القارئات الغربيات ينصرفن عن الروايات الرومانسية ودور النشر في أزمة شاملة

لم تعد النمطيات السابقة عن العلاقة بين الرجال والنساء مقبولة

القارئات الغربيات ينصرفن عن الروايات الرومانسية ودور النشر في أزمة شاملة
TT

القارئات الغربيات ينصرفن عن الروايات الرومانسية ودور النشر في أزمة شاملة

القارئات الغربيات ينصرفن عن الروايات الرومانسية ودور النشر في أزمة شاملة

عنونت الكاتبة الإيرانية آذار نفيسي مذكراتها التي نشرتها قبل 15 عاماً بـ«أن تقرأ لوليتا في طهران»، كانت استعارت اسم رواية «لوليتا» للكاتب الروسي - الأميركي فلاديمير نابوكوف مسألة مجازية وواقعية في آن. فنفيسي، التي تنتمي إلى عائلة برجوازية تغير نمط حياتها بشكل جذري بعد الثورة الإسلامية في إيران 1979، تروي في مذكراتها كمدرسة بجامعة طهران كيف كانت تتحدى التابوهات التي فرضها الحكم الجديد من خلال نادٍ سري للكتب تقرأ فيه الطالبات روايات وآداباً غربية ذات فضاءات حرة تعاكس واقعهن.
عند نفيسي، كانت قراءة «لوليتا» في طهران بمثابة حراك متمرد وثورة نسوية ضد قمع المجتمع الذكوري المحافظ في بلادها. وقد تلقف الغرب وقتها تلك المذكرات جزءاً من فضول استشراقي بات دائماً نوعاً من تلصص عبر نافذة نصف موصدة على حياة حريم إيران بعد تولي رجال الدين الحكم فيها، فبقيت «أن تقرأ لوليتا في طهران» على قائمة جريدة «نيويورك تايمز» للكتب الأكثر مبيعاً لمائة أسبوع متتالية، وترجمت إلى اثنتين وثلاثين لغة.
لقد كانت الثقافة الشعبية في الغرب حينها - ورغم كل تقدمه المادي - لا تزال منسوجة من تشابك أنماط هيمنة عنصرية وذكورية بغيضة، تسمح للرجل «ولا سيما إذا كان أبيض البشرة بعينين زرقاوين وثرياً» بتجاوز كل الحدود مع النساء، في الوقت الذي كانت النساء فيه خاضعات وكأنهن قد قبلن بحكم الطبيعة. ومما ساهم في تكريس نموذج الهيمنة هذا تواطؤ كاتبات الروايات الرومانسية اللواتي ما لبثن يقدمن أدباً يضيف هالة مثيرة على سلوك الرجل العدواني والمقتدر والمبادر بينما تقدم النساء في أعمالهن مسحورات سلبيات متقبلات لتولي الآخر مصائرهن، حتى أن البطلة في أول رواية صنفت تحت هذا النوع الأدبي «الشعلة والوردة لكاثلين ووديويس – 1972» تعرضت للاعتداء الجسدي والاغتصاب أربع مرات في أول مائة صفحة. ولذا؛ لم يكن مستغرباً ذلك الاحتفال الغربي الزائد بالشرقيات اللواتي يتسللن ليقرأن «لوليتا».
ومن دون أدنى شك، يبدو أن تغيراً ما طرأ الآن في مزاج الثقافة الشعبية بالغرب. فبعد الصعود الدراماتيكي للمليونير الأميركي دونالد ترمب إلى منصة الرئاسة في الدولة العظمى وهو المعروف بعلاقاته النسائية الملتسبة، ومن ثم فضيحة الاعتداءات الجنسية المتسلسلة على ممثلات مشهورات والتي اتُهم بها المنتج الأميركي الشهير هارفي وينستين وما لبثت أن تسببت في إطلاق حراك نسائي أميركي كسر القوالب القديمة واستقطب اهتماماً إعلامياً واسع النطاق ومظاهرات مليونية ضخمة في مدن أميركية عدة، لم تعد النمطيات السابقة مقبولة ولا مستساغة، وأصبح موضوع العلاقة بين الرجال والنساء مسألة شديدة الحساسية وبخاصة في أجواء العمل. ولا شك أن نفيسي لو أرادت نشر مذكراتها اليوم لوجدت أن الناشرين أنفسهم الذين تلقفوها في 2003 سيطلبون إليها اليوم تغيير عنوان كتابها بداية لأنه لم يعد مقبولاً في الأجواء الجديدة أن تقرأ لوليتا حتى في مدينة مثل نيويورك.
ليست نفيسي وحدها في مواجهة تغير المزاج الثقافي الغربي هذا. إنها أزمة وجودية شاملة تعصف بصناعة نشر ضخمة عمرها نصف قرن تقريباً تركزت حول الروايات الرومانسية الموجهة للنساء، وأصبحت بمثابة جزء لا يتجزأ من عملية تكوين مخيلة الشابات في الغرب. هذه الصناعة التي باعت نسخاً عام 2016 بلغت قيمتها أكثر من بليون دولار في السوق الأميركية وحدها بنيت عبر السنين من خلال نصوص تكتبها النساء، وتتمحور دائماً حول علاقات غرامية عاصفة تنشأ بين رجال مسيطرين ونساءٍ موضوع سيطرة - ربما مع تنويعات شكلية في الحبكة أو الإطار الزمني لأحداث الرواية -، هذه الصناعة تعيش اليوم أجواء قلق غير مسبوق من انفضاض جمهور القارئات عن هذا النوع الأدبي برمته، وتحولهن نحو أنواع أخرى من الأدب الأقدر على التعبير عن طموحاتهن المستجدة وسعيهن لاستعادة القوة والمبادرة. وبالفعل، فإن الإقبال غير المسبوق على روايات الدستوبيا واليوتوبيا - التي تسرد وقائع تتمرد فيها النساء على قامعيهن ويتولين عبر سياق أحداثها مقاليد القوة في الحياة - خلال آخر سنتين تؤكد ذلك، مقابل تراجع وصل إلى 50 في المائة لدى بعض الناشرين في معدلات إقبال القارئات على الرومانسيات.
مؤلفات الروايات الرومانسية اللواتي أثرى بعضهن من عوائد نصوص رومانسية تقليدية عبر السنوات يحاولن الآن جاهدات إنقاذ مصدر رزقهن من خلال إعادة تكييف النوع الأدبي الرومانسي ليتناسب مع توقعات النساء في مرحلة ما بعد ترمب – وينستين. وتحدثت كثيرات منهن خلال مقابلات صحافية أو مقالات عن إعادة نظر جذرية في طريقة تركيب الشخصيات، بحيث يصبح الرجال أكثر تحضراً وأقرب إلى طلب قبول تودادتهم من النساء علناً وصراحة قبل الشروع في أي علاقات، بينما تصور النساء مستقلات وأقوى شكيمة مما سبق وقادرات على الدخول في علاقات ندية ومتكافئة.
الأميركية سارة ماكلين مثلاً – وهي واحدة من أهم كاتبات الأدب الرومانسي ولها 12 رواية باعت ملايين عدة من النسخ – كتبت تقول، إنها بعد إنهائها 275 صفحة من روايتها الجديدة التي أسمتها «يوم الدوقة»، اتصلت بناشرها معتذرة عن إكمالها كما هي قبل ثلاثة أسابيع من موعد طرحها في الأسواق وفق العقد الموقع، طالبة وقتاً إضافياً لإعادة تركيب شخصيات أبطال الرواية كليهما «الرجل والمرأة» لتتناسب مع المزاج الثقافي الجديد. وهي تقول، إن ناشرها أبدى تفهماً غير متوقع بالنظر إلى طبيعة التحولات المتوقعة في ذائقة القارئات. وهكذا حدث، فالدوق – بطل الرواية الذي وإن بقي في النص الجديد كما النموذج التقليدي للرومانسيات: ثرياً ووسيماً وأزرق العينين وطويل القامة - لم يعد شديد الاعتداد بنفسه أو عنيفاً في التعبير عن مشاعره، بل أصبح رجلاً لطيفاً، يبذل جهداً كبيراً للحصول على رضا الحبيبة بعد أن رفضته في مرة أولى.
أيضاً، الكاتبة البريطانية لورين لايين تحدثت عن تعقيدات غير مسبوقة في صياغة نص روايتها الجديدة «أعتقد أنني أحبك» التي ستصدر في يوليو (تموز) المقبل؛ إذ إنها عندما بدأت العمل بها عام 2016 كانت قصة موظفة تقع في شباك مديرها، لكنها وجدت أن حبكة مثل تلك لن تكون مريحة لقارئات عالم 2018، وستبدو الرواية وكأنها تنتمي إلى نساء مختلفات عنهن ولا يمكنهن التماهي مع بطلتها. وقد عدلت لايين روايتها لتجعل الموظفة والمدير كليهما يعمل في شركات مختلفة، بحيث يمكن تجنب تلك الالتباسات القانونية التي قد تترتب على نشوء علاقة حميمة ضمن أجواء العمل بالشركة ذاتها.
وحتى زميلتها البريطانية إريكا ميتشل الشهيرة بـإي إل جيمس مؤلفة الثلاثية الرومانسية «خمسون ظلاً للرمادي» - والتي باعت ملايين كثيرة عبر العالم من خلال سرد وقائع علاقة بين ثري مسيطر وشابة خاضعة - اعترفت بأنها وفريق العمل في الجزء الثالث من الفيلم السينمائي المأخوذ عن الثلاثية مصابون بحالة تردد بشأن المضي بإنجاز العمل بعد أن لمس الجميع ذلك التغير المتسارع في مناخ الثقافة الشعبية بشأن علاقات الرجال بالنساء.
ليس من الواضح بعد، فيما إذا كانت محاولات الخيال تتبُع الواقع تكيفاً مع الشكل الجديد للأطر المقبولة – ثقافياً وقانونياً معاً – لتقرب الرجال من النساء ستنجح في إطالة عمر هذا النوع من الروايات، أم أن النساء قد يفقدن نوعية الشغف الذي قدمته تلك الفضاءات المكتوبة وكان يسمح لهن بالعيش في أوهام الاستسلام الخلابة خارج ضغوط المجتمع المعاصر. لكن الأكيد أن بنات حواء قد عبرن «الروبيكون هذه المرة» - على نسق قصة يوليوس قيصر المشهورة - وأن صمتهن المتوارث عبر العقود قد انتهى من دون رجعة فيما يبدو.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».