شايغان... محن وتجارب فيلسوف إيراني

كان موسوعياً... شاعراً متصوفاً عالم لغويات وناقداً أدبياً

غلاف «النور يأتي من الغرب»  -  شايغان في شقته بطهران
غلاف «النور يأتي من الغرب» - شايغان في شقته بطهران
TT

شايغان... محن وتجارب فيلسوف إيراني

غلاف «النور يأتي من الغرب»  -  شايغان في شقته بطهران
غلاف «النور يأتي من الغرب» - شايغان في شقته بطهران

قال داريوش شايغان بينما يرتشف قهوته الإسبريسو، وكأنها شراب مقدس: «في نهاية الأمر نحن لا نعيش سوى حياة واحدة. السؤال هو ماذا فعلنا بها؟».
كان ذلك المشهد منذ عام في أحد مقاهي شارع ألما مارسو في باريس، حيث التقينا وتناولنا الغداء سوياً مع صديق مشترك هو شاهين فاطمي. في الوقت ذلك لم يكن أحد منا يعلم أن تلك الزيارة ستكون آخر زيارة لداريوش للعاصمة الفرنسية التي لطالما اعتبرها وطناً ثانياً له، فبعد عام من ذلك التاريخ وافته المنية في وطنه الأول الحبيب طهران.
قبل أيام قليلة حضرت مجموعة صغيرة من المعزين مراسم دفن داريوش البالغ من العمر 83 عاماً في طهران تحت أعين قوات الأمن «الإسلامي»، المنتشرة لضمان عدم حدوث أي «اضطرابات». الإجابة عن سؤال شايغان «ما الذي فعلناه بحياتنا؟» بسيطة ومعقدة في آن واحد في حالتنا هذه.
لقد كان شايغان يوصف بأنه موسوعي، وفيلسوف، وشاعر، ومتصوف، وعالم لغويات، وأستاذ في الحضارات «الشرقية»، لكنه خاض أيضاً غمار النقد الأدبي، والبحث التاريخي، والتكهنات اللاهوتية؛ وكان كذلك جامعاً للأعمال الفنية والكتب وأعمال الخط وخبيراً بها. وانخرط أيضاً في استراتيجية سياسية كبيرة من خلال نشر مفهوم «حوار الحضارات»، الذي تبنته الإمبراطورة فرح للمرة الأولى، وبعد وصول الملالي إلى السلطة في طهران، وتولي حجة الإسلام محمد خاتمي منصب رئيس الجمهورية الإسلامية لمدة ثماني سنوات.
مع ذلك أهم ما يتذكره عنه من عرفه عن قرب هو حبه الكبير لإيران، الذي كان يصل إلى حد العبودية، وما كان يصفه بأنه علاقة حب طويلة مع اللغة الفارسية. لقد كان شايغان من مخرجات ثقافة الحقبة الإمبراطورية الإيرانية، إن جاز التعبير، مع ما يتضمنه من مخاطرة بإثارة الاستياء.
ولد شايغان في مدينة تبريز، عاصمة محافظة أذربيجان الشرقية الواقعة في شمال غرب إيران، لأب أذربيجاني، وأم من جورجيا، لذا تعلم في طفولته اللغتين الأذربيجانية والجورجية. مع ذلك في الوقت ذاته تعلم الفارسية، وهي اللغة المشتركة في إيران، التي كانت تجمع الكثير من الجماعات العرقية واللغوية المختلفة في نسيج مترابط لأمة واحدة. وقت ميلاد شايغان كان عدد اللغات الحية في إيران 18 لغة كانت تمثل كل منها، باستثناء لغة واحدة، جماعة عرقية؛ لكن مع الأسف لم يتبق منها الآن سوى ست لغات فقط. كانت تلك اللغة المستثناة هي الفارسية، حيث لم تكن مرتبطة بجماعة عرقية بعينها بل كانت لغة كل الإيرانيين.
الفارسية لغة خطيرة، فهي قد تسحرك وتربكك بفتنتها وغموضها، وتلف ربقتها حول عنقك، وتقودك إلى مناطق لا تنتوي الذهاب إليها؛ فهي مثل الأنثى الفاتنة التي لا يمكن مقاومة غوايتها، والتي تجعلك تنسى أن لديها سلاحاً محشواً بالطلقات في حقيبتها المصنوعة من جلد التمساح. لقد كان شايغان واحداً من بين الكثير من المفكرين الإيرانيين المفتونين باللغة الفارسية، فبدلاً من أن يأمروها ويطوعوها لخدمة أفكارهم، أصبحوا هم وعاءً يتجلى فيه جمالها، حيث تتعجب من النثر الجميل الأخاذ الذي يجعل أي فكرة من المفترض التعبير عنها من خلال اللغة تأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية، ويجعلك ذلك تقول: «أنا أحبها، فهي توصلني إلى السماء السابعة، لكن ما معنى ما يقال؟».
كان على شايغان أيضاً، مثله مثل الكثير من المفكرين الإيرانيين الآخرين، استخدام لغات أخرى، وكانت في حالته اللغة الفرنسية، للتعامل مع الجوانب الأساسية من تكهناته الفلسفية وملاحظاته التاريخية. لهذا السبب كتب أكثر كتبه البالغ عددها 18 كتاباً بالفرنسية، في حين كان يستخدم الإنجليزية في كتابة بعض الأوراق البحثية والمقالات.
كان لإجادة شايغان لست لغات، بفضل مولده في إيران، ودراسته في إنجلترا وسويسرا وفرنسا، الفضل في الإطلاع على الأعمال الأدبية التي كان يحتاجها لتكون مصدر إلهام، وكذلك مصادر بحثية في الإسلام والصوفية والهندوسية والمسيحية، إلى جانب مجموعة من أديان الأقليات التي لا تحظى بشهرة وانتشار.
قام شايغان من خلال عمله أستاذاً للفلسفة المقارنة، يحظى بشهرة في جامعة طهران خلال الفترة بين 1968 و1979، بتدريب جيل جديد من الباحثين واصلوا ما بدأه في تلك المجالات. مع ذلك كان تركيز شايغان خلال تلك الفترة من العمل أستاذاً جامعياً منصّباً على «الإسلام الإيراني»، وهو مصطلح صكّه واستحدثه هنري كوربين، الباحث الفرنسي في الدراسات الإيرانية، الذي كانت تربطه علاقة صداقة وطيدة بشايغان. وقام شايغان بترجمة جزء من أعمال كوربين إلى الفارسية، وتأليف كتاب يجمع بين السيرة والنقد عن ذلك الأستاذ الفرنسي. جمع الحب العميق لإيران بين كوربين وشايغان، وساهم ذلك في تذكر وإعادة تقديم بعض من أعمال كبار الفلاسفة الإسلاميين الذين كاد التاريخ أن ينساهم.
اتسمت رؤية كوربين في رأيي بالمبالغة في الدور الذي لعبته إيران في تحويل الإسلام من مجرد قواعد دينية بسيطة إلى ثقافة معقدة وحضارة متعددة الأوجه، حيث لم يدرك الباحث الفرنسي أن إيران والإسلام كانا كيانين منفصلين التقيا عند بعض النقاط، لكنهما اختلفا وتباعدا عند نقاط أخرى. مع ذلك يظل أسوأ ما في الأمر هو تركيز كوربين الشديد على النسخة الصوفية من «الإسلام الإيراني» من أجل توفير مساحة كافية للأشكال الأخرى الكثيرة التي عبّر بها الإيرانيون عن هويتهم الإسلامية. في النهاية محاولة فهم الفن أو الثقافة من منظور ديني قد يضرّ بالاثنين معًا. هل ينبغي على المرء التعمق في دراسة العقيدة المسيحية حتى يتمكن من الاستمتاع بعمل باخ «شغف القديس متى»؟ هل ينبغي على المرء حضور دورة تعليمية في اللاهوت من أجل الاعتراف به كواحد من كبار وفحول الشعراء الفرس مثل ناصر خوسرو، أو مولوي، أو حافظ، أو نظامي؟ أو سعيدي الذي قال: «كل شيء جيد في مكانه».
التفتت الإمبراطورة فرح، التي تلقت تعليماً فرنسياً، إلى شايغان في منتصف حقبة السبعينات، ودعته إلى الانضمام إلى «المركز الفلسفي الملكي» الذي كان حديث النشأة آنذاك، والذي كان يتولى تنسيق أعماله وأنشطته سيد حسين ناصر، السكرتير الخاص للإمبراطورة، والأكاديمي والباحث البارز في المذهب الشيعي. كذلك كان من بين الشعراء الآخرين، الذين انضموا إلى المركز، بعض الملالي، الذين أصبح بعضهم لاحقاً من الشخصيات القيادية في ثورة الخميني، ومن بينهم حجة الإسلام مرتضى مطهري، بالإضافة إلى استقطاب «فلاسفة» غير إيرانيين أيضاً إلى ذلك المشروع، ومن بينهم المنظّر الشيوعي الفرنسي هنري لوفيفر، وروجيه غارودي، الذي كان أيضاً شيوعياً لكنه اعتنق الإسلام فيما بعد. وكان من بين الفلاسفة الإيرانيين الآخرين، الذين انضموا إلى المشروع، أحمد فرديد، الذين كان مؤمناً بفكر هايدجر، ووصل إلى مكانة بارزة في نظام الخميني.
عندما أغلق الخميني الجامعات الإيرانية لعامين من أجل «تطهيرها وأسلمتها»، وجد شايغان نفسه بين آلاف من الأساتذة والمحاضرين الذين تم استبعادهم «لأنهم ليسوا مسلمين بدرجة كافية». ورأت لجنة الثورة الثقافية التابعة للخميني، التي كان يرأسها جلال الدين فارسي، ومن أعضائها عبد الكريم سروش، الفيلسوف الإسلامي الذي تلقى تعليماً بريطانياً، ضرورة خضوع من تم استبعادهم من الجامعات إلى خطة إسلامية لإعادة تأهيلهم وتعليمهم حتى يعودوا إلى التدريس بالجامعة مرة أخرى. في حين اختار الكثيرون المنفى مفضلين إياه على تلك الخطة، قرر البعض الآخر البقاء في إيران، ولكن مع تجنب لفت الأنظار، وكان شايغان منهم. تكمن المفارقة في دعم شايغان لـ«الثورة الإسلامية» لفترة قصيرة، بل وقوله إن «آية الله الخميني، الملا الذي أصبح زعيم الحركة المناهضة للشاه، ربما يكون (غاندي الإسلام)». تسببت رؤية الفيلسوف لثورة الخميني في ابتعاد الكثير من أصدقائه عنه، وقد كنت من بينهم.
مع ذلك كان شايغان أبعد ما يكون عن تلك الدناءة والخسّة، خصوصاً حيث أقرّ لاحقاً بأن افتتانه بـ«غاندي الإسلام» لم يستمر لأكثر من شهر؛ ففي نهاية ذلك الشهر اجتمعنا مصادفة، وتظاهرت بتجاهله، لكنه سارع بالاتجاه نحوي، وربت على كتفي قائلاً: «لقد كنت مخطئاً، فلنتجاوز ذلك الأمر». من يستطيع مقاومة تلك القوة العظيمة في إخضاع الأنا والسيطرة عليها؟
بعد مرور سنوات عديدة، فسّر شايغان «ذلك الشهر» في سياقه من خلال الإشارة إلى انجذاب الكثير من المفكرين الإيرانيين البارزين إلى فكرة الثورة، موضحاً أن ذلك الافتتان والانجذاب قد أضرّ كثيراً بإيران. وكتب في اعتراف لا يزال له صدى وتأثير لدى الكثير من الإيرانيين: «كل جيلنا (من المفكرين) قد أساء التصرف والتعامل مع الأمر».
ولا يزال كتاب شايغان السياسي، الذي يحمل اسم «ما هي الثورة الدينية؟»، من روائع الأعمال الاجتماعية السياسية التي رصدت حالة الارتباك التي هيمنت على الكثير من الدول ذات الأغلبية المسلمة في خضم محاولتها لتجاوز تحديات العالم الصناعي العصري، وما بعد الصناعي، الذي لم تساهم في بنائه أو تكوينه؛ وقد حقق شايغان لاحقاً في هذا الموضوع في كل من «نظرة مشوهة» (1996)، و«فصام ثقافي: المجتمعات الإسلامية في مواجهة الغرب» (1997) اللذين أثارا الكثير من النقاشات والجدل في العالم الإسلامي.
في نهاية التسعينات، وبعد إدراك شايغان لفشل الثورة الإسلامية في إيران، انضم إلى حركة «مؤيدي الثقافة الغربية» الإيرانية التي تمتد لمائتي عام، التي كانت ترى أن إيران لن تتقدم إلا إذا تبنت قيم عصر النهضة وما نتج عنها من ديمقراطية. أثمر ذلك كتابه «النور يأتي من الغرب» الذي نشر عام 2003 ثم مرة أخرى عام 2015.
ومع اندلاع الانتفاضات، التي تم إطلاق اسم «الربيع العربي» عليها بعد ذلك، في ديسمبر (كانون الأول) 2010، تجدد الأمل في نفس شايغان بأن تنجح المجتمعات الإسلامية في الخروج من هذا المأزق دون الانسلاخ من الثقافة التي يهيمن عليها الدين. ولهذا السبب أطلق على الثورات اسم «النهضة الإسلامية». مع ذلك سرعان ما أدرك شايغان أن الانغماس في السياسة كان دوماً مخاطرة بالنسبة لفيلسوف. ومع حلول عام 2012 كان «الربيع العربي» قد بدأ يتحول إلى خريف عواقبه غير متوقعة، ثم إلى شتاء قارص، واعترف شايغان لأصدقائه، وكنت من بينهم، بأنه قد تسرع في دعم تلك الانتفاضات.
ما الذي كان يستطيع فعله بعد ذلك؟ لحسن طالع شايغان كان دائماً قادراً على العودة إلى الوطن، بمعنى العثور على الملاذ في «الحسّ القومي الإيراني»، الذي ظل لقرون ملاذ المفكرين المخذولين. بهذه الروح استغل شايغان مكانته وقوته الروحية والمعنوية لتدشين سلسلة جديدة من الكتب، كانت أكثرها مترجمة عن لغات غربية عديدة، عن التاريخ الإيراني والثقافة الإيرانية قبل دخول الإسلام. كانت تلك السلسلة هي أول سلسلة أرى أنه تم انتقاؤها وتدقيقها بعناية، وطبعها بجودة عالية.
وكما يحدث كثيراً في التاريخ الإيراني، تحثّ «خيبة الأمل في الدين على العودة إلى القومية». مع ذلك لا تقل المبالغة في الشعور بالقومية في ضررها عن خلط الدين بالسياسة. نحن لا نعلم ما الذي قد تأول إليه تلك العودة إلى القومية، لكن كان يحدو شايغان أمل كبير في هذا الأمر؛ مع ذلك نأمل نحن ألا يتبين أنه قد أخطأ سياسياً مرة أخرى.
لا ينطبق السؤال الخاص بما فعلناه بحياتنا على شايغان، لأن قدره هو أن يصبح خالداً كفيلسوف كبير، وأيضاً كإنسان عظيم.


مقالات ذات صلة

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

ثقافة وفنون  منيرة العيدان

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل...

ميرزا الخويلدي (الكويت)
ثقافة وفنون يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً

إلهام بلحاج
كتب «البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق

رشا أحمد ( القاهرة)
كتب «فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم،

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.