خيارات إيران في سوريا بعد غارات إسرائيل

TT

خيارات إيران في سوريا بعد غارات إسرائيل

بعد انقضاء سبع سنوات على التورط في الحرب السورية، والمساعدة في إطالة أمدها، قد تحاول إيران الآن إعادة التفكير من جديد في الاستراتيجية التي تمخضت عن تداعيات غير مقصودة، وعواقب غير مرغوبة ولا محمودة.
ولا تتسم الدعوات إلى مراجعة السياسات الإيرانية حيال سوريا بالحماسة أو الإلحاح، لكنها نابعة من أكثر من جهة داخل وخارج المؤسسة الإيرانية الرسمية. وقد دعا عضو مجلس الشورى الإسلامي محمود صادقي إلى «تقييم تداعيات مشاركتنا في سوريا» على علاقات إيران مع الدول الأخرى، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط.
والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت إيران، من خلال مساندة الرئيس السوري بشار الأسد، قد تسببت في إزعاج، وربما إغضاب، الدول العربية والإسلامية الأخرى. والأسوأ من ذلك أن يكون التورط الإيراني في سوريا قد أسفر عن تمكين الولايات المتحدة، التي تصفها إيران على الدوام بـ«الشيطان الأكبر»، من حشد الحلفاء على الصعيد الإقليمي، وتشكيل كتلة صلبة قوية لمجابهة التصرفات الإيرانية.
وكتب الدبلوماسي الإيراني المتقاعد موسوي خلخلي، في دورية «إيران دبلومات» التي يشرف على نشرها أحد المقربين من المرشد الأعلى علي خامنئي، داعياً ومؤيداً «إعادة النظر مجدداً في سياساتنا حيال المنطقة، وعلى وجه الخصوص في سوريا». ومن دون الإشارة إلى ضرورة إبعاد الأسد عن المشهد السياسي، فإنه يحض على انتهاج مقاربة المكاسب والخسائر في تلك السياسة التي حصدت أرواح ما يزيد على ألفين من المواطنين الإيرانيين، وكبدت خزانة البلاد ما يربو على 20 ملياراً من الدولارات حتى الآن.
ومن إحدى القضايا التي تحظى بتركيز المحللين الإيرانيين الوجودُ الروسي الكبير، وصياغة موسكو لأبرز النقاط على جدول الأعمال في سوريا؛ الأمر الذي يدفع إلى تهميش وانزواء الدور الإيراني إلى خلفية الأحداث. ويرجع ذلك بالأساس، لولا وجود نظام بشار الأسد والموالين له، إلى افتقار إيران لقاعدة الدعم والتأييد الحقيقية في الداخل السوري. وقال المحلل علي نوباري: «إن قاعدة التأييد الوحيدة التي نملكها هناك هي بشار الأسد ذاته؛ ولقد صار خاضعاً الآن للهيمنة الروسية الكاملة».
وإلى جانب زمرة بشار الأسد، تحظى روسيا بقدر لا بأس به من الدعم الحقيقي بين الأقليات المسيحية والدرزية في البلاد، التي تعتبر فلاديمير بوتين حامياً قوياً لها في مواجهة حكم الأغلبية السنية المسلمة. وإيران، رغم كل شيء، ولسبب واضح للغاية، لم تحرز أي تقدم يُذكر بين أوساط المسيحيين السوريين حتى الآن، في حين أن طائفة الدروز تساورها الشكوك العميقة إزاء نيات إيران في نشر المذهب الشيعي المعتمد رسمياً لديها بين ربوع الشرق الأوسط، ورؤيتها للدروز أنهم مجتمع ديني يتسم بالغلو والتمرد وصعوبة المراس.
وقد اقترح علي بروجردي، وهو من كبار رجال المذهب الشيعي في إيران، انضواء كل من طوائف الدروز والنصيرية (العلويين)، وغيرهم من الطوائف الموصوفة لديهم بـ«الغلاة»، تحت مظلة «الجبهة الفاطمية» واسعة النطاق، التي تقودها إيران كخطوة أولى في سبيل الانضمام إلى التيار الشيعي الكبير. وستكون المعاهد الدينية (الحوزات العلمية) في مدن قُم ومشهد على أتم الاستعداد لإرسال البعثات لمساعدة «الغلاة» السوريين في الانضمام مجدداً لمناهج البحث والتطوير اللاهوتي الإيراني. وفي واقع الأمر، شرعت إيران في الترويج لمثل هذه الأفكار قبل اندلاع الصراع السوري، حيث أنشأت طهران 14 مركزاً ثقافياً في مختلف أرجاء سوريا، للعمل على إعداد الدعاة السوريين، ونشر نسخة آية الله روح الله الخميني من الإسلام الشيعي هناك. ورغم ذلك، وبحلول عام 2013، أغلقت هذه المراكز كافة خشية تعرضها للهجمات الإرهابية، وتمت إعادة كل الموظفين فيها مرة أخرى إلى إيران.
وأعلن مكتب التقارب الإسلامي، وهو جزء من شبكة السيطرة التي يشرف عليها المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عن خطة جديدة لإعادة افتتاح أحد المراكز الثقافية الإيرانية في دمشق. وكان من شأن رئيس المكتب، آية الله محسن آراكي، الملا الإيراني الذي تلقى تعليمه في بريطانيا، أن يترأس وفداً يضم 40 من الدعاة الشيعة في هذه المهمة. ومع ذلك، أرجأت هذه الخطة، والسبب الظاهر يرجع إلى المخاوف الأمنية على أعضاء الوفد، ولكن واقع الأمر يفيد بأن زعماء الطائفتين العلوية والدرزية في البلاد قد أعربوا عن تحفظاتهم الجادة والقوية إزاء هذه المهمة لدى الرئيس بشار الأسد.
وليس المخطط الإيراني بشأن التحول الجماعي السوري إلى النسخة الشيعية من الإسلام هو ما تم إرجاؤه فحسب خلال الفترة الماضية. فمع اضطلاع روسيا بدور قيادي أكبر في سوريا، وتركيا التي توسع من وجودها العسكري الكبير داخل البلاد، كان لزاماً على إيران تقليص طموحاتها التوسعية الأخرى في ذلك البلد الذي مزقته الحرب الأهلية تمزيقاً.
وخلال العام الماضي، كشفت طهران النقاب عن خطة لبناء طريق سريع بطول 1800 كيلومتر، يربط مدينة قُم الإيرانية المقدسة بالعاصمة اللبنانية بيروت، ويمر عبر الأراضي العراقية والسورية، في فترة زمنية تقدر بعامين للانتهاء من المشروع الذي يهدف إلى منح الجمهورية الإسلامية منفذاً، تشتد الحاجة إليه، على البحر الأبيض المتوسط.
وأشادت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية بالجنرال قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني، المسؤول الأول عن ملف «تصدير» الثورة الإيرانية إلى الخارج، باعتباره الزعيم العظيم الذي جعل من إيران قوة إقليمية وبحر متوسطية كبيرة للمرة الأولى منذ القرن السابع الميلادي.
غير أن وكالة أنباء «فارس»، التابعة للحرس الثوري الإيراني، كشفت خلال الأسبوع الماضي عن أن المشروع المذكور ليس إلا خيالاً محضاً، وأفادت بأنه لا يعلم من أحد مَن سوف يبني هذا الطريق الطويل، وأنه لم يتم تخصيص أية مبالغ مالية من ميزانية البلاد حتى لإجراء الدراسات الأولية بشأنه.
وفي عام 2013، تفاخر الجنرال سليماني بأن قواته، التي تجند بين صفوفها مقاتلين من «حزب الله» اللبناني، إلى جانب مرتزقة آخرين من أفغانستان والعراق وباكستان، قد بسطت سيطرتها على أرخبيل من الأراضي في أواسط سوريا، بين شرقها وغربها، وبالتالي يمكن تأمين الوجود الإيراني المتاخم على الأرض هناك.
ورغم ذلك أيضاً، تم التخلي عن كل أجزاء هذا الأرخبيل المذكور تحت ضغوط متصاعدة من جانب قوات المعارضة المناوئة لحكم بشار الأسد، التي تسعى لمتابعة أجندات متباينة على أرض الصراع.
وقال المحلل حميد زمردي، الباحث في الشؤون العسكرية الإيرانية، معقباً: «تحتاج إيران، إثر افتقارها الشديد للقوة الجوية المؤثرة، إلى وجود بري قوي وراسخ. وكانت الفكرة الأولية تدور حول توفير إيران والأسد للقوات البرية على الأرض، في ظل الحماية الجوية من سلاح الجو الروسي».
ومع ذلك، لم تسفر هذه الفكرة عن أي نتيجة تُذكر، مع رفض الرئيس بوتين لذلك الدور الذي كانت طهران ترغب في تكليف القوات الجوية الروسية به. وأردف زمردي قائلاً: «يعتقد بوتين أنه قد انتصر فعلاً في الحرب السورية بفضل سلاح الجو الروسي؛ ويمنحه معتقده هذا كل الحق في تحديد كيفية توزيع غنائم هذه الحرب».
ومع تلاشي الحلم الإيراني بإنشاء طريق إلى لبنان يلامس الحدود الإسرائيلية، يحاول الرئيس بوتين إقناع خامنئي بالتخلي عن قطعتين من الأراضي السورية، لا تزالان تحت سيطرة القوات الإيرانية والمرتزقة اللبنانيين، على الحدود مع إسرائيل ولبنان. وفي هذين الموقعين المذكورين، شنت إسرائيل بالفعل ثلاث غارات جوية خلال العام الماضي، أو نحوها، الأمر الذي عزز من رسالة بوتين إلى خامنئي بأنه يتعين على إيران نقل وجودها البري إلى منطقة «نزع التصعيد»، التي خُصصت لها في دير الزور على مقربة من الحدود العراقية السورية، وبعيداً كل البعد عن المثلث السوري - اللبناني - الإسرائيلي المضطرب.
قد يكون من السابق لأوانه الخلوص إلى أن إيران شرعت فعلياً في دراسة مختلف الخيارات المتاحة أمامها في سوريا، بيد أن هناك أمراً واحداً واضحاً للغاية، ألا وهو أن شريحة متنامية من القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية باتت على قناعة مفادها أن الصفقة الإيرانية داخل سوريا هي من أسوأ الصفقات، وأنه يلزم القيادة الإيرانية الآن إعادة النظر في خياراتها هناك. ورغم ما تقدم، وفي حين أن دخول الحرب هو من السهولة بمكان، فإن الخروج منها أمر بالغ الصعوبة، ولا سيما عندما تُغيم الخرافات الدينية والمشاعر الثورية الرومانتيكية على الرؤية السياسية.



هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
TT

هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)

في الوقت الذي جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأكيده على أن بلاده مولت بناء «سد النهضة» الإثيوبي على نهر النيل ووصفه بأنه «أمر فظيع يمنع تدفق المياه عن مصر ويتعين عليه حل الأزمة بشأنه»، رأت مصادر مصرية وإثيوبية مطلعة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن احتمالات نجاح ترمب في كسر جمود مفاوضات السد تظل ضعيفة، مع وجود عدة عوامل متشابكة في هذه الأزمة.

وخلال مؤتمر صحافي، الثلاثاء، جدد ترمب حديثه عن أنه «أوقف قتالاً» بين مصر وإثيوبيا كأحد إنجازاته في وقف الحروب حول العالم، كما أبدى تعجبه من تمويل بلاده لـ«سد النهضة»، مشيراً إلى أن «مصر ليس لديها ما يكفي من المياه»، وأنها تحتاج لمياه النيل في عديد من الاستخدامات.

ويأتي حديث ترمب بعد ثلاثة أيام من إرساله خطاباً إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، مؤكداً فيه استعداد واشنطن للتدخل واستئناف المفاوضات حول «سد النهضة» وحل الأزمة بشكل نهائي، وهو ما رحب به السيسي.

أستاذ العلوم السياسية ورئيس وحدة أبحاث أفريقيا في مجلس الوزراء المصري، رأفت محمود، قال إن تصريح ترمب جاء نتيجة الرسالة المصرية التي وصلته من مستشاره للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، بعدما التقى السيسي الشهر الماضي وناقشا عدة ملفات، منها ما يتعلق بالسودان وأرض الصومال، وأيضاً ملف سد النهضة والهواجس المصرية، «وبالتالي ترمب التقط الرسالة وأخذها فرصة لينشط الوساطة الأميركية في سبيل صفقة ما تخص المنطقة».

وأضاف محمود قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هذه بمثابة محاولة محتملة من ترمب لإعادة ضبط المشهد السياسي المحيط بالأزمة، ورغبة واضحة في استعادة دور الوسيط الأميركي المؤثر».

وتابع: «في الإجمال، الخطاب الأميركي يجعل أديس أبابا تواجه أحد خيارين: إما الانخراط الجاد في مسار تفاوضي منظم، أو مواجهة ضغوط سياسية قد تؤثر على صورتها الدولية. ووفقاً للسلوك الإثيوبي في المفاوضات السابقة، فإن تمسك أديس أبابا بالنهج الذي اتبعته ورغبتها في السيطرة على مجرى نهر النيل النابع من أراضيها دون الالتزام باتفاقية ملزمة تدير تدفق المياه من سد النهضة هو العامل المرجح حالياً، خصوصاً مع ارتباط ملف سد النهضة بحسابات الداخل الإثيوبي والتي تشبعت خلال الفترة الماضية بأن هذا الملف يعد مشروعاً قومياً ضمن سيادة إثيوبيا».

وتابع: «هناك عدد من التغيرات السياسية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر حدثت مؤخراً استدعت التدخل الأميركي في هذا الملف، خاصة فيما يتعلق بأرض الصومال واعتراف إسرائيل بها، وهو ما أثار غضباً دولياً بالمنطقة. وهناك أيضاً ملف السودان وملف اليمن، وهذه الملفات حدث فيها تشابك بين عدد من القوى في الإقليم وبما قد يؤثر على المصالح الأميركية».

واستطرد: «لكن نجاح التدخل الأميركي مرهون بالقدرة على تحويل التصريح إلى أدوات فعل، وقدرة ترمب على إدارة صفقة ترضي كافة الأطراف، ومنها إثيوبيا التي ترغب في الوصول إلى البحر الأحمر؛ وهو أمر تظل احتمالات نجاحه ضعيفة في الوقت الحالي».

وكان ترمب قد خرج بتصريح مثير للجدل في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، عبر منصته «تروث سوشيال»، قال فيه إن الولايات المتحدة «موَّلت بشكل غبي سد النهضة، الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، وأثار أزمة دبلوماسية حادة مع مصر». لكن أديس أبابا نفت ذلك بشدة، مؤكدة أن السد «بُني بأموال الشعب الإثيوبي».

وفي الرابع من يوليو (تموز)، كرَّر ترمب الحديث نفسه خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، في البيت الأبيض قائلاً: «الولايات المتحدة موَّلت السد، وسيكون هناك حل سريع للأزمة». ومساء الثامن من يوليو، قال للمرة الثالثة في خطاب أمام أعضاء مجلس الشيوخ في واشنطن إنه «سيعمل على الأزمة بين مصر وإثيوبيا على المدى الطويل».

الرئيس المصري خلال مصافحة رئيس الوزراء الإثيوبي في عام 2019 (الرئاسة المصرية)

مستشار وزارة المياه والطاقة الإثيوبية، محمد العروسي، قال إنه «في ظل حساسية اللحظة وتعقيد المشهد السياسي المحيط بملف سد النهضة، من المهم التفريق بهدوء بين التصريحات السياسية ذات الطابع الخطابي والتحولات الفعلية في موازين التفاوض».

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن تبني الرئيس الأميركي لوجهة نظر مصر أو التعبير عن تفهمه لمخاوفها «لا يعني بالضرورة وجود استراتيجية أميركية متكاملة لاستهداف المصالح الإثيوبية، لكن التجربة العملية مع الوساطة الأميركية في هذا الملف تجعلنا حذرين بطبيعتنا من باب القراءة الواقعية للتاريخ القريب، وليس من باب العداء لواشنطن».

ويرى العروسي، وهو عضو بالبرلمان الإثيوبي ورئيس «مجموعة الصداقة البرلمانية لدول غرب آسيا»، أن الوساطة الأميركية في محطتها السابقة «لم تكن محايدة بالكامل»، وأنه لا يمكن تجاهل أن ترمب نفسه «سبق أن أدلى بتصريحات خطيرة تحدث فيها صراحة عن احتمال قيام مصر بتفجير السد».

ومضى قائلاً: «كما أن تصريحاته الأخيرة التي تُفهم على أنها انحياز كامل لرواية طرف واحد تعزز القناعة بأن أي دور أميركي محتمل سيبقى محكوماً باعتبارات سياسية داخلية وتحالفات تقليدية أكثر من كونه سعياً نزيهاً لحل عادل ومتوازن».

وتابع: «من هذا المنطلق فإن حالة الفرح السريع والتهافت على فكرة الوساطة الأميركية لمجرد صدور تصريح إيجابي من واشنطن تبدو أقرب إلى قراءة عاطفية»؛ محذراً من تحويل التصريحات السياسية إلى «أوهام»، وهو «ما قد يعمق الجمود بدل أن ينهيه».

واستضافت واشنطن عام 2020، خلال ولاية ترمب الأولى، جولة مفاوضات بمشاركة البنك الدولي، لكنها لم تصل إلى اتفاق نهائي بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق الذي جرى التوصل إليه وقتها، حيث اتهمت إثيوبيا الولايات المتحدة بـ«الانحياز».


محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)

أثار اجتماع بين المغرب وإثيوبيا بشأن تعاون عسكري بينهما تساؤلات حول موقف مصر، خصوصاً وأنها على خلاف مع أديس أبابا بسبب تهديد الأمن المائي جراء «سد النهضة».

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، الأربعاء، قال مصدر مصري مطلع إن ذلك التعاون العسكري المغربي - الإثيوبي، الذي لم تعلق عليه القاهرة رسمياً بعد، «لا يقلق القاهرة، وسيكون هناك حديث عبر الدبلوماسية الهادئة مع الرباط بشأنه».

ويتفق معه خبير عسكري كان مسؤولاً بارزاً سابقاً بالجيش المصري، مؤكداً أن ذلك التعاون «ليس مقلقاً للقاهرة»، لكنه تعجب من إبرام تعاون مغربي مع إثيوبيا التي يصفها بأنها «باتت عدواً للقاهرة وتقف ضد حقوقها المائية».

سد النهضة الإثيوبي (صفحة رئيس وزراء إثيوبيا على فيسبوك)

غير أنّ برلمانياً إثيوبياً نفى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يكون هذا التعاون مع المغرب «موجهاً للقاهرة أو يحمل رسائل تهديد أو نية للمواجهة»، مشيراً إلى أن «أديس أبابا تركز على نهضة بلادها وتنميتها، ولا تنوي أي مناكفات عسكرية تجاه أحد».

اجتماع مثير للجدل

كانت صحيفة «هسبريس» المغربية قد أفادت، منتصف يناير (كانون الثاني) الحالي، بأن اللجنة العسكرية المشتركة المغربية الإثيوبية عقدت اجتماعها الأول في أديس أبابا، وأن الاجتماع تناول «دراسة مخطط عمل في مجال التعاون العسكري والدفاعي بين البلدين».

ونصت اتفاقية التعاون العسكري، الموقعة في يونيو (حزيران) 2025 في الرباط، على إنشاء هذه اللجنة العسكرية المشتركة، بالإضافة للتعاون في مجالات التكوين والتدريب، والبحث العلمي، والطب العسكري، وفق المصدر ذاته.

وفي اليوم التالي، أفادت وكالة الأنباء الإثيوبية، بأن أديس أبابا والرباط عقدتا أول اجتماع للجنة الدفاع المشتركة على الإطلاق، بهدف تعزيز التعاون الثنائي عبر مختلف المجالات العسكرية.

وشملت المناقشات «دفع التعاون العسكري بين البلدين بطرق تضمن المنفعة المتبادلة لمؤسساتهما الدفاعية، والتعاون في التعليم والتدريب، والصناعات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا، ومجالات أخرى من المشاركة العسكرية»، وفق الوكالة.

وأكد المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون العسكري في قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، تشومي جيميتشو، آنذاك أن العلاقات بين إثيوبيا والمغرب تتعزز باطراد عبر قطاعات متعددة، وأن الصداقة طويلة الأمد بين البلدين تعكس التضامن الأفريقي والالتزام المشترك بالعمل معاً من أجل المصالح المشتركة.

وذكر أيضاً أن اجتماع اللجنة المشتركة «يمثل علامة فارقة تاريخية في العلاقات الإثيوبية - المغربية، ويفتح مرحلة جديدة للتنفيذ العملي لمجالات التعاون المتفق عليها».

ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية عن العميد عبد القهار عثمان، مدير مديرية التموين في القوات المسلحة المغربية، وصفه الاتفاق الذي تم التوصل إليه خلال الاجتماع بأنه «تطور مهم في العلاقات العسكرية»، وتأكيده أن «المغرب عازم على زيادة رفع مستوى التعاون الدفاعي مع إثيوبيا».

«الدبلوماسية الهادئة»

وتعليقاً على ذلك، قال مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك التعاون المغربي - الإثيوبي «بحاجة لتوضيح، لكنه بشكل عام ليس مقلقاً، خصوصاً وعلاقات القاهرة مع الرباط جيدة جداً».

وهو يعتقد أن «الدبلوماسية الهادئة» ستكون مسار التعامل مع الرباط، وأنه سيكون هناك حديث في هذا الأمر «ليس في إطار إلقاء اللوم، ولكن معرفة طبيعة الموضوع، ومناقشة الشواغل المصرية بشأنه».

وتزامن ذلك الاجتماع المغربي - الإثيوبي مع توجيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، منتصف يناير الحالي، رسالة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عارضاً التوسط في أزمة مياه النيل وملف سد النهضة الإثيوبي الذي قال أكثر من مرة إن إدارته منعت حرباً بين القاهرة وأديس أبابا بشأنه، دون مزيد من التفاصيل.

ويعتقد المصدر المصري المطلع أن إثيوبيا تحاول إرسال رسائل لمصر، وستزداد بعد إعلان ترمب الوساطة، وسط تجاوب مصري وسوداني وعدم تعليق من أديس أبابا.

في المقابل، يرى البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد أن التعاون مع المغرب ليس تعاوناً عسكرياً فحسب، بل يشمل التجارة والدبلوماسية، ويحمل رسائل مفادها تقوية العلاقات مع دول المنطقة، وليس أي تهديد لأحد.

وشدّد في حديث لـ«الشرق الأوسط» على أن مصر بلد شريك لبلاده «لم يتقاتلا ولن يتقاتلا، خصوصاً وأن أديس أبابا تهتم بالنهوض والازدهار، وليس لديها أي نية للقتال مع مصر أو غيرها».

غير أن الخبير الاستراتيجي العسكري المصري اللواء سمير فرج رفض تلك التبريرات الإثيوبية، ووصف أديس أبابا، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بأنها «عدوة لحقوق مصر المائية»؛ لافتاً إلى أن مصر «لا يقلقها هذا التعاون».

إلا أنه تساءل: «كيف لدولة بالجامعة العربية أن تتعاون مع أخرى تهدد مصالح مصر؟».

ولا يعتقد فرج أن الرسائل الإثيوبية من تلك الاجتماعات تحمل أي تأثير على مصر سواء كان أمنياً أو عسكرياً، متوقعاً ألا تثير مصر هذا الأمر مع الرباط فوراً، لكن ذلك ربما يحدث في أي لقاءات مستقبلية بين البلدين «حيث ستبدي موقفاً دون أي تأثير يذكر على العلاقات المصرية - المغربية».


خمسة قتلى جراء السيول في تونس واستمرار تعليق الدراسة

هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)
هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)
TT

خمسة قتلى جراء السيول في تونس واستمرار تعليق الدراسة

هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)
هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)

ارتفعت حصيلة ضحايا السيول في تونس إلى خمسة قتلى بعد ثلاثة أيام من هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات، ما تسبب أيضاً في أضرار مادية في عدة ولايات مع استمرار تعليق التعليم في المدارس والجامعات، على ما أفاد مسؤول بالحماية المدنية الأربعاء.

وقال المتحدث باسم الحماية المدنية خليل المشري لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الحصيلة «ارتفعت إلى خمسة قتلى».

وأوضح أن الفرق نفذت 466 عملية ضخ مياه، وساعدت 350 شخصاً على العبور في مناطق غمرتها مياه السيول.

وتم العثور على أحد الصيادين، فيما لا يزال أربعة آخرون في عداد المفقودين، بعدما أبحروا الاثنين من سواحل طبلبة قرب المنستير، وفقاً لإذاعة محلية.

وأكد المشري أن التقلبات الجوية ستتواصل على مستوى العديد من المحافظات ولكن «بأقل حدة ودرجة اليقظة والانتباه تبقى مرتفعة».

وزار الرئيس قيس سعيّد مناطق متضررة الثلاثاء على ما نقلت وسائل إعلام محلية.

ويتم تداول مقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر منازل وسيارات غمرتها مياه الأمطار، إلى جانب نداءات استغاثة من مواطنين عالقين في المياه، ولا سيما في العاصمة تونس.

واستمر تعليق الدروس لليوم الثاني في المدارس الرسمية والخاصة والجامعات في 15 من الولايات الـ24 للبلاد، بسبب الأحوال الجوية.

والثلاثاء، أكد مدير التوقعات في المعهد الوطني للرصد الجوي عبد الرزاق رحال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «سجلنا كميات استثنائية من الأمطار خلال يناير (كانون الثاني)» في مناطق مثل المنستير (وسط شرق) ونابل (شمال شرق) وتونس الكبرى.

وأوضح أن تلك المناطق لم تسجّل كميات مماثلة منذ عام 1950.

ورغم أن هذه الأمطار تُعدّ قياسية، فإن مشهد الشوارع المغمورة بالمياه بعد هطول أمطار غزيرة مألوف في البلاد، وذلك بسبب سوء حالة غالبية البنى التحتية.

وغالباً ما تكون أنظمة الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار قديمة أو غير كافية أو سيئة الصيانة، لا سيما في المناطق الحضرية السريعة التوسع.

كما أن التوسع الحضري السريع وغير المنظم أحياناً، زاد من جريان المياه السطحية، في حين يعيق انسداد القنوات تصريف المياه.

وتأتي هذه الأمطار في وقت شهدت تونس في السنوات الأخيرة فترات جفاف طويلة تفاقمت بفعل التغير المناخي وترافقت مع تراجع كبير في مخزون السدود.

في الجزائر المجاورة، تسبب الطقس السيئ خلال الأيام الماضية في وفاة شخصين، رجل يبلغ نحو 60 عاماً عُثر عليه في منطقة غليزان (غرب)، وطفلة جرفتها السيول في الشلف، على بُعد 200 كلم غرب الجزائر العاصمة، وفقاً للحماية المدنية.

وفي غليزان وكذلك في الجزائر العاصمة وتيبازة، غمرت المياه أحياء بكاملها وانقطعت طرق عدة بسبب الفيضانات.