أفغانستان: ضربات جوية موسعة لمواقع إنتاج مخدرات «طالبان»

400 مليون دولار إيرادات «الضرائب» على حقول الأفيون > زادت زراعته بنسبة 79 % في هلمند

حقول الأفيون  زادت زراعتها بنسبة 79 % في هلمند
حقول الأفيون زادت زراعتها بنسبة 79 % في هلمند
TT

أفغانستان: ضربات جوية موسعة لمواقع إنتاج مخدرات «طالبان»

حقول الأفيون  زادت زراعتها بنسبة 79 % في هلمند
حقول الأفيون زادت زراعتها بنسبة 79 % في هلمند

تقوم كاميرا المروحية بتكبير الصورة على قطعة أرض وحوائط طينية وسقف منزل، لتظهر كملامح براقة في الصورة الليلية باللونين الأبيض والأسود. لقد تم تأكيد الهدف فوق مختبر تصنيع المخدرات المشتبه به في إقليم هلمند بجنوب أفغانستان، أطلق الطيار الأميركي صاروخاً. أصاب الصاروخ الهدف وانفجر، مما أحدث سحابة كبيرة من الرماد مثل إخطبوط، يرتفع رأسه في الهواء، وتمتد أذرعه في أنحاء الأرض. وأظهر مقطع فيديو ظهر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي إحدى الضربات الكثيرة التي تمت في إطار حملة تهدف «لضرب (طالبان) في أكثر المناطق إيلاماً لها، وهي مصدر تمويلها»، وذلك بحسب ما قاله قائد القوات الأميركية في أفغانستان الجنرال جون نيكولسون. ويقول نيكولسون «(طالبان) أصبحت منظمة إجرامية بصورة متزايدة، هم يقاتلون لكي يستمروا في الاستفادة من أنشطتهم الإجرامية»، مشيراً إلى تصدر تجارة المخدرات قائمة هذه الأنشطة. ومنذ 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أسقطت طائرات من دون طيار مقذوفات على مختبرات لتصنيع المخدرات ومخازن للأفيون في أفغانستان في محاولة لحرمان الحركة المتشددة من مصدر دخل رئيسي. وبعد أكثر من 16 عاماً من بداية الانخراط العسكري والمدني الدولي في أفغانستان، ما زالت قوات «التمرد» تسيطر على ما لا يقل عن 13 في المائة من البلاد، وما زالت 30 في المائة أخرى محل تنازع. ويقدر أن «طالبان» تحصل على إيرادات تتراوح ما بين 200 إلى 400 مليون دولار سنوياً من ضرائب على حقول الأفيون وتهريب المخدرات. كما أن الحركة تدير مختباراتها الخاصة لإنتاج المخدرات، خصوصاً الهيروين، المستخلص من الأفيون. ويحول هذا القطاع المزدهر الخاص بالمخدرات زعماء «المتمردين» لأقطاب في قطاع المخدرات، حيث إنه يدر عليهم ملايين الدولارات لإنفاقها على الحصول على الأسلحة والمجندين، وهذا التوجه يزداد عمقاً.
وقد ظهرت أرقام صادمة في منتصف نوفمبر الماضي، إذ إن أفغانستان، التي أنتجت بالفعل طوال أعوامٍ 70 إلى 90 في المائة من إجمالي الأفيون في العالم، سجلت عام 2017 أعلى إنتاج للأفيون بلغ نحو 9000 طن، ووفقاً لأحدث تقرير سنوي لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة، الذي نشر في مايو (أيار) الماضي، ارتفعت عائدات المخدرات بنسبة 87 في المائة عام 2016. وأشار التقرير إلى أنه خلال هذا العام، مثّل 4800 طن من إنتاج الأفيون نحو 16 في المائة من إجمالي الناتج المحلي لأفغانستان، وثلثي إجمالي إنتاجها الزراعي.
يُشار إلى أن المركز الرئيسي لزراعة الأفيون هو إقليم هلمند، حيث زادت زراعته بنسبة 79 في المائة العام الماضي. وهذا الإقليم هو الآن أيضاً الذي تطلق عليه معظم الصواريخ الأميركية. ولكن ليست حركة طالبان فقط هي التي تتضرر من هذه الهجمات. فقطاع المخدرات يساهم في إيجاد مئات الآلاف من فرص العمل في إحدى أفقر الدول في العالم، حيث تقدر نسبة البطالة بـ40 في المائة، وهي في حالة تزايد. وكان محمد جول (33 عاماً) المزارع من منطقة جيرشك بإقليم هلمند، قد اعتاد على زراعة القمح والذرة والبصل والطماطم والبامية. ويقول جول «لكن معظم الخضراوات تستمر صلاحيتها لمدة 15 يوماً على أقصى تقدير، وغالباً ما لا نستطيع أن نصل السوق في الوقت المناسب. بعد ذلك يكون كل ما لدينا قد فسد». وأضاف أنه في بعض المناطق غير المستقرة، غالباً ما تكون الطرق مغلقة أو تعرضت للقصف. ويقول المزارع إنه في وقت الحرب، يكون الأفيون هو النبات الأفضل للزراعة، ويضيف: «إنه ينمو بسهولة، ويسهل حصاده، ولا يحتاج لتخزين بارد، كما أن سعر بيعه أعلى». وينتج جول نحو 20 ألف متر مربع من نبات الأفيون سنوياً، تنتج نحو 45 كيلو من الأفيون. ويحصل جول على نحو 100 دولار إلى 160 دولاراً عن كل كيلو.

وكانت وزارة الدفاع الأميركية قد أشارت إلى سلسلة من الانتصارات في حملتها لمكافحة المخدرات. وخلال الفترة من نوفمبر حتى مطلع مارس (آذار) الماضيين، دمرت القوات الأميركية والأفغانية أكثر من 40 مختبراً لتصنيع المخدرات، كما أغلقت أربعة أسواق للمخدرات، مما حرم «طالبان» من عائدات تقدر بنحو 33 مليون دولار، بحسب ما قاله متحدث عسكري لوكالة الأنباء الألمانية. ومع ذلك، يشكك خبراء مستقلون في هذه الإحصاءات. وقدم ديفيد مانسفيلد المعني بشؤون مكافحة المخدرات في كلية لندن للاقتصاد، تقييماً لأول 24 يوماً من الحملة العسكرية في تقرير نشر في يناير (كانون الثاني) الماضي.
ودحض ديفيد أرقام الجيش، حيث إنه في ظل الأسعار الحالية للهيروين، فإنه كان يتعين تدمير 73 طناً للوصول لهذا المبلغ. وأضاف أن منشآت صنع المخدرات المستهدفة كانت صغيرة للغاية، بحيث لم يكن بوسع الحملة تدمير هذا الكمية. وفي حقيقة الأمر، ربما يكون الضرر المادي على تجارة المخدرات أقل بكثير. وفي الوقت نفسه، القصص الناجحة والهجمات الجوية تخاطر بإثارة غضب قطاع أوسع من المواطنين. ويقول المزارع جول إن مختبرات المخدرات التي يتم تدميرها غالباً ما تكون وسط القرى. وفي دراسة لمعهد «بروكينجز» حول هذه المشكلة عام 2016، حذرت فاندا فلباب براون، الخبيرة في شؤون أفغانستان، من مهاجمة قطاع زراعة الأفيون، دون أن يتم أولاً توفير مصادر بديلة للدخل للمواطنين. وذكرت في الدراسة أن تدمير محاصيل الأفيون وغيره من الحلول الراديكالية ألحقت في السابق أشد الأضرار بالفئات الأكثر فقراً.
ومن شأن هذا فقط أن يوفر لـ«طالبان» المزيد من رأس المال السياسي، بصفتها خصماً للحكومة والمجتمع الدولي في البلاد، كما أنه يضيف الكثير من الأنصار الجدد لـ(طالبان)». في غضون ذلك، ذكر مسؤول أمني أن مقاتلي «طالبان» انتشروا في وسط إحدى المقاطعات في إقليم بادخشان بشمال شرقي أفغانستان أمس، بعد معركة نارية مكثفة استمرت 24 ساعة. وقال متحدث باسم القوات الخاصة العسكرية الأفغانية جاويد سليم لوكالة الأنباء الألمانية، إن المعركة على وسط مقاطعة كوهيستان أسفرت عن مقتل خمسة رجال شرطة على الأقل وإصابة ثلاثة آخرين.
وأضاف سليم أن أفراد قوة الشرطة المحلية والوطنية تقهقروا من وسط المقاطعة، وتمركزوا في قرى قريبة. وتابع أن السبب وراء التراجع هو قلة الدعم الفني وعدم وصول التعزيزات من فايز أباد عاصمة الإقليم. وأكد محبوب الرحمن طلعت، وهو عضو بالمجلس الإقليمي، سقوط المقاطعة وعدد الخسائر البشرية. وقال المتحدث باسم «طالبان» ذبيح الله مجاهد عبر «تويتر»، إن المسلحين قتلوا 15 شرطياً على الأقل، وأصابوا 14 آخرين خلال المعركة. ويأتي ذلك بعد إعلان «طالبان» عن هجومها السنوي، الذي زاد المسلحون بعده وتيرة الهجمات عبر البلاد التي مزقها الحرب.
وفي ظل سقوط كوهيستان، تسيطر «طالبان» الآن بالكامل على 3 مقاطعات في الإقليم الاستراتيجي. والمقاطعتان الأخريان هما أردوج ويامجان اللتان تسيطر عليهما الحركة منذ سنوات. ويأتي الهجوم بعد أيام من كشف المفتش العام الخاص بإعادة إعمار أفغانستان يوم الثلاثاء، أنه حتى مايو الحالي، صارت «طالبان» تسيطر على 5.‏14 في المائة من المقاطعات الأفغانية، في زيادة بنسبة 2.‏0 نقطة مئوية عن تقريرها السابق في أكتوبر (تشرين الأول). وهناك نحو 30 في المائة من المناطق متنازع عليها أيضاً. ومن ناحية أخرى، شهدت القوى العاملة في قوات الأمن الأفغانية تراجعاً بنسبة 11 في المائة وسط تفاقم الوضع الأمني، بحسب المفتش العام الخاص بإعادة إعمار أفغانستان.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».