مصر.. العشوائيات «الواقع المخيف»

1750 منطقة تحتضن 13 مليون نسمة اقترنت بالعنف.. والحكومة خصصت وزارة لتطويرها

مصر.. العشوائيات «الواقع المخيف»
TT

مصر.. العشوائيات «الواقع المخيف»

مصر.. العشوائيات «الواقع المخيف»

استحدثت الحكومة المصرية التي جرى تكليفها مع انتخاب الرئيس الجديد عبد الفتاح السيسي، وزارة جديدة من نوعها تهدف إلى معالجة واحدة من أهم المشاكل التي تواجه البلاد منذ نحو أربعين سنة وظهر خطرها بشكل كبير عقب ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وهي المناطق السكنية غير المخططة التي يعيش فيها ملايين المصريين في ظروف صعبة، والمعروفة باسم «المناطق العشوائية» المنتشرة في المدن الكبرى. وتسببت، لطبيعة تكوينها، في تفريخ أعمال عنف ولجوء «الإرهابيين» للاختباء فيها.
والوزارة الجديدة جرى تسميتها أولا «وزارة العشوائيات»، لكن يبدو أن الاسم لم يكن مستساغا، فجرى إبدال اسمها قبل يومين إلى وزارة «التطوير الحضاري»، وتقودها الوزيرة ليلى إسكندر، التي كانت تتولى في السابق العمل وزيرة لشؤون البيئة. وتتفاوت تقديرات المناطق العشوائية ومن يعيشون فيها، لكنها تدور حول 1300 إلى 1750 منطقة يعيش فيها نحو 13 مليون نسمة، وإن كان العدد يقل ويزيد من جهة إلى أخرى.

ترى منال الطيبي، مديرة مركز «الحق في السكن» مشكلة استحداث وزارة للعشوائيات بنظرتين.. النظرة الأولى أنها «خطوة إيجابية» وأن المسؤولين شعروا أخيرا بمشكلة كبيرة مثل العشوائيات. وأضافت أن النظرة الثانية هي تخوفها من أن تتحول مهمة هذه الوزارة إلى محاولة لتجميل شكل العشوائيات لا تطويرها. وتقول الطيبي: «لدي تخوف بدا مع تغيير اسم الوزارة وأطلقوا عليها اسم التطوير الحضاري.. أتخوف من أن تكون مهمتها تنحصر في شكل العشوائيات وليس بكل ما يتعلق بهذا النوع من المناطق، لأن التطوير أرى أنه (ليس تطويرا للمباني فقط ولكن للناس أيضا)».
ويعقد كثير من المصريين الأمل على أن تؤدي هذه الوزارة، بالتعاون مع المحافظات الكبرى، إلى التخلص من المناطق العشوائية بعدة طرق؛ منها الإزالة الكاملة، أو التطوير أو الإحلال والتجديد. ويأتي اهتمام حكومة المهندس إبراهيم محلب بوضع خطط تطوير العشوائيات موضع التنفيذ بصفته رجل مقاولات قادما من شركة المقاولون العرب.
لكن منال الطيبي تزيد قائلة: «أخشى أن يكون هناك تهجير قسري لسكان العشوائيات تحت اسم التطوير. وأقلق من التعامل مع العشوائيات على أنها مشكلة في حد ذاتها منفصلة عن المشاكل الأخرى.. هذه القضية ترتبط بمشكلة أكبر وهي سياسات الإسكان بمصر منذ عقود.. لكي نغلق باب العشوائيات، لا بد من خطة عامة تشارك فيها الوزارات المختصة.. أي وضع نظرة كلية لموضوع السكن، لأن هذه الأزمة لن تحل إلا باستراتيجية كلية تدرك أسباب العشوائيات.
ووفقا للتقارير الرسمية، فإنه توجد 143 منطقة عشوائية قابلة للتطوير ويجري العمل فيها بالفعل، بينما هناك 195 منطقة أخرى قابلة للتطوير أيضا، لكن لم يبدأ العمل بها بعد، بالإضافة إلى 26 منطقة غير قابلة للتطوير ويجري العمل على إزالتها، ونقل سكانها إلى مناطق مخططة.
ولا توجد معلومات دقيقة عن توصيف المناطق العشوائية ولا عددها أو عدد سكانها، والرقم يتراوح عادة بين ستة ملايين و15 مليونا. وكشف مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء (الحكومة)، في تقرير أعده عدد من الخبراء أخيرا، عن أن عدد سكان المناطق العشوائية يقدر بنحو 6.2 مليون حتى عام 2005، وأن القاهرة تستحوذ على ثلث عدد سكان المناطق العشوائية. لكن بيانا آخر في الدراسة نفسها يقول إن عدد المناطق العشوائية في 2007 بلغ 1171، يعيش فيها نحو 15 مليون نسمة.
ويضيف التقرير أن مساحة العشوائيات، حتى فبراير (شباط) الماضي، تبلغ نسبتها نحو 37.5 في المائة من إجمالي مساحة المدن المصرية البالغ عددها 226 مدينة، مشيرا إلى أن «العشوائيات» تنقسم لمناطق غير مخططة تبلغ مساحتها نحو 97 في المائة، ومناطق غير آمنة تصل مساحتها إلى نحو ثلاثة في المائة.
لكن عبد الحميد كمال، عضو لجنة الإدارة المحلية، في البرلمان المصري السابق، قال إن العشوائيات يعيش فيها ما يقرب من 20 في المائة من تعداد السكان في البلاد، وعدد هذه المناطق غير المخططة يقترب من 1750 منطقة، و«هذه المشكلة كان يوجد لها صندوق لحلها اسمه صندوق تطوير العشوائيات، لكن هذا الصندوق لم يحقق النجاح المطلوب في السنوات الماضية لأنه أنشئ بلا خطة، ولا دراسات فنية لتطوير المناطق العشوائية».
ومع ذلك، ما زالت الأعمال تسير، وإن كانت ببطء، لتطوير ما يمكن من بعض المواقع العشوائية. ومن أشهر هذه المناطق التي تخضع للتطوير في الجيزة «كفر نصار» و«عزبة جبريل» و«كفر العرب»، وغيرها خاصة في محيط منطقة كرداسة التي شهدت أحداثا مأساوية حين هاجم عدد من الخارجين عن القانون قسم الشرطة وقاموا بقتل عدد من الضباط والتمثيل بجثثهم.
ولم تكتسب المناطق العشوائية شهرتها من الجريمة والإرهاب فقط، ولكن بعض المناطق تعرضت لكوارث قاتلة، مثل منطقة الدويقة التي سقط على جانب منها صخور ضخمة من جبل المقطم المجاور لها، مما تسبب في مقتل العشرات، قبل خمس سنوات. وفي ذلك الوقت، ظهرت أول فكرة لوضع حد لهذه المشكلة، من خلال إنشاء صندوق لتطوير المناطق العشوائية، لكن وفقا لكمال، لم تسر الأمور بالطريقة المرجوة.
ومن جانبه، يضيف النائب السابق كمال قائلا إن تطوير المناطق العشوائية ما زال ممكنا، و«أعتقد أن بعض الخطط التي جرى تنفيذها في الماضي، مثل تطوير منطقة (عرب المحمدي) في مدخل القاهرة، ناحية ضاحية عين شمس، والواقعة بجوار مستشفى عين شمس القديمة، تحولت حاليا إلى منقطة صالحة للسكن، وجرى تخطيطها وأقيمت بها حديقة أيضا».
ويقول إن تطوير العشوائيات «يحتاج لخطة تشارك فيها الحكومة وجمعيات الإسكان ورجال الأعمال والاتحاد العام للإسكان التعاوني، على أن يقيم هذا الاتحاد مباني للمحتاجين وفقا لدوره وليس بناء المساكن الفاخرة أو المتوسطة كما كان يجري أخيرا».
ويوضح كمال أن «عدد العشوائيات اليوم زاد على السابق، بسبب احتياج الناس المساكن، ولأنه لا توجد رقابة على أراضي الدولة». ويرى أيضا أنه «ومن بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 حتى اليوم، شهدت مصر تزايدا في عدد العشوائيات، بسبب غياب رقابة الدولة في السنوات الأخيرة»، وبسبب الهجرة من الريف للمدينة التي بدأت منذ عقود وما زالت مستمرة حتى الآن.
وبدأت الوزيرة الجديدة، ليلي إسكندر، تولي مهام وزارتها بالقيام بعدة جولات من أجل الوقوف على أبعاد مشكلة العشوائيات، ليس في القاهرة فقط، ولكن في عدة محافظات أخرى أيضا. وتأتي تحركات الوزيرة في إطار برنامج عام تبناه الرئيس الجديد، السيسي، يتضمن إعادة ترسيم حدود المحافظات، وإنشاء محافظات جديدة، مما يمكن أن يتسبب في خلخلة التكدس السكاني الذي ينحصر في المدن الواقعة على الشريط الضيق لوادي النيل.
ويقول كمال: «أعتقد أن السكن الاجتماعي الذي يبنيه الجيش ومشروع المليون وحدة (الذي تقيمه الإمارات بالتعاون مع الجيش في مصر) يمكن أن يقلل من عدد العشوائيات، بشرط أن تتوقف الدولة عن دعم مشروعات الإسكان الفاخر والمدن المغلفة (كمباوند)، وأن تقوم بفرض ضرائب تصاعدية على الوحدات الكبيرة لصالح صندوق تطوير العشوائيات»، مشيرا إلى خطورة استمرار المناطق العشوائية، لأنها «هي التي تفرخ الإرهابيين، وهي التي تنشط فيها الزوايا الدينية التي يخرج منها المتطرفون، ومنطقة عرب شركس خير مثال على ذلك، وهي المنطقة التي تمكن فيها مجموعة من الإرهابيين من الاختباء في أحد أوكار المنطقة وجمع ترسانة من الأسلحة فيها، قبل أن تتمكن السلطات من اكتشاف الأمر».
ويواجه المسؤولون مشكلة في إقناع السكان بالانتقال إلى شقق ومساكن بديلة في عدد من المدن الجديدة المحيطة بكل من القاهرة والجيزة، مثل مدن العبور والشروق وبدر والسادس من أكتوبر، وغيرها. ومن الصعب إقامة عمارات سكنية مخططة بنفس المنطقة العشوائية التي أقيمت منذ عشرات السنين بشكل غير مخطط.
ولفت تقرير مركز المعلومات إلى أن أكثر المناطق غير الآمنة الواقعة، ضمن المناطق العشوائية في القاهرة، هي منطقة ماسبيرو، التي تقع في قلب العاصمة، خلف مبنى التلفزيون الحكومي الشهير، وهي منطقة قريبة من ميداني التحرير وعبد المنعم رياض. أما في محافظة الجيزة المجاورة للقاهرة، فإن أكثر المناطق غير الآمنة وفقا للتقرير نفسه فتقع في منطقة «عشش السكة الحديد».
وبسبب الإجراءات الأمنية الصارمة، وأعمال التطوير أو الإزالة، التي بدأت الحكومة اتخاذها بعد ثلاث سوات من الاضطرابات والفوضى، تقول مصادر وزارة الداخلية إن عدد المناطق غير الآمنة تراجع منذ مطلع هذا العام بنسبة تزيد على عشرة في المائة مقارنة بما كان عليه الحال مع بداية عام 2011. وتقول محافظة القاهرة إنه يوجد نحو 284 ألف مواطن يعيشون في مساكن «غير آمنة» ويحتاجون إلى 42 ألف وحدة سكنية جديدة، قامت بالفعل ببناء 15 ألف وحدة. وتجري محافظة القاهرة في الوقت الحالي تنفيذ مشروعات لتطوير العشوائيات بما يزيد على مليار جنيه. ويقول الدكتور مصطفى سعيد، محافظ القاهرة، إن المحافظة تحتاج إلى ما يتراوح بين ستة إلى سبعة مليارات جنيه لحل قضية العشوائيات. ويقترح المحافظ إيجاد خطة أو التزام من الدولة بأن تقضي على العشوائيات خلال فترة خمس سنوات. ويرى أن قضية العشوائيات من أهم القضايا التي تواجهها المحافظة، وهو من الداعين لأن تكون «قضية دولة» وليست «قضية حكومة»، حتى قبل أن يجري تخصيص وزارة لهذا الغرض.
وتقول داليا مجدي، رئيس اللجنة الإعلامية لحزب «المؤتمر» بمصر، إن العشوائيات قضية قومية، «ولا بد أن يكون هناك اهتمام بهذا الأمر لأن إصلاح العشوائيات من إصلاح الدولة»، مشيرة إلى أن العشوائيات «كانت منطلقا لبؤر الفساد في البلد؛ يخرج منها الإرهابيون والتطرف.. البلد لن تتطور لو ظل الحال على ما هو عليه.. أي طالما كان في مصر قصور للأثرياء وجحور للفقراء». وأضافت أن الانفلات الأمني وغيره في ثورة 2011 كانت معظم أسبابه من العشوائيات.
وتعد محافظة الجيزة ثاني كبرى المحافظات التي تعاني المناطق العشوائية. وتتولى «الهيئة الهندسية للقوات المسلحة» تنفيذ عمليات لرفع مستوى الكثير من تلك المناطق عن طريق توسيع الطرق وإقامة الأرصفة وإدخال الخدمات الأساسية. ويقول المحافظ، الدكتور علي عبد الرحمن، إن المحافظة تمكنت، من خلال التعاون مع «صندوق تطوير العشوائيات» أيضا، من تطوير 13 منطقة عشوائية غير مخططة.
وتوقعت داليا مجدي في حال جرى الاهتمام بقضية العشوائيات كما أعلنت الحكومة أخيرا، مقترنا بالعمل الجاد والحقيقي، أنه يمكن خلال خمس سنوات «أن يكون هناك تحسن في معالجة هذه المشكلة بشرط أن تضع الدولة خطة متكاملة، وأن تعمل على أرض الواقع، وألا تكتفي بالاجتماعات المغلقة التي يتناول فيها المسؤولون القضية لعدة ساعات ثم يمضي كل إلى حال سبيله دون تنفيذ أي شيء ملموس». وألقى تشكيل وزارة جديدة للعشوائيات بظلاله على مناقشات الكثير من الأحزاب والجمعيات الأهلية التي تعمل في تلك المناطق. ومن جانبه، يقول محمد العزبي، مؤسس حزب «السادس من أكتوبر»، إن هذا النوع من الوزارات كانت تفتقده مصر وهو «الوزارات التخصصية». ويضيف: «مصر افتقدت التخصص في حل المشاكل على مدار الستين سنة الماضية، وكان لزاما على الدولة أن تبدأ تأسيس إدارات فعلية لإنهاء مشكلة العشوائيات عن طريق هيئة تخصصية، هي وزارة التطوير الحضاري والعشوائيات.. (على أن تعمل بمنتهى الشفافية والحيادية)».
وواجهت الحكومات السابقة رفض الكثير من سكان المناطق العشوائية الانتقال من مناطقهم إلى مناطق مخططة، خاصة في المدن الجديدة القريبة من المدن القديمة، وذلك لعدة أسباب من بينها عدم وجود فرص عمل مماثلة لتلك الموجودة في الأماكن القديمة، ورغبة السكان في البقاء مع جيرانهم وذويهم الذين عاشوا معا في نفس المنطقة لعدة عقود.
ويضيف العزبي قائلا إن الحكومة المصرية «تواجه مشكلة تتلخص في أن الناس تعد المكان القديم قريبا من الأماكن العمرانية وأماكن عملهم، ولكن في ظل أزمة الدولة حيث يتوطن جزء كبير من سكان البلاد في المساحة الكلية لمصر، فإنه أصبح لزاما علينا جميعا أن ننتقل إلى أماكن أوسع، حتى نستطيع استغلال المساحات الشاسعة غير المستغلة من أراضي مصر وإن اضطر ذلك لإجبار هؤلاء على الانتقال إلى الأماكن الجديدة».
وأسست الحكومة منذ عدة سنوات صندوقا خاصة لتطوير العشوائيات، تابعا لوزارة «التنمية المحلية»، لكن يبدو أن إمكاناته أقل مما ينبغي، رغم زيادة الاعتمادات المالية المخصصة له في العام الأخير. ويقول تقرير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إن حجم الاعتمادات المالية المخصصة لصندوق تطوير العشوائيات في خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال عام 2013-2014 ارتفعت إلى 400 مليون جنيه (الدولار يساوي نحو 7.15 جنيه) لتطوير نحو 67 منطقة عشوائية غير آمنة، مقابل 300 مليون جنيه كان قد جرى تخصيصها في الخطة المالية لعام 2012-2013 لتطوير 68 منطقة غير آمنة.
ويزيد العزبي موضحا أن الكثير من المناطق العشوائية عرفت أسماؤها وذكرها قادة ورؤساء في الخطب الرسمية وفي البرلمان، بعد أن أصبحت مصدرا لإيواء مجرمين ومتطرفين وإرهابيين. ويقول: «قديما، نتذكر ما كان يعرف بأمير منطقة إمبابة (شمال القاهرة)، ولدينا اليوم مناطق شهيرة جرت فيها أحداث مروعة مثل قتل الضباط في منطقة كراسة بمحافظة الجيزة، قائلا إن هناك مناطق عشوائية أصبحت تحتاج إلى تدخل عاجل من الدولة مثل (الوراق) و(الدويقة) وغيرها بالقاهرة الكبرى»، و«كثير منها أصبحت فيها أماكن تمثل بؤرا إجرامية، حيث لا تستطيع الدولة الوصول إلى كل البؤر المتوطنة في مثل تلك الأماكن نتيجة لضيق الشوارع وعدم قدرة الآليات على الدخول، مما يشكل تهديدا كبيرا على الأمن القومي المصري، وكذا توطن بعض الإرهابيين في العشوائيات واتخاذ بعض منها كمخازن للسلاح، مما يجعلها خطرا داهما على الوطن».

* استراتيجية عمل وزارة التطوير الحضاري
* تعتمد وزارة التطوير الحضاري المعنية بقضية المناطق السكنية غير المخططة في مصر، والمعروفة باسم «المناطق العشوائية»، على عدد من البرامج لتغيير حياة نحو عشرين مليون مصري يعيشون في عشوائيات منتشرة بالقاهرة وعدة محافظات أخرى. ووفقا لمسؤولين في الوزارة الجديدة، فإنه يأتي على رأس هذه البرامج نقل جانب من سكان العشوائيات إلى مناطق سكنية مخططة خاصة في المدن الجديدة، لكن هذا يخص العشوائيات التي لا يمكن تطويرها بسبب أوضاعها الصعبة، مثل ضيق الشوارع أو البيئة غير الصحية، أو عدم وجود أساسات قوية للمباني المقامة أصلا دون تراخيص رسمية.
وتسعى الوزارة الجديدة إلى الاستعانة ببعض الخبراء المحليين والدوليين للإسهام في حل أزمة العشوائيات، دون الاضطرار إلى نقل مناطق بأكملها خاصة في العشوائيات ذات الكثافات العالية مثل منطقة «الملقى» و«المطبعة» بجنوب القاهرة، والاكتفاء بإنشاء طرق جديدة وجسور وأنفاق وتشجير وإقامة مراكز للشباب وإدخال المرافق الأساسية وتهيئة الأجواء الصحية لحياة السكان. ومن بين البرامج التي تتضمنها خطة الوزارة الجديدة إصدار تشريعات وقوانين جديدة تمكنها من عملها بما لا يتعارض مع اختصاصات الوزارة والجهات الإدارية الأخرى. ويضع هذا البرنامج في حسبانه أيضا إحداث تنمية شاملة في كل منطقة عشوائية بحيث لا تقتصر على المباني والطرق فقط، بل تزيد إلى التطوير والتنمية في المجالات الثقافية والرياضية وكذا محو الأمية بما ينعكس على سلوكيات قاطني هذه المناطق، خاصة من الشباب والأجيال الجديدة.
ووفقا لمصادر الوزارة نفسها، فإنها ستعتمد في برامجها على تشغيل العاطلين في المناطق العشوائية من خلال فتح مجالات للمشروعات الصغيرة والمتوسطة وإقامة مراكز للتدريب والتأهيل للانخراط في الأعمال الأخرى المتطورة بالمدن، بالإضافة إلى إقامة مراكز تجارية وخدمية عصرية.
وتابعت المصادر قائلة إن الوزارة تسعى لتحويل طبيعة عملها الجديد من عمل وزاري، إلى عمل قومي تتحول فيه الوزارة إلى منفذ لخطة استراتيجية تتعاون معها في ذلك الوزارة والإدارات الحكومية المختلفة، بالإضافة إلى التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني في كل منطقة لإعادة تخطيط المناطق وتوعية السكان بأهمية ما تقوم به الوزارة من أجل تحسين ظروف الحياة فيها.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.