مؤشرات قوية على تقلص شعبية التيار الإسلامي في الشارع المصري

خبراء يكشفون لـ «الشرق الأوسط» عن «معركة تكسير العظام» قبيل الانتخابات البرلمانية المقبلة

ناجح إبراهيم و صبرة القاسمي
ناجح إبراهيم و صبرة القاسمي
TT

مؤشرات قوية على تقلص شعبية التيار الإسلامي في الشارع المصري

ناجح إبراهيم و صبرة القاسمي
ناجح إبراهيم و صبرة القاسمي

رجح خبراء سياسيون وحزبيون أن تنحصر نسبة المقاعد التي قد يحصل عليها التيار الإسلامي في برلمان 2014 بين سدس إلى خمس عدد المقاعد فقط، وذلك حسب ما أدلى به الخبراء في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، حيث أكدوا على تقلص شعبية تيار الإسلام السياسي بالشارع المصري، الذي استولى على أغلبية مطلقة في البرلمان الماضي الذي حل بحكم قضائي. وأوضح الخبراء أن تجربة حكم الإخوان المسلمين خلال عام مضى «ساهمت في تشويه كل ما له صلة بالتيار الإسلامي، بسبب فشلهم الذريع وأخطائهم القاتلة»، بحسب قولهم، مشيرين إلى أن المصريين لا يميزون بين الإخوان وغيرهم، وينظرون إلى تيار الإسلام السياسي ككتلة واحدة.
وكشف الخبراء عن إمكانية تسلل شخصيات إخوانية غير مشهورة إلى البرلمان عبر الانتخابات الفردية، أو من خلال صفقات مع بعض الأحزاب المحسوبة على التيار الإسلامي، مثل حزب مصر القوية وحزب الوطن. وتوقعوا أن المنافسة الشرسة لن تكون بين الإسلاميين والعلمانيين، كما كانت من قبل، وإنما ستكون منافسة لدرجة الخصومة وتصفية الحسابات بين حزب النور من جانب وباقي التيارات الإسلامية التي تعاديه من جانب آخر، أي أن الإسلاميين مقبلون على معركة «تكسير عظام» بعضهم بعضا خلال الانتخابات البرلمانية المقبلة.
وتوقع الدكتور عمرو هاشم ربيع، رئيس وحدة التحول الديمقراطي بمركز الأهرام للدراسات السياسية، حدوث تقلص شديد للتيار الإسلامي في البرلمان المقبل، بخلاف ما حققه من أغلبية كبرى في البرلمان المنحل. وقال في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» إنه على الرغم من وجود فئات من هذا التيار ستختار الأقرب إليها فكريا وآيديولوجيا، إلا أن النسبة التي سيحصل عليها داخل البرلمان لن تتجاوز الثلث على أقصى تقدير، وقد تنخفض حتى الخمس.
وأرجع ربيع ذلك إلى توابع السنة التي حكم خلالها مرسي والإخوان، وما عاشه المصريون من «نكبات» خلال تلك الفترة، على حد وصفه. وقال إن «المصريين العاديين لا يميزون بين الإخوان وغيرهم من أطياف التيار الإسلامي، ومن ثم فسيكون هناك تراجع للتيار الإسلامي كله، وليس لمؤيدي الإخوان فقط، باعتبارهم كلهم تيارا واحدا في نظر المصريين». وأشار ربيع إلى أن النظام الانتخابي الجديد سيقلل أيضا من حجم القوى الدينية داخل البرلمان لصالح التيارات التقليدية، كما أنه يقلص من دور الأحزاب لصالح القوائم الفردية والأشخاص المستقلين.
من جانبه، أكد القيادي السابق بالجماعة الإسلامية الدكتور ناجح إبراهيم لـ«الشرق الأوسط» أن معظم أطياف تيار الإسلام السياسي ستدخل الانتخابات البرلمانية، على عكس ما يتوقعه الكثيرون. وقال إن «هناك أحزابا ستدخل حتما، مثل النور والوطن ومصر القوية وحزب البناء والتنمية، كما أننى أتوقع أيضا دخول الإخوان لهذه الانتخابات بشكل فردي، عبر اختيار أشخاص غير بارزين من الإخوان وغير معروفين بانتمائهم الإخواني، أو من خلال توزيع أنفسهم على بعض الأحزاب لزيادة فرصتهم. وستكون أكبر معركة بين حزبي مصر القوية والنور، الذي سيواجه خصومة شرسة من الإخوان وأنصارهم أكثر مما سيلاقيه من المنافسة مع الأحزاب الليبرالية والاشتراكية، لأن الإخوان سيحرصون على تدمير حزب النور وتشويهه بحكم ما بينهما من خصومة ثأرية سياسية».
وأضاف إبراهيم أن الإخوان سيشاركون في انتخابات برلمان 2014 لمجرد إسقاط حزب النور وتلقينه درسا قاسيا، وأن الدعاية بين أطياف التيار الإسلامي ستكون عبر الفضائيات، لا في الشارع المصري ولا المساجد كما كان الأمر من قبل. موضحا أن «خلاصة الأمر أنه ستكون هناك مشاركة لجميع قوى التيار الإسلامي، ولكني لا أتوقع فوزهم بأكثر من 12 في المائة من مقاعد البرلمان».
وردا على الرؤية السابقة، أكد الدكتور يونس مخيون، رئيس حزب النور، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» أنه لا يوجد من يمثل التيار الإسلامي على الساحة السياسية إلا حزب النور، لأن كل قوى الإسلام السياسي الأخرى تقريبا تدعم ما يسمى تحالف دعم الشرعية، واتخذت موقفا معلنا من الانتخابات بمقاطعتها.
لكن مخيون أشار إلى أن «الإخوان لديهم استعداد لتغيير الموقف بين الحين والآخر بما يحقق المصلحة، والدليل أنه كانت هناك ندوات بمركز الأهرام للدراسات السياسية بحضور شخصيات من حزب الحرية والعدالة الإخواني، وذلك لأكثر من مرة، وإن كانوا بعد ذلك عادوا وأنكروا أن من حضر المؤتمر من الإخوان.. وهذه عادتهم للأسف، وطبيعتهم دائما أن يتملصوا وينكروا، لكني أرى أنهم سيدفعون بأشخاص غير معروفين للنزول على النظام الفردي في الانتخابات، لكنهم لن يجرؤوا على المشاركة في قوائم لأنه لا يوجد من يضحي بنفسه ويجعل الإخوان على قائمته أو يدخل معهم في قائمة مشتركة».
وأوضح رئيس حزب النور: «من ثم، نحن كحزب النور الوحيدون الممثلون للتيار الإسلامي في هذه الانتخابات، ولكننا لم نقرر بعد كيفية المشاركة، وكل الاحتمالات واردة. ونحن لا نتعجل الأمر، خصوصا في ظل التحالفات الكثيرة التي تظهر وتختفي هذه الأيام، وننتظر أن يستقر القانون الانتخابي لنقرر ما إذا كنا سندخل في تحالفات أو لا، وما إذا كنا سنشارك بنظام القائمة أم الفردي». متابعا: «نأمل أن نحصل على نفس النسبة التي حصلنا عليها في البرلمان السابق، وكانت نحو 20 في المائة، إلا أن الظروف الصعبة والمعاناة التي يواجهها التيار الإسلامي بسبب فشل الإخوان وتصرفاتهم الخاطئة وما صدر منهم حتى الآن ينعكس سلبا بلا شك على شعبية التيار.. ولكننا لا نتحمل أخطاء الإخوان، ونثق في شعبية حزب النور، وأن قطاعا كبيرا من الشعب المصري يؤيدنا، لا سيما مع مواقفنا المعارضة للإخوان ولأخطائهم، ومواقفنا لصالح استقرار البلد ومصلحته، وعدم تورطنا في أي عنف سواء كان لفظيا أو بدنيا، وهو ما يجعلنا متفائلين وواثقين في قدراتنا على تحقيق هذه النسبة مرة أخرى».
من ناحية أخرى، صرح صبرة القاسمي، القيادي الجهادي السابق ومنسق عام الجبهة الوسطية لمواجهة التكفير والتفجير، لـ«الشرق الأوسط» بأن التيار الإسلامي فقد مصداقيته إلى حد كبير في الشارع المصري لأن المصريين لا يحبون أن «يضحك عليهم مرة ثانية»، خصوصا بعد أن منحوا الثقة لأحد من يشملهم هذا التيار وهم الإخوان، ولكنهم صدموا عندما وصل الإخوان إلى الحكم، كما صدموا من رموزه ورئيسه.. لذلك فإن قطاعا عريضا في الشارع المصري يشمل كل من لم يشارك في ثورة 25 يناير، وكل كارهي تيار الإسلام السياسي، وكل من شجع هذا التيار وأحبط لفشله، جميعهم لم يعودوا يريدون هذا التيار، ولا يريدون لأسلوب الحناجر والصوت العالي أن يؤثر عليهم، ومن ثم فإن الواقع يعكس احتمالات بتمثيل محدود للإسلاميين داخل برلمان 2014.
وأشار القاسمي إلى أن «الشعب المصري مسالم ومتدين بطبعه ولا يحتاج إلى من يؤثر عليه لتحقيق أغراض سياسية، فقد انتهى أسلوب الزيت والسكّر لكسب أصوات الناخبين. وهذا الكلام ليس للإخوان فقط، بل لمختلف أطياف التيار الإسلامي بما فيهم حزب النور، الذي يعد الحزب الإسلامي الوحيد على الساحة، إلا أن الناس يشعرون بمشكلاته الداخلية الكبيرة. كما يوجد تفاوت بين ما يظهر إعلاميا من قياداتهم وبين واقع الحال في القاعدة الشعبية للحزب».
وشدد القاسمي على أن حزب النور - رغم كل ما بذله من جهد في انتخابات الرئاسة الأخيرة - لم يستطع تقديم الحشد الكافي في الانتخابات، وكل من جاء أو شارك جاء بعيدا عن تأثير حملات حزب النور، «وهو ما يعطينا مؤشرا على أن هذا الحزب الممثل للتيار الإسلامي في المشهد السياسي المصري لم تعد له نفس القاعدة الجماهيرية السابقة، ولم يعد لحملاته تأثير على حشد الجماهير كما كان في الماضي، وهو ما ينعكس إجمالا على ضعف التمثيل الإسلامي داخل البرلمان المصري المقبل».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.