مصر.. العشوائيات «الواقع المخيف»

1750 منطقة تحتضن 13 مليون نسمة اقترنت بالعنف.. والحكومة خصصت وزارة لتطويرها

مصر.. العشوائيات «الواقع المخيف»
TT

مصر.. العشوائيات «الواقع المخيف»

مصر.. العشوائيات «الواقع المخيف»

استحدثت الحكومة المصرية التي جرى تكليفها مع انتخاب الرئيس الجديد عبد الفتاح السيسي، وزارة جديدة من نوعها تهدف إلى معالجة واحدة من أهم المشاكل التي تواجه البلاد منذ نحو أربعين سنة وظهر خطرها بشكل كبير عقب ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وهي المناطق السكنية غير المخططة التي يعيش فيها ملايين المصريين في ظروف صعبة، والمعروفة باسم «المناطق العشوائية» المنتشرة في المدن الكبرى. وتسببت، لطبيعة تكوينها، في تفريخ أعمال عنف ولجوء «الإرهابيين» للاختباء فيها.
والوزارة الجديدة جرى تسميتها أولا «وزارة العشوائيات»، لكن يبدو أن الاسم لم يكن مستساغا، فجرى إبدال اسمها قبل يومين إلى وزارة «التطوير الحضاري»، وتقودها الوزيرة ليلى إسكندر، التي كانت تتولى في السابق العمل وزيرة لشؤون البيئة. وتتفاوت تقديرات المناطق العشوائية ومن يعيشون فيها، لكنها تدور حول 1300 إلى 1750 منطقة يعيش فيها نحو 13 مليون نسمة، وإن كان العدد يقل ويزيد من جهة إلى أخرى.

ترى منال الطيبي، مديرة مركز «الحق في السكن» مشكلة استحداث وزارة للعشوائيات بنظرتين.. النظرة الأولى أنها «خطوة إيجابية» وأن المسؤولين شعروا أخيرا بمشكلة كبيرة مثل العشوائيات. وأضافت أن النظرة الثانية هي تخوفها من أن تتحول مهمة هذه الوزارة إلى محاولة لتجميل شكل العشوائيات لا تطويرها. وتقول الطيبي: «لدي تخوف بدا مع تغيير اسم الوزارة وأطلقوا عليها اسم التطوير الحضاري.. أتخوف من أن تكون مهمتها تنحصر في شكل العشوائيات وليس بكل ما يتعلق بهذا النوع من المناطق، لأن التطوير أرى أنه (ليس تطويرا للمباني فقط ولكن للناس أيضا)».
ويعقد كثير من المصريين الأمل على أن تؤدي هذه الوزارة، بالتعاون مع المحافظات الكبرى، إلى التخلص من المناطق العشوائية بعدة طرق؛ منها الإزالة الكاملة، أو التطوير أو الإحلال والتجديد. ويأتي اهتمام حكومة المهندس إبراهيم محلب بوضع خطط تطوير العشوائيات موضع التنفيذ بصفته رجل مقاولات قادما من شركة المقاولون العرب.
لكن منال الطيبي تزيد قائلة: «أخشى أن يكون هناك تهجير قسري لسكان العشوائيات تحت اسم التطوير. وأقلق من التعامل مع العشوائيات على أنها مشكلة في حد ذاتها منفصلة عن المشاكل الأخرى.. هذه القضية ترتبط بمشكلة أكبر وهي سياسات الإسكان بمصر منذ عقود.. لكي نغلق باب العشوائيات، لا بد من خطة عامة تشارك فيها الوزارات المختصة.. أي وضع نظرة كلية لموضوع السكن، لأن هذه الأزمة لن تحل إلا باستراتيجية كلية تدرك أسباب العشوائيات.
ووفقا للتقارير الرسمية، فإنه توجد 143 منطقة عشوائية قابلة للتطوير ويجري العمل فيها بالفعل، بينما هناك 195 منطقة أخرى قابلة للتطوير أيضا، لكن لم يبدأ العمل بها بعد، بالإضافة إلى 26 منطقة غير قابلة للتطوير ويجري العمل على إزالتها، ونقل سكانها إلى مناطق مخططة.
ولا توجد معلومات دقيقة عن توصيف المناطق العشوائية ولا عددها أو عدد سكانها، والرقم يتراوح عادة بين ستة ملايين و15 مليونا. وكشف مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء (الحكومة)، في تقرير أعده عدد من الخبراء أخيرا، عن أن عدد سكان المناطق العشوائية يقدر بنحو 6.2 مليون حتى عام 2005، وأن القاهرة تستحوذ على ثلث عدد سكان المناطق العشوائية. لكن بيانا آخر في الدراسة نفسها يقول إن عدد المناطق العشوائية في 2007 بلغ 1171، يعيش فيها نحو 15 مليون نسمة.
ويضيف التقرير أن مساحة العشوائيات، حتى فبراير (شباط) الماضي، تبلغ نسبتها نحو 37.5 في المائة من إجمالي مساحة المدن المصرية البالغ عددها 226 مدينة، مشيرا إلى أن «العشوائيات» تنقسم لمناطق غير مخططة تبلغ مساحتها نحو 97 في المائة، ومناطق غير آمنة تصل مساحتها إلى نحو ثلاثة في المائة.
لكن عبد الحميد كمال، عضو لجنة الإدارة المحلية، في البرلمان المصري السابق، قال إن العشوائيات يعيش فيها ما يقرب من 20 في المائة من تعداد السكان في البلاد، وعدد هذه المناطق غير المخططة يقترب من 1750 منطقة، و«هذه المشكلة كان يوجد لها صندوق لحلها اسمه صندوق تطوير العشوائيات، لكن هذا الصندوق لم يحقق النجاح المطلوب في السنوات الماضية لأنه أنشئ بلا خطة، ولا دراسات فنية لتطوير المناطق العشوائية».
ومع ذلك، ما زالت الأعمال تسير، وإن كانت ببطء، لتطوير ما يمكن من بعض المواقع العشوائية. ومن أشهر هذه المناطق التي تخضع للتطوير في الجيزة «كفر نصار» و«عزبة جبريل» و«كفر العرب»، وغيرها خاصة في محيط منطقة كرداسة التي شهدت أحداثا مأساوية حين هاجم عدد من الخارجين عن القانون قسم الشرطة وقاموا بقتل عدد من الضباط والتمثيل بجثثهم.
ولم تكتسب المناطق العشوائية شهرتها من الجريمة والإرهاب فقط، ولكن بعض المناطق تعرضت لكوارث قاتلة، مثل منطقة الدويقة التي سقط على جانب منها صخور ضخمة من جبل المقطم المجاور لها، مما تسبب في مقتل العشرات، قبل خمس سنوات. وفي ذلك الوقت، ظهرت أول فكرة لوضع حد لهذه المشكلة، من خلال إنشاء صندوق لتطوير المناطق العشوائية، لكن وفقا لكمال، لم تسر الأمور بالطريقة المرجوة.
ومن جانبه، يضيف النائب السابق كمال قائلا إن تطوير المناطق العشوائية ما زال ممكنا، و«أعتقد أن بعض الخطط التي جرى تنفيذها في الماضي، مثل تطوير منطقة (عرب المحمدي) في مدخل القاهرة، ناحية ضاحية عين شمس، والواقعة بجوار مستشفى عين شمس القديمة، تحولت حاليا إلى منقطة صالحة للسكن، وجرى تخطيطها وأقيمت بها حديقة أيضا».
ويقول إن تطوير العشوائيات «يحتاج لخطة تشارك فيها الحكومة وجمعيات الإسكان ورجال الأعمال والاتحاد العام للإسكان التعاوني، على أن يقيم هذا الاتحاد مباني للمحتاجين وفقا لدوره وليس بناء المساكن الفاخرة أو المتوسطة كما كان يجري أخيرا».
ويوضح كمال أن «عدد العشوائيات اليوم زاد على السابق، بسبب احتياج الناس المساكن، ولأنه لا توجد رقابة على أراضي الدولة». ويرى أيضا أنه «ومن بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 حتى اليوم، شهدت مصر تزايدا في عدد العشوائيات، بسبب غياب رقابة الدولة في السنوات الأخيرة»، وبسبب الهجرة من الريف للمدينة التي بدأت منذ عقود وما زالت مستمرة حتى الآن.
وبدأت الوزيرة الجديدة، ليلي إسكندر، تولي مهام وزارتها بالقيام بعدة جولات من أجل الوقوف على أبعاد مشكلة العشوائيات، ليس في القاهرة فقط، ولكن في عدة محافظات أخرى أيضا. وتأتي تحركات الوزيرة في إطار برنامج عام تبناه الرئيس الجديد، السيسي، يتضمن إعادة ترسيم حدود المحافظات، وإنشاء محافظات جديدة، مما يمكن أن يتسبب في خلخلة التكدس السكاني الذي ينحصر في المدن الواقعة على الشريط الضيق لوادي النيل.
ويقول كمال: «أعتقد أن السكن الاجتماعي الذي يبنيه الجيش ومشروع المليون وحدة (الذي تقيمه الإمارات بالتعاون مع الجيش في مصر) يمكن أن يقلل من عدد العشوائيات، بشرط أن تتوقف الدولة عن دعم مشروعات الإسكان الفاخر والمدن المغلفة (كمباوند)، وأن تقوم بفرض ضرائب تصاعدية على الوحدات الكبيرة لصالح صندوق تطوير العشوائيات»، مشيرا إلى خطورة استمرار المناطق العشوائية، لأنها «هي التي تفرخ الإرهابيين، وهي التي تنشط فيها الزوايا الدينية التي يخرج منها المتطرفون، ومنطقة عرب شركس خير مثال على ذلك، وهي المنطقة التي تمكن فيها مجموعة من الإرهابيين من الاختباء في أحد أوكار المنطقة وجمع ترسانة من الأسلحة فيها، قبل أن تتمكن السلطات من اكتشاف الأمر».
ويواجه المسؤولون مشكلة في إقناع السكان بالانتقال إلى شقق ومساكن بديلة في عدد من المدن الجديدة المحيطة بكل من القاهرة والجيزة، مثل مدن العبور والشروق وبدر والسادس من أكتوبر، وغيرها. ومن الصعب إقامة عمارات سكنية مخططة بنفس المنطقة العشوائية التي أقيمت منذ عشرات السنين بشكل غير مخطط.
ولفت تقرير مركز المعلومات إلى أن أكثر المناطق غير الآمنة الواقعة، ضمن المناطق العشوائية في القاهرة، هي منطقة ماسبيرو، التي تقع في قلب العاصمة، خلف مبنى التلفزيون الحكومي الشهير، وهي منطقة قريبة من ميداني التحرير وعبد المنعم رياض. أما في محافظة الجيزة المجاورة للقاهرة، فإن أكثر المناطق غير الآمنة وفقا للتقرير نفسه فتقع في منطقة «عشش السكة الحديد».
وبسبب الإجراءات الأمنية الصارمة، وأعمال التطوير أو الإزالة، التي بدأت الحكومة اتخاذها بعد ثلاث سوات من الاضطرابات والفوضى، تقول مصادر وزارة الداخلية إن عدد المناطق غير الآمنة تراجع منذ مطلع هذا العام بنسبة تزيد على عشرة في المائة مقارنة بما كان عليه الحال مع بداية عام 2011. وتقول محافظة القاهرة إنه يوجد نحو 284 ألف مواطن يعيشون في مساكن «غير آمنة» ويحتاجون إلى 42 ألف وحدة سكنية جديدة، قامت بالفعل ببناء 15 ألف وحدة. وتجري محافظة القاهرة في الوقت الحالي تنفيذ مشروعات لتطوير العشوائيات بما يزيد على مليار جنيه. ويقول الدكتور مصطفى سعيد، محافظ القاهرة، إن المحافظة تحتاج إلى ما يتراوح بين ستة إلى سبعة مليارات جنيه لحل قضية العشوائيات. ويقترح المحافظ إيجاد خطة أو التزام من الدولة بأن تقضي على العشوائيات خلال فترة خمس سنوات. ويرى أن قضية العشوائيات من أهم القضايا التي تواجهها المحافظة، وهو من الداعين لأن تكون «قضية دولة» وليست «قضية حكومة»، حتى قبل أن يجري تخصيص وزارة لهذا الغرض.
وتقول داليا مجدي، رئيس اللجنة الإعلامية لحزب «المؤتمر» بمصر، إن العشوائيات قضية قومية، «ولا بد أن يكون هناك اهتمام بهذا الأمر لأن إصلاح العشوائيات من إصلاح الدولة»، مشيرة إلى أن العشوائيات «كانت منطلقا لبؤر الفساد في البلد؛ يخرج منها الإرهابيون والتطرف.. البلد لن تتطور لو ظل الحال على ما هو عليه.. أي طالما كان في مصر قصور للأثرياء وجحور للفقراء». وأضافت أن الانفلات الأمني وغيره في ثورة 2011 كانت معظم أسبابه من العشوائيات.
وتعد محافظة الجيزة ثاني كبرى المحافظات التي تعاني المناطق العشوائية. وتتولى «الهيئة الهندسية للقوات المسلحة» تنفيذ عمليات لرفع مستوى الكثير من تلك المناطق عن طريق توسيع الطرق وإقامة الأرصفة وإدخال الخدمات الأساسية. ويقول المحافظ، الدكتور علي عبد الرحمن، إن المحافظة تمكنت، من خلال التعاون مع «صندوق تطوير العشوائيات» أيضا، من تطوير 13 منطقة عشوائية غير مخططة.
وتوقعت داليا مجدي في حال جرى الاهتمام بقضية العشوائيات كما أعلنت الحكومة أخيرا، مقترنا بالعمل الجاد والحقيقي، أنه يمكن خلال خمس سنوات «أن يكون هناك تحسن في معالجة هذه المشكلة بشرط أن تضع الدولة خطة متكاملة، وأن تعمل على أرض الواقع، وألا تكتفي بالاجتماعات المغلقة التي يتناول فيها المسؤولون القضية لعدة ساعات ثم يمضي كل إلى حال سبيله دون تنفيذ أي شيء ملموس». وألقى تشكيل وزارة جديدة للعشوائيات بظلاله على مناقشات الكثير من الأحزاب والجمعيات الأهلية التي تعمل في تلك المناطق. ومن جانبه، يقول محمد العزبي، مؤسس حزب «السادس من أكتوبر»، إن هذا النوع من الوزارات كانت تفتقده مصر وهو «الوزارات التخصصية». ويضيف: «مصر افتقدت التخصص في حل المشاكل على مدار الستين سنة الماضية، وكان لزاما على الدولة أن تبدأ تأسيس إدارات فعلية لإنهاء مشكلة العشوائيات عن طريق هيئة تخصصية، هي وزارة التطوير الحضاري والعشوائيات.. (على أن تعمل بمنتهى الشفافية والحيادية)».
وواجهت الحكومات السابقة رفض الكثير من سكان المناطق العشوائية الانتقال من مناطقهم إلى مناطق مخططة، خاصة في المدن الجديدة القريبة من المدن القديمة، وذلك لعدة أسباب من بينها عدم وجود فرص عمل مماثلة لتلك الموجودة في الأماكن القديمة، ورغبة السكان في البقاء مع جيرانهم وذويهم الذين عاشوا معا في نفس المنطقة لعدة عقود.
ويضيف العزبي قائلا إن الحكومة المصرية «تواجه مشكلة تتلخص في أن الناس تعد المكان القديم قريبا من الأماكن العمرانية وأماكن عملهم، ولكن في ظل أزمة الدولة حيث يتوطن جزء كبير من سكان البلاد في المساحة الكلية لمصر، فإنه أصبح لزاما علينا جميعا أن ننتقل إلى أماكن أوسع، حتى نستطيع استغلال المساحات الشاسعة غير المستغلة من أراضي مصر وإن اضطر ذلك لإجبار هؤلاء على الانتقال إلى الأماكن الجديدة».
وأسست الحكومة منذ عدة سنوات صندوقا خاصة لتطوير العشوائيات، تابعا لوزارة «التنمية المحلية»، لكن يبدو أن إمكاناته أقل مما ينبغي، رغم زيادة الاعتمادات المالية المخصصة له في العام الأخير. ويقول تقرير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إن حجم الاعتمادات المالية المخصصة لصندوق تطوير العشوائيات في خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال عام 2013-2014 ارتفعت إلى 400 مليون جنيه (الدولار يساوي نحو 7.15 جنيه) لتطوير نحو 67 منطقة عشوائية غير آمنة، مقابل 300 مليون جنيه كان قد جرى تخصيصها في الخطة المالية لعام 2012-2013 لتطوير 68 منطقة غير آمنة.
ويزيد العزبي موضحا أن الكثير من المناطق العشوائية عرفت أسماؤها وذكرها قادة ورؤساء في الخطب الرسمية وفي البرلمان، بعد أن أصبحت مصدرا لإيواء مجرمين ومتطرفين وإرهابيين. ويقول: «قديما، نتذكر ما كان يعرف بأمير منطقة إمبابة (شمال القاهرة)، ولدينا اليوم مناطق شهيرة جرت فيها أحداث مروعة مثل قتل الضباط في منطقة كراسة بمحافظة الجيزة، قائلا إن هناك مناطق عشوائية أصبحت تحتاج إلى تدخل عاجل من الدولة مثل (الوراق) و(الدويقة) وغيرها بالقاهرة الكبرى»، و«كثير منها أصبحت فيها أماكن تمثل بؤرا إجرامية، حيث لا تستطيع الدولة الوصول إلى كل البؤر المتوطنة في مثل تلك الأماكن نتيجة لضيق الشوارع وعدم قدرة الآليات على الدخول، مما يشكل تهديدا كبيرا على الأمن القومي المصري، وكذا توطن بعض الإرهابيين في العشوائيات واتخاذ بعض منها كمخازن للسلاح، مما يجعلها خطرا داهما على الوطن».

* استراتيجية عمل وزارة التطوير الحضاري
* تعتمد وزارة التطوير الحضاري المعنية بقضية المناطق السكنية غير المخططة في مصر، والمعروفة باسم «المناطق العشوائية»، على عدد من البرامج لتغيير حياة نحو عشرين مليون مصري يعيشون في عشوائيات منتشرة بالقاهرة وعدة محافظات أخرى. ووفقا لمسؤولين في الوزارة الجديدة، فإنه يأتي على رأس هذه البرامج نقل جانب من سكان العشوائيات إلى مناطق سكنية مخططة خاصة في المدن الجديدة، لكن هذا يخص العشوائيات التي لا يمكن تطويرها بسبب أوضاعها الصعبة، مثل ضيق الشوارع أو البيئة غير الصحية، أو عدم وجود أساسات قوية للمباني المقامة أصلا دون تراخيص رسمية.
وتسعى الوزارة الجديدة إلى الاستعانة ببعض الخبراء المحليين والدوليين للإسهام في حل أزمة العشوائيات، دون الاضطرار إلى نقل مناطق بأكملها خاصة في العشوائيات ذات الكثافات العالية مثل منطقة «الملقى» و«المطبعة» بجنوب القاهرة، والاكتفاء بإنشاء طرق جديدة وجسور وأنفاق وتشجير وإقامة مراكز للشباب وإدخال المرافق الأساسية وتهيئة الأجواء الصحية لحياة السكان. ومن بين البرامج التي تتضمنها خطة الوزارة الجديدة إصدار تشريعات وقوانين جديدة تمكنها من عملها بما لا يتعارض مع اختصاصات الوزارة والجهات الإدارية الأخرى. ويضع هذا البرنامج في حسبانه أيضا إحداث تنمية شاملة في كل منطقة عشوائية بحيث لا تقتصر على المباني والطرق فقط، بل تزيد إلى التطوير والتنمية في المجالات الثقافية والرياضية وكذا محو الأمية بما ينعكس على سلوكيات قاطني هذه المناطق، خاصة من الشباب والأجيال الجديدة.
ووفقا لمصادر الوزارة نفسها، فإنها ستعتمد في برامجها على تشغيل العاطلين في المناطق العشوائية من خلال فتح مجالات للمشروعات الصغيرة والمتوسطة وإقامة مراكز للتدريب والتأهيل للانخراط في الأعمال الأخرى المتطورة بالمدن، بالإضافة إلى إقامة مراكز تجارية وخدمية عصرية.
وتابعت المصادر قائلة إن الوزارة تسعى لتحويل طبيعة عملها الجديد من عمل وزاري، إلى عمل قومي تتحول فيه الوزارة إلى منفذ لخطة استراتيجية تتعاون معها في ذلك الوزارة والإدارات الحكومية المختلفة، بالإضافة إلى التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني في كل منطقة لإعادة تخطيط المناطق وتوعية السكان بأهمية ما تقوم به الوزارة من أجل تحسين ظروف الحياة فيها.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.