«آبل» تدلل مساهميها بمائة مليار دولار

أكبر التوزيعات في تاريخ «وول ستريت»

نجحت «أبل» في بيع أكثر من 52.2 مليون وحدة من جهاز «آيفون إكس» في الربع الماضي (رويترز)
نجحت «أبل» في بيع أكثر من 52.2 مليون وحدة من جهاز «آيفون إكس» في الربع الماضي (رويترز)
TT

«آبل» تدلل مساهميها بمائة مليار دولار

نجحت «أبل» في بيع أكثر من 52.2 مليون وحدة من جهاز «آيفون إكس» في الربع الماضي (رويترز)
نجحت «أبل» في بيع أكثر من 52.2 مليون وحدة من جهاز «آيفون إكس» في الربع الماضي (رويترز)

«إنه موسم الأعياد والهدايا في شركة آبل!»، بعبارات كهذه استقبل المحللون النتائج الفصلية للشركة الكاليفورنية الأميركية العالمية العملاقة. فبمناسبة إعلان تلك النتائج، كشف رئيس الشركة، تيم كوك، النقاب عن مفاجأتين مخصصتين للمستثمرين: برنامج لإعادة شراء الأسهم حجمه 100 مليار دولار، ورفع نسبته 16 في المائة لتوزيعات الأرباح على المساهمين.
وقال محلل من مكتب «بيرينيي» المتخصص في التحليل المالي في «وول ستريت» إن برنامج إعادة الشراء الذي أعلنته «آبل» هو الأكبر من نوعه في تاريخ الشركات الأميركية. ويذكر أن عملية كهذه تخفض عدد الأسهم المتداولة، وبالتالي ينخفض رأس المال الاسمي. وعند توزيع الأرباح ترتفع أنصبة المساهمين بشكل كبير، لأن عدد الأسهم بات أقل من السابق. وقبل التوزيعات وعند قسمة الأرباح على عدد الأسهم يحقق السهم الواحد ربحية قياسية تدعم سعره ليرتفع أكثر.
ويضيف محلل «بيرينيي» أنه بإعلان «آبل» برنامج إعادة الشراء الأخير، تكون قد سجلت وحدها 5 عمليات من هذا النوع من أصل إجمالي 10 كحاصل للعمليات المماثلة على مستوى تاريخ كل شركات «وول ستريت».
واستقبلت الأسواق ذلك بترحاب كبير، وقفز المحللون إلى الآلات الحاسبة لمعرفة ما يمكن توقعه من ارتفاع لسعر السهم في الفترة المقبلة، علماً بأن نتائج الفصل الأول من هذه السنة هي الثانية من نوعها من حيث النتائج القياسية التي فاقت توقعات المحللين.
وقفز «كرم» الشركة بسعر السهم فوراً نحو 6 في المائة إلى نحو 176 دولاراً. ويرى البعض الأكثر تفاؤلاً أن السعر قد يصل عتبة رمزية قياسية ليبلغ 200 دولار هذه السنة.
ويسأل محللون في ضوء هذه المعطيات الجديدة عن القيمة الحقيقية لشركة «آبل»، علماً بأن القيمة السوقية الآن تدور حول 892 مليار دولار. ويشير محللون إلى أن تلك القيمة هي الأعلى عالمياً، وستصل إلى تريليون دولار، لتتجاوز بذلك كل التوقعات. مع الإشارة إلى أن النمو الذي تحققه الشركة في نتائجها غير مسبوق بالنظر إلى حجمها الهائل. لأن من المتفق عليه أن الشركات العملاقة لا تحقق قفزات كالتي تحققها الشركات الصغيرة أو المتوسطة.
أما تفسير كرم الشركة، فيكمن في سببين برأي المتابعين: الأول يعود إلى العام 2012 عندما واجهت الشركة غضب كبار المستثمرين المؤثرين فيها، واحتجاجهم على «التوزيعات البخيلة». فاستجابت الشركة، ووزعت منذ ذلك الحين 275 مليار دولار من أصل 300 مليار وعدت بتوزيعها من الأرباح المتراكمة و«الكاش» المجمع في احتياطيات بمئات المليارات.
والسبب الثاني، وفقاً للمحللين، هو السياسة الضريبية الجديدة التي أقرتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إذ يقول المدير المالي لشركة «آبل» لوكا ميستري إن التشريع الضريبي الذي أقر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي «سمح لنا بمرونة تشغيلية أكبر، وزاد قدرة وحرية تصرفنا باحتياطياتنا النقدية».
فقبل وصول الرئيس ترمب، كانت نسبة 80 في المائة من إجمالي مبلغ 260 مليار دولار تملكه الشركة شبه محجوزة في الخارج. وأخذت الإدارة الأميركية رهان منح الشركات «هدية» تمثلت بخفض ضرائب الأرباح من 35 في المائة إلى 21 في المائة، وتحولت بذلك الولايات المتحدة إلى جنة ضريبية مقارنة بالكثير من الدول الغربية والصناعية وغير الصناعية الأخرى، وكسبت تنافسية كبيرة في هذا المجال، على أمل تحقق ما أعلنه ترمب في رؤية المستثمرين بزيادة توظيف أموالهم في اقتصاد الولايات المتحدة. وها هو رئيس «آبل» يقبل الرهان ويقول: «سنوظف 350 مليار دولار في الاقتصاد الأميركي خلال 5 سنوات، وسنخلق 20 ألف فرصة عمل من الآن حتى 2022».
على الصعيد التجاري، يكمل تيم كوك مشواره الصاعد في الأداء الجيد. ففي الربع الأول 2018 حققت الشركة حجم أعمال زاد على 61 مليار دولار أي بارتفاع نسبته 16 في المائة على أساس سنوي. أما النتيجة الصافية فقفزت 20 في المائة لتحقق الشركة أرباحاً بلغت 13.8 مليار دولار، وهي بذلك تسجل نمواً في الربحية للفصل السادس على التوالي. وتتوقع مصادر الشركة نمو الأرباح في الفصل الثاني من العام الحالي بين 13 في المائة و18 في المائة.
وبإعلان هذه النتائج وتلك التوقعات، فاجأت الشركة محللين كانوا توقعوا أقل من ذلك بكثير عندما كتبوا تقارير عن الخيبة التي صاحبت إطلاق «آيفون إكس» معتمدين في ذلك على رتابة سوق الجوالات الذكية عموماً في مقابل غلاء الهاتف الأخير لشركة «آبل». بيد أن الشركة كذبت تلك التقارير بإعلان بيع الجوالات بـ100 مليار دولار في 6 أشهر. وأكد كوك أن المستخدمين اختاروا شراء «آيفون إكس» في الأشهر الأخيرة أكثر من أي «آيفون» آخر، وهذا الإقبال متواصل منذ إطلاق ذلك الجوال الجديد.
وحافظت الشركة على عائدات من مبيعات الجوالات تمثل نحو ثلثي إجمالي إيراداتها الإجمالية. فالشركة تبيع جوالات حالياً أكثر من أي وقت مضى، فخلال الأشهر الستة الماضية باعت 500 ألف جوال إضافي مقارنة مع الفترة السابقة المقابلة (6 أشهر أيضاً).
ويذكر أن «آبل» باعت جوالات «آيفون» بما قيمته 52.2 مليار دولار في 3 أشهر محققة بذلك رقماً قياسيا على الرغم من أن الفصل الأول من كل سنة هو موسم هادئ عادة على صعيد مبيعات الجوالات الذكية عموماً. ويؤكد كوك أنها «المرة الأولى منذ 2014. وتحديدا العام الذي أطلقنا فيه آيفون 6 وآيفون 6 بلاس، نحقق مع الهاتف الجديد (آيفون إكس) الشعبية التي نرجو تحقيقها مع كل جوال جديد نطلقه».
وصعد في الأشهر الأخيرة متوسط سعر «الآيفون» من 655 دولاراً إلى 728 دولاراً، ما يعني أن مستخدمي الجوالات الشركة على استعداد، في كل مرة يطرح فيها آيفون جديد، لزيادة قبولهم بسعر مرتفع نسبياً للحصول على آخر مبتكرات ومنتجات الشركة. ومن اللافت أيضاً أن المستخدمين يلجأون أكثر فأكثر إلى بيع جوالاتهم القديمة للحصول على كل جديد، فسوق المستعمل يشهد نمواً كبيراً مع سيطرة واضحة لجوالاتهم «آيفون» على هذه السوق. ويوضح محللون أن ذلك يعني أن شرائح مستخدمي منتجات «آبل» تتوسع، فمن لا يستطيع شراء الجديد سيشتري المستعمل، بذلك تكون الشركة قد ضمت مستهلكين جدداً لخدمات تقدمها عبر مخزن «آب ستور» فضلاً عن الإكسسوارات ذات الصلة وتحقق منهم أرباحاً إضافية. ويضيف المحللون: «الماركة تنتشر على أكثر من صعيد، وفي ميادين كثيرة اعتباراً من الموسيقى والفيديوهات ووصولاً إلى الدفع أونلاين عبر خدمة خاصة لذلك، مروراً بخدمات أخرى مثل «آي هيلث» المخصصة للصحة والعافية. فهذه الخدمات مجتمعة حققت للشركة 9.1 مليارات دولار في الفصل الأول من العام 2018.
وعلى صعيد الإكسسوارات، مثل الساعات والسماعات وغيرها من المنتجات المصنفة تحت بند «أخرى» في الميزانية وبيانات الدخل، استطاعت الشركة زيادة حجم أعمالها بنسبة كبيرة جداً وصلت إلى 38 في المائة.
ويذكر أن حجم الأعمال البالغ 61. 14 مليار دولار في الفصل الأول موزع كالآتي:
38.03 مليار دولار (+ 14 في المائة) من مبيعات جوالات «آيفون»، و9.19 مليار دولار (+31 في المائة) من مبيعات الخدمات، و5.85 مليار دولار (لا نمو) من مبيعات كومبيوترات «ماك»، و4.11 مليار دولار (+ 6 في المائة) من مبيعات «آيباد»، و3.95 مليار (+ 38 في المائة) من المبيعات والخدمات الأخرى.


مقالات ذات صلة

قاضٍ يوقف مساعي إدارة ترمب لترحيل طالبة مؤيدة للفلسطينيين بجامعة تافتس

الولايات المتحدة​ رميساء أوزتورك طالبة من تركيا بجامعة تافتس تتحدث إلى الصحافيين بعد أن حثت قاضياً فيدرالياً على إصدار أمر لإدارة ترمب بإعادة تفعيل تأشيرة الطالب الخاصة بها (رويترز)

قاضٍ يوقف مساعي إدارة ترمب لترحيل طالبة مؤيدة للفلسطينيين بجامعة تافتس

أفاد محامو طالبة الدكتوراه في جامعة تافتس الأميركية، رميساء أوزتورك، بأن قاضياً أميركياً رفض مساعي إدارة الرئيس دونالد ترمب لترحيلها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

حقق الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي في السعودية نمواً سنوياً بلغت نسبته 8.9 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب تصريحات جريئة، مؤكداً أن مرشحه لقيادة الاحتياطي الفيدرالي يمتلك القدرة على دفع الاقتصاد لتحقيق نمو 15 في المائة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

أصدر بنك الشعب الصيني توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية.

«الشرق الأوسط» (بكين)

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
TT

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

كشفت الهيئة العامة للإحصاء عن أداء استثنائي للقطاع الصناعي السعودي في نهاية عام 2025، حيث حقق الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي نمواً سنوياً بلغت نسبته 8.9 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول) من العام السابق.

ويعكس هذا الارتفاع حالة الانتعاش في الأنشطة الاقتصادية الرئيسة، وعلى رأسها التعدين، والصناعة التحويلية، مما يعزز من مكانة القطاع باعتبار أنه رافد أساسي للاقتصاد الوطني.

الإنتاج النفطي

لعب نشاط التعدين واستغلال المحاجر دوراً محورياً في دفع المؤشر العام نحو الأعلى، حيث سجل نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 13.2 في المائة بحلول ديسمبر. ويُعزى هذا الزخم بشكل أساسي إلى ارتفاع مستويات الإنتاج النفطي في المملكة لتصل إلى 10.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 8.9 مليون برميل في الفترة المماثلة من العام الماضي. على أساس شهري، شهد المؤشر استقراراً نسبياً بزيادة طفيفة بلغت 0.3 في المائة فقط مقارنة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) السابق.

الصناعة التحويلية

وفي سياق متصل، أظهر قطاع الصناعة التحويلية مرونة عالية بنمو سنوي قدره 3.2 في المائة، مدعوماً بقوة الأداء في الأنشطة الكيميائية والغذائية. وقد برز نشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية بوصفه من أقوى المحركات في هذا القطاع مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 13.4 في المائة، تلاه نشاط صنع المنتجات الغذائية الذي نما بنسبة 7.3 في المائة. أما على الصعيد الشهري، فقد حافظ المؤشر على وتيرة إيجابية بزيادة قدرها 0.3 في المائة، حيث قفز نشاط المنتجات الغذائية منفرداً بنسبة 9.6 في المائة، ونشاط المواد الكيميائية بنسبة 2.8 في المائة مقارنة بنوفمبر 2025.

إمدادات المياه والخدمات العامة

أما بالنسبة للخدمات العامة، فقد سجل نشاط إمدادات المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها ارتفاعاً سنوياً قوياً بنسبة 9.4 في المائة. وفي المقابل، واجه نشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء انخفاضاً بنسبة 2.5 في المائة مقارنة بديسمبر 2024. ولوحظ انكماش شهري في هذين القطاعين بنسب بلغت 7.2 في المائة و13.1 في المائة على التوالي عند المقارنة بشهر نوفمبر 2025، مما يشير إلى تأثر الإنتاج بالتقلبات الموسمية، أو جداول الصيانة الدورية.

توازن الأنشطة النفطية وغير النفطية

ختاماً، تُظهر البيانات توزيعاً متوازناً للنمو بين الركائز الاقتصادية للمملكة، حيث حققت الأنشطة النفطية ارتفاعاً سنوياً بنسبة 10.1 في المائة، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً ثابتاً بنسبة 5.8 في المائة. وعند النظر إلى الأداء قصير المدى، يتبين أن الأنشطة غير النفطية حافظت على تفوقها الشهري بنمو قدره 0.4 في المائة، في حين سجلت الأنشطة النفطية انخفاضاً شهرياً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة، مما يعكس استراتيجية التنويع الاقتصادي المستمرة في المملكة.


ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
TT

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

في واحدة من أكثر تصريحاته الاقتصادية إثارة للجدل، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقفاً مرتفعاً جداً لمرشحه الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، مؤكداً أنه قادر على دفع عجلة الاقتصاد الأميركي لتحقيق معدلات نمو تاريخية تصل إلى 15 في المائة.

هذه التصريحات لا تضع ضغطاً هائلاً على وورش فحسب، بل تعلن رسمياً بداية معركة ترمب لكسر التقاليد النقدية المتبعة في واشنطن منذ عقود.

ندم «تاريخي» واعتراف بالخطأ

خلال مقابلة مطولة مع شبكة «فوكس بيزنس»، عاد ترمب بالذاكرة إلى الوراء ليعرب عن ندمه الشديد على تعيين جيروم باول رئيساً للبنك المركزي في ولايته الأولى. ووصف هذا القرار بأنه كان «خطأً كبيراً جداً»، كاشفاً أن كيفن وورش كان هو «الوصيف» في ذلك الوقت.

وحمّل ترمب وزير خزانته السابق، ستيفن منوشين، مسؤولية هذا الاختيار، قائلاً: «لقد أصرَّ وزيري حينها على باول بشكل لا يصدق... لم أكن مرتاحاً له في قلبي، لكن أحياناً تضطر للاستماع للآخرين، وكان ذلك خطأً جسيماً».

ترمب والسيناتور الأميركي تيم سكوت وباول خلال جولة في مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي (رويترز)

أحلام النمو... هل هي واقعية؟

عند الحديث عن وورش، لم يتردد ترمب في رسم صورة «إعجازية» للمستقبل الاقتصادي، حيث صرح للشبكة: «إذا قام وورش بالعمل الذي أعلم أنه قادر عليه، فيمكننا أن ننمو بنسبة 15 في المائة، بل أعتقد أكثر من ذلك».

هذا الرقم أثار دهشة الأوساط الاقتصادية؛ فالاقتصاد الأميركي نما بمتوسط 2.8 في المائة سنوياً على مدار الخمسين عاماً الماضية، ولم يسبق للناتج المحلي الإجمالي أن لامس حاجز الـ 15 في المائة إلا في حالات استثنائية جداً، منها فترة التعافي من إغلاقات كورونا في 2020. ومع ذلك، يبدو ترمب مصمماً على أن وورش هو الشخص القادر على تحقيق هذه القفزة التي تتجاوز كل التوقعات التقليدية.

لا لرفع الفائدة

كشف ترمب بوضوح عن المعيار الذي اختار على أساسه وورش، وهو الرغبة في خفض أسعار الفائدة. وأكد أنه لم يكن ليختار وورش لو كان الأخير يدعو إلى رفع الفائدة، مشدداً على رغبته في مرشح يدفع بالنمو إلى أقصى حدوده.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس «مقامرة» اقتصادية كبرى؛ إذ إن تحقيق نمو يقترب من 15 في المائة قد يؤدي تقنياً إلى انفجار في معدلات التضخم التي لا تزال تكافح للوصول إلى مستهدفاتها، وهو أمر يبدو أن ترمب لا يراه عائقاً أمام طموحاته قبل الانتخابات النصفية.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي (رويترز)

جدار الصد في «الكابيتول هيل»

على الرغم من حماس ترمب، فإن طريق وورش نحو رئاسة الفيدرالي مزروع بالألغام السياسية. فقد أعلن السيناتور الجمهوري البارز ثوم تيليس عزمه عرقلة أي عملية تصويت لتأكيد تعيين وورش في مجلس الشيوخ.

ويأتي تهديد تيليس احتجاجاً على سلوك إدارة ترمب تجاه جيروم باول، حيث تلاحق وزارة العدل باول في تحقيقات تتعلق بمشروع تجديد مبنى الفيدرالي، وتصريحاته حول التكاليف. ويرى تيليس أن هذه الملاحقات القضائية هي محاولة لترهيب رئيس البنك المركزي، وتقويض استقلاليته.

«إذا حدث التأجيل... فليحدث»

بدا ترمب غير مبالٍ بتهديدات التعطيل في مجلس الشيوخ، حيث سخر من معارضة تيليس قائلاً: «لقد حاربت تيليس لفترة طويلة، لدرجة أنه انتهى به الأمر بالاستقالة». وعندما سُئل عما إذا كان التحقيق مع باول يستحق تعطيل ترشيح وورش، أجاب ببرود: «لا أعلم، سنرى ما سيحدث... إذا حدث التأجيل، فليحدث»، في إشارة واضحة إلى أنه لن يتراجع عن ملاحقة باول قانونياً حتى لو كلّفه ذلك تأخير تعيين خليفته.


«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
TT

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

في خطوة تعكس فقدان «الراحة» والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن، في عملية وُصفت بـ«الهروب الهادئ»، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.

تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة

كشفت مصادر مطلعة لـ«بلومبرغ» أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. هذه التعليمات تضمنت حث البنوك ذات «التعرض العالي» على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من «مخاطر التركز»، والتقلبات الحادة.

ورغم أن القرار استثنى «الاحتياطيات السيادية» الرسمية، فإن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.

لغة الأرقام

تُظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها:

  • الصين: بعد أن كانت تمتلك 767 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار في أغسطس (آب) 2025، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بحلول نوفمبر 2025، حيث باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار، لكن يبقى من الصعب قياس التأثير.
  • التكتل الصيني: تشير بيانات «آي إن جي» إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي.
  • دول بريكس الأخرى: لم تكن الصين وحدها؛ فقد قلّصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.

توقيت «الاتصال الساخن» وظلال ترمب

ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية، وهجماته المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، وزيادة الإنفاق العام، إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟

وفي هذا الإطار، قال مصرف «يو بي إس» إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.

بين «سلاح الديون» واستراتيجية التحوط

بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت «هش» للدولار.

الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة «عقاب سياسي» فحسب، بل بدأوا استراتيجية «التحوط الكبرى» (Hedging). فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار، أو تذبذب حاد في الفائدة.