باحثون ونقاد مصريون يستعرضون «صورة القدس في الآداب العالمية»

كتّاب بريطانيون لعبوا دوراً في احتلال فلسطين

باحثون ونقاد مصريون يستعرضون «صورة القدس في الآداب العالمية»
TT

باحثون ونقاد مصريون يستعرضون «صورة القدس في الآداب العالمية»

باحثون ونقاد مصريون يستعرضون «صورة القدس في الآداب العالمية»

حسب نقاد وباحثين مصريين، احتلت القدس وشوارعها وأحياءها ومزاراتها الدينية اهتمام كثيرين من الكتاب والأدباء والشعراء حول العالم على اختلاف لغاتهم وتوجهاتهم، فقد كانوا منذ مئات السنين يزورونها حجاجاً باحثين عن المتعة الروحية، ورَحَّالة يفتشون في دروبها الضيقة عن المعرفة، ويعودون بكتابات تفصيلية عن سكانها وحياتهم اليومية، وعاداتهم وتقاليدهم، وعمارة بيوتهم، ونشاطاتهم التجارية والاجتماعية.
الباحثون الذين ينتمون لأقسام اللغات الأجنبية في الجامعات المصرية، أكدوا خلال فعاليات ندوة دارت أبحاثها ودراساتها، الاثنين الماضي بالمجلس الأعلى للثقافة المصري، حول صورة القدس في الآداب العالمية، أن هذه الكتابات خصوصاً البريطانية منها، مهَّدَت بشكل كبير لاحتلال فلسطين، وظهور إسرائيل.
وجهة النظر هذه عرضتها الباحثة الدكتورة فاتن مرسي، أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس، وهي تتحدث عن الاستشراق بمعناه الاستعماري في كتابات العلماء والرحالة والسياسيين والكتاب الإنجليز حول الشرق، بما في ذلك فلسطين، وقالت إن صدور وعد بلفور، ودخول الجنرال أدموند اللنبي إلى القدس، ما كان لهما أن يستمرّا واقعاً حتى الآن، دون التمهيد لهما تاريخيّاً وثقافيّاً وأدبياً، منذ العصر الإليزابيثي، وبداية المطامع الاستعمارية البريطانية، حتى القرن التاسع عشر.
وتقيم د. مرسي تلك الكتابات بوصفها كتابات غير بريئة، لعبت دوراً كبيراً في المأساة الفلسطينية، وقام كتابها أمثال تي إتش لورانس، ووالتر سكوت، ولورد جورج كرزون وغيرهم بدور الوكلاء الإمبرياليين من أجل بسط نفوذ الإمبراطورية البريطانية على كثير من المستعمرات.
انتشار ظاهرة سفر شبان وسيدات من العائلات الإنجليزية الكبيرة إلى الشرق فيما يُعرف بالجولة البعيدة، وتحركهم إلى فرنسا، ودول غرب وشرق المتوسط، طلباً للمتعة، فضلاً عن الرحلات التي خرجت بدوافع دينية، لنشر المذهب البروتستانتي، كلها صبَّت، حسب مرسي، في خطوط دعم السيطرة البريطانية على مستعمراتها في الشرق، فضلاً عن الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولم يَغِب عن تلك الجهود الاستعمارية، بالطبع، قيام كثير من الكتاب والمشاهير الإنجليز بزيارات للقدس أمثال إي أم فورستر، وبنجامين دزرائيلي صاحب رواية «الصليبية الجديدة»، التي حاول فيها التوفيق بين تمسُّكِه بجذوره اليهودية ومطامعه الإمبريالية البريطانية، ولا تخرج الروائية البريطانية جورج إليوت، طبقاً للباحثة عن هذا السياق، فمعظم رواياتها، بداية من آدم بيد وميدل مارش ودانيال ديروندا، تعتبر تجسيداً للمشروع الصهيوني البريطاني، من حيث تبنيها فكرة إعادة صياغة الواقع الجغرافي والديموغرافي داخل وخارج إنجلترا، ولا يختلف عنها تشارلز ديكنز الذي عُرِف عنه تنميطه لشخصيه اليهودي، في روايته الشهيرة «أوليفر تويست»، ففي روايته «صديقنا المشترك» يمحو الآثار النفسية والاجتماعية التي خلَّفَتها الصورة النمطية لشخصية فاغن التي رسمها في أوليفر تويست، ويصور ريا نقيضاً تماماً له، ويجعله ضحية عصور من الظلم العنصري الذي تعرَّض له مع غيره من اليهود.
لكن هذه الصورة التي رسمتها الدكتورة مرسي عن الكتاب والرحالة البريطانيين، نجدها مختلفة عند الروس، على الأقل في رأي الدكتور محمد نصر الدين الجبالي أستاذ الأدب الروسي بكلية الألسن جامعة عين شمس. ففي مداخلته عن «تطوُّر صورة مدينة القدس في الأدب الروسي من القرن العاشر حتى القرن العشرين»، تحدث عن كتابات الرحالة والمبدعين الروس الذين زاروا القدس، ولفت إلى أنهم كانوا يسجلون كل تفصيلة يمرون بها، ما أعطى خصوصية وزخماً كبيراً لها في حكاياتهم، وأشعارهم، وشكَّل دعماً كبيراً للمدينة العريقة، وظل هذا الوضع قائماً حتى رحيل مليون روسي قبل نهاية القرن العشرين بتسعة أعوام، إلى إسرائيل، ما شكل منعطفاً خطيراً في مسار القضية، وكان لكتابات الأدباء منهم تأثير سلبي بين قطاعات الرأي العام في بلادهم، بعدما كانوا من أكثر الداعمين لها، وللحقوق الفلسطينية.
وأشار الجبالي إلى أن تاريخ الأدب الروسي يشير إلى نشأته المرتبطة بالمسيحية، التي دخلت إلى هناك في القرن العاشر الميلادي، وللحجاج الذين زاروا القدس كتابات مهمة لا يمكن إغفالها، فلم تقتصر زيارة الرحالة الروس للقدس، حسب الجبالي، على المسيحيين فقط، بل زارها الحجاج المسلمون أيضاً، وهم في طريق عودتهم من مكة والمدينة، وقدم جميعهم كتابات جعلتها تتمتع بزخم كبير في الأدب والشعر الروسيين، اللذين اكتسيا بكثير من المعاني الروحية النابعة من قِيَم الديانتين الإسلامية والمسيحية، جعلت للمدينة المقدسة ونهر الأردن وبيت لحم وغيرها من مقدسات مكانة مهمة انعكست على موضوعات القصص والمؤلفات الإبداعية، بدءاً من «الحمام»، وهو أقدم كتاب أدبي روسي يتحدث عن القدس، ويصف كنيستها بأنها أم الكنائس.
ولم يتوقف تناول الأدب الروسي للقدس، والرموز الدينية المسيحية، طبقاً لرأي الجبالي، عند حدود القصص وأدب الرحلات فقط، بل تناولتها القصائد والأشعار الدينية التي تعود للقرن الحادي عشر، وتتحدث عن القديسة صوفيا، كما جاء ذكرها في أغاني البلاط، وكثير من القصص القصيرة، ما يشير إلى أن الأرض المقدسة تمتعت بمكانة جيدة في كل الإنتاج الديني والثقافي الروسي عامة.
من جهتها تعرضت الباحثة الدكتورة إيمان إسماعيل أستاذ اللغة التشيكية بكلية الألسن جامعة عين شمس لـ«صورة القدس في النثر التشيكي»، وذكرت أنها في ارتباطها بالنزاع العربي الإسرائيلي لم تكن محطَّ اهتمام بشكل عام، وانحصرت معظم المساحة التي احتلتها المدينة المقدسة في الأعمال النثرية قديماً وحديثاً، بداية من أدب الرحلات ذي البعد الديني في غالبيته، ومروراً بالأعمال الروائية والقصصية ذات البعد الاجتماعي في معظمها، وانتهاءً بالقصص المنقولة من الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد والموجهةِ بالأساس للأطفال والشباب.
ولفتت إسماعيل إلى أن الأدب التشيكي سجل، بعد ذلك، حضوراً مختلفاً لصورة القدس في إطار تاريخي رمزي متخيَّل، بدا من خلال رواية «ثمانية عشر قدساً» التي صدرت في 1986 للكاتب التشيكي يرشي شوتولا، وتناقش قضية التعصب الديني من خلال ثمانية عشر طفلاً من مدينة فلورين الفرنسية، استطاع أحد الرهبان المتجولين استقطابهم كي يهبوا لنصرة القدس، وتحريره من أيدي «الكفرة». كان لكل واحد منهم حلمه الخاص، لكن ما جمعهم كان الرغبة في تغير الواقع وتحويل الحلم إلى حقيقة. تركوا مدينتهم وذهب بعضهم يجتذبه حلم الثراء والمجد، والبعض الآخر يحدوه حلم الراهب بتحرير المدينة المقدسة.
ويرجع زمن الرواية، والكلام لإسماعيل، إلى عام 1212، ومع تتابع أحداثها يمكن رصد التحولات التي تطرأ على شخصيات الأطفال الذين يفقدون آدميتهم، ويتحولون إلى سفَّاحين متعطشين للدماء، بعد أن قابلوا أناساً ملأهم الحقد والحسد، وأساقفة لا يبالون بالواقع المليء بالمآسي. كانوا يروون أنه لا توجد معجزات في هذا العالم، وأنهم لن يروا يسوع، وأن أفضل ما يمكنهم الوصول إليه هو فرصة عمل في أحد بيوت الدعارة، هذا إن لم يتعرضوا للقتل أو الغرق، وهنا يظهر دور الراهب أرنولف، ويحاول إنقاذهم من المصير المظلم الذي ينتظرهم.
وتلاحظ الباحثة أن أحداث الرواية تحمل قدراً عالياً من الرمزية، تحولت فيه القدس إلى هدف في حد ذاتها، صارت الحلم الوحيد، لكنها ليست قدساً واحدة في نفوس أبطالها من الأطفال. كان كل منهم يحمل قدسه الخاص. وباسمها ارتكب بعضهم جرائم مرعبة. يريد «شوتولا» في النهاية أن يقول إنه يمكننا أن نحمل القدس داخل أنفسنا، لكن ينبغي ألا نرتكب في سبيلها الفظائع. ويحاول وهو يسرد أحداثها أن ينتصر للحياة على حساب التعصب.
وكشفت إسماعيل عن صورة أخرى للقدس في النثر التشيكي عبر أحداث رواية «محبوبتي» التي صدرت 1968 للأديب أرنوشت لوستيج، كتبها أثناء إقامته في الأرض المحتلة عام 1948، وجاء صدورها مباشرة قبل أن يهاجر إلى أميركا.
تحكي الرواية قصة الحرب بين العرب وإسرائيل، ووسط أجوائها يتابع الكاتب علاقة الحب، التي مثلت صلب الحدث، وجمعت بين المراسل الحربي، الشاب داني، والمجندة بالجيش الإسرائيلي ماجدا وايلدروفا، ويشعر القارئ، بمرور الوقت، بقوة تلك العلاقة من خلال الخطابات المتبادَلَة بينهما أثناء الحرب، التي استعاض بها المؤلفُ عن السرد المباشر.
وقد تعرضت معظم النسخ التي صدرت من «محبوبتي» للإتلاف بعد أن رفضتها الحكومة الاشتراكية في تشيكوسلوفاكيا آنذاك، لأنها لا تتناول علاقة حب بين رجل وامرأة، بل بين البطل وإسرائيل، من هنا قررت إيمان أن المؤلف لم يختر اسم روايته عفويّاً، فقد قصد أن يقول إن المحبوبة ليست إلا إسرائيل الأرض.
وفي دراستها التي كان عنوانها «فلسطين في الأدب الفرنسي»، لفتت الدكتورة رانيا فتحي إلى أن الكتابة عن القضية الفلسطينية شكلت اتجاهاً قوياً بالمشهد الثقافي الفرنسي، وفرضت نفسها على الساحة الأدبية هناك.
واستعرضت فتحي رواية «نجمة شاردة» الصادرة عام 1993 للكاتب الفرنسي جان ماري غوستاف لوكيزيو، وتدور أحداثها في القدس المحتلة، التي ترفض إستر اليهودية الاستمرار فيها وتقرر العودة إلى فرنسا تضامناً من الفتاة «نجمة» الفلسطينية، التي لم تقابلها سوى مرة واحدة عام 1948، حين يتوقف الزمن ليسجل لحظة خروج نجمة من بلادها، ودخول إستر إليها، ومن خلال أحداثها يشير الكاتب إلى المأساة التي يعيشها أبناؤها، ويرصد في لحظة روائية غاية في الإبداع مشهد لقاء الفتاتين، لكنه في النهاية يساوي بين مأساة اليهود، واقتلاع الفلسطينيين من أرضهم بعد أن تكبدوا كثيراً من الويلات.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.