السرد العراقي في أربع محطات ساخنة

الأخيرة صنعتها لحظة الاحتلال الأميركي في 2003

لحظة سقوط تمثال صدام
لحظة سقوط تمثال صدام
TT

السرد العراقي في أربع محطات ساخنة

لحظة سقوط تمثال صدام
لحظة سقوط تمثال صدام

إذا جاز لنا أن نقسّم تاريخ الأدب العراقي إلى مراحل أو محطات، في الجانب المتعلق بالقصة والرواية خاصة، فإننا نتوقف عند أربع محطات رئيسة، عكس خلالها ملامح كل مرحلة وحاول أن يعبر عنها، وفقاً لاجتهاد كل قاص أو روائي.
كانت الأولى مرحلة التأسيس التي رافقت إطلالة العراق المعاصر على العالم بعين أخرى، بعد أن بات دولة بمؤسسات حديثة تعبر عن واقع بلاد خرجت من أتون نحو 6 قرون من الضياع، وألقت بظلالها الكثيفة على حياة الناس بشكل عام.
غني عن القول أن بدايات فن القصة والرواية كانت على يد جيل محدد من الرواد، في مقدمتهم محمود أحمد السيد الذي أصدر أول رواية عراقية بعنوان «جلال خالد» عام 1928، بث خلالها أسئلته الوجودية حول الإنسان والموت والحياة وفقاً لما عايشه وتأثر به من أفكار عصره.
بعد ذلك، توالت الأعمال الروائية والقصصية التي عبّرت عن واقع العراق في مرحلة الحكم الملكي الذي أنضج واقعاً ثقافياً مغايراً، نتيجة ظهور طبقة وسطى ووسط ثقافي وصحافي انشغل بالهم السياسي، في محاولة لإصلاحه بعيداً عن المؤثرات العقائدية الحادة، وإن كانت موجودة لكنها ظلت محدودة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، التي تمثل أيضاً المحطة الثانية في حياة الأدب العراقي.
ولقد اتسمت المحطة الثانية بالصراع الآيديولوجي الذي كان ينهل من طروحات عالمية وعربية، كالماركسية والوجودية والقومية بمختلف اتجاهاتها، لا سيما في العقد الستيني، تركت أثراً على مجمل النتاج الإبداعي العراقي، ومنه القصة والرواية، ونادراً ما وجدت رواية أو قصة غير متضمنة لتلك الأفكار.
صار الأدب في تلك الحقبة ميداناً لصراع المثقفين والمبدعين العراقيين، وعاكساً لتوجهاتهم أيضاً.
أما المحطة الثالثة، فهي مرحلة الحرب والحصار في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وهذه تحتاج إلى وقفة طويلة لأن قراءتها من الخارج ستكون غير منتجة بالتأكيد، كونها مرحلة مركبة ومحتدمة، فالحرب يرفضها أي إنسان سوي من حيث المبدأ، لكن الاختلاف ظل يدور حول مبررات الحرب والهدف منها، غير متناسين أنها اندلعت بعد فترة عصيبة عاشها العراق على خلفية انهيار الجبهة الوطنية التي ضمت الأحزاب الرئيسة في العراق، كالحزب الشيوعي و«الديمقراطي الكردستاني»، إضافة إلى الحزب الحاكم (البعث). وما تركته هذه الانتكاسة السياسية من آثار في النفوس، وتحديداً في نفوس المبدعين المختلفين ممن يمكن وصفهم بالمعارضين.
وفي العموم، كان كثير من نتاج تلك المرحلة، أقصد مرحلة الحرب، تعبوياً، وهناك أدب سياسي قد يكون بعضه اقترب قليلاً من التعبوية، لكنه حافظ على رصانته وحمل كثيراً من سمات الإبداع المطلوبة، وظل مؤثرا حتى الآن. ومع ذلك، لم تخل تلك المرحلة من إنتاج أعمال قصصية وروائية تستحق التوقف عندها، حتى إذا ما جاء الحصار، الذي يعد مكملاً لمأساة الحروب وناتجاً لها، فإن الأدب العراقي زخر بكثير من الأعمال التي وقفت طويلاً عن هذه الموضوعة، وتشظت بينها معالجات المبدعين تحت تأثيرات سياسية وثقافية مختلفة، إلا أن أغلبها ظل يرصد هذه المسألة من الخارج، أو يتفاعل مع إفرازات الحصار بعين فوتوغرافية، حاولت الكلمات أن تضيف إليها، وكان هذا بين نجاح وإخفاق، لكن في العموم يمكن عدّ هذا الأدب صورة لمرحلة مثيرة من تاريخ العراق، لكنه قد لا يكون معبراً عنها بالشكل المطلوب.
المحطة الأهم والأبرز، في اعتقادنا، هي مرحلة الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وتداعياته، أو مرحلة ما بعد التغيير، كما يطلق عليها المحايدون، إذ تميزت بزخم غير مسبوق في عدد الإصدارات وعدد الروائيين والقصاصين، وكان لهذا الحضور اللافت، ليس عراقياً فحسب بل عربياً وحتى عالمياً أيضاً، أسباب عدّة، منها أن مرحلة الحصار التي ضاقت خلالها السبل أمام المبدع العراقي من أجل نشر ما لديه، بسبب الضائقة المالية وقلة منافذ النشر التي توقف معظمها، وكذلك تعكّر المزاج العام للناس، وانحسار القراءة إلى حد ما، وصعوبة نشر المخطوطات في دار النشر الحكومية الوحيدة كونها تنطوي على ما يتعارض مع شروط النشر، سواء لأسباب سياسية أو غيرها، فضلاً عن تراكم أعداد كبيرة من الأعمال الإبداعية وبقائها على الرفوف بانتظار الفرصة لنشرها. وحين أتت تلك الفرصة، تسابق المبدعون على نشر ما لديهم، وكان في معظمه حافلاً بنقد المرحلة السابقة، من دون أن ينطوي على رؤية عميقة في معالجة المأساة التي وقفت وراءها جهات عدة، خارجية وداخلية. وهكذا، اكتظت المكتبات بالأعمال المكتوبة قبل الاحتلال، تعالج قضايا تلك المرحلة وفقاً لرؤية أصحابها الذين استنفد أغلبهم ما لديه من حمولة بعملين أو ثلاثة قبل أن تتضح ملامح المرحلة الجديدة، أو تداعياتها، التي كانت قاسية ومحبطة بكل ما تعنيه الكلمة.
لم تكن إسقاطات الحرب والحصار والاحتلال وحدها هي الثيمة المهيمنة، بل دخلت على الخط ثيمة أخرى تستحق التوقف عندها لأكثر من سبب، هي الكتابة عن الأقليات الدينية والعرقية في العراق، أو بالأصح ما جرى لها، ابتداءً من هجرة اليهود مطلع الخمسينات، وصولاً إلى سنوات الاحتلال وما شهدته من أعمال إرهابية بحق المسيحيين والإيزيديين والصابئة وغيرهم، إلا أن هذه الكتابات لم تكن جميعها بريئة، أو جاءت بقصد تسليط الضوء على أحداث مهمة من تاريخ البلاد.
نعتقد، وقد يثير ذلك حفيظة البعض، أن هناك أيادي خفية تسللت إلى المشغل الإبداعي العراقي، وتحديداً في ما يتعلق بتهجير اليهود.
لقد صدرت أكثر من رواية عراقية شممنا بين سطورها رائحة الإدانة للشعب العراقي، أو كأنها مكتوبة لهذا الغرض، وتحميل الشعب مسؤولية تهجير هذه الشريحة من المجتمع التي يعرف الجميع أن قرار ترحيلها وإسقاط الجنسية العراقية عنها جاء من بريطانيا خلال العهد الملكي الضعيف، بعد قيام إسرائيل.
وفي زاوية محددة، بدت هذه الروايات وكأنها تسير في سياق حملة شاملة استهدفت الشخصية العراقية، من خلال بعض الأعمال الدرامية والسينمائية. ووقفت وراء كل هذا أياد خفية تعمل في إطار الحرب الثقافية والصراع الرمزي الذي يعقب الصراعات الكبرى، ويعمل على تكريس نتائجها.
لقد أفرزت مرحلة ما بعد 2003 أسماء عدة مهمة في الرواية والقصة القصيرة، لعل أبرزها علي بدر الذي بات اليوم من ألمع الروائيين العرب، وأحمد سعداوي الذي حصد جائزة «البوكر» لعام 2013، وأسماء أخرى يصعب حصرها، إذ صدرت خلال سنوات ما بعد 2003 أكثر من خمسمائة رواية، وقريباً من هذا العدد مجاميع قصصية، الأمر الذي دعا منظمة اليونيسكو أن تختار بغداد عاصمة للإبداع العربي لعام 2015، لغزارة الإنتاج والقيمة الإبداعية لأغلبه.
ولعل رواية «فرانكشتاين في بغداد» من أبرز الأعمال التي انشغلت بثيمة ما بعد الاحتلال وتداعياتها التراجيدية.
ويمكن القول إن أغلب الروائيين والقصاصين العراقيين بدأوا الآن بالتحرر من سطوة الآيديولوجيا التي طبعت نتاجاتهم، ليس بالضرورة لتحول فكري أو سياسي، بل لعدم استجابة القارئ لهذا النوع من الكتابات، لأن منطقة جديدة خصبة تترك المجال لتأمل أوسع في مفردات الحياة، منطقة خلفتها وراءها رحلة البلاد القاسية التي تركت للمبدعين كثيراً من الأفكار التي عادة ما يلتقطها المبدع ويعيد إنتاجها برؤيته الشخصية.

- كاتب وروائي عراقي



مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
TT

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها، وذلك خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، الخميس. وشهد الحفل الختامي حضور عددٍ من المسؤولين والشخصيات الثقافية، وقيادات ومنسوبي منظمات القطاع الثقافي غير الربحي، ومنسوبي جهات حكومية ذات العلاقة، ومانحين وداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في كلمته: «بدعم وتمكين مستمر يحظى به القطاع الثقافي من قيادتنا، نسعد اليوم بختام أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، لنحتفي بمسيرة استثنائية لشركاء الأثر». وأكد أن القطاع الثقافي غير الربحي شهد نقلة تاريخية، في ظل «رؤية المملكة 2030»، واستراتيجية الوزارة له، موضحاً أن عدد منظماته قفز من 30 إلى أكثر من 1650 منظمة، وسجل 20 ألف متطوع مليون ساعة تطوعية، كما أسهمت برامج الدعم التي تجاوزت 340 مليون ريال في تمكينه وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير. وأضاف وزير الثقافة السعودي: «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها ساهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو ألف موقع للتراث العمراني».

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى أن المبادرة الجديدة تستهدف في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة. وأبان أن هذه المبادرة تتوِّج شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية، مضيفاً أنه سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026.

واستعرضت الجلسة الختامية للملتقى منجزات القطاع الثقافي غير الربحي منذ إعلان وزارة الثقافة عن استراتيجيته خلال عام 2021، التي تضمّنت عدة مبادراتٍ تطويرية وتمكينية للمنظمات الثقافية غير الربحية. ومن أبرز المنجزات تأسيس جمعياتٍ مهنية واحتضانها، وتسريع عملية نموها، وتطوير منهجية متكاملة لتصحيح أوضاع الأندية الأدبية والجمعيات. كما تضمنت المنجزات إطلاق برنامج الدعم مقابل الأداء لتمويل مشاريع مختلف فئات المنظمات الثقافية غير الربحية ذات الأثر؛ بما يسهم في تحقيق استدامته. وطوّرت الوزارة إطاراً لتقييم وتصنيف تلك المنظمات على الصعيدين المالي والإداري، وتطوير عدّة جمعيات من خلال تطوير خططها السنوية، وبناء القدرات والمعارف.

وشهد الملتقى على مدى يومين 14 جلسةً حوارية، ناقش فيها مجموعة من الخبراء والمختصين المحليين والدوليين واقع القطاع الثقافي غير الربحي الحالي، ودوره في صناعة المستقبل في ظل التوجُّهات الحديثة، والمستقبل الإنساني المشترك، ودور الثقافة بوصفها قوّةً ناعمة، وأهمية تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية لبناء أثرٍ مستدام ثقافياً واقتصادياً. كما استعرض المشاركون نماذج التعاونيات الثقافية، ودور المسؤولية الاجتماعية في تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى آفاقٍ ومساراتٍ مبتكرة للتمويل الثقافي، وأهمية التكامل الفعّال والمستدام، والتعاون الدولي ودوره في التمكين الثقافي، والممكنات والفرص التي تقدمها الوزارة للقطاع ومنظماته، وتطويرها لكفاءتها المؤسسية. واشتمل الملتقى على عدّة أركان ومبادرات تفاعلية، حيث قدَّم «مختبر المعرفة» مجموعة ورش عمل تطبيقية متخصصة في الحوكمة وقياس الأثر وتنمية الموارد، لتمكين منسوبي المنظمات الثقافية غير الربحية، وأتاحت «جلسات المشورة» فرصة عقد لقاءات إرشادية فردية مع الخبراء، في حين أسهمت «لقاءات 360» في تعزيز التواصل وبناء الشراكات، واستعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة لمنظمات القطاع، وعرّفت «بوابة التمكين» المشاركين ببرامج الدعم وآليات الاستفادة منها.

ويأتي ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ضمن جهود وزارة الثقافة لتمكينه، ودعم منظماته، لرفع مستوى تأثيرها الثقافي والمجتمعي، وذلك لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية 2030».


الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».


البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
TT

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته بعدما خطفته من المستشفى سيدة ارتكبت جرائم اختطاف عدة، وتم القبض عليها، لكنها لم تفصح عن أسرته أو مكان اختطافه (أدت دورها في المسلسل الفنانة ريهام عبد الغفور). وظهر إسلام الذي أطلق على نفسه لقب «إسلام الضائع» عبر حسابه بـ«تيك توك» في بث مباشر مساء الأربعاء ليعلن عثوره على أسرته الحقيقية وأنه أخيراً لم يعد ضائعاً بعد تطابق تحليل البصمة الوراثية «DNA» لوالديه معه.

وتحدث إسلام خلال البث مع والدته المصرية، ووالده الليبي الجنسية، اللذين كانا قد اعتقدا أنه مات بعد أن أخبرتهم إدارة المستشفى في الإسكندرية أن طفلهما قد توفي وبعدها سافرت الأسرة إلي ليبيا، وقد أعيته الحيل للوصول إليهم. وكشف إسلام أن اسمه الحقيقي محمد وأن والده ليبي الجنسية، لكنه عاش في مصر وتزوج والدته المصرية، وأضاف أن لديه 20 شقيقاً وشقيقة، وكان قد كشف في تصريحات تلفزيونية سابقة عن إجرائه 55 تحليلاً مع أسر فقدت أبناءها ولم يستدل منها على أسرته.

واقعة خطف إسلام تطرق إليها مسلسل «حكاية نرجس» المأخوذ عن قصة حقيقية، وتصدر «الترند» على منصة «غوغل» الخميس، بعد إعلان إسلام عثوره على أسرته. ويروي المسلسل حكاية نرجس التي تواجه نظرة مجتمعية قاسية لكونها عاقراً، فتنزلق لسيل من الأكاذيب التي تقودها إلي جرائم خطف الأطفال ونسبهم لها وزوجها رسمياً، وتتواصل رحلتها في خطف المزيد منهم والمتاجرة بهم حتى تنتهي حياتها بشكل مأساوي.

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

وأدى الممثل يوسف رأفت شخصية «يوسف» التي تعادل شخصية إسلام في الواقع، حيث خطفته نرجس طفلاً وتمسكت بادعاء أنه ابنها. في المسلسل ترفض نرجس إخبار يوسف عن عائلته الحقيقية وتنهي حياتها بالقفز من أعلى بناية لتلقى حتفها وتتركه في حيرته.

ومنذ حلقته الأولى لقي المسلسل تفاعلاً واسعاً وتصدّر استفتاءات «أفضل مسلسل رمضاني»، ونالت بطلته الفنانة ريهام عبد الغفور لقب أفضل ممثلة، وأشاد الجمهور والنقاد ببراعتها وبأداء جميع أبطال المسلسل الذي خاض مخرجه وكاتب القصة سامح علاء من خلاله أولى تجاربه التلفزيونية، بينما كتب المؤلف عمار صبري السيناريو والحوار، وضم بين أبطاله سماح أنور، وحمزة العيلي، وتامر نبيل، وأحمد عزمي.

وأبدى المؤلف عمار صبري سعادته بعثور إسلام على أسرته وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذا خبر سعيد للغاية فإسلام هو الضحية الكبرى لهذه القصة وكنت أتابع منذ سنوات رحلة بحثه الطويلة عن أسرته، وإذا كان مسلسل (حكاية نرجس) قد تسبب في إثارة أزمته بشكل ساعد في وصوله لأسرته فهذا هدف نبيل للفن عامة»، وأشار إلى أن المسلسل يحكي قصة نرجس بينما جاءت قصة إسلام كحدث تابع.

وسادت فرحة كبيرة مواقع «السوشيال ميديا» لعثور إسلام على أسرته وأشاد متابعون بمسلسل «حكاية نرجس» لطرحه القصة التي كانت سبباً في إلقاء الضوء على أزمة إسلام، موجهين الشكر لأسرة العمل، فيما طالب بعض الجمهور بتقديم جزء ثانٍ من المسلسل بعد عودة إسلام، ونشرت الفنانة ريهام عبد الغفور عبر حسابها بـ«فيسبوك» خبر عثور إسلام على أسرته وعلقت عليه قائلة «الحمد لله».

إسلام البطل الحقيقي لمسلسل «حكاية نرجس» (فيسبوك)

ويقول عمار صبري عن ذلك: «قصة إسلام تستحق مسلسلاً خاصاً عنها لأنها ذات أبعاد درامية جذابة للغاية لقصة شاب عاش حياته متنقلاً بين أسر مختلفة يظن أن كلاً منها هي أسرته الحقيقية ولكنه يجد نفسه ضائعاً».

وعدت الناقدة الفنية المصرية، ناهد صلاح، أن مسلسل «حكاية نرجس» أول عمل درامي يساهم في عودة مختطف إلى أسرته ويكون عاملاً مهماً في أن يجد الطرفان بعضهما، محققاً رسالة إنسانية مهمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لولا نجاح المسلسل ووصوله إلى الجمهور بهذه الطريقة لم تكن أسرة إسلام قد انتبهت وأجرت التحاليل اللازمة التي أكدت أنه ابنهم».

وأشارت ناهد إلى أن الدراما يمكن أن تكون عاملاً مساعداً ومهماً في قضايا عديدة كاسترداد حقوق وتغيير قوانين، «لكن العثور على مفقودين هي أول واقعة يحققها عمل فني فهناك كثير من الأفلام اللبنانية تناولت المفقودين في الحرب الأهلية اللبنانية ولم يتم العثور عليهم، من بينها الفيلم الروائي (مفقود) للمخرج بشير أبو زيد والوثائقي (خط التماس) إخراج سيلفي باليوت، مما يبرز قوة تأثير الدراما حين يتم تنفيذها بشكل متكامل. وتثير القصة أسئلة عامة عن حوادث خطف الأطفال الموجودة في المجتمع ولعل أقربها واقعة اختطاف طفلة رضيعة من مستشفى الحسين الجامعي قبل يومين».

في السياق؛ ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على السيدة المنتقبة التي اختطفت قبل يومين رضيعة بعد ساعات من ولادتها بمستشفى الحسين الجامعي (وسط القاهرة)، بعد أن تتبع فريق البحث الجنائي عبر كاميرات المراقبة المتهمة حتى العثور عليها بمنزلها بمدينة بدر.

وكانت والدة الطفلة قد أعطتها بحسن نية حسبما ذكرت في التحقيقات لسيدة منتقبة داخل المستشفى لتتمكن من تهدئة الطفلة لكنها غافلت الجميع واختفت في لحظات.

وأكد الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، متابعته الشخصية لتطورات هذ الحادث، باعتباره يخص مستشفى تابعاً لجامعة الأزهر، وأصدر بياناً عبر فيه عن أسفه على اختطاف الرضيعة، موجهاً بضرورة تنسيق الجهود مع الجهات المعنية لسرعة التوصل للطفلة.