، فهذا ليس صحيحاً، علينا الآن أن نستفيد منها، وهذا جيد، ولكن لا يجب أن تكون اللغات الأجنبية «لغات الهوية» في الوطن العربي.
في الوضع الراهن، صحيح ما كنت تقولينه بالنسبة لبعض البلاد العربية بسبب وجود العمالة الأجنبية، وبسبب كونها مناطق سياحية بالداخل والخارج، نرى الإنجليزية في الخليج مثلاً تشهد طفرة قوية جداً. لكني لاحظت الآن، عكس المرات السابقة، أن الوضع مختلف، بدءاً من هذا المكان الذي تجري فيه وقائع المؤتمر، حيث إننا نجد عمالة عربية، وهناك استعمال للعربية حتى بالشارع. أما في السابق، فكانت العربية عدماً. وبكل الأحوال، الزمن كفيل بالمسألة، وستنتشر العربية، سواء كلغة علم أو لغة عمل، ولكن علينا ألا نقول: «للعربية رب يحميها»، ونترك المسألة كما هي، لا أبداً، بل علينا، نحن الباحثين، نحن الذين نهتم باللغة العربية، أن نعمل ونعد استراتيجيات وخططاً ننفق عليها.
> لنتناول الدبلجة في المسلسلات والأفلام الأجنبية.. لا أتحدث عن تلك المترجمة بالفصحى، بل المترجمة بلهجات عربية مختلفة، كالسورية أو الجزائرية أو اللبنانية أو المصرية؟
- هذا طبيعي، هي مستويات لغوية يفرضها الواقع. إن كل لغة لها مستويات لغوية خاصة بها، يستعملها الإنسان لتواصله اليومي البسيط، هذه ليست مشكلة. كل لغة في العالم لها مستويات لغوية، ربما في اللغة العربية كونها توجد على مستوى 22 دولة عربية، وعلى مستوى 26 دولة كلغة أجنبية أولى، وكلغة أجنبية ثانية في 60 دولة... أكيد هذا التوسع للعربية في القارات الخمس يؤدي إلى ظهور ما يسمى «الخليط اللغوي» و«الهجين اللغوي»، لكن هذه المسائل ليست مشكلة قط. نحن نُفَرّق بين المستوى الأعلى للغة ومستوى خطاب الأنس، نعم هناك خلاف في خطاب الأنس، مثلاً اللهجة السورية تختلف عن اللهجة الجزائرية، وعن اللهجة المغربية، وعن اللهجة اليمنية. نعم، تتباين اللهجات العربية عندما تكون هناك دبلجة بلهجة البلد العربي، ولكن هذا الاختلاف نلاحظه يختفي في الإعلام الموضوعاتي، مثل «قناة جيو غرافيك» في أبوظبي، فهي تعمل بلغة عربية فصيحة، وأيضاً هناك بعض الدبلجات الجيدة القريبة من الفصحى، أو الفصحى البسيطة، كما في بعض الأفلام التاريخية، وهناك دبلجة فصحى لمسلسلات الأطفال. وهذا يدعونا لمعرفة لغة الطفل، ونلاحظ الآن الاستثمار بلغة الطفل في أغلب الفضائيات العربية، حيث نجدها كلها تعمل على فصاحة اللغة بمستواها العالي، لكن لكي نعرف إن كنا نعيش تطوراً، علينا بالمقارنة، لا بد من العودة إلى سنوات خلت. مثلاً قبل عشر سنوات فقط، نجد اليوم اللغة العربية تعيش طفرة متطورة، والدليل على ذلك استعمالها في الشبكة. قبل عام 2000، لم يكن هناك وجود لمواقع بالعربية. وفي 2012، لم يتجاوز عدد مستعمليها نحو 20 مليوناً، بينما الآن تجاوز 200 مليون من مستخدمي الشبكة بالعربية. وبالنسبة لعدد المواقع، هناك أكثر من 50 ألف موقع باللغة العربية، ومحركات البحث الآن موجودة، ولكن هل هي متطورة بالشكل الذي نعرفه في «غوغل» أو «ياهو»؟ نعترف بأن هناك نوعاً من النقص، ولكن التقانة تتطور بين لحظة وأخرى.
ونحن نعهد إلى رجال المعلوماتية، وإلى اللسانيين على وجه الخصوص، لإيجاد كثير من الحلول.



مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».


لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت
TT

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992. غير أن المفارقة الأهم في تجربتها لا تكمن في الرقم وحده، بل في تصريحها لوسائل الإعلام بأنها تكتب نحو ثلاث روايات سنوياً، ثم تعود إلى مخطوطاتها فتختار واحدة منها للنشر، وتضع الأخريات جانباً. وقد أدهشت الكاتبة المعروفة كثيرين حين كشفت عن طقوسها في الكتابة؛ ففي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في أغسطس الماضي، قالت نوتومب إنها تستيقظ في الرابعة صباحاً، وتشرب الشاي المركّز، ثم تكتب أربع ساعات متواصلة قبل أن يبدأ يومها العادي، وهي الوتيرة التي تحافظ عليها كل أيام الأسبوع. تجربة نوتومب تطرح سؤالاً يتجاوز خصوصيتها: كيف يستطيع بعض الكتّاب إنتاج أعمال كثيرة، والحفاظ في الوقت نفسه على مستوى أدبي جيد، في حين يحتاج آخرون إلى أعوام طويلة قبل نشر رواية جديدة؟ هل يرتبط الأمر بالنوع الأدبي؟ أم بانضباط الكاتب؟ أم أن الإلهام، ذلك العنصر الغامض، لا يزال صاحب الكلمة الأخيرة؟

ستيفن كنغ

تقدّم تجارب الكتّاب غزيري الإنتاج جواباً أولياً: الكاتب لا ينتظر الإلهام دائماً، بل يصنع له موعداً. يكشف ستيفن كينغ، في كتابه «عن الكتابة: مذكرات حرفة»، عن أنه يضع لنفسه هدفاً يومياً يقارب ألفي كلمة، أي نحو عشر صفحات، ويعمل من أربع إلى ست ساعات يومياً. ويقول: «إن من يريد أن يكتب عليه أن يقرأ كثيراً ويكتب كثيراً». يرفض كاتب روايات الرعب والتشويق الأميركي أن يترك العمل رهينة المزاج، فهو يحوّل الكتابة عادةً تشبه القراءة أو المشي: فعل يومي لا يحتاج في كل مرة إلى قرار جديد. كما يفضّل إنجاز المسودة الأولى بوتيرة منتظمة، ثم الابتعاد عنها فترة قبل العودة إلى المراجعة؛ فالمسودة الأولى، في نظره، ليست موضع الكمال، بل مساحة لاكتشاف الرواية. أما أونوريه دو بلزاك، أحد أعمدة الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، فكان يستيقظ في منتصف الليل ليجلس إلى مكتبه ساعات طويلة. وقد ارتبط اسمه بأسطورة شرب خمسين فنجاناً من القهوة يومياً، والمؤكد أن بلزاك كان يكتب بإيقاع قاسٍ، حتى إنّ مشروعه الروائي الضخم «الكوميديا الإنسانية» تطلّب منه إنتاجاً متواصلاً أرهق جسده وأضرّ بصحته.

إمبرتو إيكو

وكان إسحاق أسيموف مثالاً آخر على تحويل الكتابة عملاً يومياً منتظماً. فقد نُسب إليه نحو 477 كتاباً بين التأليف والتحرير والمشاركة، وكان يكتب أو يراجع طوال ساعات طويلة. وتحدث عن متوسط يومي بلغ ألف كلمة في مرحلة، ثم ارتفع إلى نحو 1700 كلمة في مرحلة لاحقة. ولم يكن سرّه في انتظار لحظة استثنائية، بل في قدرته على مواصلة العمل حتى في الأيام العادية، حين لا يبدو الإلهام قريباً.

وتنتمي دانييل ستيل إلى الفئة نفسها من الكتّاب الذين جعلوا الاستمرار نظاماً للحياة؛ إذ قالت في مقابلة مع دار «بنغوين راندوم هاوس» إنها تعمل دائماً، ولا تحتمل الابتعاد عن الكتابة أكثر من أسبوعين. غير أن «العمل» عندها لا يعني الكتابة المتصلة فحسب، بل يشمل التخطيط، والمراجعة، والقراءة، والتواصل مع المحررين والناشرين.

يرى الكتّاب غزيرو الإنتاج أن على الكاتب ألا ينتظر الإلهام دائماً... بل يصنع له موعداً

وبينما يمضي بعض الكتّاب في الكتابة بوتيرة غزيرة ومنتظمة، يفضّل آخرون التمهل أعواماً قبل أن يعودوا إلى القرّاء بعمل جديد. وهذا يكشف عن أن الإبداع لا يخضع لإيقاع واحد، ولا يقاس دائماً بسرعة الإنتاج أو كثرة العناوين. تقدّم الكاتبة الأميركية دونا تارت نموذجاً معاكساً. فقد احتاجت إلى نحو عشر سنوات لكتابة «التاريخ السّري»، ثم إلى عقد آخر تقريباً لإنجاز «الصديق الصغير». وفي مقابلاتها، أوضحت أنها تحب أن تمضي وقتاً طويلاً مع المشروع الواحد، وأنها لا ترى في طول المدة عبئاً أو دليلاً على العجز. حيث تكتب تارت ببطء، وتعيد النظر في التفاصيل، وقد تحذف مشاهد كاملة بعد أسابيع من العمل إذا اكتشفت أنها لا تخدم البناء العام للرواية. ولعل هذا البطء لا يعود إلى ضعف الانضباط، بل إلى انضباط مختلف: حماية النص من الاستعجال. فالكاتب السريع يحمي ساعات الكتابة من المقاطعة، في حين يحمي الكاتب البطيء حق العمل في أن يتشكل بعيداً عن ضغط السوق. كلاهما منضبط، لكن كل واحد منهما يعرّف الانضباط بطريقة مختلفة. هناك أعمال لا يمكن إنجازها بسرعة، لا لأن الكاتب أبطأ من غيره، بل لأن موضوعها يحتاج إلى بحث طويل واحتكاك بالعالم. فالكاتب الذي يتناول حقبة تاريخية أو شخصية سياسية أو مجتمعاً بعيداً لا يستطيع أن يكتفي بلمعة أولى أو بمعلومات متناثرة.

أمبرتو إيكو مثال بارز على ذلك. فقد قال الكاتب والمفكر الإيطالي في حوار مع مجلة «باريس ريفيو» إن رواية «اسم الوردة» احتاجت إلى عامين من الكتابة، لكنه كان يمتلك قبل ذلك سنوات من التخصص في تاريخ العصور الوسطى ومئات الملفات والملاحظات. أما رواية «بندول فوكو»، فقد استغرقت منه ثمانية أعوام في البحث والكتابة. لم يكتفِ فيها إيكو بقراءة الكتب، بل بحث في المخطوطات والعمارة وأسماء الرهبان وتفاصيل الأديرة والطقوس الدينية.

وكان يعرف أن الرواية التاريخية لا تقنع بمجرد الحكاية؛ إنها تحتاج إلى بنية معرفية تمنح الخيال قوة الحقيقة. وقد لا تظهر كل هذه المعرفة على سطح النص، لكنها تمنحه كثافته ومصداقيته. وينطبق الأمر نفسه على البريطانية هيلاري مانتل في ثلاثيتها عن توماس كرومويل؛ فهي لم تكتفِ بقراءة المصادر التاريخية، بل استعانت بالمؤرخين وأمناء الأرشيف المختصين في حكم آل تيودور، وعملت على وثائق ومراسلات وملاحظات بحثية. وفي مقابلة مع «تايمز هاير إديوكيشن»، تحدثت عن العلاقة التكاملية بين الروائي والمؤرخ، وعن أهمية دراسة التفاصيل السياسية والاجتماعية. أما الروائي الأميركي جيمس ميشينر، فقد احتاج إلى عامين من البحث قبل كتابة روايته التاريخية «تشيسابيك»؛ إذ انتقل إلى المنطقة التي تتناولها الرواية، وتحدث إلى سكانها، وقرأ مئات الكتب، ثم أمضى عامين آخرين في الكتابة. لم يكن الزمن هنا علامة على بطء شخصي، بل كان جزءاً من أمانة المشروع الأدبي. قد تكتب نوتومب ثلاث روايات في السنة، وقد ينتظر قارئ تارت عشر سنوات، وقد يملأ كينغ آلاف الصفحات وفق حصته اليومية، لكن لا توجد وصفة واحدة للكتابة الجيدة. هناك فقط علاقة خاصة بين الكاتب والزمن: بعضهم يحوّل الزمن عادةً، وبعضهم يحوّله بحثاً، وبعضهم يحوّله صمتاً طويلاً.


صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
TT

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة. وتطوّرت هذه الممارسة بشكل كبير في كنف الأسرة الأموية، وباتت لها طقوس وتقاليد خاصة بها، أشار الرواة إليها في العديد من الأخبار والروايات. أسوة بالغساسنة، شيد أسياد هذه الأسرة القصور والمشاتي في أطراف بوادي الشام وغور الأردن للاستراحة والاستجمام والصيد واللهو، وتميّزت هذه المنشآت بفنها المعماري الذي مزج بين طرز الروم والفرس، كما تميّزت بحللها التزيينية التصويرية. يحوي هذا الميراث صوراً تشهد لانتشار فنون الصيد في ذلك العهد، أشهرها تلك التي تزيّن بعضاً من جدران قصير عمرة في غور الأردن. إلى جانب هذه اللوحات الجدارية، تبرز لوحة أرضية من الحجم الكبير، تصور فارساً يصطاد الغزلان، مصدرها قصر الحير الغربي، جنوب غرب تدمر، في البادية السورية.

عُثر على هذه اللوحة خلال أعمال المسح التي كشفت عن القصر في خريف عام 1936، وتمّ نقلها في العام التالي إلى متحف دمشق الوطني حيث جرى تثبيتها في جناح خصّص بأكمله لهذا الموقع الأثري الأموي. وقد أُنجزت على قاعدة من الملاط الجصِّي الجاف، ومساحتها شبه مربّعة، طولها 5 أمتار، وعرضها 4.85 متر. يحد هذا اللوح إطار زخرفي عريض يتبع التقليد الساساني، وقوامه سلسلة متناسقة تعتمد شكل المُعين الرباعي الأضلع، تعلوها أزهار محوّرة هندسياً على شكل أنجم. يجمع هذا العمل التشكيلي بين لوحتين مستطيلتين، تعلو إحداهما الأخرى، ويفصل بينهما شريطان أفقيان سطّرا باللون الأحمر، يتوسّطهما شريط أسود. تحضر في الأعلى لوحة تجمع بين عازف عود وعازف مزمار، وتقابلها اللوحة التي تصور فارساً يصطاد الغزلان. وتشير التقارير إلى لوحة ثالثة مهشّمة ضاع أثرها، تحتلّ القسم الأسفل من التأليف.

يظهر هذا الفارس في وضعية جانبية ممتطياً جواده، وسط مساحة مجرّدة تخلو من أي عنصر تصويري يشير إلى أبعاد الفضاء المنظور. الحركة حية في الظاهر، غير أنّها ثابتة، ويسودها الجمود والسكون. الحصان أسود، وقائمتاه الأماميتان مرفوعتان نحو الأمام، أما قائمتاه الخلفيتان فممتدتان إلى الخلف، ويعلو ظهره سرج أبيض، يربطه شريط رفيع يلتف حول العنق ومؤخرة الظهر، كما يحيط بأنفه لجام. مفاصل بدنه ورأسه محدّدة بدقة، وأنفه مطوّق بلجام عريض. يعتلي صهوة هذا الجواد فارس أمرد، يرفع بيده اليمنى سهماً، وبيده اليسرى قوس النشاب. الوجه نصف جانبي، وبنيته دائرية، وملامحه مرسومة بخط أسود. العينان شاخصتان إلى الأمام، وهما على شكل لوزتين عريضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف قصير ومختزل، والثغر منمنم، قوامه شق صغير يفصل بين شفتين ممحوتين. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يتكون من كتلتين متراصتين، يحيط بهما إكليل يزينه شريط عريض معقود، يتطاير طرفاه أفقياً من الخلف.

الحركة ثابتة، وخيط الرسم يسود على الصياغة اللونية المختزلة. أصابع اليدين ظاهرة ومجسّدة بدقة. السهم أحمر ورفيع، قوس النشاب عريض، وموشّح بلون يميل إلى الأخضر الفاتح. الصدر نصف جانبي كما الوجه، أما الساق فجانبية. اللباس قوامه ثوب طويل، يعلوه حزام معقود حول الخصر، يتدلّى منه وشاح عريض أخضر يتطاير في الأفق فوق ظهر الحصان. القسم الأسفل من هذا الرداء مفتوح، وشقّه يكشف عن سروال فضفاض، يتكوّن من قطعتين متصلتين.

صيغت القطعة العليا باللون الأحمر الأرجواني وصيغت القطعة السفلى باللون الأخضر اللازوردي، وبدا طرفها معقوداً حول عَقِب القدم. الحذاء ظاهر، وهو بسيط ويخلو من أي تفاصيل. يحيط بالخصر حزام ثان، يتدلّى منه نِجَاد مستطيل عريض. يصوّب الصياد سهمه في اتجاه غزال يركض إلى الأمام، مديراً برأسه إلى الخلف، وكأنّه يحدّق بالفارس المتربّص به. ويظهر في طرف اللوحة الأسفل غزال آخر، تهاوى أرضاً، وأغمض عينيه.

تتبع هذه اللوحة الطراز الساساني، كما يشهد لباس الفارس بتفاصيله المختلفة، والأسلوب الفني المتبع في صياغة الرسم والحلة اللونية. وهذا الطراز معروف في سوريا، وحاضر في ميراث دورا أوروبوس، المدينة الأثرية التي تقع في بادية الشام، نواحي دير الزور، وتُعرف اليوم باسم الصالحية. تعلو هذه اللوحة لوحة أخرى بدت مشوّهة عند اكتشاف هذا الأثر، وضاع أثرها لاحقاً. تمثّل هذه اللوحة كذلك مشهد صيد، كما يشهد رسم توثيقي أنجز عند اكتشافها، وفيه يظهر كلب من النوع السلوقي يقفز في اتجاه طريدة يصعب تحديد هويّتها، إلى جوار خادم يسير وهو يجرّ من خلفه أيلاً يعلو رأسه قرنان كبيران.

في كتابه «تاريخ التمدّن الإسلامي»، أشار جرجي زيدان إلى تطوّر فنون الصيد، وقال: «كان الصيد معروفاً في الجاهلية، ولكنه كان قاصراً على صيد غزال أو طائر بالنبل أو الفخ، فلما تمدّن العرب بعد الإسلام وخالطوا الفرس والروم، توسعوا في طرائق الصيد والقنص، فاتّخذوا الجوارح من الطير، وهي الباز والشاهين والعقاب والصقر يعلمونها صيد الطيور، وغالوا في اقتناء الكلاب والفهود ونحوها، يستعينون بها على صيد الخنازير والغزلان وحمر الوحش». تعكس لوحة قصر الحير الغربي هذا التطور، كما تعكس الأثر الساساني في هذا الميدان.

يظهر الصياد بهيئة فارس يمارس هذا النشاط الذي وُصف بأنه «لذة»، كما يشهد قول امرئ القيس: «كأني لم أركب جواداً للذة/ ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال». ويظهر الكلب السلوقي الذي ذاع صيته في الصيد والقنص، كما يشهد قول الشاعر الأموي القطامي: «ومعهم ضوار من سلوق كأنها/ حصن تجول تجرر الأرسان».