أحكام بسجن «صحافيي الجزيرة» في مصر تثير انتقادات غربية

الخارجية المصرية توجه السفراء لشرح ملابسات الحكم على مصريين وأجانب بالسجن من سبع إلى عشر سنوات

الصحافيون الأسترالي بيتر غريست ومحمد فهمي وباهر محمد (من اليسار إلى اليمين) خلال استماعهم للنطق بالحكم بحبسهم في القاهرة أمس (رويترز)
الصحافيون الأسترالي بيتر غريست ومحمد فهمي وباهر محمد (من اليسار إلى اليمين) خلال استماعهم للنطق بالحكم بحبسهم في القاهرة أمس (رويترز)
TT

أحكام بسجن «صحافيي الجزيرة» في مصر تثير انتقادات غربية

الصحافيون الأسترالي بيتر غريست ومحمد فهمي وباهر محمد (من اليسار إلى اليمين) خلال استماعهم للنطق بالحكم بحبسهم في القاهرة أمس (رويترز)
الصحافيون الأسترالي بيتر غريست ومحمد فهمي وباهر محمد (من اليسار إلى اليمين) خلال استماعهم للنطق بالحكم بحبسهم في القاهرة أمس (رويترز)

قضت محكمة مصرية، أمس، بسجن 18 من المتهمين في القضية المعروفة باسم «تحريض قناة (الجزيرة) الإنجليزية على مصر»، بينهم أربعة صحافيين أجانب، وصحافيون مصريون، لمدد تتراوح بين سبع إلى عشر سنوات، ما من شأنه أن يرفع حدة التوتر بين القاهرة وعواصم غربية. وأعلنت لندن وأمستردام، عن استدعاء سفيري مصر لديهما لبحث الأحكام التي تزيد من مخاوف منظمات حقوقية دولية ومحلية بشأن حرية التعبير في البلاد، فيما أعلن وزير الخارجية جون كيري عن استيائه مما وصفه بالحكم «القاسي والوحشي». وقالت الخارجية المصرية إنها وجهت السفارات بالخارج بالمبادرة بطلب إجراء مقابلات عاجلة مع المسؤولين في دول الاعتماد لطرح بيان مكتب النائب العام حول ملابسات القضية، بينما أفادت مصادر مصرية أن القاهرة لا تقبل التدخل في أحكام القضاء، لا من الداخل ولا من الخارج، مشددة على أن «القضاء مستقل».
وقالت مصادر قضائية إن محكمة جنايات القاهرة المنعقدة بمعهد أمناء الشرطة بطرة (جنوب القاهرة)، قضت أمس (الاثنين) بسجن 11 متهما غيابيا، بينهم ثلاثة مراسلين أجانب؛ هما الصحافيان البريطانيان، دومينيك كين، وسو تورتون، والصحافية الهولندية رينا نيتيس، لمدة عشر سنوات، فيما قضت بسجن سبعة متهمين آخرين، بينهم المراسل الأسترالي المحبوس بيتر غريست، حضوريا، وزميله محمد علي فهمي (يحمل الجنسية الكندية إلى جانب جنسيته المصرية)، والمعد الصحافي المصري باهر محمد، لمدة سبع سنوات، وبرأت متهمين اثنين. ويمكن لمحامي المدانين التقدم لنقض الحكم أمام محكمة أعلى.
وفي رد فعل على الحكم، قال وزيرا خارجية إنجلترا وهولندا إنهما قاما باستدعاء سفيري مصر لديهما للتباحث بشأن الأحكام الصادرة بحق صحافيي «الجزيرة»، وهو ما أكدته لـ«الشرق الأوسط» مصادر دبلوماسية مصرية رسمية، بينما أعربت الخارجية الأسترالية عن صدمتها من الحكم على مواطنها غريست، الذي عاقبته المحكمة حضوريا بالسجن المشدد سبع سنوات. وقال رئيس الوزراء الأسترالي توني أبوت في مؤتمر صحافي، قبل بضع ساعات من صدور الحكم، إنه تحدث مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أيام بشأن قضية الصحافي الأسترالي (غريست) والذي أدين مع الصحافية الهولندية وزميل آخر بدعم جماعة الإخوان المسلمين.
وأضاف أبوت: «الرئيس السيسي عازم على بذل ما في وسعه لتحقيق السلام والأمن في مصر وأنا أحييه على ذلك، لكنني أثرت مسألة أن الصحافي الأسترالي بيتر غريست لم يكن يدعم جماعة الإخوان المسلمين. كان فقط ينشر أخبارها. النقطة التي أكدت عليها هي أنه على المدى البعيد، فإن الإعلام الحر النشط يدعم الديمقراطية والأمن والاستقرار».
وعقب النطق بالحكم، أعربت وزيرة الخارجية الأسترالية جوليا بيشوب عن «استيائها» من الحكم بالسجن الصادر بحق غريست وزميليه. وقالت بيشوب إن «الحكومة الأسترالية مصدومة من هذا الحكم.. نحن مفاجئون بصدور عقوبة؛ ومستاؤون من قسوتها». وفي وقت قالت فيه وزارة الخارجية الأسترالية إن «الأحكام الخاصة بسجن الصحافيين تقوض دعاوى الحكومة المصرية بالانتقال نحو الديمقراطية»، قال وزير الخارجية الهولندي، فرانس تيمرمانس، في بيان له أمس، إنه استدعى السفير المصري لدى بلاده، لبحث الحكم الصادر بحق صحافيي «الجزيرة»، مشيرا إلى أنه «سيبحث القضية في لوكسمبورغ مع نظرائه الأوروبيين، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي»، قبل ساعات من اللقاء الذي عقد أمس، مشيرا إلى أن الصحافية الهولندية رينا نيتيس لم تحصل على «محاكمة عادلة».
من جانبه، أدان ويليام هيغ، وزير الخارجية البريطاني أمس الحكم الصادر بالسجن ضد صحافيي «الجزيرة»، ودعا مصر إلى مراجعة تلك الأحكام التي وصفها بـ«غير المقبولة»، مضيفا في تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، أنه «على مصر مراجعة الأحكام غير المقبولة ضد صحافيين مصريين ودوليين.. وإظهار الالتزام تجاه حرية الصحافة».
وقال هيغ في بيان حصلت عليه «الشرق الأوسط»: «قد أثرنا مرارا وتكرارا موضوع هذه القضية والقيود المفروضة على حرية التعبير في مصر مع الرئيس السيسي ووزير الخارجية المصري والسلطات في مصر. وسوف يواصل الوزراء والدبلوماسيون البريطانيون حث الحكومة المصرية على إبداء التزامها بحرية التعبير، وذلك بإجراء مراجعة عاجلة لهذه القضية. كما أوعزت لمسؤولين بوزارة الخارجية البريطانية استدعاء السفير المصري للوزارة اليوم».
ووصفت منظمة العفو الدولية يوم صدور الحكم أمس بأنه «يوم أسود على حرية الإعلام». وقالت المنظمة، في بيان لها نشر على موقعها، أمس، إن إدانة صحافيي قناة «الجزيرة» هو هجوم عنيف على حرية الصحافة. وقال فيليب لوثر، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة إن الحكم «مدمر للصحافيين ولأسرهم»، وإن احتجاز صحافيين وتوصيفهم بالإرهابيين لمجرد قيامهم بوظيفتهم هو «يوم أسود لحرية الإعلام في مصر». وأضاف لوثر أن «السبب الوحيد لحبس هؤلاء الصحافيين هو أن السلطات المصرية لا تحب ما يقومون به»، قائلا: «هؤلاء سجناء رأي ويجب الإفراج عنهم فورا ودون شروط.. أي شخص يجرؤ على تحدي النظام في مصر الآن يعد هدفا مشروعا».
وكان وزير الخارجية الأميركي جون كيري قد أكد خلال زيارته القاهرة قبل يومين للرئيس السيسي «الدور المهم لمجتمع مدني حيوي وصحافة حرة وسيادة القانون والإجراءات القضائية الواجبة في دولة ديمقراطية». وقال كيري أمس، خلال زيارته المفاجئة إلى بغداد، إنه أجرى اتصالا بوزير الخارجية المصري لتسجيل «استيائنا الجدي من قرار المحكمة القاسي والوحشي ضد الصحافيين»، بحسب ما نقلته وكالة رويترز.
من جهتها، وإثر ردود الفعل الدولية المتوالية، قالت الخارجية المصرية في بيان أمس إن الوزير سامح شكري «وجه السفارات المصرية بالخارج بالمبادرة بطلب إجراء مقابلات عاجلة مع المسؤولين بوزارات الخارجية في دول الاعتماد لطرح بيان مكتب النائب العام حول ملابسات القضية وردود الفعل الخارجية عليها. وتأتي هذه التوجيهات بصفة استباقية بهدف نقل حقائق الأمور بعيدا عن الصور والمعلومات المغلوطة حول هذه القضية.
وذكر البيان أنه وفقا لتوجيهات الوزير شكري، فقد جرى إمداد السفراء بالخارج بالبيان الصادر عن مكتب النائب العام وترجمة غير رسمية باللغة الإنجليزية وما يتضمنه من شرح لملابسات القضية وأوامر الإحالة والتهم الموجهة إلى المتهمين سواء المصريين أو الأجانب، فضلا عن نقاط حديث إضافية للاسترشاد بها خلال المقابلات لشرح كافة الأمور المتعلقة باستقلالية السلطة القضائية، وما كفله الدستور المصري الجديد من حقوق وضمانات تضمن حرية واستقلالية الإعلام، فضلا عن إجراءات التقاضي.
وتتضمن هذه النقاط التأكيد على أن أحد المبادئ الأساسية لأي نظام ديمقراطي هو مبدأ الفصل بين السلطات، وأنه لا يجوز التعقيب على أحكام القضاء وأن المتهمين جرى إلقاء القبض عليهم بناء على أوامر صادرة من سلطة التحقيق القضائية المختصة، وهي النيابة العامة، وأن إجراءات التقاضي مكفولة لجميع المتهمين وتظل لديهم الفرصة للطعن على الحكم أمام المحكمة المختصة بنظر الطعن، مع التنويه بأن جميع المتهمين جرت محاكمتهم أمام محكمة عادية وأمام قاض طبيعي.
وفيما يتعلق باستدعاء بعض السفراء المصريين في الخارج للتعليق على هذا الحكم، أوضح البيان أن هذا يعد إجراء دبلوماسيا ويوفر مناسبة لشرح حقيقة الأوضاع وإطلاع المسؤولين في الخارج بصورة دقيقة، وطرح بيان مكتب النائب العام حول هذه القضية بعيدا عن أي مغالطات أو استنتاجات خاطئة تنال من استقلالية القضاء المصري، فضلا عن التأكيد لمسؤولي هذه الدول الرفض الكامل لأي تدخل في الشؤون الداخلية للبلاد أو المساس باستقلالية القضاء المصري.
وشهدت جلسة المحاكمة أمس، حضور سفراء ومبعوثين ومندوبين من سفارات أستراليا وإنجلترا وهولندا، للتضامن مع المتهمين الذين يحملون جنسيات هذه البلاد، كما شهدت الجلسة، حضور مندوبين عن السفارة الكندية، وشقيقي الصحافي الأسترالي غريست، وعبد الله الشامي مراسل قناة «الجزيرة» العربية، الذي جاء للتضامن مع زملائه، بعدما أخلي سبيله الأسبوع الماضي، صحيا، بعد أكثر من عشرة أشهر من الحبس الاحتياطي، على ذمة اتهامه وآخرين بمقاومة السلطات خلال فض اعتصام رابعة العدوية في أغسطس (آب) الماضي.
وأدانت المحكمة حضوريا كلا من محمد فهمي (صحافي حر)، وباهر محمد (صحافي حر) وصهيب سعد (طالب بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة مدينة الثقافة والعلوم)، وخالد محمد (طالب بكلية الإعلام جامعة القاهرة)، وشادي عبد الحميد (طالب بكلية الحاسبات والمعلومات جامعة عين شمس)، وعبد الرحمن محمود، وبيتر غريست (أسترالي الجنسية - موظف بقناة «الجزيرة») وعاقبتهم بالسجن لمدة سبع سنوات، كما عوقب باهر بالسجن ثلاث سنوات أخرى لحيازته فوارغ طلقات لأسلحة نارية. وبرأت المحكمة أنس البلتاجي (طالب بكلية التربية النوعية جامعة عين شمس) وأحمد عبد الحميد (طالب بأكاديمية القاهرة الجديدة). وأدين المتهمون الهاربون في القضية وصدر ضدهم حكم بالسجن 10 سنوات غيابيا.
ويعطي القانون المصري للمدانين غيابيا، الحق في إعادة محاكمتهم، فور القبض عليهم. ويعد الحكم الصادر أمس بحق 18 مدانا، حكم أول درجة، ما يعني أنه قابل للطعن. وقال شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» إن الصحافيين الثلاثة احتضنوا بعضهم داخل القفص قبل وصول القاضي إلى القاعة، وبدا عليهم التوتر الشديد قبل النطق بالحكم، بينما صرخ أحدهم عقب صدور الحكم من داخل قفص الاتهام: «سيدفعون الثمن».
وكانت النيابة العامة، أصدرت إذنا في نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، لضبط شبكة إعلامية ضمت 20 شخصا (8 محبوسين - 12 هاربا)، بينهم 4 أجانب هم أسترالي وبريطانيان وهولندية من مراسلي قناة «الجزيرة» القطرية، لاتهامهم بارتكاب «جرائم التحريض على مصر» من خلال «اصطناع مشاهد وأخبار كاذبة وبثها عبر القناة القطرية»، بحسب بيان صادر حينها عن مكتب النائب العام هشام بركات.
وأسندت النيابة إلى المتهمين المصريين (16 من بين الـ20 متهما) ارتكاب جرائم الانضمام إلى جماعة إرهابية، في إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين. كما أسندت إلى المتهمين الأجانب «الاشتراك مع المتهمين المصريين بطريق الاتفاق والمساعدة في إمداد أعضاء تلك الجماعة بالأموال، والأجهزة، والمعدات، والمعلومات، مع علمهم بأغراض تلك الجماعة الإرهابية، وإذاعة بيانات وأخبار وشائعات كاذبة».
وذكرت تحقيقات النيابة أن «المتهمين اتخذوا أحد الفنادق الفاخرة بوسط مدينة القاهرة، مركزا إعلاميا، استخدموه في تجميع المواد الإعلامية والتلاعب فيها، لإنتاج مشاهد غير حقيقية للإيحاء بأن ما يحدث بالبلاد حرب أهلية، تنذر بسقوط الدولة». وأغلقت مكاتب قناة «الجزيرة» القطرية في القاهرة في يوليو (تموز) الماضي، بعد أن داهمتها قوات الأمن بعد ساعات من عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، المنتمي لجماعة الإخوان، الذي حظي بدعم الدوحة، ما تسبب في توتر العلاقات بين البلدين.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.