هل يندم آرسنال على رحيل فينغر؟

رغم الإجماع على أن قرار المدرب الفرنسي كان الأكثر صواباً في مسيرته الكروية

بطولات كأس إنجلترا التي حصدها فينغر مع آرسنال تعادل عدد المرات التي حصدها تشيلسي وليفربول معاً على امتداد تاريخهما («الشرق الأوسط»)
بطولات كأس إنجلترا التي حصدها فينغر مع آرسنال تعادل عدد المرات التي حصدها تشيلسي وليفربول معاً على امتداد تاريخهما («الشرق الأوسط»)
TT

هل يندم آرسنال على رحيل فينغر؟

بطولات كأس إنجلترا التي حصدها فينغر مع آرسنال تعادل عدد المرات التي حصدها تشيلسي وليفربول معاً على امتداد تاريخهما («الشرق الأوسط»)
بطولات كأس إنجلترا التي حصدها فينغر مع آرسنال تعادل عدد المرات التي حصدها تشيلسي وليفربول معاً على امتداد تاريخهما («الشرق الأوسط»)

المؤكد أن ذروة تألق آرسين فينغر وحيله السحرية هجرته منذ أمد بعيد لدرجة لم يعد معها أحد من مريديه قادراً على المضي في حالة الإنكار التي لطالما تشبثوا بها. ومع هذا، فإنه في الوقت الذي يستعد المدرب الفرنسي للرحيل عن آرسنال، ربما حان الوقت المناسب لإلقاء نظرة على سنواته الذهبية مع النادي.
وربما يكون الأمر الأكثر إثارة للحزن، أنه من بين آلاف وآلاف الكلمات التي تحدثت عن فينغر على امتداد اليومين الماضيين، يصعب على المرء تذكر عبارة واحدة تحذر من أن النادي والمدرب ربما على وشك الوقوع في خطأ فادح، وعلى النقيض مما يسمعه المرء كل يوم، فإن هذا ربما لا يكون الوقت المناسب لرحيل فينغر.
في هذا الصدد، نشرت صحيفة «لكيب» الفرنسية الرياضية رسماً كاريكاتيرياً معبراً للغاية، ظهر به اثنان من مشجعي آرسنال يتناولان مسألة رحيل فينغر وصعوبة تخيل شخص آخر مكانه عند خط التماس الموسم المقبل. ويظهر الرسم أحد المشجعين ممسكاً بعلبة طلاء ويكتب على جدار ضخم «عد إلينا يا فينغر!» بأحرف حمراء كبيرة. وصاح في وجهه صديقه متسائلاً: «ألم تكن تصرخ خلال المباريات «ارحل يا فينغر»؟» وأجاب الأول: «نعم، لكن مثل (بريكست)، أخشى أن أندم لاحقاً على هذا الأمر».
في الحقيقة، جاء هذا الرسم الكاريكاتيري معبراً للغاية؛ ذلك أن ثمة احتمالاً كبيراً أن ينتهي الحال بمعسكر المطالبين برحيل فينغر في صورة حمقاء بعض الشيء إذا لم تمر عملية انتقال تدريب الفريق للمدرب الجديد بسلاسة؛ الأمر الذي غالباً ما يحدث بالفعل في مثل هذه الحالات. وربما يجد آرسنال عملية التغيير أصعب كثيراً عما توقعه المشاركون في تلك الحملة.
في الوقت ذاته، يتعين علينا توخي حذر بالغ إزاء التأكيد مع هذه الفكرة في وقت يفصل آرسنال عن آخر بطولة حصدها 14 عاماً كاملة، ويقف على بعد 33 نقطة من قمة بطولة الدوري الممتاز. وإذا كنت في حاجة إلى مزيد من الأدلة على أن النادي فقد حماسه ولمسته السحرية داخل الملعب، فإن آرسنال يعتبر الفريق الوحيد في الدوري الإنجليزي بمختلف درجاته الذي لم يحصد نقطة واحدة من مبارياته خارج أرضه منذ بداية العام. في الواقع، المدربون، تماماً مثل اللاعبين، يمكن أن يمروا بفترات تألق وفترات خفوت. ومع هذا، سيكون من قبيل المبالغة في حق فينغر القول إن فترة خفوته كانت مؤقتة ووجيزة، بينما هي على أرض الواقع استمرت لفترة طويلة للغاية.
في الوقت ذاته، ربما لا يكون هذا الوقت المناسب لاستعراض أوجه القصور في أداء فينغر، لكن ربما يوجز موقف سير أليكس فيرغسون، الذي كان فيما مضى العدو اللدود لمدرب آرسنال، والذي وصف نفسه بأنه مسرور بسماع نبأ رحيل فينغر عن النادي؛ نظراً لأن ذلك يكفل لـ«صديقه» فرصة الخروج بصورة ملائمة. مسرور؟ حتى لو تجاهلنا للحظات الخصومة التاريخية بين الرجلين، تظل الحقيقة أن فيرغسون يتقلد منصباً رفيعاً داخل رابطة مدربي الدوري، وليس هذا اللفظ الذي يجري استخدامه في العادة لدى اتخاذ أحد زملاء المهنة، رغم أن فترة تعاقده لم تصل حتى للنصف، قراراً بالرحيل حفاظاً على ماء الوجه لتجنب التعرض للإجبار على الرحيل. وبذلك، نجد أن ما يقصده فيرغسون هنا أن ذلك القرار يجنب فينغر التعرض لأي مواقف سلبية من جانب مشجعي آرسنال الذين يمارسون ضغوطاً من أجل رحيل المدرب الفرنسي.
اللافت، أن الجليد الذي هيمن على العلاقات بين الرجلين بدأ يذوب بعض الشيء من جانب فيرغسون فقط بعدما أصبح غير مضطر إلى الشعور بالقلق إزاءه باعتباره مدرب مانشستر يونايتد، وذلك منذ عقد تقريباً. وعليه، أعلن فيرغسون ضمنياً وقف إطلاق نار بشروطه هو عندما بدأ فينغر يتوقف عن حصد بطولات الدوري، وأصبح قانعاً ببطولات كأس الاتحاد الإنجليزي. وعليه، ربما نغفر لجماهير آرسنال لو خالجها الحنين للأيام التي شهدت حرباً ضروساً بين الرجلين.
بدلاً عن ذلك، نجد أن آرسنال أنجز المواسم الـ10 السابقة بفارق 13 نقطة في المتوسط عن قمة جدول ترتيب الأندية، وأي شخص سيحل محل فينغر سرعان ما سيدرك أنه ما من حاجة إلى الاهتمام بشدة بالمثالية الهجومية لو أنها تعتمد على مجموعة من اللاعبين لا يستحقون ارتداء قمصان نادي آرسنال. في الواقع، سيرث المدرب الجديد فريقاً بلغ حداً بالغاً من الضعف والهشاشة. من ناحية أخرى، من الصعب أن ينفض المرء عن نفسه الشعور بأن خطاب استقالة فينغر يحمل في ثناياه إيحاءً بأن كبار مسؤولي النادي عقدوا أمرهم بالفعل بخصوصه. وربما يرى الكثيرون، أنه من الأفضل الإعلان عن رحيل فينغر بهذه الصورة، بدلاً عن إقدام كبار المسؤولين التنفيذيين بالنادي على اتخاذ خطوة تثبت للجميع أنهم ليسوا في حالة إنكار، وأنهم مدركون تماماً حجم الانهيار الذي أصاب الفريق.
وتكمن الأهمية هنا في أنه لا يبدو أن ثمة من يرى أن فينغر أخطأ باتخاذه قرار مغادرة النادي. لا شك أن الوقت حان لتحقيق قدر من المصالحة مع جماهير النادي، ولملء المساحات الواسعة الخالية من المدرجات من جديد، ولكي يعود الذين فقدوا شغفهم تجاه آرسنال إلى أحضانه من جديد. وربما، مثلما يوحي الكاريكاتير الذي نشرته «لكيب»، فإنه ربما آن الأوان لبعض أقسى النقاد المتحمسين ضد فينغر لأن يتوقفوا برهة ويلقوا نظرة على مجمل الأعوام الـ22 الماضية ليذكروا أنفسهم بأن اللحظات الجيدة كانت أكثر كثيراً عن الأخرى السيئة.
جدير بالذكر، أنه عندما أعلن اختيار فينغر لتولي تدريب آرسنال في 22 سبتمبر (أيلول) 1996 لم يكن المدرب الفرنسي معروفاً لدى الكثيرين. صحيفة «إيفننغ ستاندرد» الإنجليزية لن يسمح لها أحد بفرصة نسيان العنوان الشهير لها «آرسين من؟»، وإن كان الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هذا السؤال تردد على ألسنة الكثيرين. وكان رد فعل قائد آرسنال في ذلك الوقت توني آدمز الأول بمجرد سماعه خبر تعيين فينغر مدرباً لآرسنال، تساؤله مستنكراً: «هل سيتعين عليّ اللعب تحت قيادة رجل فرنسي؟ لا بد أنك تمزح!».
من جهته، تحدث نيك هورنبي، الكاتب وأحد مشجعي آرسنال، عن تلك اللحظة في كتاب «فينغر: صناعة أسطورة» الذي ألفه جاسبر ريز، قائلاً إن: «إحدى الصحف طرحت ثلاثة أو أربعة أسماء كانت مرشحة لتولي تدريب آرسنال في أعقاب طرد بروس ريوتش. كانت الأسماء فينابلز وكرويف، ثم في النهاية آرسين فينغر. وأتذكر أنني قلت بصفتي مشجعاً للفريق: «أراهن أن المدرب القادم آرسين فينغر... ثقوا أن آرسنال سيعيّن الشخص الذي لم تسمعوا باسمه من قبل قط».
ورغم أن اختياره ينطوي على مخاطرة، فإنه إذا ما نجح سيصبح آرسنال (والكرة الإنجليزية بوجه عام) أفضل كثيراً بفضله». ومع هذا، أبدت الصحافة تشككها إزاء جدوى اختيار فينغر. ومع ذلك على أرض الواقع، لم يكن أداء فينغر سيئاً، فبعد مرور عقدين على الاستعانة به في تدريب آرسنال يبدو مؤكداً أن الإرث الذي بناه داخل النادي سيبقى راسخاً بقدر ثبات الاستاد الذي عاون في تصميمه. وفي أول موسم كامل له مع الفريق، نجح فينغر في الفوز ببطولتين، وتمكن من تكرار هذا الإنجاز في غضون بضع سنوات. كما أن بطولات كأس الاتحاد الإنجليزي التي حصدها مع آرسنال وحدها تعادل إجمالي عدد المرات التي فاز فيها تشيلسي وليفربول معاً بالبطولة على امتداد تاريخهما. وعندما تدخل ملعب التدريب في آرسنال، ستجد مجموعة من الخطابات المعلقة على الجدران في صف طويل وتخلد أبرز إنجازات الفريق. ومنها خطاب يشير إلى موسم 2003 – 2004، الذي اشتهر خلاله آرسنال بلقب «الفريق الذي لا يهزم»، وحقق خلاله 26 فوزاً و12 تعادلاً، وأنجز الموسم دون هزيمة واحدة.
وامتدت مسيرة المباريات التي لم يهزم آرسنال خلالها إلى 49 مباراة، وربما يمر وقت طويل للغاية قبل أن يتمكن أي فريق آخر من مجرد الاقتراب من هذا الرقم القياسي. وكان الرقم القياسي السابق 42 مباراة، ومسجل باسم نوتنغهام فورست وصمد على امتداد ربع قرن.
من جانبه، قال المدرب الشهير الراحل بريان كلوف: «آرسنال فريق مذهل بالتأكيد، لقد أوشك على الوصول لمستوى تألقنا ذاته». ومع هذا، لا بد أن كلوف بداخله كان مدركاً لفكرة أن التفوق بمجال التدريب ليس حكراً على من يفوزون ببطولات الكأس الأوروبية.
وقد نجحت جهود فينغر في إحداث تحول داخل آرسنال الذي كان قد أثار استهجان الجماهير، وتعرض لانتقادات لاذعة بسبب أدائه الممل داخل الملعب. الأهم من ذلك، أنه نجح في تجميع فريق يضم مجموعة لاعبين قادرين على تقديم مهارات فنية رفيعة وإبداء قدر مبهر من الصلابة. وضم فريقه عدداً كبيراً للغاية من اللاعبين أصحاب القامة الطويلة التي تبلغ ست أقدام أو أكثر لدرجة أن سام ألاردايس، الذي كان يتولى تدريب بولتون واندررز حينذاك، قال إن لاعبيه يشعرون بالخوف عندما يصطف الفريقان في الممر المؤدي إلى أرض الملعب.
ومع هذا، عند لحظة بعينها فقد فينغر بعض الأفكار الفلسفية التي أضفت روحاً مميزة على الفرق التي تولى تدريبها. وكان مدركاً أن فريقه عندما بدأ العمل معه لا يستطيع تمرير الكرة بدقة والاستحواذ عليها والتعامل معها بلطف كما لو كانت صديقاً عزيزاً ما لم يضم لاعبين موهوبين أمثال باتريك فييرا أو إيمانويل بيتيت في خط الوسط. كما بدا فينغر مدركاً حقيقة أن أفضل المهاجمين، مثل تيري هنري ودينيس بير كامب، يملكون مزيجاً من مهارات خاصة تعززها شجاعة وروح تنافسية قوية. في واقع الأمر، بدا آرسنال خلال سنوات تألقه تحت قيادة فينغر ساحراً بمعنى الكلمة.
أما المباراة التي لا تزال عالقة بذهني ـ وهذا ليس بالأمر الهين بالنظر إلى أنني مطالب هنا بانتقاء مباراة واحدة على مدار 22 عاماً ـ كانت على أرض استاد إيلاند رود في سبتمبر 2002، في وقت كان يجري النظر إلى ليدز باعتباره واحداً من الفرق الكبرى على مستوى البلاد. كان ليدز قد أنجز بطولة الدوري في المركزين الرابع والخامس خلال الموسمين السابقين، بجانب بلوغه دور قبل النهائي في بطولة دوري أبطال أوروبا. وبدأ ليدز مخيفاً على نحو خاص ذلك اليوم. وانتهت المواجهة بفوز آرسنال بنتيجة 4 – 1، وجاء أداؤهم متألقاً ورائعاً لدرجة أن أحداً لم يعترض لاحقاً عندما بدأ فينغر يعقد مقارنات مع فرق ريال مدريد، وبوروسيا مونشنغلادباخ، وأياكس، وليفربول العظيمة التي أسهمت في صياغة أسلوب تفكيره. وأكد فينغر أن فريقه يحمل شيئاً مشتركاً مع كل من هذه الفرق الرائعة. ووصف أداءه بأنه: «يشكل خطراً في كل مكان من الملعب، ويملك روحاً رائعة، ومن الممتع مشاهدته».
وسئل فينغر ذات مرة لو أن بمقدور فريقه هزيمة البرازيل التي حصدت كأس العالم خمس مرات؟ وأجاب المدرب الفرنسي: «من الصعب الإجابة عن هذا السؤال، لكن إذا نجح تنظيم مثل هذه المباراة، من المؤكد أن التذاكر الخاصة بها ستباع عن آخرها». إلا أنه على أرض الواقع لم يجر اتخاذ أي خطوات فعلية لتنظيم مثل هذا الحدث، وبالنظر إلى التدهور الذي أصاب آرسنال خلال السنوات التالية، ثمة احتمال كبير أن فينغر نفسه لم يكن ليرحب بخوض مثل هذه المواجهة بالاعتماد على الفريق الحالي. ومع هذا، في ذلك الوقت ساور كثيرين الاعتقاد بأن فريق آرسنال يشكل أروع فريق مرّ على الكرة الإنجليزية في تاريخها. لقد نشأت على متابعة الأداء الساحر لكلوف، وعايشت سنوات ازدهار ليفربول وأمجاد مانشستر يونايتد تحت قيادة فيرغسون، وأعتقد أن آرسنال في عصره الذهبي كان قادراً على التصدي لهم جميعاً بجدارة. وأتفق مع فينغر تماماً في قوله إنه كان من الممتع حقاً مشاهدته داخل أرض الملعب.



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.